الأربعاء، 6 سبتمبر 2023

كيف نفهم ونفسر نصوص الكتاب المقدس؟

 


الفهم الصحيح للنص الكتابي هو أهم صفة يجب أن تتوافر فِي المسيحيّ عامة وخادم الكلمة خاصة، وهو الأساس الذي يُبنَّي عليه الفكر العقيدي وكلّ موهبة أُخرى لبنيان الكنيسة، ولذلك يقول الأب متّى المسكين:

تبقى موهبة معرفة الكلمة على أسّس صحيحة من الإنجيل وبفهم صحيح وإدراك صحيح بحسب الفكر الإنجيلي واللاهوتي, هيَ الأساس الأول الذي لا غنى عنه والذي عليه يتوقف عمل كلّ موهبة أُخرى, ويكفي أن نتصور إنسانًا يسعى لينال موهبة الخدمة أو التعليم أو النبؤة أو التكلم بلسان أو الشفاء أو الوعظ, وهو غير مُتأسّس على معرفة الإنجيل بعهديه معرفة مُتقنة, فالعثرة والتخبط والبلبلة التي قد يقع فيها كفيلة لا أن تلغي كلّ موهبة أُخرى, بل وتُشكك فِي مصدرها وتهدم الكنيسة[1].

والمسيحيّ لا يقدس حرف الكتاب المقدس بل يقدس المعنى الذي يحمله إليه هذا الحرف، فنحن لسنا نعبد أوثانًا ولا نعبد كتابًا من أوراقٍ وحبرٍ، بل بالحري نحن أبناء الله ونقدس المعنى الذي غرسه الله فِي كلمات الكاتب المُلهم بالروح. وكان القديس كيرلس عمود الدين دائمًا ما يستخدم تعبيرات تدل على أن الهدف من الكتاب المقدس ليس الحرف وتفصيلاته وأصوله، بل جوهر الرسالة المختبئة داخل هذا الحرف، حيث نجده يكتب: "الكلمة المُعبرة عن المعنى[2]"، "البديهيات التابعة للأقوال[3]".

ويشرح ذلك باستفاضة، قائلًا:

الأشياء الظاهرة هيَ رموز للأمور الروحية، والأشياء التي حولنا تأخذ بأيدينا لتقودنا لفهم الأمور التي فوقنا، والأشياء الجسدية يلزم أن تؤخذ كصور تتقدم بنا إلى الأفكار السامية، بالرغم من أنها فِي زمنها الخاص كانت تُفهم كما نُطِق بها[4].

وبحسب القديس إكليمندس السكندري فالكتاب المُقدس كالعذراء يحمل أسرار الحق والتي تحتاج لأن نصل إليها عبر الحرف المُجرد، فيقول:

هكذا بالنسبة لنا كتاب الرب المقدس يلد لنا الحق ولا يزال عذراء إذ يحمل ختم أسرار الحق[5].

فالقاعدة الفُضلى للتفسير هيَ أن نكتشف ونُحدد ما هو القصد الذي يبتغي كاتب السفر التعبير عنه، فالتحدي الحقيقي ليس فِي الاقتراب الصحيح إلى فكر كاتب النص, ولكن ايضًا فِي امكانية القارئ المُعاصر فهم الكاتب, أن يجعل (المُفسر) فكر الكاتب هو فكره, وهذا ما فعله الآباء, لقد فهموا النص ونقلوا هذا النص مفهومًا إلى مؤمني عصرهم. وذلك لأن كلّ غرض التفسير هو ترجمة كلمات الله إلى حياة، فيقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

كما أن البناء الذي بلا أساس يكون مُختلًا ولا يؤمَنَ له، كذلك الكتاب المُقدس يصير بلا منفعة إطلاقًا، إذا فشل الفرد فِي استقصاء القصد منهُ[6].

والقديس كيرلس السكندري يدعونا لنتعمق فِي المعنى المخفي، حتّى نرتقي بحكمة، من الجسدانيات الكائنة فِي الإمور المحسوسة، إلى الروحانيات[7]. ولذلك دائمًا ما استخدم آباء الكنيسة التفسير الرمزي للوصول لعمق النص واستخراج القصد والهدف المرجو منه. ولذلك يقول أوريجينوس:

"حقًا إن الحقل كما يبدو لي حسب ما جاء هُنا هو الكتاب المقدس الذي فيه زُرِعَ ما هو ظاهر من كلمات من التاريخ والناموس والأنبياء وبقية الأفكار؛ فإنها عظيمة ومتنوعة هيَ نباتات الكلمات التي فِي كلّ الكتاب! أما الكنز المخفي فِي الحقل فهي الأفكار المختومة والمخفية وراء الأمور المنظورة "الحكمة المخفية فِي سر"، المسيح المذخر فيه كنوز الحكمة والعلم"[8].

وهذا ما قاله سفر الأمثال حيث جاء فيه متحدثًا عن المعني الخفي أو الجوهري لظاهر النص الذي دوّنه الأنبياء إذ يقول:

لِمَعْرِفَةِ حِكْمَةٍ وَأَدَبٍ لإِدْرَاكِ أَقْوَالِ الْفَهْمِ. 3لِقُبُولِ تَأْدِيبِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالاستقَامَةِ. 4لِتُعْطِيَ الْجُهَّالَ ذَكَاءً وَالشَّابَّ مَعْرِفَةً وَتَدَبُّرًا.5يَسْمَعُهَا الْحَكِيمُ فَيَزْدَادُ عِلْمًا وَالْفَهِيمُ يَكْتَسِبُ تَدْبِيرًا. 6لِفَهْمِ الْمَثَلِ وَاللُّغْزِ أَقْوَالِ الْحُكَمَاءِ وَغَوَامِضِهِمْ. (أم 1: 2- 6).

ويكتب استاذ الكتاب المُقدس ق.جيروم:

إن ماركيون وباسيليدس وهراطقة آخرين لا يملكون إنجيل الله، لأنهم لا يملكون الروح القدس، الذي من دونه يصبح الإنجيل المُبشر به إنسانيًا محضًا. فنحن لا نعتبر أن الإنجيل يتآلف من مُجرد كلام لإن الكتاب المُقدس غايته فِي معناه، لا فِي سطحه، فِي هذا الحال يُصبح الكتاب نافعًا حقًا للسامعين عندما يُبشر به مع المسيح وعندما يُقدم ويُعرض مع الآباء وعندما يُقدمه المُبشرون به مع الروح.. كبير هو خطر الوعظ فِي الكنيسة، لأن التفسير المُنحرف يحول إنجيل المسيح إلى إنجيل إنساني[9].

ولهذا يكتب هيلاري أسقف بواتييه والمُلقب بأثناسيوس الغرب:

اننا حينما نلجأ إلى اقوال الكتاب المقدس فعلينا ان نخضع عقولنا مباشرة للحق الذي تشهد له الكتب المقدسة, لأن نصوص الكتاب المقدس يجب ان تُفسر فِي ضوء الأمور أو الحقائق التي تشير إليها والتي بسببها كُتِبَت هذه الأقوال وليس العكس, إذ أن هذه الأقوال تحقق الغرض المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته, وبالتالي تمكننا من الايمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة, والتي تتماشى مع الطريقة التي يقدم هو بها نفسه لنا[10].

ويكتب ذهبي الفم:

أى كنز يُمكننا أن نحصل عليه من أعماق الكتاب المقدس، ونحن لم نتلامس بعد مع كلّ أعماق الحكمة، إذ أننا نزلنا فقط إلى العمق الذى تسمح به إمكانياتنا[11].

وهكذا فقد لجأ الاباء إلى التفسير الرمزي[12] وهو لا يعني أن النص وهمي أو مجرد صورة، لكن هو حالة التأمل العقلي بالروح للدخول إلى المعنى الجوهري للنص، فالمهم فِي النص الديني ليس أن يُقدم لي تاريخ، بل أن يقدم حياة، حياتي الآن وتدابير الله بشأنها. فالمنهج الرمزي فِي التفسير هو رفع حجاب الحرف الذي يستر الحقيقة حتّى تنكشف بجلاء، والمفسرين المسيحيّين لا يعملون بعشوائية أو يفسرون النص بلا ضابط بل توجد حدود يتحركون داخلها، ونقصد بها الملمح التاريخى للإعلان الإلهى فى العهد القديم والجديد، أى مسيرة شعب الله وخلفها تاريخ التدبير الإلهى لخلاص العالم. فبحسب الأب جورج فلوروفسكي فإنه على المرء ألاّ يهمل المعنى النموذجي للأحداث. مؤسّسات العهد القديم وشخصياته كانوا أيضًا نماذج ورموز للأشياء القادمة. التاريخ نفسه كان نبويًا. فالأحداث نفسها تتنبأ، وهيَ تنبأت مشيرة إلى شيء ما يتخطاها. يصعب وصف الآباء الأوّلين بالأصوليين. لقد كانوا دائمًا يسعون وراء الحقيقة الإلهية ووراء الرسالة الإلهية نفسها التي غالبًا ما كانت محتجبة خلف ستار الحرف. بالكاد استطاع الإيمان بالوحي أن يعيق الميل الأصولي. لا يمكن تحويل الحقيقة الإلهية إلى حرف حتّى ولو كانت الكتابات المقدسة.

أحد أفضل نماذج التفسير الآبائي هو الأيام الستة (Hexameron) للقديس باسيليوس الذي نجح فِي تقديم الحقيقة الدينية للرواية الكتابية عن الخلق بتوازن حقيقي واعتدال لا عيب فيه[13]. والفيلسوف القديس يوستينوس الشهيد كتب لليهود:

"ولكنكم تفسرون هذه النصوص بطريقة منفردة, إذ تنسبون لله كلّ نوع من أنواع الضعف عندما تفسرونها تفسيرًا سيئًا دون تحليل لروح الكلمات[14]".

فالكنيسة كانت تقف بجانب الكتاب المُقدس مؤيدَّة إياه من دون أن تتقيد بحرفه. فالهدف الأول للتفسير كان فِي إظهار معنى الكتاب المُقدس وغايته أو بالأحري معنى الإعلان وتاريخ الخلاص. وكان واجب الكنيسة أن تُبشر بالمسيح لا بالكتاب فقط[15] وإلا إنحرفت عن قصد الكتاب وجوهر رسالته.

والتفسير الرمزي ليس فقط ما عمل عليه المفسر المسيحيّ بل أيضًا هو عمل التلاميذ والرسل كتبة الوحي والمُلهمين بالروح، فمثلًا نجد بولس يقول في(غلا 4: 22- 25)

"فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان، واحد من الجارية والآخر من الحرة، لكن الذي من الجارية ولِد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد، وكلّ ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر لأن هاجر جبل سيناء فِي العربية ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مُستعبدة مع بنيها".

وليس هذا النص فقط ففي (1بط 2: 1- 10) يفسر بطرس العهد القديم رمزيًا أو بالمقابلة مطبقًا أياه على الكنيسة، فهي إسرائيل الحقيقي والشعب المُختار والكهنوت الملوكي والأمة المُقدسة والشعب الذي اقتناه الله، ويعود بولس فيتحدث عن الأسرار المسيحيّة المُختبئة بحرف العهد القديم قائلًا: وهذه الأمور حدثت مثالًا (1كو 10: 6).

فالوجود المسيحيّ قد فُهِمَ من خلال المنظور المُقدس للإعداد المسياني فِي العهد القديم الذي تحقق فِي الجديد (عب 1: 1- 2). وهكذا كلّ كتبة العهد الجديد أيضًا كانوا بإلهام الروح القدس ينظرون إلى العهد القديم نظرة تتخطى تاريخه. "لكن هذا التخطى لا يعنى سوء استخدام للعهد القديم. ينبغى أن يصير واضحًا أن كلّ العهد القديم يتم تخطيه أو تجاوزه داخل العهد الجديد على أساس هذا المنهج التفسيرى. وهذا التخطى لا يفهم على أنه سوء استخدام للعهد القديم، طالما أن العهد القديم يتغير ويتجلى داخل الجديد. وهكذا فالعهد القديم يُحفظ وهو فى حالة تجلى ويصير كتابًا مسيحيًّا[16]".

وهكذا أيضًا فسرت الكنيسة النص الكتابي فوجدت فيه أساس الأسرار الكنسية. فوجدت المعمودية مختبئة فِي "ماء الخلق الأول الذي كان يرف عليه الروح الالهي" و"الطوفان الذي جدد الخليقة" و"عبور البحر الاحمر" و"فأس إليشع التي طفت على الماء" و"تطهير برص نعمان السرياني عندما غطس فِي النهر". وأيضًا وجدت الكنيسة سر الإفخارستيا المُقدس متمثلًا في: "تقدمة ملكي صادق" و"المن"، وغير ذلك. فالكنيسة بوعيها وحسها الروحي استطاعت عبر كلّ تاريخها وفي ليتورجيتها التي دائمًا ما تنطبع فيها عقائدها، أن تفهم القصد الحقيقي وراء ستر الحرف البشري.

فالتفسير المستقيم للكتاب يهدف دائمًا إلى الفهم العميق الذي يبتعد تدريجيًا عن الفهم الحرفى، وهذا الفهم العميق يُكشف بروح المسيح. لذا نجد إكليمندس السكندري يؤكد على ذلك فِي مقالة مَن هو الغنى الذي سيخلص؟ قائلًا:

ونحن نعلم أن المُخَلِص لا يُعلمنا كلمات بشرية، ولكنه يُعلمنا كلمات الحكمة الإلهية الخفية. لذا لا يجب أن نستمع إلى أقواله من خلال حواسنا البشرية بل يجب أن نوليها حقها فِي الفحص والتمحيص.

وكيفية الفحص بالنسبة له هو ذكائنا فيقول:

مستخدمين ذكائنا، لكى نبحث ونستخرج تلك المعانى المختبئة فِي هذه الكلمات لأنه حتّى تلك الأشياء التي بسَّطها الرب للتلاميذ بنفسه، نجدها تحتاج منّا الانتباه، وربما أكثر من تلك الأشياء التي عبّر عنها بإسلوب رمزي لما فيها من فيض الحكمة المتدفقة، بينما تلك الأشياء التي نظن أن الرب قام بشرحها بنفسه لأولئك الذين دعاهم الرب بأبناء الملكوت، تحتاج لمزيد من العناية أكثر من تلك الأشياء التي تمَّ التعبير عنها فِي بساطة والتي من أجل هذا لم تثر لدى مَن سمعوها أى تساؤل بل يجب علينا أن لا نتلقاها فِي سطحية إذ أنها تتعلق بهدف الخلاص نفسه بل يجب التأمل فيها بالإعجاب والتعمق فِي التفكير إلى أعلى مستوى، ننقي أذهاننا وعقولنا حتّى تلتقي مع روح مخلّصنا، وبهذا نصل إلى المعنى الذي لم يُنطق به لذلك الاستعلان الإلهي[17].

ويكتب أوريجينوس:

فإن كلمة الله الذي تسربل بالجسد من مريم, قد جاء إلى هذا العالم وما رؤي فيه كان شيء ما, وما فُهم كان شيئًا اخرًا. لان منظر جسده كان متاحًا للكل ان يروه, لكن معرفة لاهوته قد اُعطيت لقليليين.. هكذا ايضًا حين جائت كلمة الله بالانبياء ومُعطي الناموس (موسي) , فإنها لم تأت من دون ان تتسربل بشكل مناسب. لأنه مثلما كانت هُناك مُغطاة ببرقع الجسد أو حجابه (2 كو 3: 14) هكذا هُنا ايضًا جائت بحجاب المعنى الروحي المخبأ داخل الحرف.. طوبى لتلك العيون التي ترى الروح الالهي المخفي فِي حجاب الحرف[18].

ويرى الأب جورج فلورفسكي أن التفسير التاريخي كان غالبًا فِي خطر فقدان المعنى الكوني للوحي الإلهي عن طريق التشديد المفرط على الأوجه المحلية والقومية فِي العهد القديم. وأكثر من ذلك، فِي خطر فقدان المنظار الإلهي والتعاطي مع تاريخ العهد القديم وكأنه تاريخ شعب واحد بين أمم الأرض وليس تاريخ ميثاق الله الحقيقي الوحيد[19].

وبالنسبة للقديس كيرلس فحتى إكتشافنا الدقيق للمعنى التاريخي الحرفي يجب أن يقودنا لجوهر النص أي معناه الروحي، فيقول: "إن الأنبياء كانوا ميالين أن يصيغوا كلماتهم بحيث تناسب مشيئات الروح القدس، حتّى أنهم بين الحين والآخر كانوا قادرين على أن يرتقوا إلى الأمور العميقة والروحية من خلال المعنى الحرفي، أي من خلال الأحداث التي وقعت، أو من خلال الأشياء المُدركة بالحواس والمكشوفة للرؤية البشرية[20]". فالمعنى الحرفي فِي رؤية القديس كيرلس عاجز عن أن يُشبع الأشخاص الأكثر فهمًا وتعقلًا[21].

ويستعمل القديس كيرلس بعض العبارات التي توضح لنا غاية الوضوح أن نظرته للأحداث التاريخية للعهد القديم، أنها أحداث نادرًا ما تستحق أن تؤخذ فِي الإعتبار، ليس لأنها غير صالحة فِي ذاتها، بل لإنها تغلف المعنى الذي يجب الوصول إليه، وهو هدف النص. فنجده يستخدم بخصوص الأحداث التاريخية تعبيرات مثل: "أمور التاريخ العشوائية المذكورة عرضًا[22]"، "أحداث التاريخ العرضية المُقتضبة[23]" "لأنه فِي أحداث التاريخ الإضافية غير المعتادة غالبًا ما تختفي وتكمن الأمور الروحية[24]".

فإن التفسير الروحى عند القديس كيرلس يُفهم من خلال تدبير التجسد الإلهى. فكما أن ناسوت السيد المسيح يقودنا إلى ألوهيته ويعطي مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد، هكذا أيضًا فإن الحرف أو الأحداث التاريخية التي وردت فِي النصوص، تشير إلى ذلك "الشئ" الروحى الذى يُعلن بواسطتها[25]. وهكذا فالكلام عن الله يتماشى مع حاجة الكلام البشرى ومقاييسه. إذًا لكى نعرف سمو المجد الإلهى يجب علينا أن نفهم ـ وبطريقة خاصة ـ الشواهد التاريخية والإنسانية أى ما تليق بالطبيعة البشرية، المدونة فِي الكتاب المقدس، عن الله. وخاصةً لأن الإنسان له جسم كثيف وبالتالى فهو محكوم بقوانين بيولوجية، فلهذا لا يجب عليه أن يتعامل مع التعبيرات والمعانى اللاهوتية بطرق تاريخية أو لغوية نحوية أو أن يفهمها حسب رغبته البشرية[26]، لكن حسب ما يليق بالطبيعة الإلهية الفائقة سيظل الكلام البشرى قاصر وغير كافٍ لوصف الإلهيات، لأن ما يعبر عنه ـ نسبيًا ـ ينحصر فِي نطاق اللغة والنموذج والعلاقة والمثال، وبواسطة الكلام البشرى نستطيع أن نفهم جانبًا ما مما هو خاص بالطبيعة الإلهية الفائقة. فالكلمة الكتابية لا تدل على ما هو لله بالضبط، بل هى ببساطة تشير إليه "[27].

والذي يحدد معنى كلّ كلمة فِي الكتاب ليس هو التحليل اللغوى لها أو المعنى التاريخى الذي تحمله وإن كانت هذه معلومات هامة لفهم النص- لكن الأهم فِي تحديد المعنى هو ذلك الشئ "المخفي فِي النص" فِي العمق وسرائريًا وحسب التدبير[28].

الكتاب المقدس يستخدم لغة ايقونية، فالنص الكتابي كالإيقونة يقدم عمق للتلامس مع الروح الإلهي متسترة بغلاف فكر وتعبيرات بشرية. فمثلًا عندما يتحدث عن الله كمجسد أو كغاضب أو منفعل أو ندمان، كلّ ذلك إنما هو تعبير بشري عن الله بلغة يفهمها البشر لإن الله ليس عنده ماضي وحاضر ومُستقبل ولذلك فهو لا ينفعل كما نفعل نحن ولا يتأثر بالإنفعالات كما نتأثر نحن بها. وهكذا فنجد القديس إسحق السرياني يقول فِي جرأة: لا يوجد عاقل وعنده فهم بالمرة ويُمكنه أن يتصور، بهذا الجنون، شيئًا مثل هذا عن الله. ولا نستطيع أيضًا أن نقول أنه من قبيل العقوبة يتصرف، حتّى ولو كان الكتاب المُقدس من الظاهر يُعلن ذلك!! مجرد التفكير هكذا عن الله، وتوقع أن عقوبة الشر موجودة عنده شيء كريه.. لأنه تجديف... ليس لأن عبارات الغضب والكراهية وما شابه تُستعمل لوصف الخالق، فنتخيل انه هو حقيقة يعمل اي شيء بالغضب والكراهية أو الغيرة. هُناك مجازات كثيرة فِي الكتاب المُقدس عن الله، الفاظ بعيدة تمامًا عن طبيعته الحقيقية. فلا يجب ان نفهم كلّ شيء بصورة حرفية كما كُتبت، ولكن يجبب أن نري ما هو مخفي فِي الجسم الخارجي لما هو مكتوب[29]. ولذلك يكتب ايضًا كيرلس عمود الدين: نحن نتكلم عن الله بإسلوب بشري، لأنه لا توجد لدينا اية وسيلة أخري للتأمل فِي الأمور التي تعلو علينا[30].

وقد استخدم الكتاب المُقدس شكلًا أدبيًا صاغ من خلاله النص، وهذا الشكل الادبي إما كان شعرًا كما فِي المزامير وسفر ايوب وبعض مقاطع من التكوين واجزاء أخري، وإما كان نثرًا، أو فِي قصة أدبية تتجلي صورتها فِي أن النص أحيانًا يضع حديثًا لشخصيات وهمية أو ميتة أو يمنح القدرة على الكلام للحيوانات العجماوات بهدف توصيل رسالة معينة فِي سياق أدبي. وقد ألتفت القديس كيرلس لهذا المعني[31] ففي تفسيره على (أش 21: 3-5) يخبرنا أن كاتب النص المقدس استعان بهذا الإسلوب الأدبي الإصطناعي من أجل فائدة السامعين[32].

واستخدم الأنبياء هذه الطرق لكي يستطيعوا أن يوصلوا جوهر الرسالة الإلهية بأبسط الطرق المُتاحة للشعوب التي كتبوا لأجلها فِي ذلك الوقت، فالحقائق الإلهية لا يُعبر عنها ولا تُدرك بالحواس الجسدية لأنها فائقة عن كلّ معرفة بشرية. ولذلك فإن الله يتنازل لأجل معرفته بمحدودية الفهم البشري ويترك للكاتب ان يصف جوهر الرسالة أو المضمون الذي أراد الكاتب إيصاله فِي ذلك الوقت وبالإسلوب الذي يُريده، دون أن يتشوه الجوهر الذي تبتغيه الرسالة، وحتى يصير مفهومًا من الجميع فِي أي عصر وأي مستوي ثقافي وأي طبقة عمرية. فِي ذلك يقول القديس إكليمندس السكندري: إذا فكرنا فِي الله القدير أن الأشياء تتم عنده بنفس الطريقة التي نستطيع نحن أن نُدركها بحواسنا، فإننا نُخطئ ونكون مُدانين بعدم التقوي، لأن اللاهوت لا يُمكن التعبير عنه، ولكن على قدر ما يتعلق بنا، وعلى قدر ما يُسمح لنا بفهمه يتكلم الأنبياء بهذه الطريقة، لأن الله يُكيف نفسه بحسب ضعفنا البشري لكي يُخلصنا[33].

وهكذا فالكلمة المُقدسة هيَ تنازل من الله نحو الإنسان، ولا تعبر مباشرة عن الحقيقة، بل تستخدم أمثلة ورموز وإشارات حسية لترفع عقولنا من الحالة المادية إلى ما فوق المادة حيث يستريح الروح القدوس. ويعلق ذهبي الفم: "ما العجيب فِي هذا؟ هو (الله) أشيع عنه انه أبتهج بالذبائح، الامر الذي كان بعيدًا عن طبيعته[34]. وهو ينطق بكلمات مضادة عند تصريحاته عن نفسه واشياء كثيرة شبيهة. لانه لا يضع إعتبارًا لنفسه ابدًا، بل دائمًا يقول بما سيكون مُفيدًا لنا. فإن كان الاب لا يضع إعتبارًا لكرامته بل يتكلم بتلعثم مع اولاده الصغارويدعو أكلهم وشربهم ليس بأسمائها المعروفة بل بكلمات طفولية، فكم بالأولي يعمل الله. وفي كلّ موضع فِي الكتاب توجد أمثلة لتباسطه فِي الكلمات وفي الأفعال[35].

الكتاب المُقدس كتاب وجِدَّ فِي قلب التاريخ، ولذلك من أهم العناصر التي تُعيننا على فهمه هو معرفة الوقت الذي كُتِبَ فيه النص والأشخاص الذين كُتِبَّ لأجلهم، فبحسب القديس كيرلس السكندري: إن التمييز بين النصوص امر هام جدًّا إذ يقودنا إلى تمييز الازمنة والأوقات[36]. ويكتب فِي موضع آخر: لأن معرفة الأزمنة وتمييز فِي الأشخاص هيَ أمور توضّح لنا بسهولة معنى الكلمات المُستَقيمة وغير المنحرفة التي تأتي إلينا مباشره من الكتب المقدّسة[37]. ويكتب فِي موضع آخر: كذلك ينبغي على الدارس للأقوال الالهية ان يفحص ايضًا الاشخاص ويتفكر فِي الزمن, ولأي سبب قيل كلّ قول. وذلك حتّى يمكن لكل احد ان يطبق التفسير اللائق بنعمة الروح لكل قول من هذه الاقوال[38].

ولقد استفاض القديس أثناسيوس كثيرًا وشدد على هذا الأمر، ففي رسالته ضد الاريوسيين يكتب: 

فيجب أن نفهم بأمانة: الوقت الذى كتب عنه الرسول، والشخص والموضوع اللذين كتب عنهما، لكى لا يجد القارئ نفسه ـ وهو يجهل هذه الأقوال أو غيرها، بعيدًا عن المعنى الحقيقى. ولذلك فإن ذلك الخصى المحب للمعرفة ـ حينما عرف هذا توسل إلى فيلبس قائلًا: " إنى أسألك، عمن يقول النبى هذا، عن نفسه أم عن شخص آخر؟ " (أع34:8) لأنه كان يخشى أن يحيد عن المعنى المستقيم، ويفهم الكلام عن شخص آخر من خلال قراءته. وأيضًا التلاميذ بسبب رغبتهم أن يعرفوا وقت حدوث ما قاله الرب توسلوا إليه قائلين " قل لنا متى ستكون هذه الأمور؟ وما هى علامة مجيئك " (مت3:24). وأيضًا عندما سمعوا من المخلص ما قاله عن النهاية، أرادوا أيضًا أن يعرفوا زمنها (انظر مت36:24). وذلك لكى لا يضلوا هم، وأيضًا لكى يتمكنوا من تعليم الآخرين. فإنهم بعد أن عرفوا فقد صححوا (أفكار) الذين كانوا على وشك الضلال من أهل تسالونيكى. لذا فعندما يكون لدى واحد من مثل هؤلاء معرفة كثيرة، عندئذ سيكون له فكر إيمان صحى ومستقيم. أما إذا أساء أحد فهم شيء من هذه، فإنه سينزلق فى الحال إلى الهرطقة. وهكذا ضل الذين يتبعون هيمنايس والأسكندر (1تيمو20:1). لأنه برغم أن الوقت لم يكن قد صار بعد. كانوا يقولون إن القيامة قد صارت بالفعل. (انظر2تيمو18:2). فى حين أن الغلاطيين ـ بعد أن أكتمل الزمان ـ قد مالوا الآن إلى الختان. أما من جهة الشخص، فقد كابد اليهود ولا يزالون يقاسون حتّى الآن، لأنهم يظنون أن هذه الآية " هوذا العذراء تحمل وستلد ابنًا، وتدعون اسمه عمانوئيل، الذى تفسيره الله معنا " (إش14:7، مت23:1) تقال بخصوص واحد منهم (لا يزالون ينتظرونه) وأنه عندما قيل " سيقيم لكم الرب نبيًا من وسطكم " (تث15:18، اع22:3) فإنهم يظنون أنه يتكلم عن واحد من أنبيائهم. أما القول: " كشاه قد سيقت إلى الذبح " (إش7:53)، فإنهم لم يتعلموا من فيلبس إلى من يشير، بل ظنوا أنه يتكلم عن إشعياء أو عن نبى آخر من بين أنبياءهم. لذا فإن أعداء المسيح أنزلقوا إلى الهرطقة البغيضة بسبب معاناتهم من مثل هذه الأمور. فإنهم لو كانوا قد عرفوا تمامًا الشخص والموضوع والوقت المتعلق بالكلمة الرسولية، لما جدف أولئك الحمقى إلى هذا الحد[39].


عن كتاب: الروح والمادة، إشكالية الصراع بين العلم والدين، لأمجد بشارة، 2021

[1] الأب متّى المسكين. الروح القدس الرب المحيي، إصدار دير القديس انبا مقار،ط4 ج2 ص 773.

[2] Com, on, mal, 11, 591, 9

[3] Com, on, amos, 1, 517, 151

[4] Comment on st. john 1, 159, 25ff

[5] المتفرقات 16:7.

[6] P. G. 55, 35

[7] تفسير ميخا 1: 733: 9

[8] تفسيره لمتى 10: 5.

[9] On Galatians, 1, 1, 2. P.L. 26, 386

[10] De Trin , 4. 14 ; 5. 4 , 7 ; 8. 52. &, De Trin 1. 6, 16; 2. 2 ff.

[11] الصلاة، ترجمة د/ سعيد حكيم، ص 12.

[12] التفسير الرمزي ليس مستوى واحد، بل عدة مستويات فهناك الرمزية allegorical وهو يبحث فِي هدف وقصد الإيمان فِي النص من خلال النصوص والمقاطع والجمل لكي يصل إلى المعنى الخفي بداخلها، وهُناك أيضًا التفسير المجازي أو التماثلي tiopological وهو الذي يبحث عن تطابق بين حدثين أو شخصين، والأخلاقي moral وهو البحث فِي ما يجب أن أفعله كمؤمن وسط الجماعة وفي العالم، والتفسير الاخروي أو التجاوزي anagogical وهو يشير إلى البعد الآخروي (أي الذي يتحدث عن الحياة الأخرى) الذي يتضمنه النص. فعندما نتحدث هُنا عن التفسير الرمزي فنقصد به التفسير الذي يبتعد عن حرفية النص ناظرًا إلى عمقه وأبعاده وهو يشمل كلّ من المعاني السابقة. فالقاعدة الفُضلى للتفسير هيَ البحث عن مقاصد الكاتب كما سنرى. وهذا التقسيم يتطابق مع تقسيم التفسير بالمنهج المدراشي للرابيين اليهود حيث "ريميز" وهو المعنى الدفين فِي الناموس، و"داروش" وهو المعنى الرمزي، و"سود" وهو المعنى السري أو الصوفي. وهذا التعريف الذي قدّمناه يختلف عن المعنى المعتاد للتفسير الرمزي والذي يعني أن يشرح المُفسر الأحداث دون شرح النص فلا يُمكن تفسير الكتاب المُقدس بهذه الطريقة فقط.

[13] "The Old Testament and the Fathers of the Church" originally appeared in The Student World, XXXII No. 4 (1939), 281-288. Vol, 4. of his Collected Works, Aspects of Church History)

[14] الحوار مع تريفون فصل 112.

[15] الاب جورج فلوروفسكي، الكتاب المُقدس والكنيسة والتقليد، ص 106.

[16] د/جورج عوض إبراهيم، دورية دراسات ابائية ولاهوتية، عدد 18، ص 76

[17] سلسلة آباء الكنيسة، دار فيلوباترون، الكتاب الثانى، الجزء الأول، ص107ـ108.

[18] THE FATHERS OF THE CHURCH, ORIGEN, HOM ON GENSIS AND EXODUS, VOL 71, P. 29.

[19] مقالة عن اباء الكنيسة والعهد القديم، تعريب الاب انطون ملكي

[20] القديس كيرلس الكبير كشارح للعهد القديم، ألكسندر كريجان، مقالات نُشرت فِي مجلة مرقس عام 79.

[21] P. G. 69, 640 A

[22] P. G. 68, 585, D

[23] P. G. 188 C

[24] P. G. 69, 140 A

[25] د/ جوزيف موريس فلتس. مقال: أمثلة من تفسير الاباء لايات الكتاب المقدس، دورية دراسات ابائية ولاهوتية الصادرة عن المركز الارثوذكسي للدراسات الابائية، عدد 16 ص 31.

[26] PG 74.28B.شرح إنجيل يوحنا

[27] PG 76.33C.ضد نسطور 3:1

[28] PG 70, 565C.تفسير إشعياء

[29] Mystic treatises of Isaac of nineve, p. 59, 128 , 136, 241

[30] The faith of the early fathers, vol. III, p. 217, 218

[31] انظر تفسيره على: أش 21: 3، أش 14: 9، ميخا 7: 8-11، أش 23: 4، يوئيل 1: 17-20.... وغيرها

[32] P. G. 70, 488 A

[33] Strormata 2, 16, 72, 3-4

[34] راجع: مز 50: 13

[35] Hom, on titus, 1: 12

[36] حوار حول الثالوث، ج1 ص 41، إصدار المركز الارثوذكسي للدراسات الابائية.

[37] حوار حول الثالوث، ص 21.

[38] والدة الإله، إصدار المركز الارثوذكسي للدراسات الابائية، ص 27.

[39] ضد الاريوسيين 1: 13: 54-55.

شرح مبسط لمفهوم المعمودية في المسيحية، بحسب تعاليم الكنيسة الأولى

 



فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.
مت 28 : 19


يحتوي هذا البحث المصغر علي :

1 - شرح الاباء للمعمودية من القرون الاولي
2 - لماذا المياه
3 - ماذا عن الاطفال الذين يرقدون قبل العماد
4 - من يحق له ان يعمد

سأذكر كيف نكرس نفوسنا لله بعد التجدد بالمسيح خشية الظهور بمظهر التحيز اذا اغفلنا ذلك . يجمع الذين يقتنعون و يعتقدون ان ما نعلمه و نقوله هو الحق و يأخذون التعهد علي انفسهم السلوك بموجب ذلك و يعلمون كيف يصلون و يبتهلون الي الله صائمين لمغفرة خطاياهم السابقة و نحن نصل و نصوم معهم , ثم ناخذهم الي مكان فيه ماء و نجددهم بالطريقة نفسها التي تجددنا بها , اذ انهم ينالون الغسل بالماء باسم الله الآب سيد الكون باسم مخلصنا يسوع المسيح و باسم الروح القدس ... ان هذا الغسل يدعي استنارة , لان الذين يقبلون هذا التعليم تكون ارواحهم مستنيرة , لانه باسم الاب و يسوع المسيح الذي صلب ايام بيلاطس بنطس , و الروح القدس الذي نطق في الانبياء بكل تاريخ يسوع , يغتسل المستنير .
القديس يوستينوس (1)


ثم نقتادهم إلى المكان حيث يوجد الماء. وهناك يتجدَّدون بنفس الطريقة التى تجدِّدنا نحن بها، فيغتسلون في الماء باسم اللَّه الآب سيِّد كل الأشياء ويسوع المسيح مخلِّصنا والروح القدس. لأن المسيح قال: "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت اللَّه" (يو 3: 3).بديهى لا يستطيع الإنسان "أن يدخل بطن أمُّه ثانية ويولد" (يو 3: 4). ويعلِّمنا إشعياء النبي كيف تُمحى خطايا الخطاة التائبين. يقول: "اغتسلوا تنقُّوا اِعزلوا شرّ أفعالكم من أمام عينيّ، كفُّوا عن فعل الشرّ، تعلَّموا فعل الخير. اطلبوا الحق، انصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم حاموا عن الأرملة". "هلمَّ نتحاجج يقول الرب. إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج. إن كان حمراء كالدودي تصير كالصوف. إن شئتم وسمعتم تأكلوا خير الأرض. وإن أبيتم وتمرَّدتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلَّم" (إش 1: 16-20).
وإليكم التعليم الذي سلَّمه لنا في هذا الموضوع:
في ميلادنا الأول نولد جهلاء وبحسب قانون الضرورة من اجتماع والدينا؛ ونأتي إلى العالم بعبادات رديئة وميول شرِّيرة. فلكي لا نبقى هكذا أولاداً للضرورة والجهل، بل نصير أولاداً للاختيار والمعرفة، ولكي ننال مغفرة خطايانا السالفة، يذكرون اسم اللَّه الآب سيِّد الكون على من يريد أن يتجدَّد في الماء ويندم على خطاياه. وهذه التسمية وحدها هي بالضبط ما ينطق بها الكاهن الذي يقتاد إلى الحميم مَن يلزمه أن يغتسل.
فهل يمكن أن نعطي للَّه غير المنطوق به اسمًا؟ إن هذا الغسيل يدعى استنارة، لأن الذين يقبلون هذا التعليم تكون أرواحهم مستنيرة؛ لأنه باسم الآب ويسوع المسيح الذي صلب أيام بيلاطس بنطس، والروح القدس الذي نطق في الأنبياء بكل تاريخ يسوع، يغتسل المستنير.
القديس يوستينوس (2)


بعد هذه الأشياء اُقتُديتم للبِركَة (الجرن) المقدسة للعماد الإلهي، كما حُمل المسيح من الصليب إلى القبر الذي هو أمام عيونكم. لقد سُئل كلمنكم هل يؤمن باسم الآب والابن والروح القدس وتممتم هذا الاعتراف الخلاصي. ونزلتم ثلاث مرات في الماء، وصعدتم ثانيًا. هنا أيضًا تشيرون برمز للثلاثة أيام التي دفن فيها المسيح. لأنه كما قضى مخلصنا ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في قلب الأرض، هكذا أنتم أيضًا في أول صعودكم تقتدون اليوم بالمسيح في الأرض.
بنزولكم تمثلون الليل، لأنه كما في الليل لا يرى الإنسان مطلقًا، لكن من في النهار يبقى في النور؛ لم تروا شيئًا. وهكذا كما في النزول كما في الليل لم تروا شيئًا. لكن في الصعود ثانية كنتم كمن بالنهار. وفي نفس اللحظة كنتم تموتون وتولدون، وأن مياه الخلاص كانت قبركم وأمكم في وقت واحد.
القديس كيرلس الاورشليمي (3)


لما اعتمدتم و لبستم صورة المسيح صرتم مشابهين صورة ابن الله ( رو 8 : 29 ) , لان الله اذ سبق و عيننا للتبني , جعلنا مشابهين صورة جسد مجد المسيح ( في 3 : 21 )
و انتم صرتم شركاء المسيح ( عب 3 : 14 ) و لذلك دعيتم بحق مسحاء . فان الله يقول عنكم لا تمسوا مسحائي ( مز 104 : 15 ) لقد صرتم مسحاء لانكم قبلتم رسم الروح القدس , و كل شئ قد تم فيكم علي صورة ما حدث للمسيح لانكم صرتم صورا للمسيح اما هو فلما اغتسل في نهر الاردن , و وهب الميه رائحة لاهوته , صعد منها و ظهر الروح القدس حالا عليه بجوهره , اذ ان المثيل يستريح علي المثيل . و انتم ايضا بشبه ذلك لما صعدتم من جرن الماء المقدس قد نلتم مسحة هي صورة لتلك التي مسح بها المسيح , و هذا هو الروح القدس
القديس كيرلس الاورشليمي (4)

انا ايضا صورة الله . فقد لبست المسيح , و تحولت الي شكل المسيح بالمعمودية
القديس غريغوريوس النيزينزي (5)


و الان لنأتي الي كلمة ( الميلاد من فوق ) انا اري انها تعني بوضوح اصلاح الميلاد الاول الذي تم تحت اثم و دنس الخطايا . اذ يقول ايوب : ( ليس احد خال من دنس و لو كانت حياته يوما واحدا علي الارض ) ( اي 14 : 4 س ) , و داود النبي يقول في مرثاته : ( بالاثم حبل بي و بالخطايا ولدتني امي ) ( مز 50 : 7 س ) . و الرسول ايضا يقول : ( الجميع اخطأوا و اعوزهم مجد الله , متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح . الذي قدمه كفارة بالايمان بدمه ) ( رو 3 : 23 - 25 ) . من اجل ذلك سامحنا عن خطايانا
.....
تخيل لو ان تمثالا للملك تهشم و صار قطع صغيرة , و لم يعد احد يستطيع بعد ان يري او يميز صورة هذا الملك العظيم . هنا يستطيع الصانع الحكيم و العامل الماهر ان يستعيد جمال عمله و يقوم بترميمه كي يعود الي مجده السابق . هكذا كنا نحن بعد الصيان و السقوط في الخطية كما هو مكتوب : ( الانسان في كرامة لا يبيت يشبه البهائم التي تباد ) ( مز 49 : 12 ) . و بهذا استعاد الانسان المجد الاول لخلقته علي صورة الله , اذ يقول الكتاب : ( خلق الله الانسان علي صورته و مثاله ) ( تك 1 : 27 س )
القديس باسيليوس الكبير (6)


فلا يظن أحد أن العماد لنعمة مغفرة الخطايا فقط أو بالأحرى للتبني. فعماد يوحنا كان يهب مغفرة الخطايا، أما نحن كما نعلم تمام العلم أن العماد كما يطهر خطايانا ويُقدم لنا موهبة الروح القدس، فهو أيضًا يحمل مشاركة في آلام المسيح. لهذا السبب يصرخ بولس عاليًا: "أم تجهلون إنما كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت" (رو 6: 3). هذه الكلمات قيلت لبعض الذين فكروا أن العماد يخدمنا لمغفرة الخطايا وللتبني فقط وليس للشركة والامتثال بآلام المسيح الحقيقية.
القديس كيرلس الاورشليمي (7)


لماذا اختار الماء للعماد؟

إن أراد أحد أن يعرف سبب إعطاء النعمة بواسطة الماء دون سواه، فليتعلم هذا من الكتاب المقدس. الماء شيء عظيم، وهو ألطف العناصر المنظورة التي يتكون منها العالم... فقبل الأيام الست التي فيها تكونت الأشياء كان "روح الله يرف على وجه المياه" (تك 1: 2). الماء هو بدء العالم، كما أن الأردن هو بداية بشارة الإنجيل.
خلاص إسرائيل [5]من فرعون كان خلال البحر، وخلاص العالم من الخطيئة يتم بغسل الماء بكلمة الله (أف 5: 26). وحيث يقطع عهد يكون الماء أيضًا. فبعد الطوفان قطع عهد مع نوح، ومن جبل سيناء كان هناك عهد بماء وصوفًا قرمزيًا وزوفا (عب 9: 19)...
إيليا صعد بوجود الماء، إذ عبر أولاً على الأردن وبعد ذلك ارتفع في مركبة إلى السماء.
رئيس الكهنة كان يلزمه أن يغتسل قبل أن يقدم بخورًا، إذ اغتسل هارون وبعد ذلك صار رئيس كهنة، لأنه كيف يقدر أن يصلي عن الآخرين من لم يتطهر بالماء؟!
كذلك كانت توجد مرحضة في خيمة الاجتماع تشير إلى المعمودية.
القديس كيرلس الاورشليمي (8)


و هنا ان جائني من يعترض ثانية باثارة المشاكل بأسئلته و شكوكه سائلا و فاحصا باصرار عن كيف يمكن للماء و العمل السرائري الذي فيه ان يعطي الميلاد و التجديد , فاني لا املك اجابة اقولها له سوي ارني الطريقة التي يولد بها الانسان حسب الجسد و انا اشرح لك قوة الميلاد الجديد للنفس . و قد تقول في سبيل ايضاح هذا الامر ان الانسان يولد من زرع البشر , و لكن كيف يجب ان تعرف ان الماء المقدس يطهر و ينير الانسان . و اذا عارضتني مرة اخري سائلا كيف ؟ فستكون اجابتي و بكل شدة : (( كيف يمكن للمادة السائلة التي لا شكل لها ان تصبح انسانا ؟ )) و هكذا نستطيع ان نستخدم نفس السؤال عن كل ما في الخليقة اذا ما طال الجدل ( كيف وجدت السماء و الارض و البحر و باقي الاشياء ؟ . فعندما يعجز فكر الانسان عن الفهم يبدأ في كلمة كيف - كما يلجأ من يعجز عن المشي الي الكرسي ليجلس .
و للايجاز , يجب ان نقول ان سلطان الله و اعماله غير مدركة و لا يمكن وضعها في اطار القواعد المعروفة , فهو يعمل ما يشاء خافيا عنا دقائق الامور في عمله . لاجل ذلك عندما تأمل داود بفكره روعة الخليقة , و امتلات نفسه من الاندهاش و الاعجاب , تكلم بالاية التي يرتلها الجيع : (( ما اعظم اعمالك يا رب كلها بحكمة صنعت )) ( مز 104 : 24 ) فقد ادرك المرتل عظمة حكمة الله و ان لم يستطع ان يفهمها .
القديس غريغوريوس النيصي (9)


هكذا نحن آمنا من خلال معمودية التوبة ومعرفة الله الموضوعة من أجل شعب الله كما يشهد أشعياء، ونحن نعلم أن هذه المعمودية عينها التي أعلنها والتي وحدها تطهر التائبين هي ماء الحياة إن الآبار التي حفرتموها لأنفسكم آبار مشققة ولا فائدة منها. فما قيمة تلك المعمودية التي تطهر الجسد فقط؟ اغسلوا نفوسكم من الغضب والطمع والغيرة والكراهية فيصير
الجسد كله طاهرًا. وهذا هو المعنى الرمزى للخبز الذي بغير خمير أنكم لا تصنعوا الأعمال العتيقة التي للخمير الفاسد. أنتم تفهمون كل شيء بشكل جسدانى وتعتبرون أنفسكم أتقياًء إذا عملتم هذه الأعمال حتى إن امتلأت نفوسكم بالغش وكل نوع من أنواع الخطية. وقد أمركم الله بعد أن تأكلوا الخبز الذي بغير خمير لمدة سبعة أيام أن تعدوا خميرة جديدة لأنفسكم، أى أن تعلموا أعمالاً أخرى ولا تكرروا أعمال الخطية القديمة.
القديس يوستينوس الفيلسوف و الشهيد (10)


لذلك يا احبائي , لتكن لنا المياه المقدسة علامة و نعمة علي ايماننا بالرب الذي دعانا الي نعمة المعمودية بالماء و الروح و اعطانا علامة التطهير في اسم الروح القدس , ميه الحياة التي وعدنا بها
«كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا.
14 وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ».
يو 4 : 13 - 14
نطلب مع كل استخدام للمياه ان ننال التطهير و الشفاء من الروح القدس المعزي الرب المحيي المشتاق لان يعطي لنا الغفران و الحياة
بالثالوث القدوس نحيا : نأخذ الوجود من الآب , و التبني من الابن , و الحياة من الروح القدس . عمل واحد , و نعمة واحدة , و شركة واحدة من الآب الاصل و الينبوع , بالابن المعلن لنا النعمة في الروح القدس , مياه الينبوع التي بها نولد , و منها نشرب . لان اجسادنا تغتسل بمياه المعمودية و تتقدس مع ارواحنا . بمسح الله اجسادنا من الخارج بالمسحة الالهية , لكي يسكن فينا روح الآب بالابن واهبا لنا حياة جديدة
الاب صفرونيوس (11)


في الاطفال الذين يرقدون قبل العماد

يذكر البشيرين لنا حادثة مهمة و هي مجئ الاطفال الي الرب . و هذا ما سجلته لنا الاناجيل :

أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ».
مت 19 : 14

أَمَّا يَسُوعُ فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ.
17 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ».
لو 18 : 16 - 17

وَقَدَّمُوا إِلَيْهِ أَوْلاَدًا لِكَيْ يَلْمِسَهُمْ. وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ فَانْتَهَرُوا الَّذِينَ قَدَّمُوهُمْ.
14 فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ ذلِكَ اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُمْ: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ.
15 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ».
16 فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ.
مر 10 : 13 - 16

**
و يعلق الاباء علي هذه النصوص قائلين :

حقًا ذهن الطفل نقي من آلام الخطية، لهذا يليق بنا أن نمارس بكامل حريتنا ما يفعله الأطفال بالطبيعة.
القديس يوحنا الذهبي الفم (12)

لم يقل "لهؤلاء"، بل قال: "لمثل هؤلاء ملكوت الله"، أي للذين لهم في نيتهم كما في تصرفاتهم ما للأطفال بالطبيعة من بساطة وعدم الأذية. فالطفل لا يبغض، ولا يحمل نية شريرة، حتى إن ضربته والدته لا يعتزل عنها، وأن ألبسته ثيابًا رخيصة يراها أفضل من الثوب الملكي، هكذا من يسلك في طرق الكنيسة أمه الصالحة، لا يكرم شيئًا أكثر منها، حتى ملذاته بكونها ملكة الكل، لذلك يقول الرب: "من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله"
الأب ثيؤفلاكتيوس بطريرك بلغاريا(13)

القديس يوحنا الذهبي الفم (14) : هذه هي حدود الحكمة الحقيقيّة: أن تكون بسيطًا بفهم. هذه هي الحياة الملائكيّة، نعم لأن نفس الطفل الصغير نقيّة من كل الشهوات


و يقول الراهب اثناسيوس المقاري : (15)
وضعت الكنيسة لمعمودية الراشدين شرط الايمان اولا لجواز معموديتهم . و يحسب ايمان الاطفال المنتمين للكنيسة علي ايمان ابائهم , الذين سبقوا و اعلنوا ايمانهم و يرغبون الآن الا يحرم اولادهم من ثمرة ايمانهم الذي سبق ان اعلنوه .
يفهم كل اباء الكنيسة الشرقية في الشرق المسيحي هذه الوراثة علي انها وراثة للموت و الفساد اكثر من كونها وراثة للذنب . فالذنب - في مفهومهم - هو نتيجة فعل شخصي , يرتكبه الشخص بكامل حريته . و هو ما يسير جنبا الي جنب مع رؤيتهم للخلاص علي انه نصرة للحياة علي الموت , اكثر منه كفارة قانونية للخطية , فالخوف من الموت هو الوجه الاخر للافتخار بالحياة .


يقول القديس غريغوريوس الشهير بالثيئولوغوس : ( 16)
ان الاطفال غير المعمدين لا يمجدون و لا يعذبون من الحاكم ( الديان ) العادل الابدي , لانهم و ان كانوا غير مستنيرين و غير مقدسين بالمعمودية , لم يخطأوا خطيئة شخصية , و لهذا لا يستحقون كرامة و لا قصاصا


و يعلق الانبا اغريغوريوس قائلا : (17)
اما مصير الطفل اذا مات بغير عماد فتعليمنا الارثوذكسي ( ان الاطفال غير المعمدين اذا ماتوا بغير عماد لا يمجدون و لا يتعذبون ) . انما سيكونون في حالة متوسطة . نقول في حالة متوسيطة , لا في مكان وسيط , فليس في المصير بعد الموت الا مقر للارواح السعيدة و مقر اخر للارواح غير السعيدة
فمقر الاطفال غير المعمدين لعله الذي ذهبت اليه ارواح القديسيين قبل مجئ المسيح , من امثال ابراهيم و اسحق و يعقوب و موسي و صموئيل و داود و غيرهم . لككنهم لا يعذبون فيه و لا ينالون مجد المعمدين .

و في احد الليتورجيات اللاتينية نجد طقس الصلاة علي الاطفال المسيحيين الغير معمدين كألاتي : (18)
"الصلاة على المتوفى"
ملاحظة: في حالة وفاة طفل غير معمد، يجوز للكاهن أن يتلو عليه صلوات البيت كما في الرقم 1 – 3، وصلاة المؤمنين كما في الرقم 43، وإذا كانت وفاة الطفل بدون معمودية، بلا ذنب من الأهل، يجوز للكاهن بعد استئذان الأسقف أن يقوم بكل مراسيم الدفن العادية.

"صلاة من أجل ذوي المتوفى"
إن لم يكن معمداً: اللهم فاحص القلوب ومنبع اللطف والتعزية / يا عالما بإيمان هؤلاء المؤمنين الذين يبكون طفلهم وقد فارق الحياة، نرجوك، أن تشفق على هذا الميت وتجعله يشعر بمفعول رحمتك الإلهية. بالمسيح ربنا.


اخيرا : فيمن يحق له العماد :


انهت الدسقولية كأقدم المراجع المسيحية هذا النقاش وذلك عندما جاء فيها : (19)
و لاجل المعمودية , ايها الاسقف او القسيس فد امرناكم من الدبء و نقول لكم ......

و في موضع اخر : (20)
بل و لا نأمر ايضا ان علمانيا يعمل شيئا من اعمال الذين نالوا الكهنوت - لا قربان و لا تعميد و لا وضع يد و لا بركة سواء كانت كبيرة او صغيرة . لان احد لا يقبل الكرامة لذاته بل يدعي من الله
و لم نأمر بقية الاكليروس ان يعمدوا - لا اغنستس و لا مرتل و لا بواب و لا خادم , الا الاساقفة وحدهم و القسوس و تخدمهم في هذا الشمامسة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-القديس يوستينوس الفيلسوف و الشهيد . دار بناريون . نهاية الدفاع الاول . ص 20 م
الفصل الحادي و الستون . ص 87

2 - نص دفاع القديس يوستينوس . اعداد القمص تادرس يعقوب ملطي . الباب الثالث : طقوس الكنيسة في العصور الاولي . الفصل الثالث . العماد

3 - مقالات عن الاسرار . المقال العشرون

4 - اقوال مضيئة لاباء الكنيسة . ص 114

5 - مع المسيح في المعمودية . اقوال مضيئة لاباء الكنيسة . ص 112

6 - المعمودية المقدسة . مؤسسة القديس باسيليوس . ص 42

7 - مقالات عن الاسرار . المقال العشرون

8 - مقالات لطالبي العماد . المقال الثالث

9 - سر المعمودية و مياه التجديد . اسرة القديس ديديموس الضرير للدراسات الكنسية . ص 21 . 22

10 - الحوار مع تريفو . الفصل الرابع عشر

11 - معمودية الرب يسوع في الاردن . من رسائل الاب صفرونيوس القصيرة . ترجمة عن القبطية لعام 1981 م . د . جورج حبيب

12 - من تفاسير و تأملات الاباء الاولين للقمص تادرس يعقوب ملطي .. انجيل مرقس الاصحاح العاشر

13 - نفس المرجع السابق

14 - In Matt. hom 62:4

15 - معمودية الماء و الروح . الفصل السابع . الراهب اثناسيوس المقاري

16 - موسوعة المتنيح الانبا اغريغوريوس . اللاهوت العقيدي الجزء الثالث ص 60

17 - موسوعة المتنيح الانبا اغريغوريوس . اللاهوت العقيدي الجزء الثالث ص 106

18 - (قامت بنقل رتبة دفن الموتى من الأصل اللاتيني إلى اللغة العربية وبإعدادها للطبع اللجنة البطريركية لليتورجيا في القدس. القدس في 15 حزيران 1971)

19 - الدسقولية تعاليم الرسل . د / وليم سليم قلادة ص 778

20 - الدسقولية تعاليم الرسل . د / وليم سليم قلادة ص 571 , 572

** في الاطفال الذين يرقدون قبل العماد راجع ايضا انجيل القديس متي الاصحاح الثامن عشر

التعليق على: نبى الله داود عليه السلام يزنى بجارته “امرأة أوريا” فى صموئيل الثانى : 11

 


داود النبي هو رجل صالح بحسب قلب الله .. لكن هل يعني هذا ان يكون الها بلا خطية !
ليس هكذا فكر الكتاب المقدس ان يجعل من البشر الهة .. فيعلمنا الكتاب :
اننا جميعا اخطأنا و ليس احد صالح الا واحد و هو الله :
لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ
مت 19 : 17 إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ،
رو 3 : 23
جميعنا اخطانا و نحتاج الي مجد الله الذي في المسيح الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ . عب 1 : 3

كما تعلمنا ايضا من الكتاب ان القديسيين و الانبياء ربما يخطئون في الطريق و لكنهم يعودون بالتوبة اما الاشرار فيتلذذون بفعل الشر و يكون مجدهم في خزيهم :
، أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَعْثُرُونَ بِالشَّرِّ.
ام 24 : 16
الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ.
في 3 : 19
لأَنَّ الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ
ام 24 : 16 إِذَا سَقَطَ لاَ يَنْطَرِحُ، لأَنَّ الرَّبَّ مُسْنِدٌ يَدَهُ.
25 أَيْضًا كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ، وَلَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عَنْهُ، وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزًا.
مز 37 : 24 - 25

وخطية داود مع بثشبع هي شر فعله داود و لم يكن بأمر من الرب و لا برضي الرب بل قد اعلن الكتاب غضب الرب علي هذه الخطية
وَأَمَّا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ.
2 صم 11 : 27
غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ،
2 صم 12 : 14

و ليس ذلك فقط بل نال جزاءا علي كل خطية فعلها .. فيخبرنا ايضا الكتاب ان الله ارسل ناثان النبي ليخبر داود بجزاء فعلته :
فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ». فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: «الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ.
14 غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ بِهذَا الأَمْرِ أَعْدَاءَ الرَّبِّ يَشْمَتُونَ، فَالابْنُ الْمَوْلُودُ لَكَ يَمُوتُ».
15 وَذَهَبَ نَاثَانُ إِلَى بَيْتِهِ.
16 فَسَأَلَ دَاوُدُ اللهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ دَاوُدُ صَوْمًا، وَدَخَلَ وَبَاتَ مُضْطَجِعًا عَلَى الأَرْضِ.
17 فَقَامَ شُيُوخُ بَيْتِهِ عَلَيْهِ لِيُقِيمُوهُ عَنِ الأَرْضِ فَلَمْ يَشَأْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ خُبْزًا.
18 وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ
2 صم 12 : 13 - 18

و نجد ان داود قد تاب عن هذه الخطايا بدموع كثيرة .. فيقول :
تَعِبْتُ فِي تَنَهُّدِي. أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي.
مز 6 : 6
1 اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ.
2 اغْسِلْنِي كَثِيرًا مِنْ إِثْمِي، وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي.
3 لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ، وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِمًا.
4 إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ، وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ، وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ.
5 هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي.
6 هَا قَدْ سُرِرْتَ بِالْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، فَفِي السَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً.
7 طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ.
8 أَسْمِعْنِي سُرُورًا وَفَرَحًا، فَتَبْتَهِجَ عِظَامٌ سَحَقْتَهَا.
9 اسْتُرْ وَجْهَكَ عَنْ خَطَايَايَ، وَامْحُ كُلَّ آثامِي.
10 قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي.
11 لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي.
12 رُدَّ لِي بَهْجَةَ خَلاَصِكَ، وَبِرُوحٍ مُنْتَدِبَةٍ اعْضُدْنِي.
مز 51 : 1 - 12

فقد اخطأ و اعلن الكتاب خطيته و اعلن انها شر قبيح امام عيني الرب و ايضا اعلن ان للخطية عقوبة و قضي داود حياته بارا امام الله في معلنا توبته في حياة صلاة و دموع .. فما وجه الاعتراض !

و من التفاسير المسيحية :

التفسير التطبيقي : (1)
في سقطة داود مع بثشبع، سمح داود لنفسه بالتمادي في الخطية. (1) تخلى داود عن مسئوليته بالبقاء في البيت عوضا عن الخروج للمعركة (11: 1). (2) وجه اهتمامه لشهواته (11: 3). (3) عندما عرضت له التجربة، استجاب لها بدلا من الهروب منها (11: 4). (4) ارتكب الخطية عامدا (11: 4). (5) حاول تغطية خطيته بخداع الآخرين (11: 6-15). (6) ارتكب جريمة القتل لتغطية فعلته (11: 15، 17). (7) انكشفت خطيته (12: 9). (8) نال عقابها (12: 10-14). (9) امتدت نتائج خطيته إلى كثيرين غيره (12: 11، 14، 15). وكان داود يستطيع أن يتوقف ويبتعد عن الشر في أي مرحلة من هذا الطريق. ولكن ما إن تبدأ سلسلة الخطية، حتى يصبح من العسير إيقافها (يع 1: 14، 15). وكلما أوغلنا في الخطأ، ضعف عزمنا عن الاعتراف به. فمن الأسهل جدا أن توقف انحدارك إلى سفح تل وأنت قريب من القمة، أكثر مما وأنت في منتصف الطريق بعد أن تكتسب سرعة متزايدة. وأفضل الحلول هو أن تكف عن الخطية قبل أن تبدأ فيها.


الاب انطونيوس فكري : (2)
حتى الآن رأينا داود المحب النقي الراعي الصالح الغيور على مجد الله، الذي قتل أسد ودب ثم جليات وواجه مقاومة شاول بقلب مملوء سماحة وحكمة ولم يتسرع ليملك ورأينا نبله مع مفيبوشث. رأيناه لا يعرف الشماتة مرتلًا المزامير. لذلك كافأه الله على هذه الحياة المقدسة وانتصر في كل حروبه. وللأسف فهذه عادة الإنسان حينما يعطيه الله ينغمس في ملذاته فينسى الجهاد فيسقط وحدث هذا مع آدم أولًا ومع شعب إسرائيل مرارًا والآن مع داود الذي بعد أن أستقر ملكه سقط في لحظة تهاون ليظهر الضعف البشرى في حياة داود العظيم. وانحدر من خطية إلى أخرى وإذا بالتأديبات تنهال عليه والآلام تتوالى. والله يكشف لنا ضعفات كل إنسان
1- حتى لا نيأس إن نحن أخطأنا بل نتمثل بداود ونقدم توبة.
2- إعلان عن ضعف البشرية واحتياجنا لمخلص.
3- معرفة أن كل خطية تحتاج إلى تأديب وأن علينا أن نقبل التأديب كأبناء.
4- هي جرس إنذار لكل مؤمن ليعرف أنه حتى وإن كان قائمًا ليحذر أن لا يسقط ونحيا جميعًا في حالة استعداد وجهاد.
5- سقطات داود ملأتهُ أحزانًا مرة لكن بالتوبة تحولت لمجده، فصارت سيرته ومزامير توبته سر قيام لكثيرين حطمتهم الخطية وهوى بهم اليأس.
6- هي درس لكل إنسان ليعلم أنه بدون الله مهما كان قويًا لابد وأن يسقط.
7- إن سمعنا أن الآخرين سقطوا في خطايا شنيعة علينا أن نشكر الله لأنه حفظنا فلم نسقط.



و يقول الاب تادرس يعقوب : (3)
قدم لنا الكتاب المقدس صورة واقعية لشخصية داود النبي والملك، الذي عاش بقلب منفتح نحو الله والناس منذ صُبوَّته، في نقاوة وطهارة، مشتاقًا أن يخدم الله ويمجده في جدية وبغيرة متقدة نارًا، وأن يبذل حياته من أجل الأمانة حتى في رعايته الخراف غير الناطقة. كافأه الله على هذه الحياة الجادة المقدسة واهبًا له كل نجاح حتى تعظم جدًا وكان رب الجنود معه.

استطاع داود أن يقتل أسدًا ودبًا لينقذ خروفًا أو أكثر وأن يقتل بحجر أملس جُليات الجبار الذي يعير صفوف الشعب ويجدف على الله. واجه مقاومة شاول الملك المستمرة ومطاردته بقلب مملوء سماحة وحكمة. قبل وعود الله بصبر واتزان دون تلهف على نوال مجد واستلام المملكة. حين سقط مطارد له كشاول الملك أو منافس كمفيبوشث كان الرجلَ النبيلَ الذي لا يعرف الشماتة بل من أعماق قلبه يرثيه كرجل محبوب لديه...

هذه السيرة العطرة الفريدة من نوعها تكشفت بأعظم جلاء خلال المزامير التي أنشدها بروح الله لتبقى ذخرًا للمؤمنين وعونًا لهم في الحياة المقدسة في الرب.

الآن بعد أن صار ملكًا على كل الأسباط، واستقرت مملكته، وجاء بالتابوت إلى مدينته، في لحظة ضعف تهاون فسقط لتظهر الطبيعة البشرية بأعماق ضعفها في حياة داود العظيم. انهار هذا الجبار وانحدر بالتتالي من خطية إلى أخرى... وكان يظن أنه قادر على إخفاء هذا الضعف فإذا بها تنفضح أمامنا جميعًا عبر الأجيال بعد أن نال تأديبات مُرَّة وحلت به أحزان متوالية خلال كل بقية أيام حياته.

لم يخجل الوحي الإلهي عن تسجيل هذه السقطات في شيء من التفصيل، دون إخفاء للضعف أو تستر عليه حتى ندرك الحاجة إلى التجديد الكامل للطبيعة البشرية، بل الحاجة إلى تدخل الخالق نفسه لتحقيق هذا التجديد.

سقطات داود هي جرس تحذير يدوي عبر الأجيال لكي يتيقظ كل مؤمن وكل خادم -مهما بلغت قامته الروحية أو خبراته عبر السنوات- لئلا يسقط.

سقطات داود ملأته أحزانًا مُرّة لكن بالتوبة تحولت لمجده، فصارت سيرته ومزامير توبته سرّ قيام لكثيرين حطمتهم الخطية وهوى بهم اليأس!



و يقول القس وليم مارش: (4)
كان داود قد وصل إلى أوج نجاحه ومجده. ومن هذا الأصحاح يبتدي خبر سقوطه والمصائب والخجل والأحزان التي أصابته هو ومملكته بسب خطيئته مع أنه تاب عنها فغُفرت له.

في الكتاب المقدس تاريخ حقيقي يصور لنا رجال الله كما هم بذكر إيمانهم وفضائلهم ويذكر خطاياهم أيضاً. وليس لنا قدوة كاملة إلا قدوة يسوع المسيح. ويعلمنا هذا التاريخ أننا نحن أيضاً ضعفاء وعرضة للسقوط في أعظم الخطايا فنحتاج إلى السهر والصلاة ونعمة الله كل ساعة. ولا مهرب من عواقب الخطيئة. والشهوة إذا حبلت تلد خطيئة والخطيئة إذا كملت تنتج موتاً.


و يقول القديس يوحنا ذهبي الفم : (5)
داود أيضًا أخطأ ، لننظر كيف تاب... لقد غسل الخطية بالاتضاع وندامة القلب وتوبة النفس وعدم السقوط مرة أخرى، وبتذكره الدائم لخطيته، وقبوله كل ما حلَّ به بشكر، وتركه الذين يحزنونه، واحتماله المتآمرين عليه دون مقابلة الشر بالشر بل ومنع الذين يرغبون ذلك...
كان له قلب منسحق به تمتع بغسل خطاياه خلال التوبة والاعتراف.


القس منيس عبد النور : (6)
لا يجب أن نلوم داود لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا. في كل واحد منا شيء يقرِّبه إلى الله، وشيء آخر يشدُّه إلى الشر. فلنقف في حذر لئلا ندخل في تجربة، فإن رسول المسيحية بولس يحذرنا قائلاً: «مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ» (١كورنثوس ١٠: ١٢). لذلك لنكن ساهرين صاحين، لأن الشيطان كأسد زائر يريد أن يبتلعنا. لا نظن أن فترة الشباب وحدها هي مرحلة الخطية، فإن داود جاز مرحلة الشباب في انتصار، ولكنه سقط في الخطية وهو كبير العمر. وليس على الخطية كبير، ففي اللحظة التي نبتعد فيها عن الله نهوي إلى الشر. ولكن لتكن لنا ثقة بالله، فلا نفشل إن سقطنا، لأننا بقوة الله محروسون بإيمان لخلاص مستعد أن يُعلن في الزمان الأخير (١بطرس ١: ٥). وإن سقطنا يجب أن نجري بسرعة إلى الرب ونطلب منه الغفران، عالمين وعد السيد المسيح المبارك: «وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى ٱلأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي ٱلَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ ٱلْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَٱلآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا ١٠: ٢٨-٣٠

و يقول قداسة البابا شنودة الثالث :(7)
كان داود النبي يتحلي بالكثير من الفضائل -
كان له النبل العجيب , و الاحسان الي مبغضيه , و احترام الكبار احتراما يفوق الوصف , و كان انسانا شجاعا , جبار بأس , و مع ذلك يتحلي بالوداعة و اتضاع القلب امام الله و الناس . و كان يتميز بالادب اللجم , و توجد حلاوة في طبعه مثل الحلاوة التي في عينيه .
و كان شاعرا رقيق الحس , و موسيقيا يحسن الغناء , حتي تسميه الكنيسة مرنم اسرائيل الحلو , و يلقبه الكتاب بإمام المغنين . و له صفات جميلة كثيرة , ذكرناها في الباب الاول في حديثنا عنه كإنسان متعدد المواهب
و مع ذلك كله كانت توجد فيه بعض نقاط الضعف اسقطته

لو كانت حياة داود كلها انتصارا , لحسبناه من طبيعة غير طبيعتنا !!
او انه من بشرية غير بشريتنا .. ! و لكن اخطاء داود تعطينا فكرة انه شخص مثلنا مع سمو في الدرجة . فان كان علي الرغم من ضعفاته البشرية , قد وصل الي القداسة العظيمة التي حدثنا عنها الكتاب , و الي تلك الصلة العميقة بالله , فإن هذا يشجع كل انسان ضعيف , بأنه يمكنه ان يصل كما وصل داود .

ليس معني قداسة القديسيين انهم معصومون : فلا يمكن ان نقول عنهم انهم بلا خطية , بالمعني المطلق , الذي هو لله وحده .. انهم ابرار و لكنهم غير معصومين ...


ف. ب . ماير : (8)
لا شك ان الربح الذي يجنيه كل الخطاة التائبين من ذكر الحادثة , يفوق جدا , الخسارة التي لحقت بسمعة ذلك الرجل الذي شهد له بانه وجد حسب قلب الله . هذه الاصحاحات , قد اطلع عليها ربوات , كادوا يبتلعون من يأس ظلمة الخطية , وجدوا ضياء النور الكامل , الذي يستطيع ان يرد النفس من ظلمتها القاتمة . ( مغفورة لك خطاياك الكثيرة , اذهبي بسلام )


Darby's Bible Synopsis :9
As to David's affections, the chastisement was in the death of his child, a chastisement which he deeply felt; and the public government of God was manifested in that which was done, according to His word, before all Israel and before the sun.

لاجل عواطف داود جاء التأديب في موت ابنه , الامر الذي المه جدا و تجلي حكم الله في هذا , وفقا لكلمته , قبل كل اسرائيل و قبل ان تطلع الشمس


Keil and Delitzsch :10
David's Adultery. - David's deep fall forms a turning-point not only in the inner life of the great king, but also in the history of his reign. Hitherto David had kept free from the grosser sins, and had only exhibited such infirmities and failings as simulation, prevarication, etc., which clung to all the saints of the Old Covenant, and were hardly regarded as sins in the existing stage of religious culture at that time, although God never left them unpunished, but invariably visited them upon His servants with humiliations and chastisements of various kinds. Among the unacknowledged sins which God tolerated because of the hardness of Israel's heart was polygamy, which encouraged licentiousness and the tendency to sensual excesses, and to which but a weak barrier had been presented by the warning that had been given for the Israelitish kings against taking many wives (Deuteronomy 17:17), opposed as such a warning was to the notion so prevalent in the East both in ancient and modern times, that a well-filled harem is essential to the splendour of a princely court. The custom to which this notion gave rise opened a dangerous precipice in David's way

خطية داود . - سقوط داود العميق كان نقطة تحول ليس فقط في حياة الملك العظيم , بل ايضا في تاريخ المملكة . حتي الان داود كان بعيدا عن الخطايا و قد عرضت هذه كالعيوب و القصور التي نجدها في قديسيين العهد القديم و الذين لم يتركهم الله بدون عقوبة , بل دائما كان يفتقدهم بخدامه و ايضا بالتأديب و العقوبات بأنواع و طرق كثيرة .
و من بين الخطايا التي تغاذي عنها الله لاجل غلاظة رقبة شعب اسرائيل تعدد الزوجات و هو ما سمح بالميل الي الشهوات . و قد حظر الله ملوك اسرائيل من اتخاذ العديد من الزوجات في ( تث 17 : 17 ) وَلاَ يُكَثِّرْ لَهُ نِسَاءً لِئَلاَّ يَزِيغَ قَلْبُهُ. وَفِضَّةً وَذَهَبًا لاَ يُكَثِّرْ لَهُ كَثِيرً .. و لكن الثقافة المنتشرة في الشرق القديم و حتي الان ان يملآ الامير مسكنه من النساء , هذه الفكرة التي ادت الي الهاوية الخطرة علي غرار ما حدث مع داود

الذي استغربه حقا ان هذه القصة مذكورة في القرأن فكيف يعترض عليها هذا الشخص !!


"وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا: لا تَخَفْ، خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ. إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ: أَكْفِلْنِيهَا (اعطها لي) وَعَزَّنِي (شدد علي) فِي الْخِطَابِ. قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ.. [إلى قوله] وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ"
(سورة ص 21 - 25)

يقول البغوي : (11)
وقال السدي : رآها تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا ، فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها ، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها ، فقيل : هي تيشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا ، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود . [ ص: 79 ]

وذكر بعضهم أنه أحب أن يقتل أوريا ويتزوج امرأته ، فكان ذنبه هذا القدر .

وذكر بعضهم أنه كتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا ، وقدمه قبل التابوت ، وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد ، فبعثه وقدمه ففتح له ، فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه - أيضا - أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا ، فبعثه ففتح له ، فكتب إلى داود بذلك فكتب له - أيضا - أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأسا ، فبعثه فقتل في المرة الثالثة ، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود ، فهي أم سليمان عليهما السلام .
وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال : كان ذلك ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته


يقول القرطبي : (12)
قال أبو جعفر : فهذا أجل ما روي في هذا ، والمعنى عليه أن داود - عليه السلام - سأل أوريا أن يطلق امرأته ، كما يسأل الرجل الرجل أن يبيعه جاريته ، فنبهه الله - عز وجل - على ذلك ، وعاتبه لما كان نبيا وكان له تسع وتسعون ، أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا بالتزيد منها ، فأما غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- التفسير التطبيقي . العهد القديم . 2 صم 11

2- تفسير الكتاب المقدس العهد القديم . كنيسة السيدة العذراء بالفجالة . سفر صموئيل الثاني . مقدمة الاصحاح الحادي عشر

3 - من تفاسير و تأملات الاباء الاولين . تفسير سفر صموئيل الثاني . مقدمة الاصحاح الحادي عشر

4 - السنن القويم في تفسير العهد القديم . سفر صموئيل الاول . مقدمة الاصحاح الحادي عشر

5 - In 2 Cor. hom. 4.

6 - النبي داود و ابنه سليمان الحكيم . ص 56 , 57

7 - تأملات في حياة داود النبي . ص 54 , 65

8 - حياة داود النبي . الراعي , المرنم , الملك . تعريب القمص مرقس داود . ص 150

9 - Darby's Bible Synopsis << 2 Samuel 11 >>

10 - Keil and Delitzsch Biblical Commentary on the Old Testament << 2 Samuel 11 >>

11 - تفسير البغوي » سورة ص » تفسير قوله تعالى " " وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب "
http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=51&surano=38&ayano=21

12 - الجامع لأحكام القرآن » سورة ص
http://www.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?flag=1&bk_no=48&surano=38&ayano=21