الزواج عند اليهود[1]
لما يسوع حطّ القانون
ده بخصوص الجواز، كان بيتعامل مع وضع محدد جدًا. مافيش وقت في التاريخ كانت فيه
رابطة الجواز مهددة بالانهيار زي الأيام اللي المسيحية دخلت فيها العالم لأول مرة.
في الوقت ده، كان العالم على وشك يشوف تفكك شبه كامل للجواز، وانهيار للبيت
والأسرة.
المسيحية كان ليها
خلفيتين أساسيتين: الخلفية اليهودية، وخلفية العالم اليوناني والروماني. تعالوا
نشوف تعاليم يسوع في ضوء الخلفيتين دول.
من الناحية النظرية،
ماكانش فيه أمة عندها تصور أعلى عن الجواز زي اليهود. الجواز كان واجب مقدس الراجل
لازم يعمله. وكان ممكن يأجّل أو يمتنع عن الجواز بس لسبب واحد: إنه يكرّس كل وقته
لدراسة الشريعة. ولو الراجل رفض الجواز وخلف أولاد، كانوا بيقولوا إنه كسر الوصيّة
الإيجابية اللي بتقول للناس يثمروا ويتكاثروا، وكانوا بيقولوا عنه إنه "قلل
صورة الله في العالم"، وإنه "قتل نسله".
بشكل مثالي، اليهود
كانوا بيكرهوا الطلاق. صوت ربنا قال: "أنا أكره الطلاق" (ملاخي ٢: ١٦).
والرابيّيم (الحاخامات) كان عندهم أقوال جميلة جدًا:
"ربنا طويل البال على كل الخطايا ماعدا خطية الزنا"، و"الزنا بيخلي مجد ربنا يرحل"، و"كل يهودي لازم يضحّي بحياته وما يرتكبش عبادة أو قتل أو زنا"، و"حتى المذبح بيبكي لما الراجل يطلّق زوجة شبابه".
المأساة إن اللي كان
بيتنفذ على أرض الواقع كان بعيد جدًا عن الصورة المثالية. فيه حاجة واحدة شوّهت
العلاقة كلها بين الزوجين: إن الست في نظر الناموس كانت حاجة مش بني آدم.
كانت تحت تصرّف والدها أو جوزها تمامًا، وماكانش ليها أي حقوق قانونية فعلية.
بمعنى إن الست ماكانش من حقها تطلق جوزها لأي سبب، لكن الراجل كان ممكن
يطلّق مراته لأي سبب مهما كان تافه. القانون الرابيني قال: "الست
ممكن تتطلق سواء برضاها أو غصب عنها؛ لكن الراجل لازم يكون برضاه."
الموضوع كان بيزيد
تعقيد بسبب إن قانون الطلاق اليهودي كان بسيط جدًا في صيغته، لكن معناه قابل
للنقاش والجدل. في سفر التثنية ٢٤: ١ مكتوب:
"إذا أخذ رجل امرأة وتزوّجها، ثم لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيبًا، يكتب لها كتاب طلاق ويضعه في يدها ويصرفها من بيته."
والطلاق كان بيتم
بطريقة بسيطة جدًا، بورقة الطلاق اللي كان نصها:
"فليكن هذا مني كتاب طلاقك وخطاب تسريحك وصك تحريرك، لكي تتزوّجي أي رجل تشائين."
وكل اللي كان مطلوب إن
الراجل يسلّم الورقة دي للست قدّام شاهدين، ووقتها تبقى مطلّقة رسميًا.
والنقطة الجوهرية كانت
في تفسير عبارة "عيبًا فيها". في القانون اليهودي كان فيه مدرستين.
مدرسة شمّاي، وكانت صارمة ومتشددة جدًا؛ ومدرسة هِلّيل، وكانت ليبرالية ومتسامحة.
مدرسة شمّاي فسّرت "العيب" بمعنى الزنا، ولا حاجة غير الزنا. قالوا:
"حتى لو كانت الزوجة زي مرات آخاب، ما ينفعش تتطلق إلا لو زنت."
يعني عند شمّاي، مفيش أي سبب للطلاق غير الزنا.
أما مدرسة هِلّيل
ففسّرت "العيب" بأوسع معنى ممكن. قالوا إن الراجل ممكن يطلّق مراته لو
بوّظت له الأكل وحطّت ملح كتير، لو خرجت في الشارع ورأسها مكشوف، لو اتكلمت مع
رجالة في الشارع، لو كانت صوتها عالي ومزعجة، لو اتكلمت بشكل مش محترم عن أهل
جوزها قدّامه، أو حتى لو كانت نكدية وبتتخانق كتير. وفيه حاخام اسمه رابي
عَكيبا قال إن عبارة "لو لم تجد نعمة في عينيه" معناها إن الراجل ممكن
يطلّق مراته لو لقى واحدة تانية شايفها أجمل منها.
طبيعة البشر زي ما هي،
كان واضح جدًا أي مدرسة هيبقى ليها تأثير أكبر. وقت يسوع، الطلاق كان بقى أسهل
وأسهل، لدرجة إن البنات بقت مش عايزة تتجوز أصلاً، لأن الجواز بقى حاجة مش آمنة.
لما يسوع قال الكلام
ده، ماكانش بيتكلم كواحد مثالي عايش في عالم المُثُل؛ كان بيتكلم كإصلاحّي عملي.
كان بيحاول يواجه وضع بدأ فيه هيكل الأسرة ينهار، والأخلاق العامة للأمة بتتراخى
وتضعف يوم بعد يوم.
الزواج عند اليونانيين[2]
إحنا شفنا حالة الجواز
في فلسطين وقت يسوع، بس جه وقت المسيحية انتشرت فيه بشكل أوسع كتير بره فلسطين،
وكان لازم نبص على حالة الجواز في العالم الأوسع اللي راح له تعليم المسيح.
نبدأ الأول بالجواز
وسط اليونانيين. فيه حاجتين شوّهوا صورة الجواز في العالم اليوناني.
العالم الكلاسيكي
الكبير A. W. Verrall قال إن من
أهم الأمراض اللي خلت الحضارة القديمة تنهار، كانت النظرة المتدنّية للمرأة. أول
حاجة هدّدت العلاقة الزوجية عند اليونانيين هي إن العلاقات اللي بره الجواز ماكنتش
فيها أي وصمة، وكانت بالعكس، حاجة متقبّلة ومتوقعة. العلاقات دي ما كانتش بتسيء
لسمعة حد، وكانت جزء من الروتين اليومي العادي.
ديموستين قال بشكل
واضح إن دي كانت العادة في الحياة:
"عندنا العشيقات علشان المتعة؛ وعندنا السراري علشان المعاشرة اليومية؛ وعندنا الزوجات علشان نخلّف أولاد بطريقة شرعية، وعندنا حارس أمين على شؤون البيت."
وفي الأيام اللي بعد
كده، لما الفكر اليوناني دخل الرومان وفسد أخلاقهم، شيشرون قال في دفاعه عن
كايليوس:
"لو فيه حد شايف إن لازم نمنع الشباب تمامًا من حب العشيقات، يبقى شخص شديد جدًا. أنا مش قادر أنكر المبدأ اللي بيقوله، بس هو بيعارض مش بس الانفتاح اللي في عصره، لكن كمان عادات وتقاليد أجدادنا. إمتى كانت العلاقات دي ما بتحصلش؟ إمتى حد اعترض عليها؟ إمتى كانت ممنوعة؟ إمتى كان اللي دلوقتي مباح، زمان ماكانش مباح؟"
يعني شيشرون كان
بيدافع عن نفس الكلام اللي قاله ديموستين: إن العلاقات اللي بره الجواز كانت
العُرف السائد، والمقبول في المجتمع.
نظرة اليونانيين
للجواز كانت غريبة جدًا ومتناقضة. كانوا بيطلبوا من الست المحترمة تعيش في عزلة
لدرجة إنها ماينفعش تمشي لوحدها في الشارع، وما تاكلش حتى في أماكن الرجالة.
ماكانش ليها أي دور اجتماعي. الراجل كان بيطلب من مراته نقاء أخلاقي كامل،
لكن لنفسه كان بيسمح بأقصى درجات الانحلال. ببساطة، اليوناني كان بيتجوز علشان
يضمن استقرار بيته، لكن كان بيدور على متعته في أماكن تانية. حتى سقراط قال:
"هل فيه حد بتسلمه أمور مهمة أكتر من مراتك، ومع ذلك تتكلم معاها أقل من أي حد؟"
فيروس، اللي كان شريك
ماركوس أوريليوس في الحكم الإمبراطوري، مراته لامت عليه إنه بيصاحب ستات تانيين،
رد عليها وقال لها: لازم تتذكري إن لقب زوجة هو لقب شرف، مش متعة.
ومن هنا ظهرت حالة
عجيبة جدًا في اليونان. معبد أفروديت في كورنثوس كان فيه ألف كاهنة، وكانوا
عشيقات مقدسات. بينزلوا للشارع في كورنثوس وقت الغروب، وده خلّى الناس
تقول مثل: "مش أي راجل يقدر يسافر كورنثوس." التحالف الغريب ده بين
الدين والدعارة ظهر بشكل عجيب لما سولون سمح لأول مرة بدخول البغايا لأثينا وبنى
بيوت دعارة، وبأرباح البيوت دي اتبنى معبد جديد لأفروديت إلهة الحب. اليونانيين
ماكانوش شايفين أي مشكلة في بناء معبد من فلوس الدعارة.
لكن بعيد عن الدعارة
العادية، ظهرت في اليونان فئة ستات مذهلة اسمهم الـHetairai. كانوا عشيقات لرجال مشهورين، وكانوا مثقفات جدًا وعندهم مهارات
اجتماعية عالية؛ بيوتهم كانت زي صالونات ثقافية؛ وكثير من أسمائهم اتخلدت في
التاريخ زي الرجالة اللي ارتبطوا بيهم. ثاييس كانت الـHetaira بتاعة الإسكندر الأكبر؛ وبعد وفاته اتجوزت بطليموس وبقت أم العيلة
الملكية المصرية. أسباسيا كانت عشيقة بريكليس، اللي يمكن كان أعظم حاكم وخطيب عند
أثينا؛ وبيقولوا إنها علمته الخطابة وكتبت له خطبه. إبيكور الفيلسوف الكبير كان
عنده ليونتينيم، وسقراط كان عنده ديوتِيما.
ونظرة الناس للستات
دول باينة من زيارة سقراط لثيودوتا، زي ما كاتب زينوفون حكى. راح
يشوف لو فعلاً كانت بالجمال اللي بيتقال عليها. اتكلم معاها بلطف، وقال لها إنها لازم
تقفل بابها في وش الوقحين، وتعتني بعشاقها وقت مرضهم، وتفرح معاهم لما ييجي لهم
شرف، وتحب بحنان الناس اللي حبّوها.
في اليونان، كانت فيه
منظومة اجتماعية كاملة مبنية على العلاقات اللي بره الجواز؛ والعلاقات دي كانت
متقبّلة بشكل طبيعي وعادي جدًا، وماكانش فيها أي لوم أو إحساس بالذنب؛ بل بالعكس،
كانت ممكن تبقى هي الحاجة الأساسية في حياة الراجل.
الوضع الغريب كان إن
الرجالة اليونانيين كانوا بيخلو زوجاتهم عايشين في عزلة تامة وبنقاء إجباري، في
حين إن هما كانوا بيلاقوا متعتهم وحياتهم الحقيقية في علاقات تانية بره الجواز.
السبب التاني اللي بوّظ
الحالة في اليونان هو إن الطلاق مكنش محتاج أي إجراءات قانونية. كل اللي كان
مطلوب إن الراجل يصرف مراته قدّام اتنين شهود، وخلاص. الشرط الوحيد اللي
لازم يلتزم بيه هو إنه يرجّع لها مهرها كامل.
وسهل جدًا نشوف قد إيه
كانت تعاليم المسيحية عن العفّة والوفاء في الجواز حاجة جديدة تمامًا ومختلفة في
حضارة زي دي.
الزواج عند الرومان[3]
تاريخ تطوّر وضع
الجواز عند الرومان هو تاريخ مأساوي فعلاً. الدين والمجتمع الرومانيين في الأصل
كانوا قايمين على فكرة البيت. الأساس في المجتمع الروماني كان الـpatria potestas، يعني سلطة الأب؛ والأب حرفيًا كان ليه سلطة حياة وموت على عيلته.
الابن الروماني ماكانش يعتبر بلغ سن الرشد طول ما أبوه عايش. ممكن يبقى قنصل، أو
يوصل لأعلى منصب في الدولة، لكن طالما الأب عايش، يفضل تحت سلطته.
بالنسبة للرومان،
البيت كان كل حاجة. الزوجة الرومانية ماكنتش منعزلة زي نظيرتها اليونانية؛ كانت
بتشارك بكل قوتها في الحياة. مودستينوس، الفقيه اللاتيني، قال:
"الجواز هو شركة مدى الحياة في كل الحقوق الإلهية والبشرية."
طبعًا كان فيه بغايا،
بس كانوا محتقرين جدًا، والتعامل معاهم كان بيعتبر حاجة معيبة. مرة مثلًا كان فيه
قاضي روماني اتعرض لهجوم في بيت دعارة، ورفض يرفع قضية أو ياخد إجراء قانوني، لأنه
لو عمل كده يبقى اعترف إنه كان في مكان زي ده.
المعايير الأخلاقية
عند الرومان كانت عالية لدرجة إنه خلال أول خمسمية سنة من عمر الامبراطورية
الرومانية، ماكانش في ولا حالة طلاق واحدة مسجلة. أول واحد طلّق مراته كان
سبوريوس كارفِيليوس روجا سنة ٢٣٤ قبل الميلاد، وسبب الطلاق كان إنها ما
كانتش بتخلّف وهو كان عايز طفل.
لما اليونانيين دخلوا
على الساحة، حصل انقلاب غريب في القيم. عسكريًا وإمبراطوريًا، روما هي اللي
انتصرت على اليونان؛ لكن أخلاقيًا واجتماعيًا، اليونان هي اللي غزت روما.
بحلول القرن التاني قبل الميلاد، بدأت أخلاق اليونان تدخل روما، والانحدار كان
سريع وكارثي. الطلاق بقى شائع زي الجواز.
سينيكا قال إن فيه
ستات كانت بتتجوز علشان تطلّق، وبتطلّق علشان تتجوز؛ وقال إن بعضهم كانوا بيحددوا
السنين مش باسم القنصل، لكن باسم كل جوز اتجوزوه. جوفينال كتب:
"هل جوز واحد يكفي إيبيرينا؟ أسهل تقنعها ترضى بعين واحدة."
وذكر حالة
واحدة اتجوزت تمن مرات في خمس سنين. مارشيال
جاب سيرة واحدة اتجوزت عشر مرات. خطيب روماني اسمه ميتيلوس نوميديكوس قال خطاب
غريب:
"لو يا رومانيين كان ممكن نحب من غير جواز، كنا ارتحنا؛ لكن بما إن دي طبيعة الحياة إننا ما نعرفش نعيش مرتاحين معاهم ولا من غيرهم، يبقى لازم نفكر في استمرار النسل أكتر من متعتنا المؤقتة."
الجواز بقى مجرد ضرورة
مزعجة. حتى كان فيه نكتة رومانية ساخرة بتقول:
"الجواز ليه يومين بس فيهم سعادة—اليوم اللي الراجل بيحضن فيه مراته لأول مرة، واليوم اللي بيحطها فيه في القبر."
الوضع وصل لدرجة إن
فرضوا ضرائب خاصة على العزاب، ومنعوهم إنهم يرِثوا. وأعطوا امتيازات للناس اللي
عندهم أطفال، لأن الأطفال كانوا بيتشافوا ككارثة. وحتى القانون نفسه اتلعب بيه
علشان يحاولوا ينقذوا مؤسسة الجواز الضرورية دي.
هنا كانت مأساة
الرومان، زي ما "ليكي" وصفها: "الانفجار الفوضوي والهستيري من
الانحلال اللي جه بعد الاحتكاك باليونان." وسهل جدًا نفهم ليه كانت
تعاليم المسيحية عن الطهارة والوفاء في الجواز صدمة للعالم القديم كله.
اللي نقدر نلاحظه
دلوقتي هو إن المسيحية لما ظهرت، جابت معاها مفهوم للعفّة ماكنش الناس بيحلموا بيه
أصلاً.
[1] The Gospel of Matthew : Volume, ed. William Barclay, lecturer in
the University of Glasgow, The Daily study Bible series, Rev. ed.
(Philadelphia: The Westminster Press, 2000, c1975). 150.
[2] The Gospel of Matthew : Volume, ed.
William Barclay, lecturer in the University of Glasgow, The Daily study Bible
series, Rev. ed. (Philadelphia: The Westminster Press, 2000, c1975). 153.
[3] The Gospel of Matthew : Volume, ed.
William Barclay, lecturer in the University of Glasgow, The Daily study Bible
series, Rev. ed. (Philadelphia: The Westminster Press, 2000, c1975). 156.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق