في ماهية الأقنوم
الأقنوم لفظة سريانية تقابل المصطلح
اليوناني "هيبوستاسيس" (Hypostasis)، وتشير إلى الكائن الشخصي لا الصفة المجردة. فالأقانيم ليست مجرد
صفات جوهرية في الله، والابن ليس مجرد صفة إلهية، بل هو "إله من إله".
ويجب التحرز في استخدام مصطلح
"شخص" لكونه يغاير الاستخدام الأنثروبولوجي المعاصر لسببين:
1- اللاهوت يختص بالذات الإلهية، مما يستوجب تنزيه المفاهيم عن القياسات والمقاييس البشرية.
2- مفهوم "الشخص" في الفكر الآبائي كان يقوم على "الحركة الوجودية نحو الآخر" أو "الكينونة في علاقة"، وبدون هذه العلاقة ينعدم الوجود. غير أن هذا المفهوم شهد تحولاً جذرياً مع "الكوجيتو" الديكارتي وفلسفة جون لوك، حيث انحصر المعنى في "الذات المفكرة" المستقلة، مما أدى إلى استبدال مفهوم "الانجماع في علاقة" بـ "الفردانية".
في التمايز بين الأقانيم
لا تمايز بين الأقانيم إلا في الخواص
الأقنومية، وهي: اللاولادة (للآب)، والولادة (للابن)، والانبثاق (للروح القدس).
والولادة والانبثاق هي تعبيرات كتابية استند
إليها الآباء للتمييز بين الأقنومين الثاني والثالث، مع الإقرار بأن الفارق
الجوهري الدقيق بين هاتين الكلمتين يظل فوق حدود الإدراك البشري.
في التوحيد المسيحي
الوحدانية في التعليم الآبائي ليست وحدانية
حسابية (جامعة مانعة)، فالله ليس واحداً كالأرقام أو كالكائنات الجامدة والمصمتة.
إن وحدانية الله تعني "فرادته"، أي أنه لا يوجد كيان آخر يشارك في ذات
الطبيعة الإلهية.
وقد أرجع آباء الكنيسة هذه الوحدانية
الإلهية إلى خمس ركائز:
1- وحدة العمل: فكل الأقانيم تشترك معاً في كل فعل إلهي.
2- وحدة الأصل (الملكية): حيث إن الآب هو الأصل والمصدر الذي وُلد منه الابن وانبثق عنه الروح.
3- البساطة الإلهية: الطبيعة الإلهية بسيطة غير مركبة، فلا تقبل الانقسام أو التجزئة لأنها لا تتألف من أجزاء.
4- انتفاء الفارق الزمني والمكاني: انعدام أي حيز مكاني أو فاصل زمني بين الأقانيم، فهم كائنون في كل مكان وفي كل وقت.
5- الاحتواء المتبادل (Perichoresis): وهو المصطلح الذي استخدمه اللاهوتيون بناءً على النصوص الإنجيلية: «أنا في الآب والآب فيَّ» (يو ١٤: ١٠)، لتصوير الأقانيم في حالة سُكنى متبادلة وتناغم وجودي لانهائي.
ختاماً: إن منطق الثالوث لا يخضع للمعادلات
الرياضية (سواء الجمع أو الضرب)، لأننا لا نتحدث عن ثلاثة أقانيم يساوون أقنوماً
واحداً، بل عن ثلاثة أقانيم متمايزة في جوهر واحد بسيط.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق