الجمعة، 18 يوليو 2025

مفهوم الطلاق في متى 5: 32 لكريج كينر

 


مفهوم الطلاق في متى 5: 32 لكريج كينر[1]

 

في أخلاقيات إنجيل متّى، الزنا بيُعتبر خيانة للزوج أو الزوجة، أو إنك تساعد شخص تاني في خيانته لزوجته أو جوزها. الشهوة هي شكل من أشكال الخيانة دي؛ والطلاق كمان بيُعتبر شكل تاني منها. في تعاليم يسوع، الراجل اللي يخلّي زوجته ضحية للطلاق مش أقل خيانة لزواجه من الزاني أو اللي عنده شهوة،[2] وغالبًا يستحق نفس العقاب اللي اتكلمت عنه الفقرة اللي قبلها—الهلاك الأبدي (٥: ٢٩–٣٠).

وبما إن الحكماء زمان كانوا بيبنوا "سياج حول الناموس" يكون أشد من الناموس نفسه، فالمستمعين ليه ماقدروش يشوفوا اعتراض يسوع على طلاق موسى على إنه ضد الكتاب المقدس.[3]

في المبدأ، الجواز التاني بعد الطلاق يُعتبر زنا، لأن ربنا بيرفض صلاحية الطلاق أصلاً. يسوع استخدم نفس أسلوب المبالغة البلاغية اللي ظاهر في السياق (زي مثلًا ٥: ١٨–١٩، ٢٩–٣٠؛ ٦: ٣)،[4] وصرّح إن ربنا ما بيقبلش الطلاق، وبالتالي الست المطلّقة بتفضل في نظر ربنا متجوّزة لجوزها الأول، وجوازها التاني يُعتبر زنا (٥: ٣٢).[5]

ولأن كلمة "طلاق" قانونًا معناها حرية إن الست تتجوز تاني، فالناس كلها كانت فاهمة إن الست اللي ما معاهاش شهادة طلاق صحيحة ما ينفعش تتجوز تاني (زي مثلًا m. Giṭ. 2:1). يسوع هنا بيقول إنه لو ربنا ما اعتبرش الطلاق ده صحيح، يبقى الجواز اللي بعده يُعتبر زنا (١٩: ٦، ٩؛ راجع كمان France 1985: 123).[6]

الـ"زنا" معناه خيانة للزوج أو الزوجة، والجواز التاني يعتبر زنا هنا بالذات لأن في نظر ربنا، الزوجين الأصليين لسه متجوزين. لكن القضية الأخلاقية في الصورة دي مش الجواز التاني في حد ذاته، إنما صلاحية الطلاق؛ يسوع بيمنع الطلاق بطريقة تصويرية قوية جدًا، وده بيبيّن أد إيه الجواز له قيمة عظيمة عند ربنا.

متى وضّح استثناء معين. ولما يسوع قال مثل بيرمز لمبدأ عام (مرقس 10: 11؛ لوقا 16: 18)، السامعين زمان كانوا فاهمين إن الأمثال دي محتاجة تتحدد حسب الحالة (Keener 1991a: 22–25؛ cf. Tannehill 1975: 95–98؛ Stein 1978: 11).[7] فعلاً، المبادئ العامة دي ممكن تتعارض مع بعضها لو اتطبقت خارج السياق اللي كانت بتتقال فيه بشكل واضح (زي أمثال 26: 4–5).[8]

اتنين من أقوال الطلاق في سياقات مختلفة، وكل واحد ليه حُجّة إنه قول حقيقي من أقوال يسوع، لكن لو خدتهم حرفي، هيظهر تعارض: مرقس 10: 9 بيشاور إن الطلاق مش مفروض يحصل بس ممكن يحصل؛ والقول اللي في متى 5: 32 // لوقا 16: 18 من تقليد [9]Q بيفترض إن الجواز مش ممكن يتفك وإن الطلاق الحقيقي مش ممكن يحصل. بس التعارض ده سببه إننا بنتجاهل أسلوب تعليم يسوع (Catchpole 1993: 238):

"الاختلاف ده معناه ببساطة إن كل قول لازم يتفهم على إنه دعوة مش قانون، وإن الوظيفة الاجتماعية الأساسية للقولين لازم تتفهم. الوظيفة دي هي دعوة للإخلاص التام في الجواز ومن ناحية الطرفين".

يسوع غالبًا كان يقصد إن الكلام ده يكون "هجادي" أكتر منه "هلاخي"، يعني الهدف مش إنه يسنّ قانون، بل يعيد التأكيد على المثال الأعلى ويعتبر الطلاق خطية، وده يزعزع حالة التراخي اللي كانت سائدة وقتها (Davies and Allison 1988: 532).[10]

وعلى أرض الواقع، المسيحيين الأوائل بدأوا فورًا يحددوا كلام يسوع عن الطلاق؛ لأن في مبادئ تانية ليسوع، زي عدم إدانة البريء (متى 12: 7) أو مبدأ الرحمة (متى 23: 23)، كانت بتجبرهم يراعوا ظروف معينة.

يعني مثلًا، لما واجهوا مؤمنين عايزين يطلقوا شركاءهم غير المؤمنين، بولس استخدم كلام يسوع علشان يمنعهم، لكن وضّح إن لو الشريك هو اللي هيسيب، المؤمن "مش مربوط" (كورنثوس الأولى 7: 15).[11]

كلام بولس بيسترجع نفس التعبير اللي كان بيتقال عن الحرية في الجواز من جديد في عقود الطلاق القديمة، والقراء وقتها، اللي مش متلخبطين بسبب نقاشات كتّاب العصر الحديث، كانوا فاهمين المقصود (زي مثلًا m. Giṭ. 9:3؛ CPJ 2:10–12, §144؛Carmon 1973: 90–91, 200–201, §189؛ Harrell 1967: 71؛Keener 1991a: 61–62 ).[12] والاستثناء اللي متى ذكره هو خيانة الزوج أو الزوجة لعهد الجواز.

الاستثناءات اللي قالها بولس ومتى (متى 5: 32؛ 19: 9؛ كورنثوس الأولى 7: 15، 27–28) بتشكّل تقريبا تلتين الإشارات المسيحية اللي من القرن الأول بخصوص الطلاق، وكلهم بيشاوروا لنفس النوع من الاستثناء: الشخص اللي جوازه انتهى غصب عنه.[13]

يعني، الاستثناءات اللي يسوع قالها مش معمولة علشان حد يهرب من جواز صعب (cf. كورنثوس الأولى 7: 10–14)؛ هي بتبرّئ اللي فعلاً كان نفسه ينقذ جوازه، بس معرفش، بسبب خيانة الشريك المستمرة، أو إنه سبّه، أو بسبب إساءة الطرف التاني اللي خلت الجواز فعليًا يتحطّم.

يسوع استخدم المبالغة علشان يوضح بشكل قوي نقطة مثيرة للجدل. الرجالة اليهود في فلسطين كانوا يقدروا يطلقوا لأي سبب تقريبًا (Jos. Ant. 4.253)، وكانوا بيذكروا صراحة إن عصيان الزوجة سبب كافي للطلاق (Sir 25:26؛ ARN 1A؛ Jos. Life 426، والأخيرة باين إنها بتشمل حتى حاجات خارج إرادتها)، أو حتى لو حرقت العيش (m. Giṭ. 9:10؛ Sifre Deut. 269.1.1).

فلما يسوع منع حق الطلاق، غالبًا كان بيحمي الست من إنها تتخان من جوزها (Kysar 1978: 43؛ Davies 1993: 54).

الرسالة الأساسية في النص ده هي الإخلاص في الجواز، لكن الاستثناء اللي ذكره متى مش معناه إن الناس تطبّق المبالغة اللي قالها يسوع بشكل قانوني حرفي. في الحقيقة، قراءة الموعظة على الجبل بشكل قانوني وكأنها مجموعة قوانين معناها إننا ضيّعنا الفكرة نفسها؛ لأنها بتمثل مطلب أكثر راديكالية من اللي أي مشرّع ممكن يتخيله (France 1985: 106)، ومن باب أولى مش ممكن تنفيذها كقانون.

النقطة المحورية اللي يسوع كان عايز يوصّلها، واللي الصورة المبالغ فيها كانت بتحاول تبرزها، هي قدسية الجواز (cf. متى 19: 4–6؛ Efird 1985: 57–59). وفي مواجهة قساوة قلب المفسرين القانونيين (متى 19: 8)، يسوع وقف ضد الطلاق لحماية الجواز والأسرة، وعلشان يمنع خيانة الشريك البريء.

 



[1] Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, MI; Cambridge, U.K.: Wm. B. Eerdmans Publishing Co., 2009). 189.

[2] في إنجيل مرقس، اللي كان بيخاطب سياق أوسع من العالم اليوناني-الروماني، أضاف عبارة "زوجها"، وده وضّح أبعاد تعاليم يسوع في بيئة ثقافية مختلفة (Mk 10:12). في الثقافة اليونانية-الرومانية بشكل عام (واللي بولس اتكلم عنها في 1 Cor 7:10–16)، كان ممكن الزوج أو الزوجة يطلّقوا التاني بشكل فردي ومن غير ما ياخدوا موافقة الطرف الآخر (Cary and Haarhoff 1946: 144؛ O’Rourke 1971: 181).

أما في القانون اليهودي الفلسطيني، حتى لو الراجل فضِل متجوز مراته الأولى، جوازاته التانية ماكانتش تُعتبر زنا لأن القانون اليهودي كان بيقبل التعدد (polygyny). يسوع هنا لغى التمييز المزدوج، ويمكن يكون رفض فكرة التعدد (على الأقل بطريقة مبالغ فيها) على إنها شكل من أشكال الزنا، زي ما القانون اليهودي كان بيشوف تعدد الأزواج للمرأة (polyandry) على إنه زنا (Sigal 1986: 93–94, 157).

[3] Sanders 1985: 248–49؛ idem 1990: 127؛ idem 1993: 211؛ Cohen 1987: 181.

[4] نفس الكلام اتقال كمان عند

 Stein 1978: 8–12؛ idem 1979: 119؛ idem 1992: 198؛ Efird 1985: 57؛ Keener 1991a: 12–25؛ Malina 1981: 120.

المبالغة البلاغية والتضخيم في الكلام كانوا من أساليب التعليم اليهودية المعروفة (زي مثلًا m. ʾAbot 2:8؛ ARN 36A)، وبيظهروا كمان في مناطق تانية من العالم القديم حوالين البحر المتوسط (زي مثلًا Arist. Rhet. 3.11.15, 1413a؛ Rhet. ad Herenn. 4.33.44؛ Quint. 8.6.73–76)؛ وفي تعاليم يسوع، اتكلم عن الأسلوب ده Tannehill 1975 بشكل خاص.

[5] الصورة هنا (واللي في رأيي فيها مبالغة بتفترض إن الجواز ما ينفعش يتفك) واضح إنها بتكلم الست، عشان القانون اليهودي وقت متى كان بيسمح للراجل يتجوز أكتر من واحدة، لكن لو الست اتشاركت بين رجالة، ده بيعتبر زنا (Keener 1991a: 35, 47–48; Easton 1940: 82; Guelich 1982: 200–201؛ بس cf. شويّة اختلاف عند Luck 1987: 103–7؛ حتى قريب من فلسطين، كان في كتير من اليهود بيتصرفوا زي جيرانهم الوثنيين—Wasserstein 1989).

Malina و Rohrbaugh 1992: 53 بيقولوا إن الراجل "بيخليها تزني" لأنه بيعرضها "لعلاقة جنسية مع رجالة تانين"، وده بيخليه كأنه "قوّاد" (وده كان فهم القانون القديم للراجل اللي بيخلي مراته الزانية تفضل معاه، يعني بيسمح بالزنا؛ شوف Gardner 1986: 131–32؛ Richlin 1981: 227).

النص واضح إنه مش بيقصد "يسبب الزنا" بالمعنى الحرفي (زي حالة Messalina في Dio Cassius R.H. 60.18.1–2).

[6] بولس ماخدش الكلام ده بمعناه الحرفي (كورنثوس الأولى 7: 15؛ وكمان باين إن يوحنا ماخدوش حرفي—يوحنا 4: 18). وبما إن الطلاق والجواز التاني كانوا عاديين جدًا زمان (Carcopino 1940: 95–100؛ cf. Jos. Life 415, 426)، فلو بولس فعلاً كان بيقضي وقته يفضّ جوازات التاني والتالت للمؤمنين الجداد، كانت رسائله هتعكس ده بوضوح. والسلطات الرومانية، اللي كانت بالفعل قلقانة من الجماعات الدينية اللي ممكن تبوّظ العائلات (Keener 1992: 139–42)، كانوا أكيد خدوا بالهم وتصرفوا بسرعة!

