السبت، 16 سبتمبر 2023

سر الزيجة

 



كتابيًّا


جاء في سفر التكوين بدايات الخلق، وبدايات العلاقة بين الله والإنسان، وبدايات العلاقة بين الرجل والمرأة، كالتالي:

”فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض“ (تك 1: 27و28).

وقول الرّبّ بعد خلق آدم:

”ليس جيدا أن يكون آدم وحده. فاصنع له معينا نظيره“ (تك 2: 18).

وعند خلق المرأة قال:

”فأوقع الرّبّ الإله سباتا على آدم فنام. فاخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما. وبنى الرّبّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة لأنها من أمرء أخذت. لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدا“ (تك 2: 21-24).

ولما فسد البشر وهلك العالم بالطوفان لم يبطل الله هذا الناموس، بل عاد وثبته كما يقول الكتاب

”وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض“ (تك 9: 1).

هذا ما عاد إليه وأشار له ربنا يسوع المسيح بقوله:

”أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى. وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا. اذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. فالذى جمعه الله لا يفرقه انسان“ (مت 19: 4-6).

وعلى ذات المنهاج يتحدث بولس الرسول في كثير من المواضع كالتالي:

”لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل. ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل. غير أن الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الرب. لأنه كما أن المرأة هيَ من الرجل هكذا الرجل أيضًا هو بالمرأة. ولكن جميع الاشياء هيَ من الله“ (1كو11: 8-12).

”اذا من زوج عذراءه فحسنا يفعل“ (1كو7: 37) كم بالشجب على الذين يحتقرون رباط الزيجة المُقدّس (1تى 4: 1و2)

”ايها النساء أخضعن لرجالكن كما للرب. لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضًا رأس الكنيسة وهو مخلص الجسد ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك النساء لرجالهن في كلّ شيء“. وبقوله للرجال ”أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحبّ المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها. لكي يقدّسها.. كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءكم. من يحب امرأته يحب نفسه. فانه لم يبغض أحد جسدة قط بل يقوتة ويربية كما الرّبّ أيضًا للكنيسة.لاننا اعضاء جسمة من لحمة ومن عظامة.من اجل هذا يترك الرجل اباة وامة ويلتصق بامراتة ويكون الاثنان جسدا واحدا. هذا السرّ عظيم ولكننى أنا أقول نحو المسيح والكنيسة“ (أف 5: 22-32).

”المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا. ولكن أن مات رجلها فهيَ حرة لكي تتزوج بمن تريد في الرّبّ فقط“ (1كو7: 29).

”ليكن الزواج مكرما عند كلّ واحد والمضجع غير نجس...“ (عب 13: 4).

”لأن هذه هيَ ارادة الله قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنا. أن يعرف كلّ واحد منكم أن يقتنى اناءه بقداسة وكرامة. لا في هوى شهوة كالامم الذين لا يعرفون الله، (1تس 4: 3-5).

 

الزواج في اليهوديّة


هدف الزواج الأسمى والأساسي في اليهودية هو الإنجاب، فكان الإنجاب علامة على البركة والرضى الإلهيّ (تك22: 17- 18). ويعود ذلك لعدم إيمانهم بالحياة الأُخرى بعد الموت، فيجب حفظ الإنسان من خلال نسله.. وهذا ما نراه من شريعة زواج الأخ من أرملة أخيه ليصنع له نسلًا فيصنع له خلودًا ولو جزئيًا (تك38: 8)، وهو ما نرى صداه في العهد الجديد حين يكتب الرسول بولس أن ولادة الأبناء تُخلِّص لكن فقط إن تمّت في ”إيمان ومحبة وقداسة“ (1تي2: 15).

وكما نعرف فإنّ اليهودية كانت تسمح بالطلاق كما جاء في سفر التثنية (24: 1، 2) وفي أسفار أخرى كثيرة من العهد القديم.


الزواج في العالم الروماني


”ليس الزواج في المعاشرة الجنسية، إنما الزواج في الاتفاق“.

لم يكن الزواج في العالم الروماني وسيلة لتحديد الأنسال، بقدر ما كان حفظًا للحقوق واختيارًا حرًا لطرفين من الأحرار (أي ليسا من العبيد).

فهو عقد بين طرفين، وكأي عقد فإمكانية فسخه قائمة في أي وقت.. ولكن الشروط التي تسمح بانحلال العقد اختلفت قليلًا بين الرومان واليهود والمسيحيّين الأوائل كما سنرى.


الزواج كسرّ كنسيّ


الزواج المسيحيّ في بدايته لم يكن خارجًا عن تلك القوانين المدنية الرومانية السابق ذكرها، بل خاضعًا لقوانين الدولة المدنية، كما يذكر ذلك الفيلسوف والمدافع المسيحيّ أثيناغوراس (عام 130 تقريبًا)، حين كتب:

”كل منا يعتبر المرأة التي تزوجها حسب قوانينكم زوجة له“.

وحتى القرن الرابع، في عهد القديس يوحنا الذهبي الفم، نجده يُشير إلى سيادة القانون المدني على المجتمع المسيحيّ، وذلك في عظاته على التكوين (56: 2).

وفي القرن الخامس نجد المطوّب أغسطينوس يكتب:

”ان التعدّد كان مباحا لأنه كان متوافقا مع العرف، وليس مباحا في عهدنا لأنه مخالف للعرف، السبب الوحيد لتجريم التعدّد حاليا هو لأنه مخالف للعرف والقانون“.[1]

لكن، كما سنرى في كتابات الآباء، فإنّ الكنيسة كانت تبارك الزواج، أي تكون شاهدة عليه، معطية بركة له، ومُكللة الزوجين بالروح القدس.


عند الآباء


قال القديس اغناطيوس الشهيد:

”يجب على المتزوجين والمتزوجات أن يجروا اتحادهم برأي الأسقف، لكي يكون الزواج مطابقًا لإرادة الله لا بحسب الشهوة“.[2]

وقال العلامة ترتليانوس:

”كيف يمكننا أن نعبر عن سعادة الزيجة التي تباركها الكنيسة ويثبتها القربان وتختمها البركة“.[3]

وقال المطوَّب أمبروسيوس:

”إذا كان من الواجب أن يعقد الزواج بُحلّة كهنوتيّة وبركة فكيف يمكن أن تكون زيجة حيث الإيمان مختلف؟“.[4]

وقال:

”إنّنا نعترف بأنّ الله هو سيد الزواج وحارسه ولا يطيق أن يدنس المضجع. فمن يخطىء خطية كهذه يخطىء ضد الله إذ يخالف شريعته ويسيء استعمال نعمته، ومتى أخطأ ضد الله لا يقدر أن يشترك في السرّ الإلهيّ“.[5]

وقال القديس يوحنا ذهبيّ الفم عند كلامه ضد الأغاني والاحتفالات غير اللائقة في الأعراس:

”قل لي لماذا تسمح من بادىء الأمر بأن تمتلىء آذان ابنتك من الشوائب بالاناشيد القبيحة وبذاك الاحتفال الذي لا محل له؟ ألست تعلم أن الصبوة سهلة الزلق؟ لماذا تهتك صّلوات الزيجة الموقرة؟ فإنّه ينبغي أن ترفض كلّ هذه وتعلم ابنتك الحياة منذ البدء، وتدعو الكهنة وتعقد اتحاد الأزواج بالصّلوات والبركات لكي ينمو شوق العريس وتزداد عفة العروس، يدخل عمل الفضيلة في بيتهما بكلّ وجه“.[6]

وقال يوحنا ذهبيّ الفم في مثل هذا المعنى:

”لإنّ كلّ واحد أخذ ما له. فهذا الزواج إذًا هو زواج بحسب المسيح. هو زواج روحيّ وولادة روحيّة. لا من دم ولا من المخاض كما أنّ ولادة إسحق هكذا كانت. واسمع ماذا يقول الكتاب المُقدّس: وقد انقطع أن يكون لسارة عادة كالنساء. فلم يكن الزواج عن هوى ولا كان زواجًا جسديًّا بل كان كلّه روحيًّا. زواج نفس اتحدت بالله اتحادًا يفوق الوصف كما يعلم هو وحده. ولهذا يقول إنّ من يلتصق بالرب يكون روحًا واحدًا. وانظر كيف يجتهد في أن يقرن الجسد بالجسد ويجمع بين الروح والروح“.[7]

 

الطلاق في المفهوم الأرثوذكسيّ


إنَّ اللاهوتيين الأرثوذكس يفسّرون السماح بالطلاق في حال الزنى بقولهم أن مادة سرّ الزواج هيَ الحب. والزّنى يعني أن الحب لم يعد قائمًا بين الزوجين. لذلك فالطلاق الذي تعلنه الكنيسة ليس من شأنه فسخ الزواج ولا إزالة الحب. إنّمَا هو مجرّد إعلان بأن الحب بين الزوجين قد تلاشى، وبأن الزواج بالتالي لم يعد قائمًا. ويعتبرون موت الحب شبيهًا بالموت الجسدي وبموت الإيمان في حال الجحود.[8]

إنّ الكنيسة الشرقية، بقبولها الطلاق كحالة استثنائية، تؤكّد الاحترام للشخص البشري ولسرّ الحب. فالحب لا يمكن أن يُفرَض على الإنسان. والأمانة الزوجية، كالإيمان والاستشهاد، يجب أن تبقى عمل الحرية، وإلاّ فلا قيمة لها.[9]

هناك حالة سمح فيها بولس الرسول نفسه بالطلاق، دعيت ”الامتياز البولسي“. ففي بدء المسيحيّة كان بحدث أن يهتدي إلى المسيحيّة أحد زوجين كانا قد عقدا زواجهما في اليهودية أو الوثنية. فكان السؤال: هل يتوجّب على من صار مسيحيًّا أن يبقى على زواجه، أم يستطيع أن يفسخه ويتزوّج من جديد مع شخص مسيحيّ؟ على هذا السؤال أجاب بولس الرسول:

”أمّا الباقون فأقول لهم، أنا لا الرب: إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة، وهي ترتضي أن تقيم معه، فلا يتركها؛ والمرأة التي لها رجل غير مؤمن وهو يرتضي أن يساكنها، فلا تترك رجلها. لأن الرجل غير المؤمن يقدّس بمالمرأة المؤمنة، والمرأة غير المؤمنة تقدّس بالأخ المؤمن. وإلاّ فيكون أولادكم نجسين، والحال أنّهم قدّيسون. ولكن، إن فارق غير المؤمن، فليفارق؛ فليس الأخ أو الأخت مستعبدًا في مثل هذه الأحوال، فإنّ الله قد دعاكم لتعيشوا في سلام. فما أدراكِ، أيتها المرأة، أنّك تخلّصين رجلكِ؟ وما أدراكَ، أيها الرجل، أنّك تخلّص امرأتك؟“ (1 كو 7: 12- 16).

إنّ القديس يوحنا الذهبي الفم، في تعليقه على هذا النصّ، يقول:

”إنّ فسخ الزواج أفضل من الهلاك“.

فهناك حالات خاصة تفرغ فيها الحياة الزوجية من جوهرها، ولا بدّ للكنيسة من أن تأخذ منها موقفًا خاصًا لخلاص الإنسان. [10]

كما يكتب اللاهوتي الأرثوذكسيّ كاليستوس وير في كتابه ”الكنيسة الأرثوذكسيّة إيمان وعبادة- الفصل الخامس“:

”من البديهي أن الكنيسة تنظر للزواج على أنه مبدئيًا غير قابل للحل وتعتبر فسخه خطيئة. ولكن رغم إدانة الخطيئة، تساعد الكنيسة الخطأة إذ تمنحهم فرصة أخرى. وحينما لا يعود الزواج حقيقة واقعة، لا تتشبث الكنيسة بالحفاظ على وهم شرعي. فينظر إذًا إلى الطلاق كتساهل استثنائي ولكنه ضروري للخطيئة البشرية. إنه فعل تدبير كنسي (Oikonomia) وفعل من محبّة الله للبشر (Philanthropia). ولكن الكنيسة الأرثوذكسيّة، وهي تساعد الرجل والمرأة على النهوض بعد السقطة، تعلم تمامًا أن الزواج الثاني لا يمكن أن يكون مثل الأول، لذا فإن جزءًا من الاحتفالات التي تشير إلى الفرح يجري إلغاؤه ويُستبدل بصّلوات التوبة.

والقانون الكنسي الأرثوذكسيّ الذي يبيح زواجًا ثانيًا وحتى ثالثًا يمنع الرابع منعًا باتًا. ومن الناحية النظرية يُمنح الطلاق في حالة الزنى فقط، لكنه يُمنح أحيانًا لأسباب وجيهة أخرى“.

أمّا في الكنيسة القبطية، فإنّه على مدى تاريخها نجدها قد أباحت الطلاق في لكثير من الأسباب الجوهريّة –لا لكل سبب بالطبع أو بحسب الهوى فقط- ففي قوانين ابن العسّال التي تعود للقرن الثاني عشر، نجد يحصر الطلاق في عدة أسباب، منها:

·       امتناع أحد الزوجين عن المعاشرة الجنسية لقرينته إمّا لسبب طبيعي، أو لمرض، أو لانقطاع خبره.

·       إنقطاع خبر إحدى الزوجين أكثر من خمس سنوات.

·       امتناع حدوث التعاون في المعيشة.

نفس هذا الأمر نجده في قوانين البطريرك القبطي كيرلس بن لقلق.

كما أورده العلامة القبطي ابن كبر في كتابه الشهير: مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة. (القرن الـ 13)

وفي مجموعة قوانين الأبغومانوس فيلوثاؤس عوض قدّم أيضًا قوانين بن العسال هذه، وأضاف إليها بعض الحالات الأخرى التي يُسمح فيها بالتطليق. (القرن الـ 19)

وفي عام 1938 سادت لائحة للأحوال الشخصية بحسب الكنيسة القبطية شارك في وضعها القديس حبيب جرجس، وقد قامت على قوانين ابن العسال السابق ذكرها، وأضافت إليها أيضًا.

وفي عام 1955، تقدم المجلس الملي لوزارة العدل بوثيقة على أن يتم تقنينها فيما بعد، وقد أضافت هذه الوثيقة بندًا هامًا أخرجها عن حيز التنفيذ، وهو أنه من الجائز لأحد الزوجين أن يُنهي عقد الزواج بإرادته المنفردة.. وهذا ما رفضته الكنيسة بكلّ تأكيد.[11]

وقد ذكر العلامة القمص صليب سوريال سببًا هامًا تقبل لأجله الكنيسة القبطية الطلاق، وهو:

يجوز طلب الطلاق إذا أساء أحد الطرفين معاشرة الآخر، أو أخلّ بواجباته نحوه إخلالًا جسيمًا، مما أدى إلى استحكام النفور بينهما، وانتهى الأمر بافتراقهما عن بعضهما، واستمرت الفرقة ثلاث سنوات متوالية.[12]

أمّا عن قول السيد الرّبّ ما جمعه الله لا يفرقه إنسان.. نجد المطوَّب أمبرسيوس يكتب:

”يظن البعض أن كل زواج هو من الله، إذ كُتب: ”الذي جمعه الله لا يفرقه إنسان“ (مت 19: 6). لو أن كل زواج من الله لما سُمح بالفرقة، إذ قيل: ”لكن أن فارق غير المؤمن فليفارق“ (1 كو 7: 15)...

ليس كل زواج هو من الله، فقد أمر ألا يتزوج المسيحيّ بأممي كما جاء في الناموس... يتم الاتحاد عندما تتكيف الأشياء وتنسجم أوتار الآلة معًا، فتعطي شجي النغم الموسيقي... بهذا ندرك أنه لا يمكن أن يتحقَّق الانسجام في مثل هذا الزواج الذي فيه يكون العريس مسيحيًّا والمرأة أممية، إنما يتحقَّق الزواج ويتم الانسجام عندما يجمعهما الرب...

تكلم الرّبّ قبلًا عن ملكوت الله قائلًا أنه لا تسقط نقطة واحدة من الناموس، ثمّ أضاف أن من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني ومن تزوج بمطلقة من رجل يزني. ويوصينا الرسول وصيَّة مطابقة لذلك: ”هذا السرّ عظيم، ولكني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة“ (أف 5: 32). هنا نتلامس مع زواج لا يمكن لإنسان أن يشك في أن الله قد جمعه، إذ قال: ”لا يقدر أحد أن يقبل إليّ أن لم يجتذبه الآب“ (يو 6: 44). إنه الوحيد القادر أن يجمع هذا الزواج، لذا قال سليمان مشيرًا للسّر: ”الزوجة المتعقلة فمن عند الرب“ (أم 19: 14). المسيح هو العريس، والكنيسة هيَ العروس والعذراء بحبها وعفتها.

ليته لا ينحرف أحد عن المسيح بسبب ضيق أو خطيَّة، وقد جذبه الآب إليه!

ليت الفلسفة لا تفسد إيماننا، وأيضًا البدع!... فإن ذلك طلاق!...

ليت العريس يجد كل عروس تجدل خيوط الفضيلة الثمينة؛ ترفع يديها في الليالي (بالصلاة) (مز 133: 2)، وتدبر عملها، وتزن عاداتها. وتنتظر مجيء عريسها متعجلة ذلك بشوق، قائلة: ”العريس قد أبطأ في المجيء، لذا أسرع أنا نحوه لأراه وجهًا لوجه عندما يبدأ في المجيء في مجده. تعال أيها الرّبّ يسوع، فتجد عروسك بلا دنس ولا غضن، لم تدنس مسكنك، ولا أهملت وصاياك“. لتقل أيضًا: ”وجدت من تحبه نفسي“ (نش 3: 4)، وتدخل بك إلى بيت الخمر... تسكر بالروح، فتكشف لها السّر، وتعلمها الأسرار“.[13]

وقال القديس أوريجانوس:

”إنّ سماح بعض رؤساء الكنائس بأن المرأة تتزوج برجل آخر في حياة زوجها مضاد لشريعة الكتاب المُقدّس. لأنهم خالفوا ما كتب. أن المرأة مرتبطة ما دام رجلها حيا. فمن ثمّ ما دام رجلها حيا ان صارت لرجل آخر فإنّها تدعى زانية. ولكن لا يخلو عملهم هذا من عذر لأنهم رُبّما تساهلوا بمخالفة الشريعة المسطرة والمقرّرة من البدء منقادين لإرادة الغير تلافيًا لشرور أعظم“.[14]



[1] Augustin.Reply to Faustus the Manichæan Book 22 c47 In The Writings Against the Manichaeans and Against the Donatists, P289

[2] رسالة إلى بوليكربوس فصل 6.

[3] لامرأته 2: 9.

[4] رسالة إلى ويجبيليوس فصل 7: 19 و23.

[5] عظة على إبراهيم 1: 7.

[6] على التكوين مقالة 48: 6.

[7] على أفسّس مقالة 20: 5.

[8] EVDOKIMOV, P. Sacrement de L'amour: Le mystere con juga/ Ii /a /umiere de /a tradition orthodoxe,., p. 255

[9] المرجع السابق، 258- 266.

[10] PG, 61, 155.

[11] انظر: دراسات في قوانين الأحوال الشخصية لعقدي الخطبة والزواج وبطلانه وفسخه، للقمص صليب سوريال، ص 142.

[12] المرجع السابق، ص 176.

[13] In Luc 16: 16-18.

[14] في شرحه انجيل متى كتاب 14.

سر التوبة والاعتراف

 



مفهوم التوبة


إنّ التوبة ليست فقط الدموع والبكاء والندم، بل هي تغيير اتجاه قلبي، عودة إلى أحضان الله المفتوحة لنا دائمًا. فالأمر الأساسيّ الذي يجب أن نصدقه من كلّ قلوبنا أنّ محبّة الله ثابتة، لا تتغيّر، لا نحتاج أن نفعل أي شيء فتزيد محبّة الله لنا، ولا نفعل أي شيء لتقل محبّة الله تجاهنا، بل هي ثابتة دائمًا. فما فائدة التوبة إذًا؟

إنّنا بفعل الخطية نبتعد بإرادتنا الحرّة عن الحضن الإلهيّ، نخرج عن مراحم الله المتسعة، نعطي لله ظهورنا بدلًا من وجوهنا، أي أنّ مراحم الله وحضنه مفتوح دائمًا لنا، ونحن من ندخل ونخرج منه، نحن من نلتصق به أو نبتعد عنه، وهو الكائن الأكثر سموًّا، لا يمكن أن يفرض ذاته علينا، فيتركنا لحرّيّتنا، إمّا أن نتوب أي نعود إلى حضنه، أو نستمر في الابتعاد عنه.

قال القديس يوحنا ذهبيّ الفم:

”إن كان بكاء بطرس محا خطية عظيمة جدًّا، فأنت اذا بكيت كيف لا يمحو الله خطيتك؟ لأن انكار ذاك لسيده لم يكن جريمة صغيرة بل عظيمة وقوية. ومع ذلك فقد محت الدموع الخطية. فأبك إذًا أنت أيضًا على خطيتك، ولكن لا يكونن بكاؤك على حسب العادة وفي الظاهر فقط بل أبك بمرارة مثل بطرس وقدم ينابيع دموعك من داخل العمق حتّى يتحنن عليك السيد ويصفح عن ذنبك“.[1]

وقال القديس باسيليوس:

”يجب على التائبين أن يبكوا بمرارة وأن يظهروا من قلوبهم سائر علامات التوبة“.[2]

وقال أيضًا:

”ان التوبة تدعو الإنسان أولًا أن يصرخ في نفسه ويسحق قلبه ثمّ أن يصير قدوة صالحة للاخرين ويجعل طريقة توبته مسموعة ويشهرها“.[3]

ولا يجب أن يكون هذا الانسحاق ناتجا عن الخوف من العقاب، بل ينبغي أن يكون انسحاق القلب ناشئًا عن شعور بأنه أغضب الله المُحبّ. لأنّ الحزن الأوّل هو حزن العبيد، أمّا النوع الثاني فهو شعور الأبناء. قال القديس يوحنا ذهبيّ الفم:

”تنهّد عندما تخطىء لا لأنّك مزمع أن تُعذَّب لأنّ هذا ليس شيئًا، بل لأنّك خالفت سيدك الوديع الذي يود وصبر إلى خلاصك حتّى أنّه أعطى ابنه عنك، فلهذا تنهّد واصنع هكذا دائمًا“.[4]

وقال القديس باسيليوس:

”لإنّ ليس الذي يقول أخطأت، ويلبث مصرًا على الخطية يعترف. لا. بل الذي يجد خطيته ويبغضها كما قال المزمور. فما الفائدة للضعيف من اجتهاد الطبيب إذا كان يجلب ما يفسد حياته؟ هكذا لا فائدة من الصفح عن الظالم إن لم يكف عن ظلمه، ولا فائدة لمن يقول إنّه ترك الرجاسة ويبقى في نجاسته. فبدون المسامحة من الله لا يُمكن للإنسان أن يبتدىء بالحياة الفاضلة. ولهذا قد أراد مدبر حياتنا الحكيم من الذي امتحن ببعض الخطايا وعزم على السلوك بالسيرة المعافاة أن يضع حدًّا للأمور الماضية يحدّدها به، ويجعل لنفسه بدءًا جديدًا بعد الخطايا كان حياته قد تجدّدت بالتوبة. وأمّا الذي يعترف بخطاياه مرارًا ثمّ يسقط فيها بتواتر فإنّه يغلق عنه باب تعطفه ويتركه في اليأس“.[5]

وقال أيضًا:

”إنّه لا يكفي للتائبين غفران الخطايا وحده للحصول على الخلاص بل من الضروريّ أن تكون لهم أثمار لائقة بالتوبة“.[6]

وقال ذهبي الفم:

”إن اخطئت؟ فأدخل الكنيسة وأمح خطيتك. وكما أنّك بقدر ما تقع في الشارع وتنهض، هكذا كلّما خطِئت تب عن الخطية ولا تيأسن من ذاتك. وإن خطِئت ثانية فتب توبة ثانية أيضًا ولا تسقطن من الرجاء بالخيرات الموعود بها سقوطًا كاملًا بسبب إهمال. وإن كنت في غاية الشيب وخطئت، فادخل واندم. لإنّ هذا المكان هو مستشفى وليس محكمة وهو لا يطلب مجازاة على الخطايا بل يهب صفح الخطايا“.[7]

 

الخطية التي بلا مغفرة


ورد في رسالة القديس يوحنا الإنجيليّ هذا النص: ”إِنْ رَأَى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئُ خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ، يَطْلُبُ، فَيُعْطِيهِ حَيَاةً لِلَّذِينَ يُخْطِئُونَ لَيْسَ لِلْمَوْتِ. تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأَجْلِ هَذِهِ أَقُولُ أَنْ يُطْلَبَ. 17كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ، وَتُوجَدُ خَطِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ“ (1يو5: 16، 17)،[8] فهل هُناك بالفعل خطيّة للموت، أي ليس لها مغفرة؟ يجيبنا القديس يوحنا ذهبيّ الفم قائلًا:

”ومثال لخطية التجديف على الروح القدس هو يهوذا الإسخريوطيّ الذي انقطع منه كلّ رجاء توبة، وما كانت ندامته سوى زيادة خطية على خطية فإنّه ذهب وشنق نفسه وارتكب إثمًا فوق إثمه. فعلى ذلك طالما يرجى من الخاطىء ندامة فلا تكون خطيته تجديفًا على الروح القدس، ولكن متى صمت صوت ضميره وتأصّل في قلبه بغض شيطانيّ ضد نعمة الله التي كان ذاقها، وصارت حالته شبيهة بحالة الشيطان وبحالة يهوذا الإسخريوطيّ ولم يبق له رجاء توبة. حينئذ تكون خطيته تجديفًا على الروح القدس، ولا يمكن أن يحصل على غفران نظرًا للحالة الشنيعة التي وصل إليها. وقانا الله من مثل هذا التخلي الفظيع“.[9]

فهذه الخطية هي عدم الرجاء في الغفران الإلهيّ، إنعدام الإيمان بأنّ الله يغفر كلّ خطية مهما كانت ومهما كان فاعلها، وأيًا كان عِظَم مِقدار هذه الخطية في أعين البشر، فعدم الرجاء في مراحم الله هو أعظم خطية وأكبر خطية لا تُغفر.


الاعتراف على يد كاهن


بداية، يجب أن نعرف أنّ سرّ الاعتراف كان جهاريًّا ولمرة واحدة قبل العماد، وذلك في القرون الخمسة الأولى، ثمّ تطوَّر السرّ في الغرب حتّى صار الاعتراف في أذن الكاهن، ثمّ صار هُناك كرسيّ اعتراف بجانب حجرة تحجب المعترف عن الكاهن.

أمّا في الشرق فيكفي أن نذكر أنّ الاعتراف على يد كاهن كانت تعدّه الكنيسة القبطيّة بدعة، وترفضه تمامًا، وهُناك حادثة شهيرة لكاهن يُدعى مرقس بن قنبر، في القرن الثاني عشر، تمّ ايقافه لأنّه كان يدعو الناس للاعتراف على يد كاهن. وكانت الكنيسة القبطية تستخدم الاعتراف على الشوريا بدلًا من ذلك، وظلّ الأمر هكذا على مدى قرن ونصف تقريبًا، وفي معية ثلاثة بطاركة.


عند الآباء


قال القديس يوحنا ذهبيّ الفم:

”لإنّ ساكني الأرض والقاطنين فيها قد سمح لهم أن يسوسوا ما في السموات، وأخذوا سلطانًا لم يعطه الله لا للملائكة ولا لرؤساء الملائكة، لأنّه لم يقل لأولئك كلّ ما تربطونه على الأرض يكون مربوطًا في السماء، وكلّ ما تحلّونه على الأرض يكون محلولًا في السماء.. ثمّ أنّ للمتسلطين سلطانًا في الأرض أن يربطوا ولكنهم يربطون أجسادًا فقط، وأمّا هذا الرباط فإنّه يمس النفس عينها، ويجتاز السموات، وما يعمله الكهنة تحت يثبته الله فوق، ويؤيّد السيد رأي العبيد“.[10]

وقال أيضًا:

”إنّ الآباء الطبيعيّين إذا خالف أولادهم أحدًا من الرؤساء أو ذوي القدرة في هذه الحياة لا يستطيعون أن ينفعوهم شيئًا. وأمّا الكهنة فإنهم كثيرًا ما استعطفوا وصالحوا لا رؤساء وملوكًا بل الله نفسه“.[11]

وقال أيضًا:

”أي سلطان يمكن أن يكون أعظم من هذا السلطان؟ إن الآب أعطى الحكم كلّه للابن وأرى أنّ هؤلاء تسلموه كلّه من الابن.. وقد كان لكهنة اليهود سلطان أن يطهروا برص الجسد، وبالأحرى لم يكونوا يطهرونه بل يفحصون المعتوقين منه، وأنت تعلم كم كان سلطانهم وقتئذ مشتهى. ولكن هؤلاء قد نالوا سلطانًا لا على برص جسدانيّ بل على الدنس النفسانيّ، ولا أن يفحصوه بعد التطهير بل أن يطهروه تمامًا“.[12]

وقال القديس أمبروسيوس:

” من يستطيع أن يترك خطايا إلَّا الله وحده والذين أعطاهم هو هذا السلطان“. ”إنّ هذا الحق أعطيَّ للكهنة وحدهم“.[13] ”إنّ البشر يتممون سرّ التوبة لغفران الخطايا من دون أن يكون لهم سلطان في ذلك باسمهم، وإنّما يتمّمونه بالاسم الممجد اسم الآب والابن والروح القدس، فهم يطلبون والله يعطي وعلى البشر الطاعة هُنا ومن الله الهبة العظيمة“.[14]

وقال المطوَّب أغسطينوس:

”إنّ الخطية إذا فعلها موعوظ تغسل بالمعموديّة، وإذا فعلها معتمّد تترك بالتوبة“. ”وقروهم (الآباء الروحيّين) وأكرموهم وقدموا لهم جميع أنواع الكرامة، لأنّهم أخذوا من الله سلطان الحياة والموت بأن يحاكموا الخطاة ويحكموا بموت نار أبديّ، وأن يحلّوا الراجعين عن خطاياهم“.

 

الكاهن شاهد للكنيسة أمام المسيح، وليس غافرًا للخطايا


ليس في الكنيسة الأرثوذكسيّة كرسيّ اعتراف على الطراز الكاثوليكيّ، فالتائب والمعرِّف على العموم يقفان معًا أمام الأيقونسطاس، وأحيانًا وراء ستاره، أو داخل غرفة مخصّصة لهذا الأمر. يقف التائب أمام الصليب أو أيقونة السيّد أو كتاب الأناجيل، ويقف الكاهن إلى جانبه. ووضع الشخصين على هذا النحو يؤكِّد بأن الله هو الحاكم في الاعتراف، وبأن الكاهن ليس سوى شاهد وخادم الله. ويُشار إلى ذلك أيضًا من خلال قول الكاهن قبل سماع الاعتراف:

”يا ولدي، المسيح موجود هنا بشكل غير منظور ويتقبل اعترافك. لا تخجل ولا تخش شيئًا ولا تخبئ عليّ أي أمر. بل اذكر بدون إحجام كلّ ما اقترفته، كي تحوز على الغفران من ربنا يسوع المسيح. انظر إلى أيقونته قربنا. وما أنا سوى شاهد يشهد أمامه لكل ما ستقوله لي. ولكن لو أخفيت عني شيئًا، ستقترف ذبنًا كبيراُ. تشجّع إذًا، جئت إلى الطبيب، فحذار أن تعود غير معافى“.[15]

 

شرح بعض الآيات الخاصة بمفهوم الحل والربط


مت 18:16و19 ”وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أنت بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأرض يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَوَاتِ. وكلّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأرض يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَوَاتِ“.

ليس عفويًا أن يعطي المسيح مفاتيح ملكوت السموات لبطرس ليربط ويحل، بل على أساس الإيمان الذي أرسى قواعده، فهذا الإيمان إن شبَّهناه بالمفتاح يصبح كلّ مفتاح ينطبق على هذا المفتاح بمواصفات الإيمان الذي فيه، إذا دخل ”الكالون“ وانطبقت المواصفات انفتح ”الكالون“ من ذاته، وبالتالي انفتح الباب السماوي الذي للملكوت. فبطرس لا يفتح بإرادته ولا يغلق بإرادته، ولكن بمقتضى انطباق إيمان كلّ إنسان طالب الملكوت. فطالما انطبق إيمانه على إيمان بطرس الذي أصبح إيمان الكنيسة ينفتح له باب الملكوت، والذي إيمانه لا يطابق إيمان الكنيسة الذي هو ”يسوع المسيح ابن الله“ لا ينفتح له الملكوت، مهما كانت مشيئة الناس.[16]

وفعلًا فتحَ بطرس ملكوت السماوات أولًا لليهود في (أعمال الرسل 14:2-42) وثانيًا للسامريين في (أعمال الرسل 14:8-17) وثالثًا للأمم في (أعمال الرسل 1:10 إلخ).

كما أنّ الرسول بطرس مُشتركًا في ربط خطية حنانيا وامرأته عليهما للتأديب (أعمال الرسل 1:5-11) وكذلك خطية سيمون الساحر أيضًا الذي كان قد اعترف بالمسيح (أعمال الرسل 20:8) غير أن الحكم بالتأديب في هذه الحادثة الأخيرة إنما يستنتج من جواب سيمون نفسه الذي ظهر له أنّه لا بد من وقوع القصاص عليه طبقًا لكلام الرسول. وأما من جهة اشتراك الرسول في إجراء الحل فلم يُرِد في الكتاب ذكر لذلك. ونرى الرسول بولس أيضًا مُشتركًا في هذا العمل من الوجهين، أولًا الربط في (أعمال الرسل 6:13-12) حيث ربط خطية باريشوع عليه للقصاص إلى حين. وفي ذلك ما يستحق المُلاحظة لأن المذكور لم يكن قد اعترف باسم المسيح ولكنه كان يهوديًا تحت المسئولية الخصوصية لله فأجرى عليه الحكم التأديبي على وجه صائب. وكان أيضًا نبيًا كذابًا يُقاوم الحق. وكان في ذلك مثالًا لأُمة اليهود على وجه الإطلاق. فإنهم رفضوا المسيح. وصاروا أشد المُقاومين للإنجيل إلى أن أفرغوا صبر الله وطول أناته فربط خطاياهم عليهم للقصاص. فاستخدم بولس ليُخصص لهم نبوة إشعياء بشأن ذلك (انظر أعمال الرسل 23:28-27؛ تسالونيكي الأولى 15:2، 16). فسقوط الضباب والظلمة على بصر ذلك المُقاوم إلى حين هو نظير الحكم بالعمى، الذي حكم به على اليهود إلى هذا اليوم. ونرى أيضًا أن هذا الرسول قد حكم بالربط (كورنثوس الأولى 3:5-5) وبالحل (كورنثوس الثانية 5:2-11) وبالربط أيضًا (تيموثاوس الأولى 20:1). ويتضح من هذه العبارات المُتعلقة بإجراء الربط والحل أنهما من الأعمال التي تُجرى على الأرض مؤقتًا. ولا دخل لهما في أمر خلاص النفس أو هلاكها. حتّى ولو كان التأديب ينتهي بموت المحكوم عليه فإننا لا نقدر بناء على ذلك أن نجزم بهلاكه.

إن كان ملكوت السماوات هو عمل إلهيّ يعلنه الآب في قلوبنا بالروح القدس في ابنه، فقد قدّم مفاتيح هذا الملكوت بين يديّ الكنيسة، لا لتسيطر، وإنما لتخدم البشريّة. لقد تسلّمت السلطان لا لتعمل بذاتها بل بالروح القدس الساكن فيها. فتشترك العروس في عمل العريس نفسه، لتنال كرامة الشركة معه على أن تتم إرادته الإلهيّة في سلوكها.

مفتاح الملكوت في الحقيقة هو في ملكيّة ابن داود نفسه الذي يفتح ولا أحد يُغلق، ويُغلق ولا أحد يفتح، فإنّ كان السيّد قد وهب كنيسته هذا المفتاح الإلهيّ إنّما يأتمنها عليه ويبقى هو العامل سرّيًا في داخلها، يعرف من يستحق فيفتح له خلالها ومن يتركه خارجًا يغلق عليه.[17]


مت 18:18 ”الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كلّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأرض يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وكلّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأرض يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ“.

فالحلّ والربط هنا يخص التعليم ووضع الأُسّس الصحيحة للكنيسة وتعاليمها عامة. أمَّا المعنى الثاني وهو الغفران من عدمه فهو بعد نوالهم قوة الروح القدس، الأمر الذي جعله ق. يوحنا لهم خاصة، بالنفخ في وجوههم بعد القيامة مباشرة، ودون انتظار حلوله العام في يوم الخمسين، وذلك لأهمّيّة الروح القدس في الغفران وإعطاء المشورة في الربط. وسواء كان الأوّل أو الثاني فهو السور المنيع الذي حفظ الكنيسة من الخارجيّن عن الإيمان الصحيح ومبتدعي العقائد. ولا تزال تحافظ الكنيسة على هذا السلطان من أجل غفران الخطايا وعدم غفرانها، دون شروط مسبقة من المسيح، ذلك اعتمادًا على مشورة الروح القدس.[18]

إذًا برفضه الكنيسة يَحرم الإنسان نفسه من العضويّة في جسد المسيح، ويصير من حق الكنيسة أن تربطه. إذ يكمّل السيِّد كلماته هكذا: ”الحق أقول لكم كلّ ما تربطونه على الأرض، يكون مربوطًا في السماء، وكلّ ما تحلّونه على الأرض يكون محلولًا في السماء“. أنّه يربط نفسه بنفسه برفضه الفكر الكنسي، وتلتزم الكنيسة أن تربطه ليس تشفيًا فيه، وإنما لحفظ بقيّة الأعضاء من فساده لئلا يتسرب إليهم، كما تُعزل الخميرة الفاسدة عن العجين كله، أو يُبتر العضو الفاسد. وإن كان هذا الأمر لا يتمّ باستهتار أو بتسرّع. فإنه ليس سهلًا أن يقبل إنسان بتْر عضو من جسده إلا بعد استخدام كلّ وسيلة ووسيلة لعلاجه، وحينما يجد جسده كلّه في خطر يلتزم تسليمه للبتْر. أقول أنّه ما أصعب على قلب الكنيسة أن ترى إنسانًا. يُلقي بنفسه خارجًا ويُلزمها بربطه، أنها تبقى منتظرة من يومٍ إلى يومٍ رجوعه لكي تحِلُّه فيجد بابها مفتوحًا له. لهذا يذكر السيِّد الربط أولًا فالحَل، ليعطي للمربوطين رجاءً في الحَل، وليلهب قلب الكنيسة نحو حلّ المربوطين فلا تستكين من جهة خلاصهم حتّى وإن كانوا قد ألقوا أنفسهم بأنفسهم خارج أبوابها.[19]


يو20: 23 ”مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ“.

وقال القديس كيرلس السكندريّ:

”ان المتوشحين بالروح القدس يتركون الخطايا أو يمسكونها على نوعين كما أرى: أما بأنهم يدعون إلى المعموديّة الذين اقتضى نوالهم اياها حسن سلوكهم وخبرتهم في الإيمان، وأما بأنهم يمنعون البعض ويحجبونهم عن النعمة الالهية، لأنهم لم يصيروا بعد مستحقين لها. أو على وجه آخر أيضًا يتركون الخطايا ويمسكونها، وذلك أما بقصاصهم أبناء الكنيسة عندما يخطئون واما بمسامحتهم اياهم عندما يندمون“.[20]

ومن الأهمّيّة بمكان عظيم, أن نذكر:

 (1) إنّ هذا السلطان ليس وقفًا على فرد من الأفراد, مهما سمت رتبته, لكنه من حق الكنيسة مجتمعة.

(2) إنّ الحل والعقد المذكورين في هذه الآية, ليسا من الأحكام التعسفية التي يصدرها من يشاء, حسبما يشاء, بل هما من النتائج المترتبة على الكرازة بكلمة البشارة. فالكلمة نفسها هيَ خير حكم لمن يقبلونها, وعلى من يرفضونها. أو بعبارة أخرى: إن خير حكم للإنسان, أو عليه, هو الإنسان نفسه – فإنّ قبل كلمة البشارة تمتع بنعمة الغفران, وإن رفضها صار هو الحاكم على نفسه بأنه ليس أهلًا لهذه النعمة. وخير مثال لذلك, ما جاهر به بولس وبرنابا لليهود الذين لم يقبلوا كلمة الإنجيل ”كان يجب أن تكلموا أنتم بكلمة الله ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية, هو ذا نتوجه إلى الأمم“ (أعمال 13: 46). وما إمساك الخطايا إلا نتيجة طبيعية لعدم غفرانها.



[1] في التوبة 3:3.

[2] في أدبياته 1: 3.

[3] شرح إشعياء 15.

[4] عظة 7: 5على 2كو.

[5] على إشعياء 1: 5: 14.

[6] أدبيات 1: 4.

[7] في التوبة 3: 4.

[8]  هذا النص يوضِّح بأجلى بيان أنّ للكنيسة حقّ الشفاعة في خطايا الآخرين، هذا الأمر -كما أوضحنا- الذي كان في قدرة المسيح على الأرض، ونقله للكنيسة إذ هيَ جسده.

[9] تفسير متّى عظة 41: 3.

[10] في الكهنوت عظة 3: 4 و5.

[11] في الكهنوت 3: 6.

[12] الكهنوت عظة 3: 5و6.

[13] التوبة 1: 2.

[14] في الروح القدس 3: 8.

[15] هذا الإرشاد موجود في الكتب الطقسيّة السلافونيّة وليس في الكتب اليونانيّة أو القبطيّة، أو العربيّة.

[16] الأب متّى المسكين، شرح وتفسير إنجيل القديس متّى.

[17] من تفاسير وتأملات الآباء الأولين، على إنجيل متى، الأب تادرس يعقوب.

[18] الأب متّى المسكين، شرح وتفسير إنجيل القديس متّى.

[19] من تفاسير وتأملات الآباء الأولين، على إنجيل متى، الأب تادرس يعقوب.

[20] تفسير يوحنا 20: 23.

سر الميرون

 


في الكتاب المُقدّس


”لما سمع الرسل الذين في أورشليم أن السامرة قد قبلت كلمة الله أرسلوا اليهم بطرس ويوحنا. اللذين لما نزلا صليا لاجلهم لكي يقبلوا الروح القدس. لأنه لم يكن قد حل بعد على احد منهم. غير انهم كانوا معتمدين باسم الرّبّ يسوع. حينئذ وضعا الأيادي عليهم فقبلوا الروح القدس“ (أع 8: 14- 17)

فمن قوله ”غير انهم كانوا معتمدين باسم الرّبّ يسوع“ يتضح ان سرّ المعموديّة ليس هو قبول الروح القدس للتثبيت الذي لا يحل الا بواسطة سرّ الميرون.

وكذلك لما جاء بولس الرسول إلى افسّس:

”فإذ وجد تلاميذه قال لهم هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم: قالوا له ولا سمعنا أنّه يوجد الروح القدس. فقال لهم فبماذا اعتمدتم؟ فقالوا بمعموديّة يوحنا. فقال بولس إنَّ يوحنا عمَّد بمعموديّة التوبة قائلًا للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده أي بالمسيح يسوع. فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرّبّ يسوع. ولما وضع بولس يده عليهم حل الروح القدس عليهم“ (أع 19: 2 و6).

ويكتب في موضع آخر:

”ولكن الذي يثبتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح في قلوبنا“ (2كو 1: 21 و22)

وعند كلامه عن المعموديّة يقول:

”لكن اغتسلتم ــ ثمّ يردفها بقوله ــ بل تقدستم“ (1كو 6: 11)

ويقول أيضًا:

”خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس“ (تي 3: 5، أف 5: 26)

وفي (عب 6: 2) يشير إلى تعليم المعموديات ووضع الايادى، وفي ذلك دلالة ظاهرة على أن وضع الأيادي خلاف المعموديّة.


عند الآباء


وُجِد سرّ الميرون، أو وضع الأيدي في العصر المسيحيّ الأوّل كعادة مقبولة من عامّة الكنائس، يتضح من الكتاب المدعو القوانين الرسوليّة،[1] ومن جيروم.[2] وأخذوا يستعملون عبارات تشعر أنّ الروح القدس كان يُعطى مع الزيت.[3] قال القديس ديوناسيوس الأريوباغيّ في كلامه عن سرّ الشركة:

”لكن توجد تكملة أخرى معادلة لهذه (أي الشركة) يسميها معلمونا الرسل“ (تكملة الميرون)“

ثم أخذ في شرح تجهيز الميرون وكيف تتمّ المسحة على المعتمدين. والمواهب التي تمنحها إلى أن قال

”إنّ مسحة التكميل بالميرون المُقدّس لمن استحق سرّ الولادة الثانية يمنحها حلول الروح ذي العزة الإلهيّة“.[4]

وقال العلامة ترتليانوس:

”بعد خروجنا من حميم المعموديّة مسحنا بزيت مُقدّس تبعا للتكملة القديمة، كما كانوا قديما يدهنون بزيت القرن لنوال الكهنوت... ان المسحة تتم علينا جسديا لكننا نستثمر منها اثمارا روحية، كما في المعموديّة حيث نعتمد جسديا بالماء ونستثمر اثمارا روحية إذ نتنقى من الخطايا. وبعد ذلك توضع اليد التي مع البركة تستدعى الروح القدس وتحدره“.[5]

وقال القديس كبريانوس:

”من اعتمد ينبغي أن يمسح أيضًا لكي يصير بواسطة المسحة ممسوحًا لله ويأخذ نعمة المسيح“.[6]

وقال في (رسالة 72 عن الهرطقة): ”لإنّهم لا يستطيعون أن يتقدّسوا تمامًا ويصيروا أبناء الله بدون إعادة ولادتهم بواسطة السرّين“.

وقال أيضًا في (رسالة 73): ”كما أنّ الرسولين بطرس ويوحنا بعد صّلاة واحدة استحدار الروح القدس على سكان السامرة بوضع الأيادي، هكذا في الكنيسة أيضًا من ذلك الحين جميع المعمدين ينالون الروح القدس ويختمون بختمه عند دعاء الكهنة ووضع أياديهم“.

وقد ورد في أوامر الرسل:

”بعد هذا فليعمده الكاهن باسم الآب والابن والروح القدس وليمسحه بالميرون“.[7]

وقال القديس كيرلس الأورشليميّ:

”قد صرتم مسحاء إذ قَبِلتم الروح القدس، وكلّ شيء قد صار عليكم بحسب الرسم إذ أنّكم رسوم المسيح، فإنّه لما استحم في نهر الأردن وصعد منه، انحدر الروح القدس عليه جوهريًّا واستراح المثيل على مثيله، ونحن أيضًا بعد أن صعدنا من جرن الينابيع المُقدّسة مُنِحَت لنا المسحة رسميًّا كما مُسِح بها المسيح... لكن انظر واحترس من أن تظن ذاك الميرون بسيطًا، لأنّه كما أنّ خبز الشكر بعد استدعاء الروح ليس خبزًا بسيطًا، بل هو جسد المسيح. هكذا هذا الميرون المُقدّس لا يُعدّ ميرونًا بسيطًا ولا عموميًّا بعد الدعاء، بل موهبة المسيح وحضور الروح القدس فاعلًا فعل إلوهيّته فتمسح به على جبهتك وسائر حواسك، والمسيح هو الذي رُسِم. فإنّ الجسم يدهن بالميرون الظاهر ولكن النفس تُقدَّس معًا بالروح القدس المحيى“.[8]

وقال القديس إفرام السريانيّ:

”إنّ سفينة نوح كانت تُبشِّر بمجيء المزمع أن يسوس كنيسته في المياه، وأن يرتد أعضاؤها إلى الحرّيّة باسم الثالوث القدّوس. وأمّا الحمامة فكانت ترمز إلى الروح القدس المزمع أن يصنع مسحة هيَ سرّ الخلاص“.[9]

وقال القديس كيرلس السكندريّ:

”إنّ الميرون يشير حسنًا إلى مسحة الروح القدس“.[10]

كما قال القديس كيرلس الأورشليميّ في مقالته الثالثة عن الأسرار:

”بعد خروجنا من جرن مجاري المياه المُقدّسة أعطيت المسحة وهيَ رسم المسحة التي مسح بها المسيح فهذه هيَ الروح القدس“.

وورد في مجمع اللاذقية:

”يجب على المستنيرين أن يمسحوا بعد المعموديّة بمسحة سمائيّة ويشتركوا في ملكوت المسيح“.

 

 خادم السرّ


إنَّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تُعلِّم أنّ تكريس سرّ الميرون هو من حق الأساقفة فقط، أمَّا إتمامه فلا يختصّ بالأساقفة وحدهم بل بالقسوس أيضًا. فقد ورد في أوامر الرسل:

”أيها الأسقف أو القس قد رتبنا سابقًا والآن نقول.. ينبغي أن تُدهن أولًا بزيت ثمّ تعمِّد بماء وأخيرًا تختم بالميرون“.

والقديس أمبروسيوس يؤكِّد أنّ مسحة الميرون تتمم من القس، وأنّه عندما يصلى يحلّ الروح القدس، فيكتب:

”فعندما تتقدّم بهذا (أي بعد المعموديّة) إلى الكاهن، تأمل ماذا يتمّ. أليس ما قاله داود: مثل الدهن على الرأس النازل على اللحية لحية هارون، هذا هو الميرون..“.[11]

وقال القديس يوحنا ذهبيّ الفم:

”لإنّهم (أي الأساقفة) يعلون على القسوس بالشرطونيّة وحدها فقط، وبها وحدها يظهر أنّهم يسمون عليهم“.[12]

وقال المطوَّب جيروم:

”ما الذي يصنعه الأسقف ولا يصنعه القس غير الشرطونية“.[13]

أمَّا استناد الذين يقولون إنّ حقّ المسحة للأساقفة وحدهم بناء على ما جاء في (أع 8: 14- 16)، من جهة إرسال بطرس ويوحنا إلى أهل السامرة لوضع أيديهما عليهم لحلول الروح القدس، فهذا لأنّ فيلبس الذي عمّدهم كان شماسًا ولم يكن قسًا، ولذلك قال يوحنا ذهبيّ الفم:

”لماذا لم يكن هؤلاء السامريّون قد نالوا الروح القدس بعد التعميد؟ لإنّ فيلبس لم يمنحهم إياه اعتبارًا للرسل على رأي بعضهم. وإمّا لأنّه لم تكن له هذه السلطة بما أنّه كان واحدًا من الشمامسة السبعة وهذا هو الأرجح“.[14]

 

نفاذ الميرون


في القرن الثاني عشر وُجِدَت رسالة من أسقف مصريّ مرسلة إلى كلّ من: ديونسيوس الصليبيّ والبطريرك ميخائيل الكبير، جاء فيها:

”لم يزل العماد بالدهن الموروث المُقدّس الذي كان من الحنوط إلى أن أُهمِل أمره، ونفذ“.

لكن، لنذكر دائمًا، أنّ للكنيسة الحقّ في إعادة تقديس الخليقة كلّها، وليس الميرون فقط، فالمسيح إلهنا ذاته يعمل من خلالها وفيها، إذ هيَ جسده ذاته، هيَ امتداد تجسيد الله في العالم. 



[1] 3: 17؛ 7: 22.

[2]  في نبوة حزقيال، 9. كما نجده أيضًا عند ديوناسيوس الأريوباغيّ في (كتاب رئاسة الكهنوت 7: 4- 7) وكيرلس الأورشليميّ في (مقالة عن الأسرار) ويوحنا ذهبيّ الفم في (تفسير 2كو فصل 2) وأمبروسيوس في (الأسرار فصل 5).

[3] حتّى إنّنا نجد عبارات مثل هذه في كبريانوس (رسالة 70 إلى يانواريوس) وأمبروسيوس(الأسرار، 7) وأغسطينوس (فصل 6 في تفسير رسالة يوحنا).

[4] كتاب رئاسة الكهنوت 4: 1و 11، 2: 8.

[5] في المعموديّة، 7، وضد مركيانوس 3: 22.

[6] رسالة 70.

[7] 7: 43.

[8] تعليم الأسرّار 3: 3.

[9] عظة 19 ضد الفاحصين.

[10] على يوئيل 2: 23.

[11] في الأسرّار فصل 7.

[12] مقالة 10: 1 على 1تى.

[13] رسالة 145: 1.

[14] مقالة 18: 3 على سفر الأعمال.