الأربعاء، 6 سبتمبر 2023

هل شتم المسيح المرأه الكنعانيه و دعاها بالكلبه ( مت 15 : 26 )

 


فَأَجَابَ: «لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ». مت 15 : 26 
في البدايه يجب ان نلاحظ ان السيد المسيح لم يشتمها كإمرأه او لانها امرأه .. بل ان المسيح لم يشتمها من الاساس فهو لم يقل لها انت كلبه .. بل قال لها ( ليس جيد ان يؤخذ ما للبنين و يُعطي للكلاب ) ..
في البدايه نحن نستطدم امام هذا التعبير و ذلك لانه غريب علي شخصية يسوع الذي نراه في الاناجيل . فلم نعتاد ان نراه بتحدث مع احد بهذه اللهجه و هو الذي قال عنه الكتاب :  الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضاً وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ. .. 1 بط 2 : 26  الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذَلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لَكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ، ... 1 بط 1 : 8

فلماذا تحدث معها يسوع بهذه الطريقه ؟ 

اولاً :  المرأه الكنعانيه هي من شعب كنعان الذي يسكن حول سوريا في بلاد ما بين النهرين و كان احد الهة هذا الشعب هو الاله ( نبحز = nibhaz ) و هو بهيئة رجل برأس كلب 

و هذه بعض المعلومات عنه :
مكتوب انه كان بيعبد في مناطق سوريا و بيروت و طرابلس و دي اماكن سكن اهل بلاد ما بين النهرين اللي منهم شعب كنعان .. و كان في الشعوب دي العبادات قريبه جداً من بعض و الالهه مشتركه
زي مثلاً الاله هدد و ده كان برده بيعبده شعب كنعان و لكن مكتوب عنه انه كان يعبد في سوريا :
و زوجته عنات من الهة كنعان
و داجون ايضاً ابوه هو من الهة كنعان

فالكنعانيون كانوا يقدسون الكلاب و لهذا اراد الرب ان يلفت نظرها إلي عبادتها الوثنيه 


ثانياً :ان الرب كان يتحدث معها بعقلية اليهود .. فاليهود كانوا ينظرون إلي الامم علي انهم كلاب مثلما نجد في المقطع التالي من كتاب الزوهار : 

A king provides a dinner for the children of his house; whilst they do his will they eat their meat with the king, and he gives to the dogs the part of bones to gnaw; but when the children of the house do not do the king's pleasure, he gives the dogs the dinner, and the bones to them: even so: while the Israelites do the will of their Lord, they eat at the king's table, and the feast is provided for them, and they of their own will give the bones to the Gentiles; but when they do not do the will of their Lord, lo! the feast is "for the dogs", and the bones are their's.'' (1)

الملك يجهز العشاء لابناء بيته , عندما يفعلون مشيئته سيأكلون اللحم مع الملك , و الملك يعطي للكلاب العظام . لكن عندما لا يسمع البنين للملك فإنه يعطي اللحم للكلاب , و العظام للبنين , و حينما يُحقق إسرائيل إرادة الرب  سيأكلون مع الملك في مائدته ..... و يعطون العظام للامم . 

فأراد المسيح ان يظهر موقف اليهود العدائي تجاه الامم و يُعلن ايمان واحده من الامم و هو اعظم من ايمان اليهود الذي هو من خاصتهم  و هو عالم بكل شئ و عارف خفايا القلوب و يعلم جيداً ان للمرأه ثقه عظيمه بقدراته و انها ستظل في إلحاح شديد لاجل ابنتها .. و قد اعلن ايماناه عندما قال لها : ( يَا امْرَأَةُ عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! ... مت 15 : 28 ) و هذا التعبير لم يقوله السيد لاي شخص طوال حياته علي الارض .

ثالثاً : استخدم السيد المسيح في الكلمه التي تُرجمت ب ( الكلاب ) الكلمه اليونانيه ( κυνάριον - كوناريون )  و التي تعني بحسب قاموس strong  و قاموس  thayer  كلاب صغيره او كلب اليف و هي تلطيف لكلمة كلاب التي تُعتبر مسبه . و ذلك كان تخفيفاً من السيد المسيح للتعبير الذي كان دارجاً عند اليهود عند الحديث عن الامم .(2)


رابعاً : متي كاتب الانجيل كان يهودي و كتب انجيله لليهود العبرانيين و قصد بدقه انه يظهر هذه القصه  بتفاصيلها بهذا الشكل  و وضع قبلها رفض المسيح لتعاليم الفريسيين و ده لهدفين :
 1 - ان يظهر ان خلاص الله انفتح علي الامم و بكده يعالج مشكلة تهود المسيحيين اللي كانت موجوده في العصر الرسولي .
 2- ان يظهر محبة واحده امميه و ثقتها في المسيح في مقابل رفض الكتبه و الفريسيين بتكبر له .


و اخيراً بعض الشروحات من التفاسير المسيحيه :

إن كان يبدو هذا مذعجاً و مؤلماً بالنسبة لنا , فعلينا ان نتذكر انه كان مثل مشرط الجراح الذي لم يكن يقصد منه الاذي بل الشفاء . فقد كانت المرأه امميه , و كان اليهود ينظرون إلي الامم ككلاب القمامه التي تطوف في الشوارع من اجل فضلات الطعام .(3)
وليم ماكدونالد

هكذا كان يسوع يعبر عن موقف اليهود الذي يحتقر الامم كي يفسر السبب في ان طلبها لا يتتناسب مع ارساليته الي بيت اسرائيل . و لكن الكلمات المكتوبه لا تعبر عن ملامح وجه يسوع فربما كان يتعامل معها باللغه التي كانت تتوقعها من شخص يهودي حتي يري رد فعلها .(4)
d . t . france

قد كانن اليهود يصفون الامم بانهم ( كلاب ) لتحقيرهم و الإقلال من شأنهم , لكن استخدام يسوع للفظ التصغير لكلمة ( كللاب ) و الطريق الهادئه الرزينه المبتسمه التي نطق بها هذا القول , يغير كثيراً من الموقف .... ففي كل اللغات تستخدم بعض الكلمات ذات المدلول الردئ , لوصف بعض من هم اهل للمحبه , كقولنا انه طفل ( شقي)
و لعلنا نلاحظ ان المرأه و قد لمست القصد الصالح في لهجة يسوع ردت عليه سريعاً بقولها ( نعم يا سيد و الكلاب ايضاً تأكل من الفتات الساقط من مائدة اربابها ) .(5)
وليم باركلي

لذلك لما انتقل يسوع في دعوته إلي تخوم صور و صيدا , و تظاهر بمعاملة الكنعانيه بلهجة اليهود المتعصبين , فإنما كان ذلك منه خطه بارعه لإظهار ( إيمانها العظيم ) و إعطائه مثلاً لبني إسرائيل الجاحدين . و ليس لحصر دعوته في بني قومه .(6)
الارشمندريت يوسف دره الحداد

بعد أن شرح يسوع تصرّفه للتلاميذ، حاول أن يفهم المرأة أيضًا لماذا فعل ما فعل. جعل نفسه على مستواها، وكلّمها لغة بسيطة، لغة الصور. ونحن لا نفهم المقابلة بين الاولاد والكلاب إلا على خلفيّة العهد القديم. اليهود هم الابناء، والوثنيون هم الكلاب. الكلب يكون خارج البيت. أما الابن فيقيم في البيت. وهكذا استعادت هذه العبارة بشكل واضح التعارض الذي ذُكر في القسم الأول بين العالم اليهوديّ والعالم الوثنيّ.
واستعمل النصّ التصغير "الكلاب الصغيرة" (التي تدلّل) فخفّف بعض الشيء من حدّة التعارض، وتعاطف مع الوثنيّين، وهيّأ القارئ للنعمة التي ستنالها هذه الوثنيّة في آخر المطاف. إن التصغير يشدّد على الطابع الذي يعامل "الكلاب الصغار" وكأنهم من البيت. إذا وضعنا هذه الحاشية جانبًا، يبقى جواب يسوع في معنى مسيحيّ متهوّد متشدّد.

لقد عالج متّى مسألة الرسالة إلى الوثنيين منطلقًا من وجهة مسيحيّة متهوّدة. انطلق من حياة كنيسته وما فيها من انغلاق، وأظهر ما فيها من احتقار لاخوتهم الآتين من الامم الوثنيّة. هل يقبل المسيحي بهذا بعد أن عرف أنه ليس يهودي ولا أمميّ، لا عبد ولا حرّ، لا رجل ولا امرأة، بل كلهم واحد في المسيح. أخذ متّى النصّ من مرقس وأعاد تفسيره فقال: رغم امتيازات الشعب المختار، فطريق الخلاص بالايمان مفتوحة للوثنيّين. تحدّث مرقس إلى الوثنيّين في رومة، فبيّن لهم الوضع المميّز للشعب اليهوديّ. يُعطى لهم أولاً خبز البنين. ويعطى ثانيًا إلى الوثنيين. وتحدّث متى إلى يهود متشدّدين دخلوا إلى المسيحيّة، فبيّن أن الايمان لا الشريعة، هو الذي يفتح للمسيحيّين الطريق إلى المسيح. (7)
 الخوري بولس الفغالي

And cast it to the κυναριοις, little dogs - to the curs; such the Gentiles were reputed by the Jewish people, and our Lord uses that form of speech which was common among his countrymen. What terrible repulses! and yet she still perseveres!

و يُطرح لل (κυναριοις ) الكلاب الصغيره  . كما يدعو اليهود الشعوب الامميه , و استخدم الرب هذا التعبير الذي كان شائعاً بين مواطنيه . و رغم هذه الصده الرهيبه هي مازالت مثابره و مُلحه في طلبها(8)

ادم كلارك


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - Zohar in Exod. fol. 63. 1, 2. Vid



الزوهار : كتاب يهودي معناه بالعبريه ( الاشراق او الضياء ) مكتوب بالاراميه و يفسر العهد القديم تفسير رمزي و يُنسب إلي احد معلمي المشناه الحاخام شمعون بن يوحاي . و يحتل المكانه الثانيه بعد التلمود عند الحاخامات 

2 - http://biblehub.com/greek/2952.htm

3 - الانجيل بحسب متي . وليم ماكدونالد . ص 112




4 - التفسير الحديث للكتاب المقدس . د – ر . ت . فرانس . ص 274




5 - تفسير العهد الجديد . متي و مرقس . وليم باركلي . ص 304




6 - الدفاع عن المسيحيه في انجيل متي . الارشمندريت يوسف دره الحداد . ص 256




7 - تفسير الانجيل بحسب متي . الخوري بولس الفغالي



خبرات ما بعد الموت في الميزان!

 


ينتشر اليوم بكثره الحديث عما يسمي خبرات ما بعد الموت حيث يدعي بعض الاشخاص ان ارواحهم تركت اجسادهم , او انها قاربت علي الخروج . ثم عادت ثانية الي الجسد . و يعددون كل الاشياء الرهيبه التي رأوها و واجهوها .


اننا في الكنيسه الارثوذكسيه نقول انه هناك حالات عادت فيها الروح الي الجسد ثانية بمعني انهم اقيموا من الموت بقوة المسيح . و لكنها بأي حال من الاحوال حالات استثنائيه لا تحدث لكل احد .

علي اية حال اننا نري ان معظم خبرات ما بعد الموت تكون اما شيطانيه او ثمره لخبرات مكبوته او خيالات او انها نتيجة لعقاقير منومه او مهدئه تُعطي لمنع الالم في محنة المرض المرعبه . من المؤكد ان الامر يتطلب تمييزاً كبيراً لملاحظه الفرق بين هذه الحالات ان كانت من عند الله , او الشيطان , او اضطرابات نفسيه و عضويه .

اننا في الكنيسه لا ننتظر قيامة قديسيين او خبرات مثل هذه لكي نؤمن فلدينا الكتاب المقدس و سيرة الانبياء و الرسل و القديسيين و لدينا اقوالهم و تعاليمهم و بالاضافه الي رفاتهم و نحن نؤمن بوجود حياة ابديه . و في الوقت الحالي وهب الله لكل واحد منا ان يختبر في قلبه ما هو الجحيم و ما هو الفردوس و بخلاف هذه الامور فنحن نحفظ وصايا المسيح لكي نحصل علي الشفاء و حتي نحل العديد من المشاكل الوجوديه و الشخصيه و الاجتماعيه و البيئيه . لذا يجعلنا التمسك بوصايا الله اشخاصاً متزنين . (1)

يجب علينا ان نؤكد علي وجود بعض القيامات من الاموات مثل اقامة ابنة ارملة صرفة صيدا بواسطة ايليا النبي و إقامة الثلاثة موتي الذين اقامهم السيد المسيح ( ابن ارملة نايين , ابنة يايرس , لعازر ) بالاضافه الي إقامة طابيثا بواسطة بطرس الرسول بقوة المسيح , و علي اية حال لم يعطنا اي من هؤلاء الذين عرفنا عنهم انهم اقيموا من الاموات اي وصف عما يحدث بالضبط عندما تغادر النفس الجسد او ما يحدث بالضبط في الحياه الاتيه ....احد تفسيرات هذه الظاهره هي ان المسيحيين لا يغلبهم مثل هذا الفضول و حيث ان لديهم كلمة الوحي و يعرفون ان عليهم ان يشفوا بواسطة وصايا الله و حيث ان نعمة الله كما تظهر في مثل الغني و لعازر واضحه ( عندهم موسي و الانبياء ليسمعوا منهم ) بالتالي لن يكون مهماً لهم ان يجمعوا معلومات عن خبرات ما بعد الموت هذه . و هذه الكلمات تظهر ايضاً ان الانسان الجسداني لن يؤمن حتي لو سمع الاشياء الاكثر غرابه كما انه يكون مستعداً ان ينسبها لسبب اخر . (2)

لم يجب ابراهيم علي تضرع الرجلا لغني بان يرسل لعازر الي الارض ليعظ اخوته لكي يتوبوا و برر ابراهيم هذا بقوله : ( ان الذين لا يسمعون لموسي و الانبياء و لا ان قام واحد من الاموات يصدقون ) .

لا يستطيع الشخص الجسداني ان يتوب مهما كان عدد المعجزات التي قد يراها في حياته انها حقيقه , إذ انه يعيش في غفله مميته . فعندما لا تكون حرية الشخص فعاله لا توجد توبه , فكل شئ لا يحدث إلا بنعمة الله و تعاون الانسان .

ان اعظم حقيقه في التاريخ هي تجسد المسيح و قيامته و تأسيس الكنيسه التي هي جسد المسيح القائم المتجسد , الإله الانسان . و لو لم يتأثر الشخص بهذه الحقيقه المذهله , و لو لم يقتنع بحياة العديد من القديسيين الذين هم اعضاء في جسد المسيح القائم من الاموات فإنه لن يقتنع و لا حتي بأعظم معجزه . (3)

و لا يمكن ان تطلب الخبره الروحيه و حياة ملكوت الله خارج جسد الانسان لان جسد الانسان هو هيكل الروح القدس و اي من يتكلم عن خبرات خارج الجسد هو جاهل بتعليم اباء الكنيسه القديسيين و واقع تحت التأثير الغربي الفلسفي الهيليني . و ان خبرات خارج الجسد لا تكون اصليه ابداً و لكنها تكون نتيجه ام لضلالات شيطانيه او اوهام او خداعات او هلاوس او امراض عقليه فمن يتعرض لمغادرة النفس للجسد يسقط حقاً تخيلاته و انفعالاته علي عالم الارواح الشريره التي تقدم اعلاناتها الخاصه . اي انها خبرات شيطانيه . (4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الحياه بعد الموت . ايريثيئوس فلاخوس مطران نفباكتوس . ترجمة د / نيفين سعد . ص 25 , 26

2 - مرجع سابق ص 81 , 82

3 - مرجع سابق ص 25

4 - مرجع سابق ص 85 . و مأخوذ من كتاب رئيس الاساقفه لعازر بوهالو ( archbichop lazar puhalo : the soul , the body and death )

ملخص كتاب (خضوع الإبن للآب) للقديس غريغوريوس النيسي

 


انواع الخضوع :

لقد تأكدت من خلال قراءة الكتاب المقدس، أن لهذه التعبير أهمية كبيرة ولا يُعبّر عن معنى واحد في كل الأحوال، لكنه تارة يعنى شيئًا، وتارة أخرى يعنى شيئًا آخر. على سبيل المثال يقول الكتاب: " والعبيد أن يخضعوا لسادتهم" . وبالنسبة للطبيعة غير العاقلة، فقد وضعها الله تحت سلطان الإنسان، يقول عنها النبى: "جعلت كل شئ تحت قدميه" . ومن جهة هؤلاء الذين خضعوا في الحروب يقول " نُخضع الشعوب تحتنا والأمم تحت أقدامنا" . وأيضًا عندما أشار إلى أولئك الذين خَلصوا بالمعرفة يقول: "الذى يُخضِع الشعوب" كمن يتكلّم من نحو الله. وما نفحصه يتفق كما هو واضح مع ما ورد بالمزمور الثانى والستون " انتظرت نفسى (الرب) من قِبله خلاصى" . وبالإضافة إلى كل هذا، نجد أن أعدائنا يشيرون إلى ما جاء بالرسالة إلى كورنثوس: " فحينئذٍ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل". ولأن هذه الكلمة تُستخدم بمعانى كثيرة، من المفيد أن نفصل كل معنى على حده، لكى نفهم المعنى الذي يقصده الرسول بولس في كلامه عندما يتكلّم عن "الخضوع". (1)

انواع الخاضعين :

وكون أن هناك خضوع من جانب من هو أقل فهذا يعتبر أمرًا تتميز به الطبيعة. وكل من هم يخضعون بنير العبودية لأسباب قانونية، حتى لو كان لهم نفس الكرامة في الطبيعة، فإنهم لا يستطيعون أن يقاوموا القانون، ولذلك فإنهم يقبلون وضع الخاضعين، مُجبرين على الخضوع للضرورة التي لا مفر منها. إلاّ أن هدف خضوعنا نحن والذى نقدمه لله، هو الخلاص كما تُعلّمنا النبوة التي تقول: " إنما الله انتظرت نفسى. من قبله خلاصى" . (2)

الابن مكتفي في ذاته و غير محتاج لخضوع :

لأن بالنسبة للطبيعة الإنسانية المتغيّرة التي تصل إلى الصلاح بإشتراكها في الصلاح الإلهى، فإن الخضوع لله هو أمر ضرورى، لأن من هنا يأتى إشتراكنا في الصلاح، لكن لا مكان للخضوع بالنسبة للقوة غير المتغيّرة وغير المتحولة، إذًا ما قصدنا هو تحديد المعنى الكامل للصلاح، أى الصلاح المطلق، الذي لا يفنى، المطوب، الدائم إلى الأبد، هذا الذي لا يمكن أن يصير أفضل ولا أن يصير أسوأ. لأنه من جهة الصلاح لا يقبل الإضافة وليس فيه توجه نحو الأسوأ. فذاك الذي يُعطى الخلاص للآخرين لا يحتاج لمَن يُخلّصه. (3)
خضع بحسب التدبير :

كل ما فحصناه لا يمكن أن يُقال تحديدًا على الابن الوحيد الجنس. ولو إحتاج الأمر (لتوضيح) سأضيف لما قلناه نوعًا آخر للخضوع هذا الذي ذُكر في إنجيل لوقا أنه " جاء إلى الناصرة وكان خاضعًا لهما" . وذلك حتى سن الثانية عشر، لكن ولا هذا أيضًا من المناسب أن يُقال عن الابن المولود قبل كل الدهور، الإله الحق من الإله الحق. أما هنا على الأرض فقد جُرّب في كل شئ مثل البشر وهو بلا خطية ، وقَبِل أن يعبر في كل مراحل عمرنا. وكما أنه صار طفلاً وأكل الطعام الخاص بالطفل، زبد وعسل، هكذا فعندما صار شابًا لم يهمل السلوك اللائق والمناسب لهذا السن، بأن يصير مثالاً للخضوع في هذه الحياة.(4)

لماذا لا يخضع دائماً :

لكن سيخضع عند الإكتمال النهائى لكل شئ. لكن إن كان الخضوع هو أمر حسن ويحق أن يُقال عن الله، فكيف غاب هذا الأمر الحسن عن الله في هذه الحياة الحاضرة؟ (5)

قصد الرسول بولس العام :

سأعرض أولاً لمعنى ما كتبه الرسول بولس، حتى نصل إلى الهدف من وراء كتابة هذا الجزء من الرسالة. إذًا ما هو الهدف الذي يُعلّم به الرسول بولس في هذا الجزء؟ إنه يهدف إلى شرح أن طبيعة الشر ستتحول في يوم ما وستختفى بالكامل وأن الصلاح الإلهى الدائم إلى الأبد سيحوى داخله كل طبيعة عاقلة ولن يسقط من ملكوت الله أى شئ مما خلقه الله وذلك عندما يزول كل الشر الذي اختلط بالكائنات وينحل بالنار مثلما تذوب المادة المغشوشة، وكل شئ أخذ وجوده من الله سيصير مثلما كان في البداية عندما كان نقيًا من الشر. وهذا الأمر صار بالطريقة الآتية: أن الألوهة الحقيقية النقية التي للابن الوحيد الجنس أتت إلى طبيعة البشر الفاسدة والفانية. إذًا إلى هذه الطبيعة الإنسانية قد جاء الكلمة، وصار هناك اتحادًا بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية كبداية لعجين واحد، هكذا اتحدت الطبيعة الإنسانية بالطبيعة الإلهية. (6)

خضوع الطبيعه البشريه لصلاح الله نتيجة تخلصها من الفساد بالخلاص الذي انعم به الابن :

عندما تبطل كل سلطة وكل سيادة للشر علينا، وعندما لا تُسيطر أى شهوة على طبيعتنا، فهناك إحتياج مطلق لأن يخضع الكل لمن هو أصل وبداية الكل. والخضوع لله هو التغرب الكامل عن الخطية. إذًا عندما نوجد جميعًا بحسب محاكتنا للباكورة ( المسيح ) (7)، خارج دائرة الشر أو الخطية، فحينئذٍ ستخضع طبيعتنا كلها لسيادة الصلاح، طالما أنها قد إتحدت بالباكورة، وصارت واحدة معها على الدوام. وهكذا بعدما إتحدت طبيعتنا الإنسانية بالطبيعة الإلهية غير المائتة، فى شخصه المبارك يتحقق فينا مقولة "خضوع الابن"، طالما أن الخضوع الذي يتحقق بالجسد تم في الابن، الذي وضع فينا نعمة الخضوع. (8)

خضوعنا لله لانتهاء الخطيه :

والملاحظ فى هذه العبارة الأخيرة يصور أو يصف بالكلمة وبوضوح إختفاء الخطية، قائلاً إن الله سيسود على كل شئ ويصير الكل لكل أحد. أى من الواضح أنه في ذلك الوقت سيتحقق حضور الله في الكل عندما لا يكون هناك أية خطية داخل البشر. فمن المؤكد أنه ليس أمرًا طبيعيًا أن يأتى الله وسط الخطية أو وسط الشر. ولن يوجد الله في الكل عندما تبقى بقية للخطية في البشر، فإن كان ينبغى علينا أن نؤمن أن الله يوجد حقًا في الكل، فحينئذٍ سيتضح أنه لا مكان للخطية فى هذه الحالة. لأنه من غير الممكن أن يوجد الله وسط الشر. (9)

خضوعنا كأعضاء جسده :

ولا توجد طريقة أخرى لإتحاد أحد بالله إن لم يصر جسدًا واحدًا معه، كما يقول القديس بولس. بمعنى أننا عندما نتحد معًا فى جسد واحد، نصير جميعًا جسد المسيح الواحد. إذًا عندما يسود الصلاح على الجميع، فحينئذٍ كل جسد الإنسان سيخضع للقوة المحيية، وهكذا فإن خضوع جسده يُقال عنه بأنه خضوع للابن الذي إتحد بالكنيسة التي هى جسده، الأمر الذي يشير إليه الرسول بولس في رسالته إلى أهل كولوسى بقوله: " الذي الآن أفرح في آلامى لأجلكم وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمى لأجل جسده الذي هو الكنيسة" وإلى كنيسة كورنثوس يكتب: " وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا" . هذا التعليم ذَكره بوضوح في رسالته إلى أهل أفسس حيث يقول: " بل صادقين في المحبة ننمو في كل شئ إلى ذاك الذي هو الرأس المسيح الذي منه كل الجسد مُركبًا معًا ومقترنًا بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو للجسد لبنيانه في المحبة" . لأن المسيح يكمّل بنيان جسده (أى الكنيسة) بواسطة هؤلاء الذين ينضمون باستمرار إلى الإيمان، وسيتوقف عن بنيان جسده عندما يصل نمو وكمال هذا الجسد إلى قياسه هو، ولا يصبح هناك شيئًا ناقصًا من هذا الجسد، بعدما يكون كل البشر قد تأسسوا على أساس الأنبياء والرسل ، وإتحدوا في الإيمان عندما: " ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله إلى إنسان كامل. إلى قياس قامة ملء المسيح " . (10)

توحدنا مع الابن يخلصنا و هو ما يسمي بالخضوع :

أنه بواسطة حضوره في الجميع يقبل في نفسه كل من إتحد به عن طريق الشركة في الجسد الواحد، ويجعل الجميع أعضاء جسده وبرغم أنهم أعضاء كثيرون فهم جسد واحد. إذًا فإن ذاك الذي وحّدنا معه وإتحد بنا، وصار واحدًا معنا، جعل كل ما هو لنا هو له. وتاج صلاحنا هو في الخضوع للأمور الإلهية، وذلك عندما تتوافق كل الطبيعة مع نفسها: " وتجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" . حينئذٍ بعدما يصير الكل جسدًا واحد، وبعدما يتحد الجميع فيما بينهم في المسيح من خلال الخضوع، فإنه هنا يشير إلى خضوع جسده (أى الكنيسة) للآب. إذًا لا ينبغى أن يشك أحد فيما قيل. لأننا نحن أيضًا في كل ما يصير لجسدنا، من خلال عادة ما، ننسبها للنفس. مثل ذاك الذي تحدث إلى نفسه، عندما صار في وطنه رخاء، قائلاً لها: " كلى واشربى وافرحى" ، فهو يُشير إلى النفس حين يتحدث عن شبع الجسد، هكذا هنا خضوع جسد الكنيسة ينسب إلى الابن الذي اتحد بالطبيعة الإنسانية. لأن كل من هو متحد به يخلص، والخلاص يُفسر بالخضوع . (11)

عند انتهاء الشر و المعارك يقدمنا المسيح للآب :

عندما يختفى كل شئ مقاوم للصلاح، عندما يجمع كل مُلكه ويقدمه لله الآب، موحدًا كل شئ فيه.
والقول بأنه يُسلم ملكه لأبيه، نفس المعنى يحمله القول بأنه يقود الجميع إلى الله، ذاك الذي فيه لنا قدوم لدى الآب. (12)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - خضوع الابن للآب . شرح المعني الصحيح للأيه ، إصدار المركز الارثوذكسي للدراسات الابائيه . ص 9
2 - مرجع سابق . ص 10
3 - مرجع سابق . ص 11
4 - مرجع سابق . ص12
5 - مرجع سابق ص 13
6 - مرجع سابق . ص 17
7 - يقول الرسول بولس : ( ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين" (1كو15: 14-20). ويشرح اثناسيوس الرسولي لفظ البكر قائلاً : [ أما لفظ "البكر" فيشير إلى التنازل إلى الخليقة، لأنه بسببها سُمى بكرًا... لأنه لو كان "بكرًا" لما كان "وحيدًا" لأنه غير ممكن أن يكون هو نفسه "وحيدًا" و "بكرًا" إلا إذا كان يشير إلى أمرين مختلفين. فهو "الابن الوحيد " بسبب الولادة من الآب، ولكنه يسمى "بكرًا" لسبب التنازل إلى الخليقة وجعله الكثيرين أخوة له. .. إذن فهو لم يُدعَ "بكرًا" بسبب كونه من الآب، بل بسبب أن الخليقة قد صارت به. وكما كان الابن نفسه كائنًا قبل الخليقة وهو الذى به قد صارت الخليقة، هكذا أيضًا فإنه قبل أن يُسمى "بكر كل الخليقة" كان هو الكلمة ذاته عند الله. ] - ضد الاريوسيين . ترجمة أ/ صموئيل كامل , د/ نصحي عبد الشهيد . مراجعة د/ جوزيف موريس فلتس . 2 , 21: 62 , 63 .. المقاله الثانيه . ص 117 , 118
8 - خضوع الابن للآب . شرح المعني الصحيح للأيه ، إصدار المركز الارثوذكسي للدراسات الابائيه ص 19
9 - مرجع سابق . ص20
10 - مرجع سابق . ص 21 , 22
11 - مرجع سابق . ص 22 , 23
12 - مرجع سابق . ص ص 30