الأحد، 13 يوليو 2025

تاريخ العقيدة في المسيحية المبكرة (8) - طبيعة المسيح

 


طبيعة المسيح[1]

مقدمات وهرطقات عن طبيعة المسيح

 

علشان نفهم شخص المسيح بشكل كامل، فيه أربع عناصر لازم يتجمعوا مع بعض:

1. إن له لاهوت حقيقي وكامل 

2. وإن له ناسوت حقيقي وكامل 

3. وإن اللاهوت والناسوت متحدين في شخص واحد 

4. وإن اللاهوت متميز عن الناسوت في نفس الشخص، من غير ما يكون فيه خلط أو امتزاج بين الطبيعتين 

لو عنصر واحد من دول مش موجود، يبقى التصريح العقيدي فيه خطأ. والبدع اللي ظهرت في الكنيسة القديمة كانت بسبب الفشل في تجميع العناصر دي كلها في العقيدة. بعض الناس خدوا واحد أو أكتر من العناصر دي، ورفضوا الباقي. فبالتالي تصنيف الأخطاء القديمة في الكريستولوجي (علم لاهوت المسيح) هيجي بشكل طبيعي بناءً على الترتيب اللي فوق.[2]

 

1- الآريوسيين ماكانوش بيقبلوا وجود طبيعة إلهية حقيقية وكاملة في شخص يسوع المسيح. حتى شبه الآريوسيين، اللي وافقوا إن ابن الله، أو اللوغوس، له طبيعة شبه طبيعة الله لكن مش مطابقة ليها، مقدروش ينسبوا ألوهية كاملة لفادي العالم. الكائن السامي اللي كان موجود قبل التجسد واتجسد في المسيح، حتى حسب نظرية شبه الآريوسيين، ماينفعش يتوصف بدقة عقيدية إنه "إله-إنسان".

لكن المسيح الآريوسي كان واضح إنه ناقص الطبيعة الإلهية بكل معني الكلمة. رغم إن ابن الله اتحد بالطبيعة البشرية في ميلاد يسوع، إلا إن ابن الله ده كان (κτίσμα - كْتِيزْمَا)، يعني مخلوق. هو فعلاً كان موجود من زمان قبل الميلاد ده، بس مش من الأزل.

فبالتالي، العنصر الوحيد اللي فضل سليم ونقي في تصور الآريوسيين لشخص المسيح كان الطبيعة البشرية. وفي النقطة دي بالذات، الآريوسيين كانوا أرثوذوكس.

 

2- بيندرج تحت نفس التصنيف مع الآريوسيين، التثليثيين الاسميين القدامى the earlier Nominal Trinitarians. لأنهم في شرحهم لعقيدة الثالوث، كان الابن مش وجود مستقل (ὑπόστασις - هيبوستاسيس) في الجوهر، لكن مجرد انبعاث أو طاقة (δύναμις - ديناميس) طالعة منه. علشان كده، ماقدروش يقولوا بشكل منطقي إن فيه اتحاد بين الطبيعة الإلهية، أو جوهر الألوهية نفسه، والطبيعة البشرية ليسوع.

فالطاقة المنبعثة دي من الألوهية، واللي دخلت الطبيعة البشرية للمسيح، ماتكونش أكتر من إلهام داخلي شبه اللي كان عند الأنبياء. وعنصر الألوهية الحقيقية الأساسية، متحد مع البشرية الحقيقية الأساسية، في شخص المسيح، كان بالتالي غايب عن الكريستولوجي بتاع التثليثيين الاسميين.

 

3- المونارخيين، أو الباتريباسيين (مؤلمي الآب)، راحوا للناحية التانية تمامًا من الخطأ. هم أكدوا إن في شخص المسيح فيه لاهوت حقيقي وكامل، لكن أنكروا ناسوته. 

حسب رأيهم، الشخص الواحد الوحيد في الألوهية، اللاهوت الحقيقي والمطلق، اتحد بجسد بشري، لكن من غير نفس بشرية عاقلة. فبالتالي، الناسوت في شخص المسيح كان ناقص. كان ناقص الجزء العاقل – الروح اللي بتتميز عن الجسد.

 

4- اللاهوت الباتريباسي ده حصل له تعديل بسيط على يد أبوليناريس، أسقف لاودكية († ٣٨٢)، واللي بقى معروف باسم النظرية الـ(أبولينارية). 

