السبت، 9 سبتمبر 2023

تاريخية القيامة (2) التغير الذي حدث للتلاميذ!


كانوا متشككين ويائسين وخائفين وفاقدي الأمل وضعفاء وقد تركوا السيد عند القبض عليه " كلهم هربوا " (مت56:26)، ولم يدخل معه المحكمة إلا يوحنا لأنه " كان معروفاً عند رئيس الكهنة " (مت58:26)، أما بطرس فقد تبعه عن بُعد وأنكره عندما أنكشف أمره. وعند صلبه وموته ودفنه لم يظهر أحد منهم علانية سوى يوحنا والنساء (يو25:18)، وكانوا في حزن شديد وغم واكتئاب وقد فقدوا الرجاء في قيامته برغم أنه كرر أمامهم، ولهم خاصة، مرات عديدة أنه سيقوم من الموت في اليوم الثالث وأغلقوا على أنفسهم الأبواب خوفاً من اليهود لئلا يفعلوا بهم نفس ما فعلوه بسيدهم وتشتت البعض وعاد البعض إلى قراهم.

 

لكن بعد القيامة، بعد أن تأكدوا من أنه بعدما مات قام مرة اخرى تغيرت حياتهم تمامًا، وقف القديس بطرس الرسول مع التلاميذ والرسل جميعاً، بعد أن حل عليهم الروح القدس في يوم الخمسين ونادوا في قلب أورشليم، التي صلب فيها المسيح منذ سبعة أسابيع فقط، أمام الآلاف الغفيرة من اليهود وقال: " أيها الرجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعون أسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون. هذا أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي آثمة صلبتمُوه وقتلتمُوه. الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منهُ. لأن داود يقول فيه لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فساداً فإذا كان نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنهُ لم تترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهوداً لذلك " (أع 14:2، 22-25).

 وفي نفس الأسبوع صعد القديسان بطرس ويوحنا إلى الهيكل عند صلاة الساعة التاسعة (الثالثة ظهراً) وشفيا الأعرج من بطن أمه فأندهش الناس لذلك فقال لهم القديس بطرس " إله آبائنا مجد فتاه يسوع الذي أسلمتوه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه، ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يُوهب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهوداً لذلك " (أع 13:3-15).

 ولما قُبض عليهما وحوكما أمام رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ " امتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم يا رؤساء الشعب وشيوخ إسرائيل فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه من الأموات. بذلك وقف هذا صحيحاً أمامكم " (أع 10:4).

 وبعد سجن بطرس الرسول وإخراج الملاك له من السحن وقف الرسل ثانيه أمام رؤساء الكهنة وقالوا لهم " قد ملأتم أورشليم بتعليمكم وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان " فقال لهم الرسل " إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبه. هذا رفعه الله بيمينه ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضاً " (أع 30:5-32).

 وكذلك وقف القديس أستفانوس وهو يحاكم أمام السنهدرين وقال لهم " أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم وقد قتلوا الذين سبقوا فانبأوا بمجيء البار الذي أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه " (أع 52:7).

 وكانت نتيجة هذه العظات وغيرها هي انضمام آلاف اليهود بما فيهم كهنه ورؤساء كهنة وغيرهم من رجال الدين إلى المسيحية، ثم حدوث اضطهاد عظيم على الكنيسة في أورشليم وتشتت المؤمنون، عدا الرسل، إلى خارجها. وفي كل الحالات لم يجرؤ اليهود على مواجهه الرسل بأي شئ يمكن أن يناقض إيمانهم سوى القتل والاضطهاد، الذي صار بركة للكنيسة. كما أن إيمان الآلاف منهم بالمسيح بحقيقة قيامته نتيجة لكرازة الرسل والآيات التي أجراها الله على أيديهم (أع 12:5)، لهو أكبر دليل على صحة كل حرف تكلموا به، وتحقق ما قاله لهم المسيح: " وتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض " (أع8:1).

تاريخية صلب المسيح خارج العهد الجديد



يوسيفوس المؤرخ اليهودي (37 – 97 م)

في ذلك الزمان عاش يسوع، إنسان حكيم، لو كنا فعلاً ينبغي أن نسميه إنسان. لأنه كان الشخص الذي صنع أعمالاً فذة مدهشة وكان معلماً للناس الذين يقبلون الحق بسرور. وقد كسب أتباعاً عديدين من اليهود ومن اليونانيين. لقد كان هو المسيح. وعندما سمع بيلاطس أن رجالاً من أعلى المراكز بيننا يتهمونه حكم عليه بأن يصلب، فأولئك الذين كانوا يحبونه في المقام الأول لم يتخلوا عن محبتهم له، وفي اليوم الثالث ظهر لهم وقد عاد إلى الحياة لأن أنبياء الله كانوا قد تنبأوا بهذه الأمور وبأشياء أخرى عجيبة وعديدة عن يسوع، وجماعة المسيحيين الذين دُعيوا باسمه مازالوا موجودين حتى يومنا هذا ولم يختفوا. (Antiquities 18.3, 63-64).

 

تاسيتوس (56- 120 م)

ويشهد التاريخ الروماني لصحة الحادثة بحسب ما يذكر كورنيليوس تاسيتوس (55-125م)، وهو مؤلف روماني عاصر ستة أباطرة ولُقب بمؤرخ روما العظيم. وقال عنه ف. ف بروس F.F.Bruce أنه، تاسيتوس، كان، بحكم علاقته بالحكومة الرومانية، مطلعاً على تقارير حكام أقاليم الإمبراطورية وسجلات الدولة الرسمية. وقد أشار إلى المسيح في كتابيه " الحوليات والتواريخ " ثلاث مرات أهمها قوله في الحوليات الجزء الثالث:

" لكي يتخلص نيرون من التهمة (أي حرق روما) ألصق هذه الجريمة بطبقة مكروهة معروفة باسم المسيحيّين، ونكَّل بها أشد تنكيل. فالمسيح الذي اشتق المسيحيون منه اسمهم، كان قد تعرض لأقصى عقاب في عهد طيباريوس على يد أحد ولاتنا المدعو بيلاطس البنطي. وقد راجت خرافة من أشد الخرافات إيذاء، وإن كانت قد شُكمت لفترة قصيرة، ولكنها عادت فشاعت ليس فقط في اليهودية المصدر الأول لكل شر، بل انتشرت أيضاً في روما التي أصبحت بؤرة لكل الأشياء الخبيثة والمخزية التي شرعت ترد إليها من جميع أقطار العالم "( Tacitus, Annals, 15, 44 & The Verdict of History, p. 100 & He Walked Among Us p. 53,54).

 

المؤرخ اليوناني لوسيان الساموساطي (120 – 195 م)

وكذلك أيضا شهادة التاريخ اليوناني حيث يقول لوسيان اليوناني: والذي كان أحد مؤرخو اليونان البارزين في مطلع القرن الثاني الميلادي. وقد علق في مقال نقدي ساخر على المسيحيين والمسيح. وإذ كان ينتمي إلى المذهب الأبيقوري فقد عجز عن استيعاب طبيعة الإيمان المسيحي واستعداد المسيحيين للاستشهاد في سبيل عقيدتهم، وحسبهم شعباً مخدوعاً يتعلق بأوهام عالم ما بعد الموت بدلاً من التمتع بمباهج العالم الحاضر وملذاته وأبرز ما قاله:

" إن المسيحيين، كما تعلم، ما زالوا إلى هذا اليوم يعبدون رجلاً - وهو شخصية متميزة، استنّ لهم طقوسهم الجديدة وصُلب من أجلها ومنذ اللحظة التي اهتدوا فيها (إلى المسيحية) وأنكروا آلهة اليونان وعبدوا الحكيم المصلوب، استقرّ في عرفهم أنهم أخوة "( The Verdict of History, p. 100 & He Walked Among Us p. 53,54, The Death of Peregrine ).

 

مار بار سارابيون الرواقي السوري (73 م تقريبًأ)

كتب في رسالة له لابنه سيرابيون، كتبها من السجن، عن يسوع باعتباره ملك حكيم كسقراط وفيثاغورس قائلاً:

" أية فائدة جناها اليهود من قتل ملكهم الحكيم لم يمت هذا الملك الحكيم إلى الأبد لأنه عاش من خلال تعاليمه التي علم بها "، ولكن الله أنتقم له " بتدميرهم وتشتيتهم في كل مكان "( He Walked Among Us p. 54).

 

التلمود البالي (70 – 200 م)

ويقر اليهود في تلمودهم بأنهم قتلوا المسيح وصلبوه فقد جاء في نسخته التي نشرت في أمستردام عام 1943 قوله:

" لقد صُلب يسوع قبل الفصح بيوم واحد. وقبل تنفيذ الحكم فيه، ولمدة أربعين يوماً خرج مناد ينادي: إن (يسوع) سيُقتل لأنه مارس السحر وأغرى إسرائيل على الارتداد، فعلى من يشاء الدفاع عنه لمصلحته والاستعطاف من أجله أن يتقدم. وإذ لم يتقدم (أحد) للدفاع من أجله في مساء (ليلة) الفصح. وهل يجرؤ أحد عن الدفاع عنه ؟ ألم يكن مفسداً ؟ وقد قيل في الأنبياء إن شخصاً مثل هذا: " لا تَسْمَعْ لَهُ وَلا تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ وَلا تَرِقَّ لَهُ وَلا تَسْتُرْهُ، بَلْ قَتْلاً تَقْتُلُهُ " (تث8:13و9). (Sanhedrin 43a ; Josh McDowell & Bill Wilson. He Walked Among Us p. 64; Paul L. Maier, In the Fullness of Time: A Historian Looks at Christmas, Easter, and the Early Church (Grand Rapids: Kregel, 1997), 197)

 

تلاميذ الرسل والسند المتصل لحقيقة صلب المسيح:

 

 تسلم التلاميذ ورسله الرسالة من الرب يسوع المسيح، وكان لهؤلاء التلاميذ والرسل خلفاء وتلاميذ، أسمتهم الكنيسة بالآباء الرسوليين، ومن هؤلاء من كان تلميذاً للقديس بطرس مثل أغناطيوس أسقف إنطاكية، وبوليكاربوس أسقف سميرنا بآسيا الصغرى والذي كان تلميذا للقديس يوحنا الرسول تلميذ المسيح، واكليمندس الروماني تلميذ القديس بولس وغيرهم. هؤلاء استلموا منهم الإنجيل الشفوي قبل أن يكتب، مع بقية المؤمنين، ثم الإنجيل المكتوب، ثم سلموه بدورهم لخلفائهم هم أيضا، مع بقية الجماعة والكنيسة المسيحية.

 كانت هناك دائما سلسلة متواصلة من الشهود. فمثلا كان القديس يوحنا تلميذا للمسيح وكان من ضمن تلاميذ يوحنا القديس بوليكاربوس ومن تلاميذ القديس بوليكاربوس القديس أريناؤس أسقف ليون بفرنسا، وبالتالي ما يقوله الواحد هو ما نقله عن الآخر، فقد نقل بوليكاربوس عن يوحنا الرسول، ونقل أريناؤس عن بوليكاربوس وبالتالي ما كتبه أريناؤس هو شهادة القديس يوحنا المنقولة عبر بوليكاربوس، وهكذا. وهؤلاء سلموه بدورهم لمن بعدهم حتى جاءت المجامع الكنسية سواء المحلية والتالي بدأت في نهاية القرن الثاني الميلادي، أو المسكونية التي بدأت بمجمع نيقية سنة 325م. وقد واجه هؤلاء العالم كله بحقيقة الصلب والقيامة، وكان العالم جميعه ينظر إليهم كأتباع المصلوب الذي صلبه اليهود ولكنهم واجهوه بحقيقة قيامته وانتصاره على الموت وصعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين العظمة في السماء. وهذه بعض فقرات مما كتبوه:

 

(1) اكليمندس الروماني (30 – 100م): تلميذ الرسل وأسقف روما: يقول في رسالته: 

" لنركز أنظارنا على دم المسيح متحققين كم هو ثمين لدى أبيه، إذ سفكه لأجل خلاصنا، وقدم نعمه التوبة للعالم كله ". " لنكرم الرب يسوع المسيح الذي قدم دمه لأجلنا ". " وقد صار الرب يسوع المسيح باكورة القائمين من الموت ". " وبعدما تسلم الرسل أوامرهم واقتنعوا بقيامه ربنا يسوع المسيح تماماً، وتأكدوا من كلمه الله، ذهبوا في ثقة الروح القدس للكرازة ".

(2) أغناطيوس الأنطاكي ( 30 – 107م) تلميذ بطرس الرسول وأسقف كنيسة إنطاكية: يقول في رسالته إلى أفسس 

" أن روحي هي ضحية الصليب، والصليب هو عثره لغير المؤمنين، أما لنا نحن فهو خلاص وحياه أبديه " (أف 1:18).

 ويقول في رسالته إلى ترالس 

" يسوع المسيح تألم حقاً على عهد بيلاطس البنطى، وصلب حقاً ومات حقاً أمام السمائيين والأرضيين ومن تحت الأرض قام حقاً من الأموات " (1:9،2).

 وقال في رسالته إلى سميرنا 

" أنا أؤمن أنه بعد القيامة كان ما يزال له جسد، وأؤمن أنه هكذا الآن، ومثال ذلك، عندما جاء للذين كانوا مع بطرس قال لهم "جسونى وانظروا أنى لست روحاً بدون جسد " وفي الحال لمسوه وأمنوا أنه كان روحاً وجسداً وبعد قيامته أكل وشرب معهم " (ف2).

(3) بوليكاربوس (65-155م) تلميذ القديس يوحنا الرسول: يقول في رسالته إلى فيلبى: 

" يسوع المسيح سيدنا الذي تحمل الموت من أجلنا وأقامه الله حالاً رباطات الجحيم " (2:1). " أمنوا بمن أقام سيدنا يسوع المسيح من بين الأموات وأعطاه مجداً " (1:2). " فلنلتصق دائماً برجائنا وعريس عدالتنا يسوع المسيح الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة (الصليب) " (1:7).

(4) رسالة برنابا المكتوبة سنة 100م وقد جاء فيها: 

" أن السيد قد أحتمل تسليم جسده إلى الفساد. كان المقصود هو تنقيتنا وغفران خطايانا الذي تم بنضح دمه " (1:5). " يا أخوتي إذا كان السيد قد أحتمل أن يتألم من أجل نفوسنا وهو رب المسكونة فكيف قبل أن يتألم على أيدي الناس؟ ولكي يعطل الموت ويبرهن على القيامة من الأموات ظهر بالجسد وأحتمل الآلام " (5:5). " أنه هو الذي أراد أن يتألم هكذا، وكان عليه أن يتألم على الصليب " (12:5).

 وأيضا " قد تألم ليحيينا بجراحه، فلنؤمن أن أبن الله لم يتألم إلا لأجلنا وقد سقى الخل والمر أره عندما صلب " (2:7،3). " لذلك نعيد اليوم الثامن بفرح. اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات وظهر وصعد إلى السماء " (9:15).

(5) يوستينوس الشهيد (100-165م): يقول في حواره مع تريفو اليهودي 

" لأنه حقاً بقى المسيح على الشجرة (الصليب) حتى المساء تقريباً ودفنوه في المساء وفي اليوم الثالث قام ثانيه " (الحوار، فصل 97).

 وقال في كتابه على القيامة 

" لماذا قام (المسيح) في الجسد الذي تألم به إلا لكي يبين قيامه الجسد ؟ وتأكيداً لهذا، فعندما لم يعرف تلاميذه أن كان قد قام بالجسد حقاً وكانوا ينظرون إليه بشك قال لهم: " أليس لكم إيمان حتى الآن، انظروا أنى أنا، وسمح لهم أن يجسوه ويروا آثار المسامير في يديه، وعندما اقتنعوا تماماً أنه هو نفسه وفي الجسد سألوه أن يأكل معهم كي ما يكونوا أكثر يقيناً، أنه قام في جسده الحقيقي ؟ فأكل شهد عسل وسمكاً " (On Resurrection. Ch. 9).

(6) ايريناؤس (120 – 220) أسقف ليون بفرنسا: هذا القديس كتب فصولاً طويلة شرح فيها آلام السيد المسيح وصلبه وموته ودفنه وقيامته نكتفي منها بهذه الفقرة:

 " وكما قام المسيح بجوهر الجسد وكشف لتلاميذه أثار المسامير والفتحة في جنبه فقد قام بقوته هو"( Against Her. B. 5:7).

 

الممارسات الكنسية منذ عصر الرسل


العديد من الممارسات الكنسية التي مارسها الرسل وتسلمتها منهم الكنيسة حتى يومنا هذا هي مبنية على حقيقة موت المسيح مصلوبًا، وقيامته، ومنها:

(1) المائدة وكسر الخبز: والذي يتركز جوهره حول موت المسيح مصلوباً ودفنه وقيامته من الأموات وصعوده. وقد مُورست صلوات المائدة منذ فجر الكنيسة على أيدي الرسل، حيث بدأ بعد حلول الروح القدس مباشرة " كانوا يواظبن على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات " (أع42:2).

 يقول القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس " كأس البركة التي نباركها أليست هي شركه دم المسيح. الخبز الذي نكسره أليس هو شركه جسد المسيح " (1كو16:10)، " لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضا أن الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها أخذ خبزاً شكر فكسر وقال (خذوا كلوا) هذا هو جسدي المكسور لأجلكم. اصنعوا هذا لذكرى. كذلك الكأس أيضاً بعدما تعشوا قائلاً هذه الكأس هي العهد الجديد بدمى. اصنعوا هذا كل ما شربتم لذكرى. فأنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجئ " (1كو23:11،26).

 

(2) يوم الأحد: قدست الكنيسة منذ فجرها يوم الأحد تذكاراً لقيامه السيد المسيح فيه من الموت، وكانت تدعوه اليوم الأول من الأسبوع " وفي أول الأسبوع (الأحد) إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزاً " (أع 7:20)، ويوم الرب " كنت في الروح في يوم الرب " (رؤ4:1) ، وجاء في رسالة برنابا (9:15) " لذلك نُعيد اليوم الثامن بفرح. اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات "، ويقول القديس يوستينوس الشهيد في بداية القرن الثاني " وفي اليوم المسمى يوم الشمس (الأحد) يجتمع معاً كل الذين يعيشون في المدن والريف وتقرأ مذكرات الرسل (الأناجيل) أو كتابات الأنبياء الأحد هو اليوم الذي نجتمع فيه جميعاً لأنه اليوم الأول الذي غير الله فيه الظلمة والمادة وعمل العالم وفي نفس اليوم قام يسوع المسيح مخلصنا من الموت لأنه صُلب في اليوم الذي قبل السبت وفي اليوم الذي بعد السبت، الذي هو يوم الأحد ظهر لرسله وتلاميذه وعلمهم هذه الأمور التي سملناها لكم أيضاً لفائدتكم "( First Apology Ch. 67).

 

(3) علامة الصليب: كان الصليب قبل صلب المسيح عليه علامة خزي وعار، وبعد قيامته صارت علامة مجد وفخر " نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة. أما المدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله " (كو23:1،24)، " أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح "، ومن ثم صارت علامة الصليب مصدر فخر لجميع المؤمنين، وكانوا يرسمونه على منازلهم ومقابرهم وكنائسهم، ويرى البعض في قوله: " أنتم الذين أمام عيونكم قد رسُم يسوع المسيح بينكم مصلوباً " (غل 14:6)، رسم للصليب. وكان المؤمنون يطردون الأرواح النجسة برسم علامة الصليب.

 

ماذا عن الشبيه؟

 

تعليقًا على ما جاء في سورة النساء "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا" (النساء 157)

يقول فخر الدين الرازي: 

"اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوهًا.. وهذه الوجوه متعارضة متدافعة واللَّه أعلم بحقائق الأمور" (تفسير الرازي جـ 3 ص 350)

ويظهر العلامة الرازي ست إشكاليات لو أخذنا بالرأي القائل أن شبه المسيح وقع على غيره، أيًا كان هذا الغير فهناك أكثر من 15 رأي من علماء المسلمين يقول بمن أُلقيَّ عليه الشبه! فيقول:

رأى الإمام فخر الدين الرازي، وهو من أجمل وأعمق الآراء في موضوع إلقاء شبه السيد المسيح على شخص آخَر فيقول: "من مباحث هذه الآية موضوع مشكل، وهو أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى بشبهه على غيره، على ما قال: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم"، والأخبار أيضًا واردة بذلك. إلاَّ إن الروايات اختلفت، فتارة يُروى أن اللَّه تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه حتى قتلوه وصلبوه. وتارة يُروى أنه رغب بعض خواص أصحابه في أن يلقى شبهه حتى يُقتَل مكانه، وبالجملة فكيفما كان، ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات:


 الإشكال الأول: إن جاز أن يُقال أن اللَّه تعالى يلقي شبه إنسان على إنسان آخَر، فهذا يفتح باب السفسطة، فإني إن رأيت ولدي ثم رأيته ثانيًا فحينئذٍ أجوز أن يكون هذا الذي رأيته ثانيًا ليس بولدي بل هو إنسان أُلقي شبهه عليه. وحينئذٍ يرتفع الأمان على المحسوسات، وأيضًا فالصحابة الذي رأوا محمدًا (صلعم) يأمرهم وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد لاحتمال أنه أُلقي شبهه على غيره. وذلك يفضي إلى سقوط الشرائع وأيضًا فمدار الأمر في الأخبار المتواترة وعلى أن يكون المخبّر الأول إنما أخبر عن المحسوس، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى، وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخِره إبطال النبوات بالكلية.

 

 الإشكال الثاني: وهو أن اللَّه تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه في أكثـر الأحوال. هكذا قال المفسّرون في تفسير قوله: "إذ أيدتك بروح القدس" (المائدة 110) ثم أن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل كان يكفي العالم من البشر، فكيف لا يكفِ في منع أولئك اليهود عنه؟ وأيضًا أنه (المسيح) عليه السلام لمّا كان قادرًا على إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، فكيف لا يقدر على إماتة أولئك اليهود، الذين قصدوا بالسوء، وعلى اسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيرون عاجزين عن التعرُّض له؟

 

 الأشكال الثالث: إنه تعالى كان قادرًا على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره إلاَّ إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه؟

 

 الإشكال الرابع: إنه ألقى شبهه على غيره. ثم أنه رُفِع بعد ذلك إلى السماء، فالقوم اعتقدوا أنه عيسى مع أنه ما كان عيسى، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس وهذا لا يليق بحكمة اللَّه.

 

 الإشكال الخامس: إن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة محبتهم للمسيح عليه السلام، وغلوهم في أمره، أخبروا أنهم شاهدوه مقتولًا مصلوبًا، فلو أنكرنا ذلك كان طعنًا في التواتر، والطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوّة محمد (صلعم) ونبوّة عيسى، بل في وجودهما ووجود سائر الأنبياء وكل ذلك باطل.

 

 الإشكال السادس: إنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقيَ حيًّا زمانًا طويلًا، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع، ولقال: "إني لست بعيسى، بل إنما أنا غيره، ولبالغ في تعريف هذا المعنى، ولو ذكر ذلك لأشتُهِر عند الخلق هذا المعنى، فلمّا لم يوجد شيء من هذا علمنا أن الأمر ليس على ما ذكرتم. فهذا جملة ما في الوضع من تساؤلات" (التفسير الكبير 7: 70 ـ 71، أورده جمال محمد أبو زيد في كتابه "الأسبوع الأخير للمسيح بين المسيحية والإسلام" ص 85 ـ 88).

 

الايات القرآنية التي تشهد لموت المسيح

 

أ - في سورة مريم آيتان تتحدث الأولى عن يوحنا المعمدان (يحيى) والثانية تتحدّث عن السيد المسيح.. لاحظ ترتيب وتطابق الآيتان وتكرار نفس الألفاظ " وسلام عليه (يحيى) يوم وُلِد ويوم يموت ويوم يبعث حيًّا" (مريم 15). "والسلام عليَّ (المسيح) يوم وُلدتُ ويوم أموتُ ويوم أُبعثُ حيَّا" (مريم 34) يوحنا وُلِد واستشهد على يد هيرودس الملك الطاغية وسوف يبعث حيًّا في اليوم الأخير، وأيضًا السيد المسيح وُلِد، ومات صلبًا على يد بيلاطس البنطي، وقام من بين الأموات في اليوم الثالث.

 

ب - في سورة آل عمران 55 يتحدّث عن موت السيد المسيح "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ من الَّذِينَ كَفَرُواْ وجَاعِلُ الذين اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الذين كَفَرُواْ إلى يوم القِيَامَةِ ثُمَّ إليَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فيما كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ"، وقد اتفق المسفرون على أن "الوفاة" هنا تعني الموت، فقال الإمام البيضاوي: "يا عيسى إني متوفيك"، قيل أماته اللَّه سبع ساعات، ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى، ورافعك إليَّ إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي".

 وقال محمد بن إسحق "إن معنى متوفيك مميتك.. المسيح تُوفي سبع ساعات، ثم أحياه اللَّه ورفعه" (تفسير الرازي جـ 2 ص 457، 458).

وعن ابن حميد قال: حدّثنا مسلمة عن ابن إسحق عن وهب بن منبه أنه قال: "توفى اللَّه عيسى بن مريم ثلاث ساعات ثم رفعه" (انظر جامع البيان جـ 3 ص 289 ـ 292).

 

ج- في سورة المائدة 117 يقول على لسان السيد المسيح: "وكنت عليكم شهيدًا ما دمت فيهم فلمَّا توفيتني كنت أنـت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد" توفيتني أي أن الوفاة قد حدثت في الماضي، وقوله: "كنت أنت الرقيب عليهم" أي أن الوفاة حدثت بسبب مؤامرة اليهـود، ولكن مؤامرتهم كانت مكشوفة أمام اللَّه.

شرح: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ»

 


"ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلًا: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ»." (مت 26: 39).

(متى 26: 42) فَمَضَى أَيْضاً ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ».

"وَقَالَ: «يَا أَبَا الآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ»." (مر 14: 36).

"قَائِلًا: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ»." (لو 22: 42).

لم تظهر حقيقة بشرية المسيح في أي فترة من خدمة ربنا الأرضية بهذا الوضوح كما في معاناته في البستان وموته على الصليب. كإنسان، احتمل التجربة من أجلنا وتغلب على الشيطان؛ وكإنسان أظهر شدة معاناته بالعرق الدموي، والبكاء الشديد، والدموع؛ كإنسان عطش على الصليب وقال: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" لا شك أن الاستحقاق اللامتناهي لآلامه نشأ من الاتحاد الذي لا ينفصل بين لاهوته وبشريته. لكن الطبيعة التي ظهرت أمامنا بشكل بارز في آلامه هي طبيعته كإنسان.[1]

ونحن نفهم أن هذه الصلاة تعني: إذا كانت هناك طريقة أخرى يمكن من خلالها خلاص الخطاة غير الذهاب إلى الصليب، فاكشف عن هذه الطريقة الآن! كانت السماء صامتة، لأنه لم يكن هناك طريقة أخرى.[2]

 

ويظهر لنا مجموعة أسألة من هذا النص الذي أكد عليه الإنجيليون جميعًا، وهي:

 

ما هو الكأس؟

 

في العهد القديم، فمعنى هذا الكأس دائمًا ما يأتي على أنه غضب الله، والسخط الذي تولده الخطية، فهو كأس الخطية والموت: "خُذْ كَأْسَ خَمْرِ هذَا السَّخَطِ مِنْ يَدِي." (إر 25: 15). "هأَنَذَا قَدْ أَخَذْتُ مِنْ يَدِكِ كَأْسَ التَّرَنُّحِ، ثُفْلَ كَأْسِ غَضَبِي. لاَ تَعُودِينَ تَشْرَبِينَهَا فِي مَا بَعْدُ." (إش 51: 22). "الَّتِي شَرِبْتِ مِنْ يَدِ الرَّبِّ كَأْسَ غَضَبِهِ، ثُفْلَ كَأْسِ التَّرَنُّحِ شَرِبْتِ." (إش 51: 17). "تَمْتَلِئِينَ سُكْرًا وَحُزْنًا، كَأْسَ التَّحَيُّرِ وَالْخَرَابِ." (حز 23: 33). "هأَنَذَا أَجْعَلُ أُورُشَلِيمَ كَأْسَ تَرَنُّحٍ لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ حَوْلَهَا." (زك 12: 2).[3]

وشرب الكأس يعادل عبارة "ذوق الموت" كما في عبرانيين: "مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ." (عب 2: 9)؛ "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَذُوقَ الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ." (يو 8: 52). والأكثر صلة بالموضوع هو سؤال يسوع الموجه إلى يعقوب ويوحنا في مرقس 38:10-39: "هل تستطيعان أن تشربا الكأس التي أشربها أنا؟" وعندما يقولون: "نحن قادرون"، يعدهم يسوع بأنهم سيشربون الكأس. التلاميذ يتم تحديهم لشرب كأس الرب. المعاناة التي بدأ يسوع بالفعل في شربها، كأس المعاناة التي ستبلغ ذروتها في الموت المؤلم كمجرم مدان. يُسألون عما إذا كان بإمكانهم قبول الغوص في عمق الضيق في إعلانهم عن الملكوت، على غرار تلك التي بدأت بالفعل في غمر يسوع.[4]

يسوع هو ابن الله وكان يعلم جيدًا أنه سيقوم من بين الأموات،[5] ومع ذلك فقد عانت نفسه عندما توقع ما كان أمامه. وفي الساعات المقبلة، سيتعرض للإذلال والإساءة، ويعاني من العار والألم على الصليب. بل والأكثر من ذلك أنه سيصير خطية لأجلنا ويعاني من الترك؛ "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." (2 كو 5: 21)؛ "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلًا تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ." (إش 53: 10). وقد أطلق على هذه التجربة المهيبة اسم "شرب الكأس".[6]

 

هل للابن مشيئة مختلفة عن مشيئة الآب؟


عقولنا غير قادرة على استيعاب هذه اللحظات الرهيبة التي عايشها يسوع في جثيماني، أليس من المعقول أن نفترض أنه خلال هذه الفترات الرهيبة من الألم كان الشيطان وأعوانه يهاجمونه بقصد جعله ينحرف عن طريق طاعة الله؟[7]

والمسيح -كما نعلم- هو إله وإنسان، في ذات الوقت، وهاتان الطبيعتان اللتان للمسيح لم تخطلتا أو تمتزجا، فظل طوال الوقت هو الإله الذي سكن وتجسد في إنسان كامل، أي أنه متجسد ويسكن في إنسان له وعي وإرادة وعقل وروح وجسد، مخلوقين، ومساوين لكل البشر الآخرين، مثلنا تمامًا دون أدنى اختلاف. فله مشيئته كإنسان وله مشيئته كإله.. لكن، لم يكن عنده انفصام في شخصيته الواحدة! فقد كانت مشيئته الإنسانية طوال الوقت خاضعة لمشيئته الإلهية، بشكل كامل، وبدون أدنى شروط. لقد كان أمرًا أساسيًا ليسوع أن يخضع لمشيئة الله بشكل مستمر ومتواصل مهما كلفه الأمر![8]

فلم يكن هناك أي تعارض بين إرادة الآب وإرادة الابن. لقد كان تعبيرًا طبيعيًا تمامًا عن إنسانيته أنه انكمش من كأس الغضب الإلهي. ولكن على الرغم من أن الكأس كانت مكروهة لديه كإنسان، إلا أنه تناولها عن طيب خاطر، لأنها كانت إرادة الآب. وفي هذه الصلاة كان يُخضع كل رغباته البشرية، بوعي وتعمد وطوعًا، لمشيئة الآب الكاملة. وهكذا لم يكن هناك صراع بين الآب والابن، ولا بين لاهوت المسيح ورغباته البشرية.[9] فهو قال ذلك بوضوح في أكثر من مناسبة: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي (الإنسانية)، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي (الإلهية)." (يو 6: 38)؛ "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ." (يو 4: 34). فليس هُناك صراع بين أقانيم اللاهوت. بل إنه يكشف بوضوح هُنا كيف أن المسيح في إنسانيته سلم إرادته طوعًا إلى إرادة الله في كل شيء – على وجه التحديد حتى لا يكون هناك تعارض بين المشيئة الإلهية ورغباته الإنسانية.

إنتصار المسيح هنا على إرادته الإنسانية كان لحسابنا. بمعنى أن كلٌ منا له إرادته الإنسانية وشهواته التي قد تكون خاطئة. ولكن حين غَلَّبَ المسيح الإرادة الإلهية على المشيئة الإنسانية، صار لكل منا أن يفعل نفس الشيء. بل قال القديس بولس الرسول أن المسيح: "مَعَ كَوْنِهِ ٱبْنًا تَعَلَّمَ ٱلطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ" (عب8:5)، ويقول أيضًا: " الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ, لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ." (فيلبي 2: 7 -9)، فهو قد إختبر الضعف الإنساني ولكنه غَلَّبَ المشيئة الإلهية على إرادة الجسد.[10]

 

هل الصلاة تغير مشيئة الله؟

 

مطالبة يسوع من الله بتغيير المعاناة التي كانت بحسب التدبير، وصلب ابن الإنسان، قد تنبع من سوء فهم العلاقة بين الصلاة والإرادة الإلهية. من وجهة النظر الكتابية، ليس من غير الوقار أن نطلب من الله تغيير الفكر. يتشفع موسى لتغيير إرادة الرب بشأن إسرائيل بعد حادثة العجل الذهبي (خروج 32: 10-14)؛ يصلي حزقيا ليغير إرادة الله بشأن موته (ملوك الثاني 20: 1-6). إن تصرف داود في 2 صموئيل 15: 25-26 جدير بالملاحظة، بعد عبور قدرون في فصل الشتاء، يرسل داود صادوق مع التابوت إلى أورشليم، ضمنيًا كصلاة لكي يعيد الرب داود - ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك، "فَلْيَفْعَلْ بِي حَسَبَمَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْهِ". في 1 مك 3: 58-60، يشجع يهوذا أتباعه على تحقيق النصر في المعركة: "وَكَمَا تَكُونُ مَشِيئَتُهُ فِي السَّمَاءِ فَلْيَصْنَعْ بِنَا". في مثل هذه الحالات، لا تكون الصلاة صلاة تمرد، بل ثقة في محبة الله وعدله. سوف يستمع الله وسيوافق على الطلب إذا كان متوافقًا مع العناية الإلهية الشاملة.[11]

 

خاتمة:

 

لوقا الطبيب هو كاتب الإنجيل الوحيد الذي ذكر "العرق... كقطرات دم كبيرة". قد يشير استخدامه لكلمة "مثل" إلى أن العرق كان يتساقط على الأرض مثل جلطات الدم. ولكن هناك ظاهرة فيزيائية نادرة تعرف باسم التعرق الدموي hematidrosis، حيث تتمزق الأوعية الدموية الصغيرة في الغدد العرقية، تحت ضغط نفسي كبير، وتنتج مزيجًا من الدم والعرق. لقد أخطأ آدم الأول في الجنة، وحُكم عليه أن يعيش من عرق جبينه (تكوين 3: 19). يسوع، آدم الأخير، أطاع الآب في البستان وانتصر على خطية آدم بعرق من دم (رومية 5: 12-21).

ولوقا هو الكاتب الوحيد أيضًأ الذي ذكر خدمة الملاك (لوقا 22: 43). في الواقع، يمنح إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل الملائكة مكانة بارزة في عمل الرب. لا يمكن للملائكة أن يموتوا من أجل خطايانا، لكنهم يستطيعون تقوية مخلصنا عندما قبل بشجاعة الكأس من يد أبيه. قال الدكتور جورج موريسون، "كل حياة لها جثسيماني، ولكل جثسيماني ملاكها." يا له من تشجيع لشعب الله عندما يتصارعون ويصلون من أجل اتخاذ قرارات صعبة ومكلفة![12] هذه القوة التي بها غلب المسيح الإرادة الإنسانية صارت لنا، صارت لكل 1-من يتخذ قراراً بطاعة وصايا الرب 2-ويصلي كما صَلَّى المسيح فينال هذه القوة. 

 

للمزيد يمكنك قراءة:

شرح صلاة المسيح: إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس


[1] J. C. Ryle, Luke, The Crossway classic commentaries (Wheaton, Ill.: Crossway Books, 1997). Lk 22:42.

[2] William MacDonald and Arthur Farstad, Believer's Bible Commentary  : Old and New Testaments (Nashville: Thomas Nelson, 1997, c1995). Lk 22:41-42.

[3] نجد مثل هذا الاستخدام في الترجوم أو الترجمات الآرامية للكتاب المقدس، على سبيل المثال، طعم "كأس الموت"( في نيوفيتي على تثنية 32: 1 وفي نيوفيتي، والترجوم الأورشليمي الثاني، والترجوم الجزئي في تكوين 40: 23) و"كأس الموت المرير" (Test. of Abraham 16:12). في (استشهاد بوليكاربوس 14: 2)، نجد أنَ الكأس هي المشاركة في استشهاد المسيح المؤدي إلى القيامة؛ وفي وثيقة (استشهاد إشعياء 5: 13؛ تعود إلى أواخر القرن الأول الميلادي) يقول النبي في إشارة إلى نشره إلى نصفين: "لأجلي فقط مزج الله هذه الكأس".

[4] Raymond E. Brown, The Death of the Messiah, Volume 1 and 2: From Gethsemane to the Grave,  a Commentary on the Passion Narratives in the Four Gospels (New York;  London: Yale University Press, 1994). 169.

[5] في نصوص كثيرة تنبأ يسوع عن موته وقيامته بشكل واضح، أذكر منها: - متي 16: 21 «من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم». - متي 17: 9 «وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات». - متي 17: 22 و23 «وفيما هم يترددون في الجليل قال لهم يسوع. ابن الإنسان سوف يسلَّم إلى أيدي الناس، فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم. فحزنوا جداً» - متي 20: 18 و19 «ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت. ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه وفي اليوم الثالث يقوم». - متي 26: 32 «ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل». - مرقس 9: 10 «فحفظوا الكلمة لأنفسهم يتساءلون ما هو القيام من الأموات». - لوقا 9: 22- 27 «ينبغي أن ابن الإنسان يتألم كثيراً ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم. وقال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني. فإن من أراد أن يخلِّص نفسه يهلكها. ومن يهلك نفسه من أجلي فهذا يخلِّصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها. لأن من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجدالآب والملائكة القديسين. حقاً أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله». - يوحنا 2: 18- 22 «فأجاب اليهود وقالوا له أية آية ترينا حتى تفعل هذا . أجاب يسوع وقال لهم انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه. فقال اليهود في ست وأربعين سنة بنى هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه. وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده. فلما قام من الأموات تذكَّر تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع».

[6] Warren W. Wiersbe, The Bible Exposition Commentary (Wheaton, Ill.: Victor Books, 1996, c1989). Lk 22:40.

[7] William Hendriksen and Simon J. Kistemaker, New Testament Commentary : Exposition of the Gospel According to Luke, New Testament Commentary (Grand Rapids: Baker Book House, 1953-2001). 982.

[8] John Nolland, Word Biblical Commentary  : Luke 18:35-24:53, Word Biblical Commentary (Dallas: Word, Incorporated, 2002). 1085.

[9] John Jr MacArthur, The MacArthur Study Bible, electronic ed. (Nashville: Word Pub., 1997, c1997). Lk 22:42.

[10] آلام المسيح والقيامة، دراسة في الأناجيل الأربعة، القمص أنطونيوس فكري

[11] Raymond E. Brown, The Death of the Messiah, Volume 1 and 2: From Gethsemane to the Grave, a Commentary on the Passion Narratives in the Four Gospels (New York; London: Yale University Press, 1994). 167.

[12] Warren W. Wiersbe, The Bible Exposition Commentary (Wheaton, Ill.: Victor Books, 1996, c1989). Lk 22:40.