الأربعاء، 6 مايو 2026

انتقال نص العهد الجديد، انتقال المخطوطات وإعدادها وحفظها

 



انتقال المخطوطات، وإعدادها، وحفظها[1]

 

من أجل التقدير الكامل للعملية الكلية التي انتقل من خلالها الكتاب المقدس من القرن الأول إلى القرن العشرين، يجب مناقشة بعض الجوانب الميكانيكية (مثل إعداد المخطوطات، وعمرها، وحفظها). وإلى جانب هذه المسائل التقنية المتعلقة بالانتقال، تبرز تعريفات معينة أساسية لفهم هذه "الحلقة" الحاسمة في السلسلة الممتدة "من الله إلينا". والمناقشة التالية هي نظرة عامة على الانتقال والترجمة للنصوص الكتابية.

 

عملية الانتقال

 

التمييز بين الأصالة والموثوقية

 

كلمتي "الأصالة" (Genuineness) و"الموثوقية" (Authenticity) هما أساسيان. وللأسف، هناك بعض الخلط حول معنى هذين المصطلحين، إذ يُستخدمان بشكل متبادل أحيانًا في الأوساط اللاهوتية.

 

الأصالة (Genuineness): كما تُستخدم هنا، تشير الأصالة إلى حقيقة أصل الوثيقة، أي نسبتها إلى كاتبها. فهي تجيب على السؤال: هل هذه الوثيقة هي حقًا من مصدرها أو مؤلفها؟ هل هي بصدق عمل الكاتب المذكور؟ وعلى هذا النحو، فإن "الأصالة" هي موضوع "المقدمة الخاصة" (Special Introduction) التي تتعلق في المجمل بأمور مثل الكاتب والتاريخ والجهة الموجه إليها السفر الكتابي. أما "المقدمة العامة" (General Introduction)، من ناحية أخرى، فتهتم بمواضيع السلطان، والقانونية، والموثوقية.

 

الموثوقية (Authenticity): تشير هذه إلى حقيقة الوقائع ومحتوى وثائق الكتاب المقدس. فالموثوقية تتعلق بسلامة (موثوقية) ومصداقية (صدق) الكتاب. قد يكون الكتاب "أصيلًا" دون أن يكون "موثوقًا"، إذا كان الكاتب المذكور هو الكاتب الحقيقي ولكن المحتوى غير صحيح. ومن ناحية أخرى، قد يكون الكتاب "موثوقًا" دون أن يكون "أصيلًا"، إذا كان المحتوى صحيحًا ولكن الكاتب المذكور ليس هو الكاتب الفعلي. وفي مثل هذه الحالة، يُسمى الكتاب "منحولًا" أو "مزيفًا"، بغض النظر عن صدق أو كذب محتواه.

 

بالطبع، يجب أن تكون الأسفار الكتابية "أصيلة" و"موثوقة" معًا وإلا فلا يمكن أن تكون موحى بها، لأنه في كلتا الحالتين سيكون هناك كذب. ومع ذلك، فإن "المقدمة العامة" لا تتعلق صراحة بـ "الأصالة" (النسبة للكاتب)؛ بل تتعلق بسلامة النص بناءً على مصداقيته وسلطانه. ويُفترض أن السفر الكتابي، الذي له سلطان إلهي، وبالتالي مصداقية، وانتقل بسلامة، سيكون "أصيلًا" تلقائيًا. فإذا وجد كذب في الكتاب بخصوص أصله و/أو كاتبه، فكيف يمكن تصديق محتواه؟

 

ضمان الموثوقية (والأصالة)

يجب فحص سلسلة الإعلان بأكملها من أجل البرهنة بيقين على أن حقيقة وطريق الإعلان يوجدان في الكتاب المقدس المعروف للمسيحيين اليوم. وتتكون السلسلة الكاملة "من الله إلينا" من "الحلقات" الضرورية التالية:

 

اللاهوت (Deity): هذه هي الحلقة الأولى في سلسلة الإعلان. إن وجود إله يرغب في التواصل بذاته مع الإنسان هو البديهية الوحيدة التي لا يمكن اختزالها في هذه الدراسة بأكملها. والدليل على وجود مثل هذا الإله هو موضوع اللاهوت والفلسفة،[2] ولكن هذه الحقيقة مُفترضة في هذه المرحلة.

 

الرسولية (Apostolicity): الحلقة التالية هي الرسولية. إن الله قد اعتمد ووجّه مجموعة من الرجال المعروفين بالأنبياء والرسل ليتحدثوا بسلطان عنه، وهذا هو الادعاء المتكرر لكُتَّاب الكتاب المقدس.

 

القانونية (Canonicity): حلقة ضرورية وإن كانت معترضة نوعًا ما هي القانونية. وهي تجيب على السؤال التاريخي: ما هي الأسفار النبوية والرسولية الموحى بها وكيف تُعرف؟ هي تلك الأسفار التي كُتبت بواسطة رجال الله، وتأيدت بأعمال الله، وجاءت بسلطان وقوة الله، ونطقت بالحق عن الله والإنسان وما إلى ذلك، وقُبلت وجُمعت بواسطة شعب الله.

 

السلطان (Authority): النتيجة المباشرة للرسولية هي السلطان، كما يحدده نطاق القانونية. فتعليم الرجال الذين اعتُمدوا إلهيًا لهذا الغرض هو تعليم ذو سلطان إلهي. وبهذا المعنى، فإن السلطان هو مجرد حلقة منطقية، تابعة للرسولية، كما أن الرسولية بدورها تعتمد على اللاهوت، أو بالأحرى، على رغبة الله في التواصل مع البشر.

 

الموثوقية (Authenticity): وبالمثل، فإن الموثوقية هي النتيجة الضرورية للسلطان المشتق من الرسولية واللاهوت وما إلى ذلك. فكل ما يُنطق به من الله يجب أن يكون حقًا، لأن الله هو معيار الحق ذاته (قارن عبرانيين 6: 18: حَتَّى بِأَمْرَيْنِ عَدِيمَيِ التَّغَيُّرِ، لاَ يُمْكِنُ أَنَّ اللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ لَنَا تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ، نَحْنُ الَّذِينَ الْتَجَأْنَا لِنُمْسِكَ بِالرَّجَاءِ المَوْضُوعِ أَمَامَنَا»). فالأسفار المقدسة موثوقة (صادقة في المحتوى) إذا كانت هي الصوت النبوي لله.

 

السلامة (Integrity): هذا هو الدليل التاريخي الذي يربط بين الموثوقية والمصداقية. فكل ما هو موثوق أو صادق هو بالطبع جدير بالتصديق. والسؤال هو: هل يمتلك الكتاب المقدس في القرن العشرين السلامة؟ وبتعبير آخر، هل أُعيد إنتاج الكتابات الرسولية الأصلية المعروفة بـ "الأوتوجرافات" (Autographs) بشكل كافٍ ودقيق؟

 

الأوتوجرافات (Autographs): تُسمى أحيانًا "الأصول" (Originals) بشكل غير دقيق، وتُعرف أحيانًا بشكل خاطئ بأنها الكتابة الأصلية بخط يد الرسول أو النبي. في الواقع، الكتابات الرسولية الموثوقة التي أُنتجت تحت توجيه و/أو تفويض نبي أو رسول هي "الأوتوجرافات".

أ. لا يشترط بالضرورة أن يكون "الأوتوجراف" مكتوبًا بخط يد الرسول نفسه. فقد استخدم بولس في كثير من الأحيان كاتبًا (قارن رومية 16: 22)، كما فعل إرميا (قارن إرميا 36: 27).

ب. كما لا يشترط في "الأوتوجراف" أن يكون هو "الطبعة الأولى" من الكتاب. فإرميا، على سبيل المثال، كتب طبعتين من لفافة/درج إلى يهوياقيم (قارن إرميا 36: 28). وبالمثل، اقترح بعض دارسي الأناجيل أن مرقس ربما كان له طبعتان.[3] وفي مثل هذه الحالات، تكون كلتا الطبعتين موحى بهما، ولكن المتأخرة تحل محل السابقة بمعناها التكميلي والتتميمي، بنفس الطريقة تقريبًا التي يحل بها العهد الجديد محل العهد القديم.

 

الترجمات القديمة (Ancient versions): "الأوتوجرافات" ليست موجودة الآن. لذا يجب إعادة بنائها من المخطوطات والترجمات المبكرة. وأقدم ترجمة للعهد القديم إلى اليونانية هي "السبعينية" (LXX) التي بدأت في الإسكندرية بمصر، خلال القرن الثالث قبل الميلاد. وأقدم النسخ أو الترجمات للعهد الجديد إلى لغات أخرى، على سبيل المثال السريانية واللاتينية، تمتد إلى عتبة القرن الثاني. فقد بدأت في الظهور بعد جيل واحد فقط من وقت اكتمال العهد الجديد.

 

اقتباسات الآباء (Citations of the Fathers): إن الاقتباسات المؤيدة لآباء الكنيسة من القرون المبكرة الأولى، والتي يبلغ مجموعها أكثر من 36,000 اقتباس، تشمل تقريبًا كل آية من آيات العهد الجديد. تبدأ بعض هذه الاقتباسات في القرن الأول، وتستمر في تتابع غير منقطع من ذلك الوقت.

 

النسخ المخطوطة (Manuscript copies): كانت هذه باللغة اليونانية وتمتد عمليًا إلى القرن الأول في شكل شذرات (fragments)، وإلى القرنين الثالث والرابع في نسخ كاملة. والمخطوطات الأقدم، المعروفة بـ "الخط الكبير" (Uncials) (أُون-شي-ال)، كُتبت بأحرف كبيرة بالكامل. أما المخطوطات اللاحقة، المعروفة بـ "الخط الصغير" (Minuscules) (مي-نوس-كول)، فكُتبت بأحرف صغيرة أو بأحرف متصلة "كورسيف" (Cursives) (كور-سيف). بعض المخطوطات كُتبت على "لفائف" (Scrolls) والبعض الآخر في شكل كتب "كودكس" (Codex form)، ومنها عُرفت باسم "الكودكسات" (Codices).

 

الترجمات الحديثة (Modern versions): المخطوطات القديمة هي أهم الشهود على "الأوتوجرافات"، وعن طريق منهج النقد النصي، فإنها تُشكِّل الأساس للترجمات الحديثة للكتاب المقدس. استندت بعض الترجمات الحديثة المبكرة إلى ترجمات العصور الوسطى؛ ومع ذلك، منذ اكتشافات المخطوطات العظمى للعهد الجديد وغيرها من المواد المتنوعة، فإن معظم الترجمات والإصدارات الأخيرة تعتمد على هذه الأخيرة. تُشكِّل هذه الاكتشافات أساس "النص اليوناني النقدي" (Critical Greek text) بدلًا مما يسمى "النص المستلم" (Received Text) الذي استُخدم كمرجع للترجمات الحديثة الأبكر. في أذهان معظم علماء النص الحديثين، يمثل ذلك النص المسمى "نقديًا" محاولة موضوعية لإعادة بناء "الأوتوجرافات". إنه نهج علمي لمسألة السلامة، ويخلص إلى أن النص اليوناني الحالي (وفقًا لنص نستل/اتحاد جمعيات الكتاب المقدس) دقيق بنسبة تزيد عن 99 بالمئة في إعادة إنتاج الكلمات الدقيقة للأوتوجرافات. بينما يحافظ آخرون على أن "النص المستلم" أو "نص الأغلبية" هو المفضل.

 

المصداقية (Credibility): الحق في أن يُصدق—المصداقية—يعتمد على موثوقية النص. وهذا بدوره يتأسس على السلطان الإلهي، الذي يضمنه عمل الروح القدس وسلامة النص.

 

المصداقية الموضوعية: تعتمد على

(1) سلامة النص عبر علم النقد النصي، الذي ينتج كتابًا مقدسًا هو على الأرجح جدير بالثقة أو المصداقية بنسبة تزيد عن 99 بالمئة.

(2) هناك الأدلة الموضوعية التي تقدمها "الدفاعايات" (Apologetics)، والتي تؤكد بالمثل أن الكتاب المقدس هو كلمة الله.

(3) الناقد سيؤكد بالطبع على ضعف حلقة السلامة التي هي "على الأرجح" بنسبة "99 بالمئة" يقينًا، وليست "في الواقع" بنسبة "100 بالمئة" كاملة. هناك "لحامان" لتلك "الشقوق" في السلسلة؛ إذ توفر عناية الله وشهادة الروح القدس ضمانًا للمؤمن بأن السلسلة غير منقطعة.

 

اليقين الذاتي: قبل مناقشة اليقين الذاتي الذي يلحم معًا أي شقوق محتملة في سلسلة انتقال الكتاب المقدس، يجب التأكيد على أن احتمال 99 بالمئة هو أفضل ما يمكن الحصول عليه بواسطة المنهج التاريخي. فالأساليب النصية المماثلة المطبقة على وثائق قديمة أخرى تعطي نسبة أقل بكثير من اليقين.

(1) في الواقع، لا يحتاج البشر إلى ضمانات أكثر من ذلك للمصداقية. فلعبة الحياة تُلعب، ويجب أن تُلعب، في كثير من الأحيان باحتمالات أقل بكثير.

(2) عناية الله، وهي صفة تتفق مع إله يعلن عن ذاته، هي القوة التي تلحم سلسلة التواصل بأكملها. وأي "شقوق" مزعومة يلحمها الله، الذي خطط بعنايته لعملية التواصل، وبالتالي هو الذي يُكمل نتاجها. السلسلة إذن ليس بها "شقوق" حقيقية لأن الله هو الذي يلحمها معًا.

(3) أخيرًا، هناك، بما يتجاوز السلسلة بأكملها، الشهادة لقلوب أبناء الله بواسطة روح الله بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله. ومع ذلك، لا ينبغي استخدام هذه الشهادة الذاتية لـ "قطع الطريق" على الأدلة الموضوعية؛ بل تُستخدم لإكمال الدائرة التي تجلب قوة وحق الله للإنسان. فالتاريخ حافل بالأمثلة على خطر "التصوف" (Mysticism) وكذلك "العقلانية" (Rationalism). إن أي محاولة لتجاوز حق الله في شكله الموضوعي، سواء في شكله الشفهي الأصلي أو شكله المكتوب النهائي، محكوم عليها بالهزيمة في سجن كئيب. روح الله يتحدث من خلال كلمة الله، وكلمة الله قد انتقلت بعملية تاريخية أشرفت عليها عناية الله. وهذا الحق يقوم على أفضل الأدلة الموضوعية ويوفر أفضل يقين ذاتي.

 

الخلاصة

 

تتناول هذه الدراسة الأسس العلمية واللاهوتية التي تضمن وصول نص الكتاب المقدس إلينا بدقة وسلامة، حيث تفرق ابتداءً بين:

"الأصالة" التي تبحث في هوية الكاتب الحقيقي للسفر،

و"الموثوقية" التي تركز على صدق المحتوى التاريخي والروحي.

ويقوم بناء الثقة في النص على سلسلة متصلة تبدأ من "اللاهوت" باعتبار الله مصدر الإعلان، مرورًا بـ "الرسولية" و"القانونية" التي تحدد الأسفار المعتمدة، وصولاً إلى "السلامة" النصية التي يبرهن عليها علم النقد النصي.

وتؤكد الدراسة أن "الأوتوجرافات" أو النسخ الأصلية (التي قد تشمل إملاءً لكاتب أو طبعات منقحة من الكاتب نفسه) قد انتقلت عبر شهود تاريخيين أقوياء كالمخطوطات اليونانية القديمة والترجمات المبكرة واقتباسات الآباء الكثيفة.

وتخلص الدراسة إلى أن اليقين في نص الكتاب المقدس ليس مجرد نتاج لبحث تاريخي علمي يصل لنسبة دقة تتجاوز 99%، بل هو يقين يتكامل فيه الدليل الموضوعي مع العناية الإلهية والشهادة الداخلية للروح القدس في قلب المؤمن، مما يضمن أن السلسلة الممتدة "من الله إلينا" تظل متصلة وقوية عبر العصور.



[1] Norman L. Geisler and William E. Nix, A General Introduction to the Bible, Rev. and expanded. (Chicago: Moody Press, 1996, c1986). 347

[2] للدفاع المستفيض عن الحجج القياسية لوجود الله، انظر:

Stuart Cornelius Hackett, The Resurrection of Theism, William L. Craig, The Existence of God, and N. L. Geisler, Christian Apologetics

[3] Merrill C. Tenney, New Testament Survey, p. 157


ليست هناك تعليقات: