الثلاثاء، 29 أغسطس 2023

مختصر تاريخ الكنيسة، القرن الرابع، الرهبنة (3- مراحل الرهبنة، والانحرافات النسكية)

 


مراحل الرهبنة وأهم شخصياتها

مرت الرهبانية بأربع مراحل:

1- مرحلة النسك.

 2- مرحلة التوحد ومثالها الأنبا بولا.

 3- مرحلة التجمعات الرهبانية وبدأها الأنبا أنطونيوس، وبعده أمونيوس ومقاريوس.

 4- مرحلة الشركة الباخومية.

1. مرحلة النسك

عرفت الكنيسة منذ بدايتها أشخاص أطلق عليهم لقب نُسّاك، وهؤلاء هم من تركوا شهوات ومتطلبات العالم وتمسكوا بالبتولية، بيكتب هنري شادويك: "خلال القرن الثاني كان هناك بعض المسيحيين في مناطق متفرقة رفضوا الزواج وتخلوا عن كلّ ممتلكاتهم إلا القليل، التزموا أمام أنفسهم وأمام مجتمعهم بالانعزال وتكريس كلّ الوقت في الصلاة وعمل الرحمة. هؤلاء النساك لم يجمعهم حياة شركة لها قوانين أو زي خاص أو صندوق مالي موحد –بالرغم من وجود نماذج سابقة للمعيشة المشتركة في الجماعات التي كانت تسكن على حدود اليهودية مثل جماعة الأسينيين أو جماعة وادي قمران التي حفظت لنا مخطوطات البحر الأحمر، أو جماعة الثيرابيوتا في الإسكندرية التي ذكرها فيلو السكندري". (هنري شادويك، الكنيسة الأولى)

نذكر من هذه المجموعات

- البنات الأربع العذارى الذين لفيلبس الذين ذكرهم سفر أعمال الرسل (21: 8، انظر أيضًا: تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، 3: 31).

- كليمندس السكندري بيذكر شخص اسمه نيقولاوس، اسمه ارتبط بهرطقة النيقولاويين، ويقول أنه كان له أربع بنات بقين عذارى حتّى يوم انتقالهن (stor. 2: 118).

- يوحنا الرسول ظل متبتل حتّى انتقاله.

-يعقوب الرسول أسقف أورشليم، كان يعيش عيشة هي أقرب لما نعرفه عن حياة الرهبان فيما يخص التقشف والفقر الاختياري. يتكلم عنه مؤرخ اسمه هيجسيوس فيقول: "لم يكن يشرب الخمر أو أي شراب مُسكر، ولا يأكل أي لحوم، ولا يقص شعره، ولم يدهن نفسه اطلاقًا بالدهن، وامتنع عن الاستحمام، وكان يذهب إلى الهيكل وحده، ودائمًا يجدونه يصلي عن الشعب" (تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، 2: 23).

كما نرى فإن النسك والبتولية كانت غير مغلقة على جنس بعينه، بل كانت للجنسين على السواء. كما أن هذا المذهب أو أسلوب الحياة التقوية المسيحية أزدهر بشكل كبير خلال القرن الثاني، وهذا يتجلى على الخصوص في كتابات كلّ من:

- إغناطيوس الأنطاكي اللي اتكلم عنهم في رسالته لكنيسة سميرنا (13: 1)

- بوليكاربوس الذي كتب بعده ببضع سنوات إلى كنيسة فيلبي فلم ينس البتوليين الذين يجب أن يكون ضميرهم بلا لوم وتكون حياتهم طاهرة (في 5: 3)

- كذلك اشار إليهم كتاب الراعي لهرماس ذاكرًا البتوليين الذين في كنيسة روما

- يوستينوس من أوائل القرن الثاني كتب في دفاعه عن المسيحية، يقول: "كثيرون هم الرجال والنساء الذي تبعوا المسيح من طفولتهم، من حافظوا على العفة حتّى سن الستين والسبعين، وأني لأفخر أن أعطيكم أمثلة عنهم" (الدفاع الأول15: 48)

- ترتليان- كبريانوس- رسالتا اكليمندس للبتوليين- مائدة العشر عذارى لميثوديوس الأوليمبي

- عظات أوريجانوس، وتحديدًا في عمله ضد كلسوس تحدث عن هؤلاء البتوليين الذين يعيشون حية البتولية الكاملة من أجل الصلاة (ضد كلسوس7: 48).

وبيكتب المؤرخ هنري شادويك عن أنواع النساك في الوقت ده، ويقول:

"أغلب النساك كانوا بسطاء إلى حد ما،

ولكن لم يدم هذا طويلًا بعد أن صارت للحركة النسكية أساسها اللاهوتي المتين. في كتابات كليمندس السكندري وأوريجانوس على الأخص نجد أن كلّ العناصر الأساسية للتعليم النسكي موجودة بالفعل.

التعليم الذي سيطر عليه نموذج الشهيد الذي لا يرجو شيئًا من هذا العالم بل يبحث عن الاشتراك مع الرب في آلامه. بالضبط مثلما كان الصليب هو نصرة الرب على قوات الشر، كذلك الشهيد يشترك في هذا النصر باستشهاده. واستمر النساك بهذه الروح بعد انتهاء عصور الاضطهاد. وسعوا لتحقيق بذل الذات نفسه من خلال الانفصال عن العالم. بذل الذات كما جاء في الإنجيل، يمتزج مع البساطة والتقشف الموروثة من الآداب الكلاسيكية السابقة.

الحركة النسكية ضمت إليها ليس البسطاء فقط بل أيضًا من المتعلمين فلسفة أفلاطون ومثله الأعلى في الاستشهاد سقراط، ومبادئ [سينيكا الفيلسوف الرواقي] عن ضبط النفس، وتعاليم الرواقية عن السعادة الحقيقية التي تكمن في قمع الرغبة فيما لا يمكن للمرء أن يحصل عليه ويحتفظ به، فمن ثم إخماد الشهوات مطلوب من أجل حياة صحيحة" (هنري شادويك، الكنيسة الأولى).

 

الإنحرافات النسكية في المسيحية المُبكرة

ظهرت جماعات نسكية بتدعو للنسك الشديد لدرجة تدمير الجسد، ورفض الزواج في المُطلق، فالزواج مُحرم حتّى على عامة الشعب.

هذه الحركة تأثرت كثيرًا بالفكر الغنوسي وكانت تُدعى "encratism" أو الممتنعون.

بنلاقي فكر الجماعات دي، بالإضافة للفكر الغنوسي في كتير من كتب الأبوكريفا اللي ظهرت في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني. مثلًا: مكتوب في أعمال بولس وتكلا، إن بولس دخل إيقونية عند منزل أنسيفورس، وقال: "طوبى للذين يحفظون جسدهم طاهرًا لأن الله سوف يكلمهم، طوبى طوبى للذين عندهم زوجاتا وكأنهم ليسوا متزوجين لأنهم يرثون الله، طوبى لأجساد العذارى لأنهن سوف يرضين الله ولن يفقدوا مكافأة طهارتهن" (أعمال بولس وتكلا، 5).

وفي كتاب أعمال يوحنا الأبوكريفي وفي (العدد 63) بيتكلم عن دروزيانا المرأة اللي أنفصلت عن زوجها لفترة طويلة، للدرجة أن زوجها وضعها حية في مقبرة وأغلق عليها، وقال لها: "كوني لي زوجة، كما كنتي من قبل، وإلا سوف تموتين". وقد فضلت الموت على أن تشترك في هذه الأدران.

بيكتب هنري شادويك عن الفترة دي وبيقول:

"ثارت مشكلة لاهوتية حادة حول وجود معيارين وطريقين للحياة الروحية. الأمر الذي ظل مجهولًا لفترة طويلة هو هل هذين الطريقين هما مجرد تعبير عن فكرة أن هناك درجتين على الأقل من النمو والإدراك الروحي والسلوك لكنهما متاحين للجميع، أم أن الفرق يعني أن المتزوجين الذين يعيشون في العالم، هم معينين لدرجة أدنى بالطبيعة، ليس لهم أن يصلوا للدرجات العليا في الصلاة ورؤية الله. فبحسب أوريجانوس، على سبيل المثال، النصوص التي ترجح كفة الرأي الأول عديدة، لكن في مواضع أخرى نجد أن الرأي الثاني متضمن بشكل خطير. ففي واحدة من عظاته تكلم عن جيش المسيح مجموعة صغيرة من المقاتلين وجمع غفير من الأتباع الذين يساعدون الجند في حربهم ضد قوات الشر لكنهم لا يحاربون بأنفسهم" (هنري شادويك، تاريخ الكنيسة)

في أواخر القرن الرابع حدث نزاع عكسي تمامًا عندما أنكر جوفنيان بشدة أفضلية حياة البتولية

في الوقت ده طبعًا كان عدو الكنيسة اللدود هو الإفراط والمُبالغة بكافة صورها، وعلشان كده بنلاقي الرسول بولس بينصح تلميذه تيموثاوس، وبيقول: "المتكلمين في رياء بأقوال كاذبة، ومانعين عن الزواج، وأمرين أن يُمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين" (1تي4: 2). ولذا نسمع أحد الآباء المصريين يخبر القديس يوحنا كاسيان: "الصوم بمبالغة يولد شرًا يماثل النهم". Confer. 2: 16))

 

فالزواج أمر جيد، ودائمًا الكنيسة تعلم أن المضجع غير دنس، حتّى في الكتابات النسكية الأولى، كان في تحذير شديد من رفض الزواج، فنعم الناسك لا يتزوج، لكن عدم زواجه ليس رفضًا للزواج في ذاته، إنما لتكن كلّ حياته للرب، زي ما بتقول التعاليم الرسولية (apostolical constitutions): "إنه يلزم النساك أنفسهم بالبتولية، ليس رفضًا للزواج، بل ليتيحوا لأنفسهم مزيدًا من الوقت في الصلاة". (التعاليم الرسولية، 8: 24).

أيضًا ميثوديوس الأوليمبي في كتابه وليمة العشر عذارى، كتب: "عندما أدخل الكلمة البتولية في العالم لم يقصد إطلاقًا إلغاء الزواج، فلم يلغ الأمر الذي ورد في سفر التكوين وهو "أثمروا وأكثروا"، فالله في الزواج يربط الرجل بالمرأة التي خلقها هو" (وليمة العشر عذارى، 2: 1).

ويقص علينا يوسابيوس القيصري قصة أسقف يُدعى بنتيوس الكنوسي، بجزيرة كريت، أراد أن يفرض البتولية على كافة المؤمنين دون استثناء، ولكنه قوبل بتوبيخ شديد (تاريخ الكنيسة، يوسابيوس القيصري، 4: 23).

مختصر تاريخ الكنيسة، القرن الرابع، الرهبنة (2- الدعوة الرهبانية في العهد الجديد)

 


الدعوة الرهبانية في العهد الجديد

يؤرخ القديس يوحنا ذهبي الفم [347 407 م] لتاريخ البتولية في كتاباته فيقول:

"في العهد الجديد ...خرج جمال البتولية جليًا إلى النور."

ST. JOHN CHRYSOSTOM, Letter to a young window in N.P.N.F.IX. (Grand rapids, Michigan: WM.B.Eerdmans Publishing Company, 1956)

فحياة البتولية في العهد الجديد، عهد المسيا، جديدة تمامًا من جهة أصلها والدافع إليها وممارساتها ... ويؤكد آباء الكنيسة هذه الحقيقة فيقول القديس أمبروسيوس [ 340- 397 ]:

     "فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر أن هذه الحياة

      العذراوية تستمد قوتها من السماء، تلك الحياة

      التي لم توجد على الأرض إلا عندما نزل رب

        المجد وأخذ جسدًا بشريًا؟!"

ST.AMBROSE, Concerning Virgins, book I in N.P.N.F, vol. X, P.365

وهذا مايشير إليه البابا أثناسيوس [ 311 323م ] في حديثه إلي بعض العذارى:

 "لو لم يتجسد الابن الكلمة كيف كان يمكن الارتباط به؟!

 ولكن عندما أخذ الرب جسدًا بشريًا من السيدة العذراء مريم،

 أصبحتن عذاري وعرائس للمسيح. فلقد زرع والداكن فيكن بذرة الاشتياق إلي حياة الفضيلة وقام برعايتها حسنًا، ثم نمٌاها الختن الذي ألقي بكلمته في قلوبكن فنمى فيكن الاشتياق لأن تصِـرن عذاري مكرسات له. فيجب عليكن أن تنظرن الي سيرة العذراء مريم كمثال وصورة للحياة السمائية."

See ST. ATHANASIUS, First Letter to Virgins, P.288

ويرجع الحياة البتولية بعض آباء الكنيسة لحياة العذراء مريم ويسوع، زي ما بيُعلق القديس جيروم قائلًا:

 "لقد تقدست البتولية في شخص الرب يسوع وأمه العذراء القديسة مريم. إذ أن كليهما بتول."

ST.Jerome, Letters to Eustochium, Letter XXII On the Preservation of Virginity in N.P.N.F., Series II, Vol. P.29

الدعوة لحياة البتولية من خلال نصوص العهد الجديد

العهد الجديد لم ينقل لنا التعليم النسكي في صيغ تعليمية، بل وجد التعليم النسكي مكانه وسط تعاليم أُخرى مُقدمة بشكل وعظي للجماعات المسيحية بحسب ما تطلبته الظروف.

التعليم النسكي كله مُلخص في كلمات يسوع: "إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه كلّ يوم ويتبعني.. مت16: 24، مر8: 24".

فالنسك في المسيحية له دعامتين أساسيتين هما:

 1- إنكار الذات، واللي بيدخل تحته مفهوم الفقر الإختياري.

2- التصميم القاطع باتباع يسوع والتمثل بيه.

إنكار الذات أو الفقر الإختياري كمان بيظهره يسوع في قصة الشاب الغني، اللي قال له المسيح: "إن أردت أن تكون كاملًا، فأذهب وبع كلّ أملاكك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني.. مت19: 16- مرقس10: 17- لو18: 18".

هنا لازم ننوه إن الممتلكات الدنيوية في حد ذاتها شئ جيد، إلا أن التعالم معها بشكل مفرط، بمعنى أن تملكك هي وتسيطر عليك، بدلًا من أن تتسلط أنت عليها، فإنها في هذه الحالة تعد عائقًا ليس للحياة السماوية فقط، بل على مستوى الحياة العادية أيضًا، فبدلًا من أن نحيا لنستمتع بالحياة، نحن نحيا لنضخم ثروتنا ونحافظ عليها، أي أنه بدلًا من الحياة لأجل أنفسنا، أصبحنا نحيا لأجل أملاكنا..

مفهوم الترك ده بنلاقيه كمان عند ق. لوقا لم بيقول عن المسيح: "كذلك كلّ واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (لو14: 33)

كمان بيقول: "إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته، حتّى نفسه أيضًا، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (لو14: 25- مت10: 37)

كمان الترك في الأناجيل له مفهوم مختلف، فبطرس طلب منه يسوع بحسب إنجيل لوقا إنه يتبعه، وبيقول الكتاب فللوقت ترك كلّ شئ وتبعه، لكن من تسلسل الحداث فيما بعد بنعرف إن بطرس على أرض الواقع لم يتخلى عن أي شئ، بل على العكس عنده بيته وزوجته وأولاده وحماته وعايش معاهم وعزم يسوع عنده وسطهم، كمان بيمتلك مركبته وأدوات الصيد بتاعته وكل شئ. فماذا ترك إذن؟! لقد ترك التعبد لمثل هذه الأشياء، أصبح في حرية دون أن يتقيد بأي مما يملك، لم تعد تربطه الممتلكات بالأرض بل صار حرًا يتبع المسيح أينما ذهب.

بولس الرسول في كورنثوس الأولى الإصحاح السابع بيقول: "غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، أما المتزوج فيهتم فيما للعالم، كيف يرضي امرأته". لكنه بيوضح إن ده مش وصية إلهية بقدر ما هو رؤية شخصية للقديس بولس بسبب الضيقة الموجودة على المؤمنين في عصره، ومفهومه عن قرب نهاية العالم، فيقول: "إنني أُعطي رأيًا كمن رحمه الرب أن يكون أمينًا، فأظن أنه حسن بسبب الضيق الحاضر حسنٌ للإنسان أن يكون هكذا" (1كو7: 25، 26).

يعلق الكثيرون من أباء الكنيسة الأولي على كلمات معلمنا القديس بولس الرسول.. فيقول القديس جيروم في رسالته المكتوبة في عام 384م إلي تلميذته استوخيوم العذراء:

"لماذا يفضل القديس بولس الرسول البتولية؟ لأنه هو أيضًا كان بتولًا ليس رغمًا عنه بل بإرادته الحرة.”

ويتساءل جيروم لماذا لم يأخذ الرسول أمرًا من الرب بخصوص البتولية؟ ويجيب بأنه "مايُقدم بالإرادة الحرة وليس بالإجبار تكون له قيمة أعظم. فلو كان هناك أمر بالبتولية، لكان ذلك يعني تحريم أو منع ما قدسه الله أي الزواج.."

ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.30


وبتفضيل البتولية على الزواج يوضح القديس جيروم أنه:

 " لايُنقص من شأن الزواج عندما يضع البتولية في مكانة متقدمة ولكنه يوضح للعذاري رفعة مكانتهن التي تسمو على كلّ ماهو أرضي."

ST.Jerome, Letter xxii to Eustochium in N.P.N.F, SeriesII, Vol. VI, p.29

طبعًا العهد الجديد ملئ بالتعاليم التي استقت منها الرهبنة منهجها، مثل إخضاع الجسد للروح، قمع شهوات الجسد، الصلاة الدائمة.. وغيرها.. لكن سنكتفي حاليًا بهذا القدر.

مختصر تاريخ الكنيسة، القرن الرابع، الرهبنة (1- مصادرها وأسباب انتشارها)

  


مصادر التاريخ الرهباني

1- هستوريا موناخرم، عمل بيقدم سير للرهبان وتعاليمهم في شكل رحلة لسبع رهبان إلى صحراء مصر، وغير معروف على وجه الدقة كاتب العمل ده، وهناك شك ما بين روفينوس وجيروم.

2- سير بعض آباء الرهبنة، ودي اللي كتبها عنهم تلاميذهم زي سيرة أنطونيوس لأثناسيوس، أو المعجبين بحياتهم زي سيرة أنبا بولا لجيروم.

3- التاريخ اللوزياكي لبيلاديوس، وهو من أهم المصادر عن التاريخ الرهباني لإن الكاتب كان على معرفة شخصية بالناس اللي كتب عنهم.

4- كتابات خاصة بالسلوكيات والعادات الرهبانية زي كتابات افجاريوس البنطي، ويوحنا كاسيان، ودي بترجع أهميتها لإنها بتعرفنا على النمط الرهباني وتطوره عبر العصور.

 5- تعاليم الآباء الرهبان، في نظر العامة الناسك المتوحد له توقير خاص. آباء الصحراء في مصر في النصف الثاني من القرن الرابع كانت الجموع تخرج لزيارتهم باستمرار ويسألونهم السؤال المعتاد: قل لي كلمة منفعة يا أبي بها أخلص. وإجاباتهم سجلت وجمعت في فردوس الآباء Apophthegms of the Fathers. وصار من البديهي أن تكون كلمات من يقطن الصحراء بالقرب من الله موحى بها. (هنري شادويك الكنيسة الأولى)

ما هي أهمية دراسة تاريخ الرهبنة؟

- التقليد الشرقي مش بيميز أبدًا بين عقيدة الكنيسة واللاهوت النظري من جهة، والخبرة الشخصية والأخلاقية من جهة أخرى. بيوضح ده في مقولة لاهوتي أرثوذكسي من القرن اللي فات اسمه فيلاريت أسقف موسكو، بيقول: "ما من سر من أسرار حكمة الله الخفية ينبغي أن يبدو لنا غريبًا أو متساميًا بالكلية، بل علينا، بكل تواضع، أن نُكيف ذهننا على تأمل الإلهيات". أو بمعنى تاني، إن الأسرار الإلهية واللاهوت هي حقيقة بنتعلمها على أنها سرّ، إلى أن تتجلى في واقع حياتنا المُعاش. فاللاهوت والتصوف مش متعارضين، إنما متكاملين ولاغنى لأحدهم عن الآخر.

- علشان كده بنلاقي الكنيسة اعطت لقب لاهوتي لإثنين فقط في كلّ تاريخها، هما ق. يوحنا الإنجيلي اللاهوتي، والقديس غريغوريوس النيزينزي، والإثنين بيتميز منهجهم بالتصوف. وبتضيف ليهم الكنيسة اليونانية سمعان اللاهوتي الحديث، وهو أيضًا كان راهب متصوف. فالصوفية في الفكر المسيحي هي كمال كلّ لاهوت وقمته.

- الفكر المسيحي كمان بيختلف عن الفكر الغنوسي، لإن المنهج الغنوسي بينشد المعرفة في ذاتها، وبيضع الخلاص في الوصول للمعرفة، وحتى المسيح في الفكر الغنوسي هو المُخلص لإنه أتى بالمعرفة الكاملة.. أما في المسيحية، فالمعرفة هي عامل في خدمة غاية أسمى ونهائية، وهي الإتحاد بالله، أو اللي بيسميه الآباء اليونان الثيئوسيس أو التأله.

- المفهوم ده، اللي هو الإتحاد بالله أو الثيئوسيس أو التأله، هو اللي دافعت عنه الكنيسة على مر عصورها ضد الهرطقات، فالكنيسة حاربت الغنوسية لإنها بترفض تكوين علاقة شركة بين الإنسان والله، وحاربت الآريوسية لإنها بتقول إننا إتحدنا بمخلوق متأله مش الله الحقيقي، وحاربت النسطورية لإنها بترفض الشركة الحقيقية مع الله، وبتقول إننا متحدناش بالله، لإن المسيح نفسه متحدش بالله، إنما كان الله بيحل فيه حلول مؤقت، مش حلول جوهري وحقيقي.

- الصراعات الكنسية كان الرهبان عامل قوي جدًا فيها، مثل الأنبا أنطونيوس في مرحلة الصراع الآريوسي عندما نزل إلى الأسكندرية في غياب الأسقف أثناسيوس ليشدد من عزم الشعب- في عصر الأنبا شنودة رئيس المتوحدين قام الرهبان بهدم كتير من المعابد الوثنية- الصراع حول أوريجينوس والصراع بين الإخوة الطوال وروفينوس وجيروم وغيرهم- الصراع حول شخص المسيح وتدخل الرهبان بلا نوم مثلًا.

لأجل كلّ ما قيل فهناك أهمية كبيرة للتعرف على تاريخ الروحانية المسيحية، أو تاريخ الرهبنة، إذ كيف يُمكننا أن نتعلم طريق حياة الكمال المسيحية، تلك الحياة المماثلة لعقيدتها النظرية، دون النظر إلى "مُعلمي الحياة الروحية" كما يدعوهم اللاهوتي الأرثوذكسي فلاديمير لوسكي.

أسباب انتشار الحركة النسكية في العالم المسيحي منذ القرن الأول

1- يجب أن نعترف أن أحد الأسباب التي أدت إلى أزدياد أعداد النُسّاك كانت حالات الإضطهاد المريرة التي مرت بها الكنيسة الأولى من الرومان واليهود على السواء، فهرب بعض الناس إلى الصحاري والبراري كي يستطيعون من التعبد لإلههم في هدوء وسكينة بعيدًا عن اضطرابات العالم.

بيكتب هنري شادويك عن الفترة دي وبيقول:

"الانعزال عن الجمال الباطل كان أيسر على من يتوقعون قرب نهاية العالم ممن يظنون أن الزمن مستمر وممن لهم من المتاع ما يورِّثونه لأطفالهم. عارض القديس بولس امتناع أهل كورنثوس عن الزواج اعتمادًا على فكرة ثنائية المادة والروح الغنوسية. لكن على أساس أن الوقت مقصر سمح لمن لهم زوجات أن يسلكوا كمن ليس لهم. وعندما بات واضحًا أن الوقت ليس مقصرًا بالدرجة التي كان يظنها الرسول، إلا أن مشاعر الشهيد ظلت حية في القلوب نتيجة عدم استقرار الحياة تحت نير الاضطهادات وإدراك أن الصلاح الحقيقي ليس موجود في متع هذا العالم. (هنري شادويك، الكنيسة الأولى)"

2- الإتجاه الإسخاتولوجي للكنيسة الأولى، فمن المعروف إن الكنيسة الولى كانت تؤمن بمجئ الرب خلال الجيل الذي يحيون فيه، وأنهم سوف يشاهدون الرب بأعينهم قادمًا على السحاب، وعلى ذلك فكان الترك الفعلي لحياة العالم أمرًا طبيعيًا.

3- النصوص الإنجيلية الكثيرة التي يزخر بها العهد الجديد.