التقسيمة الثلاثية للطبيعة البشرية، اللي بتقسم الإنسان لـ جسد (σῶμα - سوما)، ونفس (ψυχή - بسيكيه)، وروح (πνεῦμα - Pneuma - نِفْما)، كانت وقتها منتشرة، وأبوليناريس افتكر إن الموضوع هيبقى أسهل في الفهم والشرح لو اعتبرنا إن اللوغوس حل مكان المكوّن العاقل الأعلى في الطبيعة البشرية، وبكده يبقى جزء لا يتجزأ من البشرية نفسها.[3]

لكن في النظرية دي، الطبيعة الإلهية ما اتحدتش بطبيعة بشرية كاملة وشاملة، زي ما حصل في نظرية الباتريباسيين الأصلية. 

الجسد المادي، مع النفس الحيوانية أو العنصر الحيوي، مش بيكوّن الإنسان بالكامل.  اللوغوس، حسب النظرية دي، اتحد بطبيعة بشرية ناقصة ومشوّهة في أصلها. لأن لو شلنا الجزء العاقل من الإنسان، هيبقى إما مجنون أو حيوان.

صحيح إن الأبولينارية بتحاول تسد النقص بالعقل الإلهي، لكن برضو الحقيقة هي إن وقت الاتحاد بين الطبيعتين، الجزء البشري كان مجرد جسد (σῶμα - سوما) ونفس حيوية (ψυχή - بسيكيه). يعني مش عاقل، وربنا، حسب النظرية دي، اتحد بشخصه بطبيعة حيوانية بحتة.  فبالتالي، العنصر البشري كان ناقص في الكريستولوجي بتاع أبوليناريس.

 

5- الخطأ العام التالت في الكريستولوجي، اللي ظهر في الكنيسة القديمة، هو النسطورية.[4] والمقصود هنا النظرية اللي اتلغت في الآخر بسبب الجدل بين نسطوريوس ومعارضينه.  سواء كانت نظرية نسطوريوس نفسه في بداية الجدل، أو حاجة هو كان ناوي يبنيها، الموضوع لسه قابل للنقاش. لكن النسطورية مكانتش نظام عقيدي واضح، وكانت ناقصة فيه عناصر وصفات أساسية.

العيب في الكريستولوجي النسطوري مش في التمييز بين الطبيعتين، لكن في اتحادهم في شخص واحد. فيه اعتراف بوجود لاهوت حقيقي وكامل، وناسوت حقيقي وكامل. لكنهم مش متحدين في شخصية واحدة واعية بذاتها. 

المسيح النسطوري هو شخصيتين — واحدة إلهية، والتانية بشرية. التمييز المهم بين "الطبيعة" و"الشخص" مش معمول حسابه، والنتيجة إن فيه ذاتين منفصلين ومختلفين في يسوع المسيح.[5]

بدل ما الطبيعتين يتحدوا في ذات واحدة، النظرية النسطورية بتحط ذاتين جنب بعض، وبتسمح باتحاد أخلاقي وعاطفي بس بينهم. النتيجة إن أفعال كل طبيعة مش بتستمد صفات من التانية. مفيش اتضاع إلهي، لأن الاتضاع موجود في الناسوت، والناسوت منفصل لوحده، مش متحد في وحدة ذاتية واعية. وكمان مفيش تمجيد للناسوت، لأن التمجيد مصدره اللاهوت، واللاهوت هو كمان منعزل لنفس السبب. يعني فيه إله، وفيه إنسان؛ لكن مفيش "إله-إنسان".

 

6- الهرطقة الرابعة من الهرطقات القديمة في الكريستولوجي (علم لاهوت المسيح) هي الأوتيخية أو المونوفيزية. ودي كانت العكس تمامًا من النسطورية. 

هي بتأكد إن فيه وحدة في الذات الواعية في شخص المسيح، لكن بتفقد التمييز بين الطبيعتين. أوتيخيس كان بيعلم إن الطبيعة البشرية في التجسد اتحولت لطبيعة إلهية؛ وبكده النتيجة كانت شخص واحد وطبيعة واحدة.

علشان كده، الأوتيخيين كانوا شايفين إنه من الدقة والصح إننا نقول "الله تألم" — واللي قصدوا بيه إن الله تألم في طبيعته الإلهية. 

لكن الكاثوليك لما استخدموا العبارة دي، أحيانًا، كانوا يقصدوا إن الله تألم في الطبيعة البشرية. هوكر قال: "لما الرسول بيقول عن اليهود إنهم صلبوا رب المجد (1 كورنثوس 2: 8)، لازم نفهم إن الكلام عن الشخص الكامل للمسيح، اللي، كونه رب المجد، اتصلب فعلًا، لكن مش في الطبيعة اللي بسببها اتسمى رب المجد. 

وبنفس الطريقة، لما ابن الإنسان، وهو على الأرض، يقول إن ابن الإنسان كان في السماء في نفس اللحظة (يوحنا 3: 13)، لازم نقصد بابن الإنسان الشخص الكامل للمسيح، اللي، كونه إنسان على الأرض، كان بيملأ السماء بحضوره المجيد، لكن مش بالطبيعة اللي اتسمى بيها ابن الإنسان."[6]

 

المجامع نيقية والقسطنطينية، لما حددوا التصريح الصحيح لعقيدة الثالوث، ساعدوا بشكل غير مباشر في تحديد عقيدة شخص المسيح. وفيما يخص لاهوته، قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني قدّم مادة لازم تدخل في أي كريستولوجي كتابي. 

لكن هدف المجامع دي ماكانش إنها تتكلم عن ناسوت المسيح، أو تحدد العلاقة بين الطبيعتين. وعلشان كده، كان موضوع الكريستولوجي أقل تطورًا من موضوع الثالوث؛ وده السبب إن ناس زي أبوليناريس، اللي كانت آراءهم صح في موضوع الثالوث، يقعوا في غلط عقيدي في فهمهم لشخص المسيح. 

الأخطاء والنواقص المختلفة في شرح عقيدة شخص المسيح اتصححت واتكملت في قانون الإيمان اللي عمله مجمع خلقيدونية سنة 451. مجمع أفسس سنة 431 بدأ يحاول يحل الأسئلة المطروحة؛ لكن، رغم إنه اتعقد كمجمع مسكوني، هو ماكانش فعلاً مجمع مسكوني بكل معنى الكلمة، وكان تحت تأثير كيرلس وده خلى نتيجته مش شاملة ولا حيادية.

 



[1] William G. T. Shedd, A History of Christian Doctrine, Vol. 1 (Eugene, OR: Wipf and Stock Publishers, 1999). 392.

[2] Compare GUERICKE: Church History, § 87–90; HOOKER: Ecclesiastical Polity, Book V. Ch. li–lv.

[3] حسب SUIDAS (sub voce Ἀπολλινάριος)، أبوليناريس كان شايف إن العقل البشري هيكون زيادة مالوش لازمة في الاتحاد مع العقل الإلهي:

Μηδὲ γὰρ δεηθῆναι φησὶ τὴν σάρκα ἐκείνην ἀνθροπίνου νοὸς, ἡγεμονευομένην ὑπό τοῦ αὐτὴν ἐνδεδυκότος θεοῦ.

يعني: "هو بيقول إن الجسد ده مش محتاج لعقل بشري، لأنه بيتوجّه ويُقاد من الله اللي سكن فيه."

[4] Compare WALCH: Ketzerhistorie; and DOLLINGER: Church History, II. 150, 152 sq.

[5] الفرق بين نسطوريوس وكنيسة الله، ماكانش في جوهر الإيمان، لكن بس إن نسطوريوس تخيل في المسيح وجود شخص بشري مستقل بجانب الشخص الإلهي؛ الكنيسة كانت بتعترف بجوهر إلهي وبشري، لكن من غير وجود شخص بشري مستقل (يعني الذات البشرية)، لأن ابن الله ماخدش لنفسه شخص إنسان، بل بس الطبيعة البشرية. 

HOOKER: Eccles. Polity, Book V. Ch. liii

اللعنات اللي نسطوريوس وجهها ضد عقيدة كيرلس كانت بتفصل بين الطبيعتين بشكل واضح. 

هو كان شايف إن الاتحاد، أو بالأدق الارتباط بين اللاهوت والناسوت، حصل وقت الميلاد، وكان بيعتبر إن الناسوت اتشال أو اختفى بعد موت المسيح وقيامته. 

MILMAN: Book II. Ch. iii

[6] HOOKER: Eccl. Pol. Book V. Ch. liv.


ليست هناك تعليقات: