السبت، 9 سبتمبر 2023

لماذا تألم ومات المسيح؟

 


وفقًا للمطوّب أغسطينوس، فلو لم يكن قد وُضِع المسيح للموت، ما كان يُمكن للموت أن يموت. لقد انهزم الشيطان بذات نصرته، لأنّ الشيطان فرح عندما خدع الإنسان الأوّل فطرحه في الموت. بخداعة الإنسان الأوّل قتله. وبقتله آدم الآخير فقد الأوّل الذي في شباكه.[1] فطبيعتنا البشريّة منذ السقوط دخل إليها الموت وانتشر في كلّ طبيعتنا كسلطان وسلاح الخطية، فيقول الكتاب النفس التي تخطئ هيَ تموت (حز18: 4) ويقول القديس باسيليوس:

إن الطبيعة البشريّة حائط قد هزّته صدمة الخطية، فمال إلى السقوط، ولا يُمكن إعادة بناءه إلَّا بهدم ونقض بنيانه، لذلك سمح الله أن يكون الموت الحسيّ ناقضًا للحائط المُزعزع ليُعيد بناءَه بالقيامة العامّة إعادة وثيقة ومؤبدة”.[2]

والقديس ساويرس الأنطاكيّ، يرى أنّه لكي يرفع الله حكم الموت هذا عن البشريّة - التي حكمت به على نفسها – فبتجسده وكابن الله جمع البشريّة في ذاته، كما سبق وقلنا، فقد ترك جسده هكذا بحيث يمكنه أن يُعاني الآلام البريئة والموت، لأنّه كما قلنا أراد أن يحسم أمر هزيمتنا بعدل، وكأوَّل يبدأ بقيامته بالجسد الذي وحده له عدم التألَّم وعدم الموت وعدم القابليّة للفساد، من أجل الجنس البشريّ كلَّه هذا الذي صار هو باكورته.[3]

ويُضيف أثناسيوس الرسوليّ:

وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلًا لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل نفسه للموت عوضًا عن الجميع، وقدَّمه للآب. كلّ هذا فعله من أجل محبّته للبشر،

أولًا: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنّه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفد في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب).

ثانيًا: وأيضًا فإنّ البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم، كما تبيد النار القش”.[4]

ويقول إيرينيئوس:

ولأن الجميع أُقتيدوا إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم، كان مناسبًا وضروريًا أنّ يُبطَل نير الموت بواسطة طاعة ذاك، الذي صار إنسانًا من أجلنا. وبسبب أنّ الموت ساد على الجسد، كان من الضروري أنّ يُهزم الموت بواسطة الجسد ويَخلّص الإنسان من سطوته. وهكذا صار الكلمة جسدًا لكي بواسطة الجسد الذي استعبدته الخطية، يُخلّصنا (المسيح) من الخطية كي لا نعود نُستعبد من الخطية. لذلك أخذ ربنا جسدًا شبيهًابجسد أبينا الأول،[5] لكي بجهاده عوضًا عن أبوينا الأولين ينتصر على ذاك الذي في آدم جرحنا جرحًا مُميتًا”.[6]

وبحسب إيرينيئوس فإنّ الرب قد دبّر خلاصنا بمجدٍ عظيم، وحقق الوعد المُعطى لآبائنا وأصلح العصيان القديم. إذًا ابن الله صار ابنًا لداود وابن إبراهيم وجمع الكلّ في ذاته، لكي يمنح لنا الحياة. كلمة الله صار جسدًا من العذراء، حتّى يُبطل الموت ويُحيي البشر. لأنّنا (قبله) كُنا مقيدين بالخطية، وكنا خطاة وخاضعين تحت سلطان الموت.[7]

دخول الرب إلى جسد وموته بهذا الجسد أصبح فخًا للموت به هزم الرب الموت وسلب كلّ قوته، ويقول كيرلس الأورشليمي:

الرب تألم من أجلنا، وما كان الشيطان ليتجرأ أن يظهر له لو كان قد عرفه أنّه ابن الله. لذلك فالجسد صار الصنارة التي اصطاد بها الموت، حتّى أنّ الحية التي كانت تُريد أن تبتلع هذا الجسد، تقيّأت ما سبق أن ابتلعته (أي الناس الذين ماتوا قبل مجيء المخلّص وانتهاء سلطان الموت).[8]

ويضيف أمبروسيوس:

إذ تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضًا في نفس الشيء لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت (عبرانيين 2: 14)... وكيف يكون ذلك إلا بواسطة الجسد الذي به قد صار مشاركًا لنا؟ وبماذا شاركنا إلا بالموت الجسدي؟ إنه كسر سلاسل الموت لأنه باحتمال المسيح للموت حدث موتٌ للموتِ.[9]

وهذا أيضًا ما قاله القديس أغسطينوس:

لقد هُزم الشيطان بذات نصرته... بخداعة الإنسان الأوّل ذبحه، وبذبحه للإنسان الأخير فقد الإنسان الأوّل من شبكته![10]

الإنسان لم يقدر أن يأتي إلى الله، لهذا أتى الله إلى الإنسان، بأن جعل نفسه إنسانًا. وفي محبّته الفائقة أو المذهلة، يوحِّد الله نفسه بخليقته بألصق ما يكون الاتحاد، بأن يجعل نفسه يصير ذلك الذي خلقه (أي الإنسان). والله، كإنسان (أو في تجسُّدِه)، يحقّق مهمة الوساطة التي رفضها الإنسان عند السقوط. ويعبِّر يسوع مخلّصنا الهوة السحيقة بين الله والإنسان، لأنّه هو الله والإنسان معًا في آنٍ واحد، مثلما تقول إحدى الترانيم الأرثوذكسيّة عشية عيد الميلاد:

اليوم اتحدت السماء والأرض، لأنّ المسيح وُلِد. اليوم نزل الله إلى الأرض، وارتفع الإنسان إلى السماء.[11]

ويكتب القديس يوحنا فم الذهب:

“‘جرّد الرئاسات والقوات بنفسه، معناه أنه جرد قوات الشيطان، لأن الطبيعة البشريّة كانت قد خضعت لها، أو أنّ صح التعبير كان مفروضًا عليها دَين (صك)، فعندما صار إنسانًا لم يكن مدينًا بهذا الصك - لكن ما معنى شَّهر بهم؟ معناه أنّه حقًّا قد شُهر بالشيطان الذي جعل من نفسه هُزءًا وخزيًا. لأنّه إذ توقَّع أن يظفر بالرب، خسر حتّى ما كان لديه، وحينما سُمِّر الجسد (المُقدّس) على الصليب، قام الموتى. هكذا تلقى الموت نفسه ضربة قاصمة من جسد ميتٍ. وكبطلٍ مقدام، وحينما عرف أنّه طرح عدوه أرضًا، وأمسك به بقبضة مميتة، (مات الموت) هكذا كان موت المسيح إنّما هو خزي للشيطان. لم يختبر الملائكة شيئًا من هذا القبيل، فقد قام هو بكلّ شيء لأجل هذا القصد، مُظهِرًا أنّ لموته إنجازًا عظيمًا وقديرًا وكان إن صح التعبير ثمَّة صراع واحد: فقد جرحَ الموتُ المسيحَ لكن المسيح المجروح أمات الموت”.[12]

حين يصبح الله إنسانًا، تبدأ مرحلة جديدة جوهريًّا في تاريخ الإنسان، ولا يكون الأمر مجرَّد عودة إلى الماضي. فالتجسُّد يرفع الإنسان إلى مستوى جديد، وتكون الحالة الأخيرة أعلى من الأولى. وفي يسوع المسيح فقط نرى أكمل إمكانات طبيعتنا البشريّة وقد انكشفت واستُعلِنت؛ وحتّى ميلاد المسيح، لم تكن الملامح الحقيقيّة للشخص البشريّ (Personhood) قد ظهرت بعد. إنّ ميلاد المسيح، كما يصفه القديس باسيليوس هو: ميلاد الجنس البشريّ كلّه. المسيح أوّل إنسان كامل ـ كامل، أي ليس فقط بمعنى (الصورة) أي أنه كمال محتمل، يمكن أن يتحقّق في المستقبل، مثلما كان آدم في براءته قبل السقوط، بل بمفهوم المثال (likeness) المتحقَّق بالكامل. ليس التجسُّد إذًا، هو ببساطة طريقًا لإزالة آثار الخطية الأصليّة، بل هو مرحلة جوهريّة عبر رحلة الإنسان من الصورة الإلهيّة إلى الشبه (المثال) الإلهيّ. فالصورة الحقيقيّة والمثال الحقيقيّ لله هو المسيح نفسه، وهكذا، ومنذ اللحظة الأولى لخلقة الإنسان على الصورة، فإنّ تجسُّد المسيح كان متضمنًا فعلًا بطريقة ما. إنّ السبب الحقيقيّ للتجسُّد، إذًا، يكمن لا في خطية الإنسان بل في طبيعته غير الساقطة ككائن مخلوق على الصورة الإلهيّة وعنده الإمكانية للاتحاد بالله.[13] وفي عظته الفصحية الشهيرة، تلك التي تعود إلى بدايات القرن الثاني، يقول القديس ميليتوس أسقف ساردس:

الإله لبس جسدًا واتخذ صورة الإنسان. قًبِل الآلام عن كلّ متألِّم وحُوكم من أجل كلّ محكوم عليه. ودُفِن في القبر من أجل كلّ المدفونين، ولكنه قام حيًا من بين الأموات (بقوة لاهوته) وأعلن قائلًا: مَنْ ذا الذي يمكنه أن يُقاضيني؟ لقد خلّصت المديونين، وأعَدتُ الحياة للذين ماتوا، وأخرجتهم من قبورهم (بكامل قواهم)؛ مَنْ هو الذي سيُحاججني؟ لقد أبطلتُ الموت؛ وسحقتُ الهاوية، ثمّ رفعت البشريّة إلى أعلى السموات، نعم، أنا هو المسيح، أنا هو ذبيحة كفارة غفرانكم، أنا هو فصح خلاصكم، أنا هو نوركم، أنا هو قيامتكم.[14]

في كتابه تجسد الكلمة، يضع أثناسيوس أسباب موت المسيح لنا في النقاط التالية:

1ـ أـ إنه لم يكن ممكنًا أنّ يُحوّل الفاسد إلى عدم فساد إلا المخلّص نفسه، الذي خَلَق منذ البدء كلّ شيء من العدم.

ب ـ لم يكن ممكنًا أنّ يعيد مماثلة صورة الله للإنسان سوى صورة الآب!

ج ـ لم يكن ممكنًا أنّ يجعل الإنسان المائت حيًا، إلاّ ربنا يسوع المسيح، الذي هو الحياة ذاتها.

د ـ كما أنه لم يكن ممكنًا أنّ يعلِّم الناس شيئًا عن الآب، ويبطل عبادة الأوثان، سوى الكلمة، الذي يضبط كلّ الأشياء، وهو وحده الابن الوحيد الحقيقيّ.

2ـ لأنه كان يجب وفاء حكم الموت المستحق على الجميع...، لهذا جاء المسيح بيننا!!

وبعدما قدَّم براهين كثيرة على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، قّدَّم نفسه كذبيحة عن الجميع مسلمًا هيكله للموت، عوضًا عن الجميع، وذلك:

أولًا: لكي يخلّصهم ويحررهم من نتائج المعصية الأولى.

ثانيًا: لكي يثبت أنه أقوى من الموت، مظهرًا جسده الخاص أنه عديم الفساد، كباكورة لقيامة الجميع.

3 ـ فالجسد (جسد الكلمة) لأنه كان جسدًا بشريًا... مع كونه مأخوذًا من عذراء فقط بمعجزة فريدة، ولكن لأنه كان قابلًا للموت، كان ينبغي أنّ يموت أيضًا كسائر البشر نظرائه. لكنه بفضل اتحاده بالكلمة، لم يعد خاضعًا للفساد الذي بحسب طبيعته...

4 ـ هكذا تمّ (في جسد المسيح) فعلان متناقضان (أي معجزتان) في نفس الوقت:

أ ـ إتمام موت الجميع في جسد الرب (على الصليب).

ب ـ إبادة الموت والفساد من الجسد، بفضل اتحاد الكلمة به!! لأنه كان الموت حتميًا، وكان لابد أنّ يتم الموت نيابة عن الجميع، لكي يوفي الدَين المستحق على الجميع!

وطالما أنّ الكلمة كان من غير الممكن أن يموت، إذ أنّه خالد، فقد أخذ لنفسه جسدًا قابلًا للموت، حتّى يستطيع أن يُقدِّمه كجسده الخاص نيابة عن الجميع، حتّى إذا ما تألَّم عن الكلّ باتحاده بالجسد، فإنّه يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا كلّ حياتهم تحت العبودية (عب2: 14، 15).[15]

هذا التعليم يمثل ركنًا أساسيًّا في مفهوم الخلاص لدى الآباء الشرقيّين منذ القرون الأولى. فهو معروف لدى القديس إيرينيئوس (في نهاية القرن الثاني)، والقديس أثناسيوس الرسولى، والقديس كيرلس السكندريّ وغيرهم من الآباء.

لم تكن هناك وسيلة أُخرى لخلاص الإنسان كما يقول القديس أثناسيوس:

ماذا كان ممكنًا أنّ يفعله الله؟ وماذا كان ممكنًا أنّ يتمّ سوى تجديد تلك الخليقة التي كانت على صورة الله؛ وبذلك يستطيع البشر مرة أخرى أن يعرفوه؟ ولكن كيف كان ممكنًا أن يحدث هذا إلاّ بحضور نفس صورة الله ـ ربنا يسوع المسيح؟ أتى كلمة الله بنفسه كي يمكنه وهو صورة الآب أن يخلق الإنسان على هذه الصورة من جديد...[16] فقد أخذ ابن الله جسدًا قابلًا للموت كي ينتصر فيه على الموت والفساد.[17]

وهذه النقطة يشرحها القديس غريغوريوس باستفاضة، في عظته على الظهور الإلهيّ مستخدمًا نفس ألفاظ اللِّيتورجيَّة. وهناك مغزى عميق لتعرُّض القديس لموضوع الخلاص في عيد الظهور الإلهي، الذي كان في ذلك الوقت، العيد الوحيد لتذكار التجسُّد الإلهيّ أي للميلاد والعماد معًا:

كان الإنسان قد نال التأديب بطرق كثيرة.. بالكلمة والناموس والأنبياء، بالمنافع والإنذارات والأوبئة... وأخيرًا احتاج إلى ترياق قوي لأن علّله قد ازدادت سوءًا.. وإذ احتاجت هذه العِلل إلى خلاص أعظم، جاء هذا الخلاص العظيم الذي هو كلمة الله نفسه، الكائن قبل كلّ الأكوان، غير المنظور، غير المفحوص، غير الجسدي، بداية كلّ بداية، النور الذي من النور، مصدر الحياة والخلود.. الصورة غير المتغيرة، كلمة الله، جاء إلى صورته، وأخذ جسدًا من أجل جسدنا، واتحد بنفس عاقلة من أجل نفسي، كي يُطْهر المثيل بالمثيل. وصار إنسانًا كاملًا في كلّ شيء ما خلا الخطيئة.[18]

ويجب أن نؤكِّد هنا أنّ هذه العلاقة الوثيقة بين التجسُّد والخلاص التي كانت إحدى المعالم الرئيسية لتعليم الآباء، لم تكن واضحة في تعليم الآباء الغربيين الذين كانوا يوجهون اهتمامهم بالأكثر إلى الناحية القانونية في تعليمهم عن الكفارة. ويظهر هذا واضحًا في تعليم ترتليان في أوائل القرن الثالث. وقد انقطعت هذه العلاقة تمامًا في العصور الوسطى حين أدخل أنسلِم أسقف كانتربري تعليمه عن الترضية في أوائل القرن الثاني عشر. وإذ اتبع أنسلِم المبادئ القانونية المعروفة في عصره، خلّص إلى أنّ الترضية المطلوبة يجب أنّ يوفيها الإنسان ؛ وبذلك كان تعليمه، أنّ هذه الترضية قام بها المسيح كإنسان. فذبيحة المسيح التي قام بها كإنسان (حسب تعليم أنسلِم) هيَ تقدمة لله من جانب الإنسان على الأرض، هيَ عمل بشري للترضية. وواضح أنّ هذا يُناقض تمامًا تعليم الآباء الذين يتحدثون عن الله الذي تجسد ودخل إلى عالم الخطية والموت، كي يغلب الأعداء الذين يستعبدون الإنسان ويقيدونه. وبذلك فإنّ الله نفسه هو الذي أتمَّ العمل الخلاصى.[19]

وبسبب تمسُّك المسيحيّين الغربيين بضرورة قيام الإنسان بالترضية (لإيفاء العدل الإلهيّ حقه) أصبحت أي وسيلة أخرى لعلاج البشريّة الساقطة تعني تساهل الله وعدم عدله. وحسب هذه النظرية يجب أنّ يأخذ الله الترضية التي بدونها تصير المغفرة تساهلًا ؛ وهذه الترضية تمت بموت المسيح. على العكس من ذلك، نرى الآباء يعلمون بأن عمل الكفارة الذي عمله الله في المسيح، هو تدبير إلهيّ يختلف تمامًا عن النظام القانونى. فالكفارة لا تقوم على أساس إتمام مطالب العدل حسب القوانين البشريّة ولكنها أسمى منها. ومشكلة الإنسان لم تكن في محاولة تقديم ترضية للآب الغاضب، بل هيَ - كما ذكر الآباء مرارًا وتكرارًا - في كيفية القضاء على الخطية والموت.[20]



[1] The Ascension, 263.

[2] M. A. Orphanos; Creation and Salvation According to st. Basil of Caesarea, Athens 1957.

[3] La Polemique, I, p. 70.

[4] تجسد الكلمة 4:8 ترجمة د/ جوزيف موريس فلتس؛ إصدار المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية. ص22.

[5] في هذه الفقرة لخَّص إيرينيئوس جوهر تعليمه عن المسيح والخلاص. فتجسد المسيح له المجد كان ضروريًا لكي ينقل عدم الفساد إلى البشر ولكي يَبطُل الشر الآتي من عصيان آدم. وهذا الأمر قد شرحه فيما بعد القديس أثناسيوس في كتابه “تجسد الكلمة”: “ لأن المخلّص تمّم بتأنسه عمليتي المحبة: (أولًا): أنه أباد الموت من داخلنا وجدّدنا ثانية. (ثانيًا): أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدّبر وملك الكون ” تجسد الكلمة، المرجع السابق، 5:16. والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان يصف لنا المسيح بأوصاف توضح نتائج التجسُّد بالنسبة لنا: “ المسيح هو لنا كلّ شيء... إذا أردت أنّ تبرئ جرحك، فهو الطبيب الشافي؛ إذا أردت أنّ تروى عطشك الشديد، فهو ينبوع الماء الحي؛ إذا كنت في حاجة إلى معونة، فهو القوة الحية الفعّالة؛ إذا كنت ترهب الموت، فهو الحياة القاهرة للموت؛ إذا كنت تخشى الظلام، فهو “النور الحقيقيّ”؛ إذا كنت جوعانًا، فهو قوت الحياة ” (PL16, 305).

[6]الكرازة الرسوليّة. ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد؛ د/ جورج عوض ابراهيم. فقره 31.

[7]شرح الكرازة الرسوليّة، فقرة 37.

[8] دراسات في آباء الكنيسة. للراهب باسيليوس المقاري. ص 313.

[9] القديس أمبروسيوس أسقف ميلان شرح الإيمان المسيحيّ، ج2. 3: 85. ص 46.

[10]Sermon 261:1.

[11] كاليستوس وير، الطريق الأرثوذكسيّ، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد (القاهرة: المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية، 2001)، ص 99.

[12] Homilies on Colossians, homily 6.

[13] كاليستوس وير، الطريق الأرثوذكسيّ، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد (القاهرة: المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية، 2001)، ص 100، 101.

[14] SC. 123, p. 116, 120, 122.

[15] تجسد الكلمة 20.

[16] Athanasius: Incarnation of the Word (Inc.), 13:7. (NPNF, second series, vol.4).

[17] Inc. 13:7,8 (NPNF, op. cit. 43).

[18] Oration 38. On the Theophany: 13 (NPNF, second series, vol. 7: 348-9).

[19] Gustaf Aulen: Christus Victor. London:S.P.C.K., 1961: 103, 104.

[20] Ibid. 105-119.

لماذا ولد المسيح من عذراء؟

 


ذكر كتاب العهد الجديد صراحة أنّ أم يسوع المسيح كانت عذراء (مت1: 18، 23، 25) أنّ ربنا له أب أزلي في السماء، ولكن ليس له أب على الأرض. لقد وُلِد خارج الزمن من الآب بدون أم، ووُلد في الزمن من أمه بلا أب. وهذا الاعتقاد في الميلاد العذراوي لا يقلل أبدًا من ملء بشرية المسيح. فعلى الرغم من أنّ الأم كانت عذراء، كان هناك ميلاد حقيقيّ لطفل بشري أصيل وحقيقيّ.

ورغم ذلك، نتساءل، لماذا كان ميلاده كإنسان لابد أنّ يأخذ هذا الشكل الخاص؟ والإجابة على ذلك أنّ عذراوية الأم تخدم كآية (كعلامة) على فرادة الابن. والعذراوية تفعل ذلك من خلال ثلاثة طرق وثيقة الصلة ببعضها:

أولًا: حقيقة أنّ المسيح ليس له أب أرضي تعني أنه يشير دائمًا إلى ما وراء وضعه في المكان والزمان، إلى أصله السماوي والأزلي. فالطفل المولود من مريم هو بالحقيقة إنسان، لكنه ليس إنسانًا فقط، هو داخل التاريخ لكنه أيضًا فوق التاريخ. أنّ ميلاده من عذراء يؤكد أنه على الرغم من أنه متنازل (وحال على الأرض) إلاَّ إنه أيضًا متعالٍ وسامٍ؛ وعلى الرغم من أنه إنسان كامل فهو أيضًا إله كامل.

ثانيًا: حقيقة أنّ أم المسيح كانت عذراء تدل على أنّ ميلاده يجب أنّ يُنسب بطريقة فريدة إلى المبادرة الإلهية. وعلى الرغم من أنه إنسان كامل، فإنّ ميلاده لم يكن نتيجة اتحاد جنسى بين رجل وامرأة، بل كان بطريقة خاصة، عمل الله المباشر.

ثالثًا: ميلاد المسيح من عذراء يؤكد أنّ التجسُّد لم يتضمن مجىء شخص جديد إلى الوجود. فعندما يولد طفل من أبوين بشريين، بالطريقة العادية، يبدأ شخص جديد في الوجود. لكن شخص المسيح المتجسد ليس شخصًا آخر سوى الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس. ولهذا فعند ميلاد المسيح، لم يأتِ شخص جديد إلى الوجود، لكن الشخص الكائن سابقًا، شخص ابن الله بدأ الآن يحيا حسب طريقة وجود بشرية وإلهية معًا. لهذا فالميلاد العذراوى يُظهر وجود المسيح الأزلى السابق لتجسده.

ولأن شخص المسيح المتجسد هو هو نفسه شخص الكلمة اللوغوس، فيحق أنّ نُلقب العذراء مريم بلقب ثيؤطوكوس، والدة الإله فهى أم، لا لابن بشري عادي مُرتبط بالابن الإلهي، بل هيَ أم لابن بشري هو ابن الله الوحيد الجنس. ابن مريم هو هو شخص ابن الله نفسه؛ لهذا، وبفضل التجسد، فإنّ مريم هيَ بملء الحقيقة أم الله.[1]

أشار ديديموس إلى الميلاد العذراوي للمسيح والذي حدث بدون أي نوع من التزاوج الإنساني أو الشهوة. فالعنصر المادي لطبيعة المسيح الإنسانية، قد أُخِذ من امرأة حيث أخذ منها كل المادة، فهو لذلك: لم يفعل شيئًا غير مألوف، فمثلما جَبَل آدم وصيَّره إنسانًا، هكذا أيضًا جَبَل (الكلمة) جسده الإنساني وأحضره”.[2]

وبحسب تعاليم الآباء يوستينوس ومعه القديس إيرينيئوس والقديسين يوحنا ذهبي الفم وكيرلس الأورشليمي، أنّ المسيح اتخذ من كلّ أداة للعصيان أداة للخلاص، معتمدين في قولهم هذا على آية الكتاب المُقدّس: هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَ‍الأَوَّلُونَ آخِرِينَ (مت20: 16) وأيضًا: عِوَضًا ‍عَنْ آبَائِكَ يَكُونُ بَنُوكَ (مز45: 16)، فحوَّاء أصبحت حواء الثانية في العذراء، والشجرة أصبحت الصليب، والمسيح مثال آدم. وبذلك يبيد الخطية ونتائجها بنفس الأسلحة التي دخلت بها إلى العالم.

فيقول القديس يوستينوس:

إننا نؤمن أنه مولود من عذراء لكي يزيل العصيان الذي تسببت فيه الحية بالطريقة نفسها التي نشأ بها هذا العصيان. لأن حواء وهيَ عذراء عفيفة (لأن آدم عرف امرأته بعد السقوط) حَبِلَت كلمة الحية وولدت العصيان والموت، ولكن العذراء مريم الممتلئة إيمانًا وفرحًا، عندما أعلن لها الملاك البشارة بأن روح الرب يحل علىها وقوة العلي تُظَلِلُهَا والمولود منها يُدعى ابن الله قالت: ليكن لي كقولك وبالفعل ولدت الذي أشار إليه الكتاب المُقدّس كثيرًا والذي به يسحق الله الحية، ويسحق هؤلاء الملائكة والناس الذين صاروا مثل الحية، ويحرِّر من الموت هؤلاء الذين يتوبون عن خطاياهم ويؤمنون به”.[3]

ويكتب القديس إيرينيئوس:

لقد أُغويت حواء بكلمة الملاك الذي سقط، وعصت كلمة الله، لذلك هربت منه، بنفس الطريقة استقبلت مريم البشارة بواسطة كلمة من الملاك، وأطاعت كلمة الله لذلك حملته في أحشائها. وبينما الأولى (حواء) قد أُغويت لتعصى الله، قَبِلت الأخيرة (مريم العذراء)أن تُطيع الله، لذلك صارت العذراء مريم هيَ المُحامية (الشفيعة) عن العذراء حواء. وكما أنّ الجنس البشريّ صار مربوطًا بالموت بسبب عذراء هكذا قد تحرّر من الموت بالعذراء. لأن عصيان العذراء الأولى قد عالجه وأبطله طاعة العذراء الثانية. إذًا، أنّ كانت خطية الإنسان الأوّل قد شُفيت وعولجت بحياة ابن الله الوحيد الجنس، ومكر الحية قد أُبطل ببساطة الحمامة (مريم)، وإن كانت السلاسل التي ربطتنا بالموت قد تحطمت، إذًا فالهراطقة الآن هم في غباء شديد وهم جاهلون بتدبير الله وغير مدركين لتدبيره لخلاص الإنسان...[4] وكما أنه بسبب عذراء عاصية (حواء) جُرِح الإنسان وسقط ومات، هكذا أيضًا بسبب عذراء مُطيعة لكلمة الله أُعيد الإنسان ثانيةً إلى الحياة (الولادة الثانية). الإنسان كان هو الخروف الضال الذي جاء الرب ليبحث عنه على الأرض. لأجل هذا أخذ جسدًا مشابهًا به البشر، مِن هذه (العذراء) التي من نسل داود. حقيقةً، كان ضروريًا أنّ يتجدّد آدم في المسيح لكي يُبتلع الموت من عدم الموت (الخلود)، وهكذا تصير العذراء (مريم) شفيعة لعذراء أخرى (حواء)[5] وتَمحِى عصيان العذراء الأولى بواسطة طاعتها العذراوية”.[6]

وعندما يقارن القديس يوحنا ذهبى الفم بين هزيمة آدم وانتصار المسيح وهو يتحدث عن الصليب كإشارة للخلاص يقول:

إنّ أسباب هزيمتنا كانت ثلاث ـ عذراء، وشجرة، وموت. عذراء هيَ حواء، والشجرة هيَ شجرة معرفة الخير والشر والموت هو العقاب. لكن هذه الرموز الثلاثة صارت مرة أخرى، رموزًا للانتصار، فبدلًا من حواء الأولى لدينا حواء الثانية (العذراء مريم).[7] وعوضًا عن الشجرة، هناك خشبة الصليب، وبدلًا من موت آدم، نلتقى بقيامة المسيح.. وهكذا هُزم الشيطان بنفس أسلحته.[8]

وأيضًا نقول إنّ الكلمة قد ولد من عذراء ليأخذ منها جسده البشريّ، فيقول هيبوليتس الروماني:

لأنه خال من الجسد فإنّ كلمة الله أخذ لنفسه جسدًا مُقدّسًا من العذراء القديسة، مثل عريس أعدَّ لنفسه الرداء الذي سوف ينسج مع آلامه على الصليب.. بهذه الطريقة كان قد دبَّر الخلاص للإنسان الذي كان سائرًا نحو الهلاك”.[9]

ويقول القديس أمبروسيوس:

إن جسد المسيح لم ينزل من السماء، لأنه أخذه من عذراء على الأرض”.[10]

وأخيرًا فإنّ ميلاده العذراوي لائق بكونه إلهًا، بحسب فكر المُطوّب أمبرسيوس:

أي ميلاد بحسب الجسد يكون أكثر ملائمة لله غير هذا الميلاد؟ الذي به ابن الله غير الدنس قد اتخذ جسدًا، وحفظ طهارة الميلاد غير الدنس؟ بالتأكيد نعمة الإلوهية قد ظهرت في ميلاده من عذراء وليس من امرأة”.[11]

ويقول غريغوريوس النيزنزيّ:

وُلِد من امرأة (غلا4:4) ومع ذلك كانت عذراء (مت1: 23؛ إش7: 14؛ لو1: 34؛ مت1: 20). أنّ الولادة من امرأة تجعلها بشرية، أمَّا أنها كانت عذراء فهذا يجعلها ولادة إلهية. ليس له أب على الأرض (متى: 20)، وليس له أم في السماء(قارن مع: مز2: 7)، كلّ هذا هو جزء من إلوهيته”.[12]



[1] كاليستوس وير، الطريق الأرثوذكسيّ، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد (القاهرة: المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية، 2001)، ص 107 - 109.

[2] تفسير المزامير: بردية 25:29ـ26.

[3] القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أُخري. ترجمة أ/ آمال فؤاد، مراجعة د/ عماد موريس إسكندر، د/ جوزيف موريس فلتس. سلسلة النصوص المسيحيّة في العصور الأولى. إصدار دار بناريون للنشر. فصل 100، ص 267.

[4] ضد الهرطقات 5: 19.

[5] AH3:23:4، 5:19:1.

[6]الكرازة الرسوليّة. ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد، د/ جورج عوض ابراهيم. فقره 33 ص 99.

[7] يدعو القديس كيرلس السكندريّ العذراء مريم (خادمة سرّ الخلاص)، (P. G 77, 1032C.).

[8] انظر: “سلسلة صوت آبائنا” إصدار الخدمة الرسوليّة، أثينا 1997، ص 25.

[9] Christ and Antichrist 4; pg 10, 732; GSC. 2, 6 – 7.

[10] De Sacramentis 6, 4; pl 16, 474 - 75.

[11] Exposition in Lucam 2, 78; PL. 15, 1663.

[12] العظات اللاهوتيّة 29: 19

دخول الموت إلى العالم وأثره

 


يجب أنّ نؤكِّد أيضًا لنفهم أنّ آدم أخطأ فمات، بينما نحن نولد مائتين، إذًا نحن عرضة للخطية. الله لا يحكم علينا بالموت الآن لأننا شركاءٌ في ذنبِ آدم وخطيئته الأولى أو الأصلية كما يفهمها لاهوتيّو العصور الوسطى. بل لأننا نرث طبيعة خاطئة. الله سمح بالموت كعمل رحمة حتّى لا يكون الإنسان خالدًا في الخطية.[1]

عندما قال بولس: لأن أجرة الخطية هيَ موت (رو6: 23)، فإنّه لا يعني أنّ الله يُجازي أعمال الإنسان بالموت، بل أنّ الخطية هيَ مرضنا القاتل. خطية آدم كانت إعلان بأنه ذاتي الاكتفاء، ويفصل نفسه عن الله الذي له وحده عدم الموت (1تي6: 16) والمصدر الوحيد للحياة، فقد أضاع آدم الروح القدس، الحياة الحقة.[2]

وهذا يتفق تمامًا مع ما تسلمته الكنيسة من تعاليم الآباء، فيقول مار فليكسينوس:

منذ التعدي الأوّل للوصية ساد الموت، وامتزج الموت مع الشهوة بالطبيعة، وصار كلّ من يدخل العالم بالزواج، من الطبيعي أنّ يولد مائتًا، وأن يكون خاضعًا للموت حتمًا، سواء أخطأ أو لا، وسواء أخطأ قليلًا أم كثيرًا، لأن الموت صار ممزوجًا بالطبيعة”.[3]

يدخلنا الموت بحالة من الهم الدائم، هذا الهم الذي يدفعنا نحو تحقيق إمكاناتنا، إنه الوجود غير الأصيل الذي يشمل الإنسان دائمًا بحالة من عدم الراحة، حالة من الهم الدائم والقلق الذي يدفعنا دفعًا نحو العمل على محو هذا الشعور بالدخول في ملذّات ليست هيَ أصيلة في ذاتها، لا تُشبِع ولا تُغني، ولا توصلنا لحالة من الاكتفاء، ولكنها ضرورية لهؤلاء الذين يرون أنّ حياتهم لها نهاية قريبة وشيكة الحدوث.[4]

فاللذة هيَ أقرب طرق الإنسان للتمتع بالحياة قبل أنّ يختطفه الموت منها، وقد دّرجت أذاننا على سماع كلمات مثل: اغتنم يومك،[5] ودعونا نأكل ونشرب لأننا غدًا نموت.[6] وهذا الحل الذي أتى به الإنسان لمُشكلة اللذة هو حل وهمي بكلّ تأكيد، فالطعام والشراب والمرح مثل الحرب والثورة، أنشطة عابرة بطبيعتها.[7]

فالموت قد سيطَّر على فكر البشريّة، وامتلكه، حتّى أنها صارت تتهرّب منه بطرق شتى، بالانغماس في الملذَّات، وبارتكاب شرور مُتتالية، تلد شرورًا أُخرى، ولا يوجد ما يحدها. أصبحت بحسب قول القديس أثناسيوس الرسوليّ في كتابه الأوّل ضد الوثنيين:

وإذ لم تقنع النفس البشريّة باختراع الشرور، بدأت بالتدريج تتحول إلى ما هو أشر، لأنها إذ ذاقت شتى الملذَّات، بداية من التلذذ بشهوات الجسد، فقد ثبّتت أنظارها على الأشياء الحاضرة وملذّاتها فقط..[8] وإذ لم يشبعوا بالشرور الأولى حاولوا أنّ يُشبِعوا أنفسهم بشرور أُخرى، فتقدموا في فعل الخزي وتنافسوا في أعمال الفجور.[9]

وبحسب القديس مقاريوس، لا يجب أنّ نقول إنّ كلّ شيء قد ضاع وتلاشى ومات، بل أنه مات عن الله، ولكنه ظلّ حيًا بالنسبة إلى طبيعته.. فها عالم البشر كله كما نراه، يسعى في الأرض، يشتغل ويعمل، ولكن الله ينظر إلى أفكارهم وتصوراتهم فيصرف النظر عنهم، وليس له شركة معهم، لأنهم لا يفكرون فيما يرضي الله، وكما أنّ الأتقياء إذا مروا أمام البيوت ذات السمعة القبيحة، والأماكن التي تُرتَكَب فيها الفحشاء والفسق، فإنهم ينفرون منها ويرفضون مُجرد النظر تجاهها - لأن هذه الأمور هيَ موت في نظرهم - هكذا فإنّ الله يغض النظر عن أولئك الذين تمردوا على كلمته وعصوا وصيته، تعبر عيناه علىهم ولكنه لا يكون في شركة معهم، ولا يستطيع الرب أنّ يجد راحة في داخل أفكارهم.[10]

ويكتب باسليوس الكبير:

بعد أنّ خُدِع الإنسان الأوّل بواسطة الحية، ونال مشورة الخطية، وبالخطية واجه الموت، وبالموت البؤس، لم ينسه الله. لم ينسانا صلاح الله بالرغم من جفافنا نحو حنو الله، ومقاومتنا صانع الخيرات بعنفٍ. مع هذا لن نقدر أنّ نطمس حبه لنا، فإننا قد قمنا من الموت، وصرنا أحياء بربنا يسوع المسيح نفسه.. هذا ولم يكفِه أنّ يدعونا إلى الحياة من جديد، بل يعدَّنا للراحة الأبدية، التي في عظمة فرحها تفوق كلّ فكر بشري.[11]

والقديس يوحنا ذهبي الفم، يقول:

هذا ما فعله المسيح، لأن جميع الناس كانوا يخافون الموت، ولكي يُقنعهم أنّ يحتقروه، ذاق هو نفسه الموت، وإن كان غير مُحتاج إلى ذلك.[12] ألا ترى أنه أبطل طُغيان الموت، وفي ذات الوقت نقض قوة الشيطان؟ لأن الذي يعرف جيدًا حكمة القيامة، كيف سيخاف الموت؟ وكيف سيرتعب فيما بعد؟[13]

هكذا يُشدد آباء الكنيسة على أنّ الموت كان مدخل البؤس والشقاء، هو حالة من الشعور بالمحدودية والضعف، هذا الشعور الذي يُقابله انجذاب أكبر نحو اللذّة، وإنغماس في الخطيئة والجشع والشرّه والشرّ. وهذا ما أتى المسيح لكي يُنقذنا منه، بنعمته الإلهية، بصليبه وموته وقيامته.

 



[1] د/ عدنان أديب طرابلسي ومجموعة من العلماء واللاهوتيّين الأرثوذكس. سألتني فأجبتك، الجزء الاول. ص 285.

[2]سألتني فأجبتك ج1 ص 543.

[3] مار فيلكسينوس أسقف منبج. الرسائل العقائدية الجزء الاول. ترجمة الراهب روجيه يوسف أخرس دير مار افرام السرياني. عن الرسالة إلى دير تلعدا محقق عن عدة مخطوطات فقره 27. ص 107.

[4] هذه خلاصة سريعة لمفهوم هيدجر عن الموت وأثره في التعليم الأنثروبولوجي، يُمكن للقارئ الرجوع إلى كتابه عظيم الفائدة (الوجود والزمن)، الصفحات 240، 262 - 265، 340. وأيضًا للدراسة القيّمة التي وضعها الدكتور عبد الغفار مكاوي على هذا الموضوع في كتابه: نداء الحقيقيّة، ص 86 - 108.

[5] وردت هذه الكلمات في الملحمة الهوميرية القديمة المُسماة بـالأوديسة 1: 8.

[6] انظر: إش22: 13؛ جا3: 22.

[7] أرنولد توينبي، الإنسان وهموم الموت، ترجمة عزت شعلان (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011)، ص 114.

[8] ضد الوثنيين، 8: 3.

 [9]المرجع السابق، 8: 4؛ 9: 3.

[10]عظات القديس مقاريوس 12: 2.

[11] Regulae Fusius Tractatae 2: 3.

[12]  يوحنا ذهبي الفم (القديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين، ترجمة د/ سعيد حكيم (القاهرة: المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية، 2010)، ص 83.

[13]  المرجع السابق، ص 87.