الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

ما معنى أن المسيح صار خطية لأجلنا؟

 

 

ما معنى أن المسيح صار خطية لأجلنا؟[1]

"لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." (2 كو 5: 21).

 

1. مقدمة إلى المفهوم

تُستمد عبارة "جعل المسيح خطية لأجلنا" مباشرة من 2 كورنثوس 5: 21: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ." طالما شكَّل هذا النص ركيزة أساسية في التعليم المسيحي حول الكفارة والخلاص، مسلطًا الضوء على كيفية اتخاذ المسيح الفادي الكامل والخالي من الخطية عقوبة الخطية البشرية على نفسه. ومع ذلك، قد تبدو هذه الصياغة غامضة في البداية؛ فكيف يمكن للقدوس الكامل أن "يصير" خطية؟ يُفهم هذا التعليم على أفضل وجه بأن المسيح حمل عبء إدانة البشرية كاملاً وقدم نفسه ذبيحة فائقة.

فيما يلي دراسة تفصيلية عبر أقسام مستقلة، تهدف إلى إيضاح وتجلية الأبعاد العميقة لهذه العقيدة.

 

2. تعريف "الخطية" والوضع البشري

 

يوجد جميع البشر تحت ثقل الخطية. يصف الكتاب المقدس كيف أن "الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ" (رومية 3: 23). ليست الخطية مجرد فعل، بل هي حالة تمرد ضد الله تؤدي إلى الانفصال الروحي والموت (رومية 6: 23). في نظام الذبائح في العهد القديم، تطلبت خطورة الخطية تقديم ذبائح حيوانية لإبراز ضرورة بذل الحياة لأجل الكفارة (لاويين 17: 11). غير أن هذه الذبائح كانت تشير إلى ذبيحة أعظم وكافية للجميع.

في العهد الجديد، قُدِّم الحل النهائي لأزمة البشرية في المسيح، الذي هو إله تام وإنسان تام. هو "لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً" (1 بطرس 2: 22)، ولكنه احتمل طوعًا العقوبة التي تستحقها الخطية.

 

3. خلفية العهد القديم: الكفارة البدلية

 

تحت شريعة موسى، أُوضحت الكفارة البدلية بجلاء من خلال الذبائح. كان كائن بريء (ذبيح) يحمل العقاب رمزيًا بدلاً عن المذنب. يذكر سفر اللاويين الأصحاح 16 يوم الكفارة (Yom Kippur يوم كيبور)، حيث يذبح الكاهن الأعظم تيسًا عن خطايا الشعب، ويرسل تيسًا آخر—"تيس العزازيل"—إلى البرية، حاملاً آثامهم رمزيًا.

كانت هذه الذبائح ظلاً للذبيحة الكاملة. تذكر الرسالة إلى العبرانيين 10: 1 أن "الشَّرِيعَةَ، إِذْ لَهَا ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ لاَ نَفْسُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ." المسيح هو الحقيقة التي كانت تشير إليها كل تلك الذبائح، متألمًا ومتممًا بتقديم ذاته مرة واحدة ما كانت تمثله ذبائح لا حصر لها.

 

4. معنى "صار خطية"

 

عندما تذكر 2 كورنثوس 5: 21 "جَعَلَ... خَطِيَّةً"، فهذا لا يعني أن المسيح كف عن أن يكون بارًا أو كلي الكمال. بل بالأحرى، بالمعنى القضائي، حُسبت—أو نُسبت—جميع الخطايا إليه (إشعياء 53: 6: "وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا"). "الاحتساب" (Imputation إمبيوتيشن) هو مصطلح لاهوتي أساسي يعني نسب شيء ما إلى حساب شخص آخر.

 

أ. خلو المسيح من الخطية

 

هو "لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً" (2 كورنثوس 5: 21). يؤكد هذا على أن يسوع ظل كامل الصلاح أخلاقيًا. في 1 بطرس 2: 22، "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ". هذه البراءة جعلته وحدها المؤهل لتحمُّل عقوبة خطايا العالم.[2]

 

ب. نقل الإدانة

وُضعت آثامنا عليه. تذكر الرسالة إلى الغلاطية 3: 13: "اَلْمَسِيحُ اشْتَرَانَا مِنْ لَعْنَةِ الشَّرِيعَةِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا". تعني هذه الصياغة أنه اتخذ اللعنة التي تحق للبشرية بحق على نفسه، حملها ولما تكن فيه كما هي فينا بسبب خطايانا.[3]

 

ج. البدلية القضائية

 

يتضمن مفهوم "صار خطية" تبادلاً: اتخاذ يسوع لخطايانا على نفسه، ونوال المؤمنين لبره (2 كورنثوس 5: 21). تشبه هذه المعاملة القانونية التي يتطوع فيها شخص لدفع دين آخر.[4]

 

5. الموضوعات الكتابية التي تدعم المفهوم

 

أ. رمزية حمل الفصح

خلال خروج بني إسرائيل من مصر، ذُبح حمل بلا عيب لكي يحمي دمه البيت من القضاء (خروج 12: 5-7، 13). دعى يوحنا المعمدان يسوع "حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يوحنا 1: 29). يربط هذا بين ظل العهد القديم (الحمل) وتحقيق العهد الجديد (المسيح).

 

ب. النبوات في إشعياء 53

أنبأ إشعياء: "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا... وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إشعياء 53: 5-6). تُعرف هذه النبوة، التي كُتبت قبل المسيح بقرون، على نطاق واسع بأنها التنبؤ المباشر بآلامه الكفارية وتصور "العبد المتألم" حاملاً خطية الكثيرين.

 

ج. شرح الرسول بولس للكفارة

في رومية 5: 8، يوضح بولس أن "اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا." يحدد الرسول موت يسوع الذبائحي باعتباره الإعلان الأسمى عن المحبة والنعمة الإلهية.

 

6. التأثير العالمي والأزلي

 

أ. النصرة على الموت

لأن أجرة الخطية هي موت (رومية 6: 23)، فإن ذبيحة المسيح وقيامته كسرتا شوكة الموت لكل من يؤمن (1 كورنثوس 15: 54-57). قيامته هي التأكيد المحوري على أن ذبيحته كانت مقبولة أمام الله.

 

ب. المصالحة والسلام

بالإضافة إلى إزالة الخطية، فإن عمل المسيح "يصالحنا" مع الله (رومية 5: 10). وينتج عن إتمام تلك المصالحة سلام حقيقي: "لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رومية 5: 1).

 

ج. الحياة اليومية والتقديس

يختبر المؤمنون تحولاً مستمرًا، يتشكلون تدريجيًا حسب صورة شخصه بواسطة الروح القدس. ورغم أن البر الكامل لنا في المسيح، فنحن ننمو أيضًا عملاً في القداسة بينما نعيش الحياة الجديدة المشتراة لأجلنا (أفسس 4: 22-24).

 

8. المفاهيم الخاطئة الشائعة

 

أ. المسيح لم يصر "خاطئًا" بالمعنى الحرفي

عبارة "جَعَلَ... خَطِيَّةً" لا تعني أن المسيح صار فاسدًا أخلاقيًا. بل تشير إلى أنه اتخذ العقوبة وحمل خطيتنا.

ب. أكثر من مجرد مثال أخلاقي

بينما تُشكِّل حياة يسوع النموذج الأسمى للمحبة والفضيلة، فإن هذا التعليم يتجاوز مجرد القدوة الأخلاقية. إنه يؤكد على كفارة حقيقية أنجزت غفرانًا فعليًا.

ج. لا يقر الاستمرار في الخطية

حمله للخطية لا يشجع المؤمنين على العيش في الخطية أو الاستهانة بالنعمة. تدعو الأسفار المقدسة المؤمنين إلى السعي للقداسة بدافع الشكر على الذبيحة المقدمة من الله لأجل خلاصهم (رومية 6: 1-2).

 



[1] BibleHub. "What does it mean Jesus became sin for us?" https://biblehub.com/q/what_means_jesus_became_sin_for_us.htm

[2] "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ»، الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ. الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ." (1بط 2: 22-24)

"وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ." (1يو 3: 5)

"لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ." (عب 4: 15)

"لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلَا دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب 7: 26)

"وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ." (أع 3: 14)

[3] "فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيًى فِي الرُّوحِ،" (1بط 3: 18)

"يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لَا تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا." (1يو 2: 1-2)

[4] "لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هَكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا." (رو 5: 19)

"وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً." (1كو 1: 30)

"لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولًا. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا." (إش 53: 4-6)


لماذا صار الكلمة جسدًا؟

 


مع قانون الإيمان النيقاوي، نجيب معترفين: "من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء؛ وبقدرة الروح القدس، تجسد من مريم العذراء، وصار إنسانًا."

 

صار الكلمة جسدًا من أجلنا لكي يخلصنا بمصالحته لنا مع الله، الذي "أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا": "الآبَ قَدْ أَرْسَلَ الابْنَ مُخَلِّصًا لِلْعَالَمِ"، و"ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا".[1]

 

كانت طبيعتنا مريضة فتطلبت أن تُشفى؛ وساقطة، فتطلبت أن تُقام؛ وميتة، فتطلبت أن تقوم. كنا قد فقدنا امتلاك الخير، وكان من الضروري أن يُرد إلينا. ومحبوسين في الظلمة، كان من الضروري أن يُؤتى إلينا بالنور؛ وأسرى، كنا ننتظر مخلصًا؛ وسجناء، نحتاج معونة؛ وعبيدًا، نحتاج محررًا. أفهذه أمور صغرى أو غير ذات بال؟ ألم تحرك الله لينزل إلى الطبيعة البشرية ويزورها، إذ كانت البشرية في حالة في غاية البؤس والشقاء؟[2]

 

صار الكلمة جسدًا لكي نعرف هكذا محبة الله: "بِهَذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ."[3] "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ."[4]

 

صار الكلمة جسدًا ليكون نموذجنا في القداسة: "اِحْمِلُوا نيري عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي". "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي."[5] وعلى جبل التجلي، يوصي الآب: "لَهُ اسْمَعُوا!"[6] يسوع هو النموذج للتطويبات والمعيار للشريعة الجديدة: "حَتَّى كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا."[7] وهذه المحبة تتضمن تقديم شخص مؤثر اقتداءً بمثاله.[8]

 

صار الكلمة جسدًا لكي يجعلنا "شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ":[9] "ولهذا السبب صار الكلمة إنسانًا، وابن الله صار ابن الإنسان: لكي يدخل الإنسان في شركة مع الكلمة وبذلك ينال البنوة الإلهية، فيصير ابنًا لله."[10] "لأن ابن الله صار إنسانًا لكي نصير نحن آلهة."[11] "إن ابن الله الوحيد، إذ أراد أن يجعلنا شركاء في لاهوته، اتخذ طبيعتنا، لكي، وهو متأنس، يجعل البشر آلهة."[12]

 



[1] 1 يوحنا 4: 10؛ 4: 14؛ 3: 5.

[2] St. Gregory of Nyssa, Or. catech. 15: PG 45, 48B

[3] 1 يوحنا 4: 9.

[4] يوحنا 3: 16.

[5] متى 11: 29؛ يوحنا 14: 6.

[6] مرقس 9: 7؛ متى 17: 5.

[7] يوحنا 15: 12.

[8] يوحنا 15: 13.

[9] 2 بطرس 1: 4.

[10] St. Irenaeus, Adv. haeres. 3, 19, 1: PG 7/1, 939

[11] St. Athanasius, De inc. 54, 3: PG 25, 192B

[12] St. Thomas Aquinas, Opusc. 57 in festo Corp. Chr. 1


لماذا تجسَّد الأقنوم الثاني من الثالوث بدلاً من الآب أو الروح القدس؟

 


لماذا تجسَّد الأقنوم الثاني من الثالوث بدلاً من الآب أو الروح القدس؟[1]

 

من الصالح أن نتأمل في بعض جوانب التجسد. ومن بين الأسئلة المطروحة علينا للتفكير فيها: لماذا كان الابن، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، هو الذي تجسَّد، بدلاً من الآب أو الروح القدس؟

 

معظم الناس لم يفكروا قط في هذا السؤال، ناهيك عن السعي للإجابة عنه. كان بإمكان الله أن يختار طرقًا عديدة مختلفة لخلاصنا؛ وقد اختار أن يعمل كما فعل لا لأنه كان مفروضًا عليه، بل لأنه كان ملاءمًا. ويقع على عاتقنا أن نتأمل، مستخدمين الكتاب المقدس وعقلنا، لماذا كانت طريقة الله المختارة ملاءمة، وما الذي يمكننا تعلمه من هذا.

 

وكما هو الحال دائمًا، يقدم لنا القديس توما الأكويني موارد غنية. أعرض أدناه تعليمه من Summa Theologica (الجزء الثالث، السؤال 3، المادة 8). وقد اقترح القديس توما الأكويني أربعة أسباب لكونه الأكثر ملاءمة أن يتجسد الابن.

 

أولاً، من جهة الاتحاد؛ لأن ما هو متماثل يتحد بملاءمة. والآن، أقنوم الابن، الذي هو كلمة الله، له توافق مشترك معين مع جميع الخلائق، لأنه الكلمة الخالق، وخليقته هي مثال شبيه بجمال كل ما يُصنع بواسطته. ومن ثم فإن كلمة الله، الذي هو أزلي، هو المثال الشبيه بجميع الخلائق... لأن الصانع، من خلال الصورة العقلية لفنه، التي بها يصوغ عمل يده، يعيده عندما يقع في الخراب.

 

عندما خلق الآب كل الأشياء، نطق بكلمة: (لِيَكُنْ نُورٌ). وهكذا هو يخلق من خلال كلمته (الـ Logos اللوجوس)، وكلمة الله هو المسيح. لذلك، في النطق بالخلق إلى الوجود بوساطة اللوجوس)، يطبع الله نوعًا من الـ logike (اللوجيكي/المنطق) على كل الأشياء.

 

بهذه الطريقة، يكون للابن، اللوجوس، "توافق مشترك معين مع جميع الخلائق"، الذين يحملون شيئًا من المنطق أو الشبه به. وإذا كان الأمر كذلك، فكما يعلل القديس توما الأكويني، فإن الله الآب يصلح خيلقته بأفضل طريقة من خلال الكلمة نفسه الذي به خلقها في البداية.

 

ثانيًا، علاوة على ذلك ... الإنسان يكتمل في الحكمة (التي هي كماله الخاص، بصفته عاقلاً) بالمشاركة في كلمة الله، كما يتلقى التلميذ التعليم بتلقي كلمة معلمه. ولهذا قيل (سيراخ 1: 5): ""يَنْبُوعُ الْحِكْمَةِ كَلِمَةُ اللهِ فِي الْعُلَى". ومن ثم، لأجل الكمال الأقصى للإنسان، كان من الملاءم أن يتحد كلمة الله ذاته شخصيًا بالطبيعة البشرية.

 

في حين أنه صحيح أن الخطيئة الأصلية أثرت على سلامتنا الجسدية، فربما كان جرحنا الأكبر هي إظلام إدراكنا،[2] الذي كان (ولا يزال) أعظم عطايانا، والخاصية المميزة بيننا وبين الحيوانات غير العاقلة. لذلك فمن الملاءم للغاية أن كلمة الله، الذي هو أيضًا حكمة الله، ينضم إلى طبيعتنا ويجلب الشفاء لنا بهذه الطريقة.

 

يكتب القديس بولس، "وَلَا تُشَاكِلُوا هَذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ." (رو 12: 2). حتى الكلمات البشرية يمكن أن تُعلِّم؛ فكم بالأحرى إذن يمكن لكلمة الله الذي صار جسدًا أن ينيرنا ويشفينا. هذا يظهر ملاءمة أن الكلمة، الابن، الأقنوم الثاني من الثالوث، يصير جسدًا.

 

ثالثًا، إن سبب هذه الملاءمة لتجسد الأقنوم الثاني، يمكن أيضًا أن يُؤخذ من غاية الاتحاد، وهي ... الميراث السماوي، الذي يُمنح فقط للبنين، وفقًا لـ (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 17): "فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا". ومن ثم كان من الملاءم أنه بواسطة ذاك الذي هو الابن بالطبيعة، يتشارك البشر هذا الشبه بالبنوة بالتبني، كما يقول الرسول في نفس الأصحاح (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 29): "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ".

 

بعبارة أخرى، لأن البنون يرثون، فمن الملاءم أن ذاك الذي هو ابن بالطبيعة يتجسد. وهكذا نحن أيضًا، إذ نتشكل على صورته كأبناء من خلال تبنينا وعضويتنا في جسده، سنرث أيضًا الملكوت والمجد من خلال الشفاء الذي يجريه فينا.

 

رابعًا، إن سبب هذه الملاءمة يمكن أن يُؤخذ من خطيئة أبونا الأول، التي قدم التجسد العلاج لها. لأن الإنسان الأول أخطأ بطلب المعرفة، كما هو واضح من كلمات الحية، التي وعدت الإنسان بمعرفة الخير والشر. ومن ثم كان من الملاءم أنه بوساطة كلمة المعرفة الحقيقية يُقاد الإنسان ثانية إلى الله، بعد أن ضل عن الله من خلال عطش غير معتدل للمعرفة.

 

في الاستئثار بغير اعتدال للنوع الخاطئ من المعرفة (معرفة الشر) وفي الإصرار على حقه الخاص في تقرير ما كان خيرًا وما كان شرًا، أخطأ آدم. طلب المعرفة -في حد ذاته- صالح؛ لقد كان الموضوع هو المنحرف (وبالتالي المحظور). ولأن البشر لديهم هذا العطش للمعرفة (وهو في حد ذاته صالح)، فكم بالحرى هناك سبب يدعو الله أن يقدم لنا الكلمة الحقيقي وحكمة الله: الابن.[3]

 

لكي يصير الكلمة جسدًا لهو بالتالي أكثر ملاءمة. في الواقع، يقول الله الآب: "دعني أقدم لك ما كنت تبحث عنه حقًا، ولكنك طلبتها بغير اعتدال". لهذا السبب، الابن، الذي هو الكلمة، الذي هو الحق ذاته، يتجسد.

 

فمن الصالح أن ابن الله القدوس قد جاء لينقذ البشرية لننال اللاهوت كميراث. فأننا نحن أيضاً أبناء للآب، إذ صرنا إخوة لابنه المولود من المرأة، مريم، التي هي أمنا، يمكننا أن نغتني بثقة في أن محبة الآب يمكن أن تُوهب لنا أيضاً،[4] لا بسبب أي بر فينا بل بالنعمة من خلال الإيمان الذي قدمه لنا الابن بطاعته للآب. لقد مهد الابن لنا الطريق بذبحيته الفدائية. والآن ينبغي لنا أن نتبع الابن، وأن نطيع الابن في وصيته أن نحب بعضنا بعضاً كما أحبنا هو. يعطينا الرب الإستنارة لنكون مستعدين دائماً لعمل الصلاح ومساعدة الآخرين بدافع المحبة للابن، فادينا. 

 



[1] Charles Pope, “Why Did the Second Person of the Trinity Become Incarnate Rather Than the Father or the Holy Spirit?” Community in Mission (Archdiocese of Washington Blog), December 19, 2016. Available at: https://blog.adw.org/2016/12/second-person-trinity-become-incarnate-rather-father-holy-spirit

[2] فيما يتعلق بإظلام الإدراك، يصفه القديس توما الأكويني وصفًا حسنًا في مقدمة الكتاب الرابع من Summa Contra Gentiles (الفقرة 3):

"من خلال هذه الطرق يمكن لإدراكنا أن يرتقي إلى معرفة الله. ولكن بسبب ضعف الإدراك، لسنا قادرين على معرفة الطرق نفسها معرفة كاملة. لأن الحِس، الذي تبدأ منه معرفتنا، ينشغل بالأعراض الخارجية، التي هي المحسوسات الخاصة؛ على سبيل المثال، اللون، والرائحة، وما شابه ذلك. ونتيجة لذلك، من خلال هذه الأعراض الخارجية، ينساق الإدراك بصعوبة للوصول إلى المعرفة الكاملة لطبيعة أدنى، حتى في حالة تلك الطبائع التي يستوعب أعراضها استيعابًا كاملًا من خلال الحِس. وبدرجة أقل بكثير سيصل الإدراك إلى استيعاب طبائع تلك الأشياء التي ندرك القليل من أعراضها بالحِس؛ وسيفعل ذلك بدرجة أقل في حالة تلك الأشياء التي لا يمكن استيعاب أعراضها بالحواس، وإن كان يمكن إدراكها من خلال آثار ناقصة معينة. ولكن، حتى لو كانت طبائع الأشياء ذاتها معروفة لنا، فلا يمكننا أن نملك سوى معرفة ضئيلة بنظامها، وفقًا لما يرتبها العناية الإلهية في علاقتها ببعضها البعض ويوجهها إلى الغاية، لأننا لا نصل إلى معرفة تدبير العناية الإلهية. إذا كنا إذن نعرف الطرق نفسها معرفة ناقصة، فكيف سنتمكن من الوصول إلى معرفة كاملة لمصدر هذه الطرق؟ ولأن هذا المصدر يتسامى فوق الطرق المذكورة أعلاه بلا قياس، فحتى لو كنا نعرف الطرق نفسها معرفة كاملة، فلن نملك في استيعابنا بعد معرفة كاملة للمصدر".

[3] "المسيح قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ" (1كو1: 24)، "الْمَسِيحِ يسوع الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً" (1كو1: 30)، وأنَّه "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ." (كو2: 3) . بل هو المُعطي فمًا وكلامًا وحكمةّ وقد قال لتلاميذه " لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا" (لو21: 15). ويقول الكتاب عنه: "لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُلِّ حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، بِنِعْمَةٍ، مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْلٍ اوْ فِعْلٍ، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ" (كو3: 16-17).

[4] "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ." (رو 8: 29).

"كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ،" (أف 1: 4-5)

"الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ." (كو 1: 15-18)

"وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ، وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي، وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي." (يو 17: 22-23)

"فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقُولُ لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ." (مت 25: 40)

"فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ." (رو 8: 17).

"لِمِيرَاثٍ لَا يَفْنَى وَلَا يَتَدَنَّسُ وَلَا يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ،" (1بط 1: 4)

"مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلَهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا." (رؤ 21: 7)

"حَتَّى إِذَا تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَرَثَةً حَسَبَ رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ." (تي 3: 7)