[7] الأمثال والحكم، يعني العبارات العامة اللي بتحتاج تحديد حسب الظروف (زي مثلًا أمثال 18: 22 مع 11: 22؛ 12: 4؛ 21: 9؛ وغيرها في Keener 1993: 235)، كانت منتشرة جدًا في البحر المتوسط القديم (Isoc. Demon. 12, Or. 1؛ Arist. Rhet. 2.21.1–2, 12–15, 1394a–95b؛ Rhet. ad Herenn. 4.17.24–25؛ Petron. Sat. 4؛ Plut. Poetry 14, Mor. 35EF؛ cf. Diog. Laert. 2.18–47؛ 8.1.17–18؛ 9.1.7؛ Pythagorean Sentences passim؛ Select Papyri 3:440–43؛ Appian R.H. 4.11؛ cf. أيضًا Sinclair 1993) وكمان في مجتمعات تانية (Mbiti 1970: 2).

المبادئ القانونية برضو كانت محتاجة تحديد حسب السياق (Quint. 7.6.1, 5؛ cf. Arist. Rhet. 1.17.1354a؛ وده حصل كتير في النصوص الربانية)، وده بالضبط اللي Tannehill 1975: 72–73 فهمه من القول ده (واللي بنوافق عليه في شكل متى).

وحتى التعليقات السريعة اللي بتكون نهاية الجدالات، زي متى 19: 9، كانت بتشتغل بنفس الطريقة (cf. مثلًا Plut. Agesilaus 21.4–5؛ Statecraft 7, Mor. 803CD؛ Sayings of Spartan Women, passim؛ Diog. Laert. 1.35؛ 2.72؛ 6.2.51).

[8] الدموع اللي فيها تضرّع غالبًا مش بتجيب نتيجة (Pub. Syr. 128, 200)، بس دموع الزوجة بتنجح (Pub. Syr. 19, 153, 384)؛ التفكير والتدبير ممكن يكون كويس أو وحش حسب الظرف (Pub. Syr. 162–63, 178)؛ الشرف قليل قوي لما يرجع للي فقده، أما اللي فعلاً عنده شرف مش ممكن يخسره (Pub. Syr. 211–12). النوع الأدبي ده بطبيعته بيستوعب التناقضات الكتير.

[9] Q Quelle (“sayings” source for the Synoptic Gospels)

[10] Cf. likewise Down 1984; Molldrem 1991; Parker 1993; Hagner 1995: 551.

[11] فيه شوية دراسات حديثة، ماكانتش موجودة وقت Keener 1991a، شايفين إن استثناء بولس بيوضّح إن التحريم اللي قاله يسوع مش شامل لكل الحالات (Blomberg 1992a: 111–12؛ Vermes 1993: 34n.34).

[12] في كورنثوس الأولى 7: 27–28، ترجمة NIV غلطت: هي صح فهمت إن اللي متجوز ما يسعاش للطلاق (7: 27a)، لكنها ترجمت نفس الكلمة اليوناني اللي بتعني الطلاق على إنها "غير متجوز" في السطر اللي بعده، واللي فيه الجواز من جديد مسموح (7: 27b–28).

[13] زي ما Blomberg 1992a: 293 بيشرح، فيه استثناءات تانية ممكن تكون موجودة، لكن لازم تبقى ماشية على نفس المبدأ اللي بيربط بين الاستثناءين الكتابيين:

(1) الخيانة والهجر بيدمروا واحدة من الأساسيات اللي الجواز قايم عليها؛ (2) "اللي اتنين بيسيبوا طرف من غير أي اختيارات تانية لو الطرف التاني رفض التصالح"; (3) اللي اتنين بيستخدموا الطلاق "كآخر حل".

وكون إن فيه ناس ممكن تسيء استخدام الحرية دي (زي ما هو نفسه بيحذر) ما يخلّيناش نتجاهل الطرف البريء اللي فعلاً محتاج الحرية دي بصدق.


ليست هناك تعليقات: