الأربعاء، 6 مايو 2026

إعداد المخطوطات

 


إعداد المخطوطات[1]

 

إن هناك عاملًا آخر يعزز الثقة في أمانة النص المنقول، وهو مستمد من مراعاة عملية النسخ والعناية اللاحقة بالمخطوطات.

 

إعداد نسخ المخطوطات

 

العهد القديم:

 

على الرغم من استحالة تحديد بداية الكتابة العبرية على وجه اليقين، إلا أنها كانت سابقة لعصر موسى. وهكذا، نُسخت الأسفار المقدسة منذ تاريخ مبكر. وقد صُنعت هذه النسخ وفقًا لمعايير مختلفة، اعتمادًا على الغرض من المخطوطة الجاري نسخها. لا توجد مخطوطات باقية تعود إلى ما قبل السبي البابلي (586 ق.م)، ولكن كان هناك فيض هائل من نسخ الأسفار المقدسة التي يعود تاريخها إلى الفترة التلمودية (حوالي 300 ق.م - 500 م). وخلال تلك الفترة، كان هناك فئتان عامتان من نسخ المخطوطات:

 

لفائف المجمع (Synagogue rolls): كانت تُعتبر "نسخًا مقدسة" لنص العهد القديم وتُستخدم في أماكن الاجتماعات العامة. كانت اللفائف/الأدراج المنفصلة تحتوي على التوراة (الناموس) في درج واحد، وأجزاء من "الأنبياء" (Nevi’im) (نبي-ئيم) في درج آخر، و"الكتوبيم" (Kethuvim) (كتو-فيم) (الكتابات) في درجين آخرين،[2] و"الميجيلوث" (Megilloth) (مي-جي-لوث) ("اللفائف الخمسة") في خمسة أدراج منفصلة. ولا شك أن "الميجيلوث" أُنتجت في أدراج منفصلة لتسهيل قراءتها في الأعياد السنوية.[3] وقد استُخدمت قواعد صارمة حتى تُنسخ هذه الأدراج بدقة متناهية. وقد نقل Samuel Davidson هذه القواعد بدقة بالغة حين كتب:

[1] يجب أن يُكتب درج المجمع على جلود حيوانات طاهرة،

[2] يُعدها يهودي خصيصًا لاستخدام المجمع.

[3] يجب ربط هذه الجلود معًا بخيوط مأخوذة من حيوانات طاهرة.

[4] يجب أن يحتوي كل جلد على عدد معين من الأعمدة، يكون متساويًا في المخطوطة بأكملها.

[5] يجب ألا يقل طول كل عمود عن 48 سطرًا ولا يزيد عن 60 سطرًا؛ ويجب أن يتكون العرض من ثلاثين حرفًا.

[6] يجب تسطير النسخة بأكملها أولًا؛ وإذا كُتبت ثلاث كلمات بدون سطر، فهي عديمة القيمة.

[7] يجب أن يكون الحبر أسود، وليس أحمر ولا أخضر ولا أي لون آخر، ويُعد وفقًا لوصفة محددة.

[8] يجب أن تكون النسخة الموثوقة هي النموذج، الذي لا يجوز للناسخ أن يحيد عنه بأدنى درجة.

[9] لا يجوز كتابة كلمة أو حرف، ولا حتى "يود" (Yod) واحدة (أصغر حرف عبري)، من الذاكرة، دون أن ينظر الناظر إلى المخطوطة التي أمامه.

[10] بين كل حرف ساكن والآخر يجب أن يفصل مساحة شعرة أو خيط؛

[11] وبين كل "باراشا" (Parashah) (فقرة) أو قسم جديد، مساحة عرض تسعة حروف ساكنة؛

[12] وبين كل سفر، ثلاثة أسطر.

[13] السفر الخامس لموسى يجب أن ينتهي تمامًا بسطر؛ أما البقية فلا حاجة لذلك.

[14] بالإضافة إلى هذا، يجب أن يجلس الناسخ بملابس يهودية كاملة،

[15] ويغسل جسده بالكامل،

[16] ولا يبدأ في كتابة اسم الله بقلم غُمِس حديثًا في الحبر،

[17] وإذا خاطبه ملك وهو يكتب ذلك الاسم، فلا يجب أن يلتفت إليه.[4]

 

النسخ الخاصة: كانت تُعتبر "نسخًا عامة" لنص العهد القديم ولم تكن تُستخدم في الاجتماعات العامة. هذه الأدراج، رغم أنها لم تكن محكومة بقواعد صارمة مثل أدراج المجمع، إلا أنها أُعدت بعناية كبيرة. وكثيرًا ما كانت تُزخرف، وغالبًا ما اتخذت شكل "الكودكس" (الكتاب)، وكانت تتضمن أحيانًا ملاحظات هامشية وتفاسير. ولأنها كانت نسخًا خاصة، كانت رغبات المشتري هي الأهم في اختيار أمور مثل الحجم والمادة والشكل ولون الحبر. ونادرًا ما كان يمتلك الفرد مجموعة من الأدراج تحتوي على العهد القديم بأكمله.

 

العهد الجديد:

 

على الرغم من أن "الأوتوجرافات" (النسخ الأصلية) للعهد الجديد قد اختفت منذ زمن بعيد، إلا أن هناك من الأدلة ما يكفي لتبرير القول بأن تلك الوثائق كُتبت في أدراج وكتب مصنوعة من البردي. كان العهد القديم قد نُسخ في "الكتب والرقوق"، أما العهد الجديد فربما كُتب على البردي[5] بين عامي 50 و100 م تقريبًا.[6] وخلال هذه الفترة، استُخدمت أدراج البردي، ولم يبق البردي لفترات طويلة إلا عندما يُوضع في ظروف غير عادية إلى حد ما. وبحلول أوائل القرن الثاني، أُدخلت "الكودكسات" (المخطوطات في شكل كتاب) ولكنها كانت لا تزال تُصنع عمومًا من البردي.[7] وكنتيجة ثانوية للاضطهادات، التي بلغت ذروتها بمرسوم دقلديانوس في عام 302/3 م، تعرضت الأسفار المقدسة للخطر ولم تُنسخ بشكل منهجي.

ومع رسالة قسطنطين إلى يوسابيوس بدأ النسخ المنهجي للعهد الجديد في الغرب. ومنذ ذلك الوقت، استُخدم الـ "فيلوم" (Vellum)[8] والرق (Parchment) جنبًا إلى جنب مع البردي. ولم تتوفر النسخ المطبوعة من الكتاب المقدس إلا في عصر الإصلاح.

 

الخلاصة

 

منذ بدايات الكتابة العبرية، نُسخت الأسفار المقدسة وفق معايير دقيقة، خاصة في لفائف المجمع التي عُدت نسخًا مقدسة، حيث وُضعت لها قواعد صارمة في المادة والحبر والتسطير وحتى في طريقة جلوس الناسخ وملابسه.

أما النسخ الخاصة فكانت أقل صرامة لكنها أُعدت بعناية وزُخرفت أحيانًا واتخذت شكل الكودكس، لتلبية رغبات المشتري.

في العهد الجديد، كُتبت الأوتوجرافات أولًا على البردي بين 50 و100م، ثم ظهر الكودكس في القرن الثاني، لكنه ظل غالبًا من البردي، ومع الاضطهادات تعرضت النصوص للخطر ولم تُنسخ منهجيًا.

ومع قسطنطين ويوسابيوس بدأ النسخ المنظم، ومنذ ذلك الحين استُخدم الفيلوم والرق بجانب البردي، حتى جاء عصر الإصلاح ليشهد ظهور النسخ المطبوعة.

هكذا تكشف عملية النسخ والعناية بالمخطوطات عن أمانة النص المنقول ودقة حفظه عبر العصور.



[1] Norman L. Geisler and William E. Nix, A General Introduction to the Bible, Rev. and expanded. (Chicago: Moody Press, 1996, c1986). 349

[2] كانت ثلاثة من هذه الأسفار في درج واحد من الأسفار الشعرية: أيوب، والمزامير، والأمثال؛ وثلاثة أسفار أخرى كانت في الدرج الآخ: دانيال، وعزرا-نحميا، وأخبار الأيام.

[3] في عيد الفصح، كان يُقرأ نشيد الأنشاد؛ وفي العنصرة (عيد الأسابيع)، كانت راعوث؛ وعيد المظال تميز بسفر الجامعة؛ وعيد الفوريم استخدم أستير؛ وفي ذكرى خراب أورشليم، كانت تُقرأ مراثي إرميا.

[4] Samuel Davidson, The Hebrew Text of the Old Testament, p. 89

كما ورد في

James Hastings, ed., A Dictionary of the Bible, 4:949

[5] F. F. Bruce, The Books and the Parchments, rev. ed., pp. 176-77

[6] Sir Frederic G. Kenyon, Our Bible and the Ancient Manuscripts, pp. 98-102

[7] كان البردي أقل تكلفة بكثير في الحصول عليه من الفيلوم أو الرق.

[8] الـ Vellum هو نوع فاخر من الرق الحيواني مصنوع غالبًا من جلد العجل الصغير، يتميز بنعومة وبياض ومتانة تفوق الرق العادي. في المخطوطات يُفرّق بين جانب اللحم الناعم الأبيض وجانب الشعر الذي قد يحمل مسام أو آثار، وكان النساخ يحرصون على ترتيب الأوراق بحيث تتقابل الجوانب المتشابهة. استُخدم بكثرة في العصور الوسطى والنهضة لكتابة المخطوطات الثمينة مثل الأناجيل المذهبة والمزامير. عملية تصنيعه تترك علامات مميزة مثل الثقوب الناتجة عن شد الجلد والحواف غير المنتظمة، وهي دلائل يعتمد عليها الباحثون لتحديد تاريخ المخطوطة. باختصار، الـ Vellum هو أرقى مادة كتابة قبل انتشار الورق. (المترجم)


ليست هناك تعليقات: