الأربعاء، 1 أبريل 2026

لاهوت الروح القدس عند آباء ما قبل نيقية

 



بقيت صحة تعاليم الرسل واضحة في ما يختص بشخص الروح القدس ضمن الكيان أو الجوهر اللاهوتي للثالوث في تسليم قانون التعميد، «عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس». وقد اكتشفت قوانين التعميد المبكِّرة جدًّا في تقليد القرون الأُولى وهي تحمل طابع الإيمان والتعليم بوحدة الثالوث([1]).

 

كليمندس الروماني:

وبجوار قوانين التعميد المحلية في الكنائس تصلنا من الرسالة الأُولى إلى كورنثوس للقديس كليمندس الروماني - وهو تلميذ الرسل - صورة أصيلة مطابقة لتعليم الرسل من جهة “انسكاب” الروح القدس، ومن جهة “شخص” الروح القدس، ومن جهة “الجوهر الإلهي” للروح القدس:

[لقد وُهبتم جميعاً سلاماً عميقاً وفيراً وشوقاً غير محدود نحو عمل الصلاة بينما انسكب الروح القدس عليكم بفيض].

[أي عالم يمكنه أن يختفى هارباً من وجه الله؟! إذ يقول الكتاب: «أين أذهب من روحك، ومن وجهك أين أهرب؟! إن صعدتُ إلى السموات فأنت هناك، وإن فرشتُ في الهاوية فها أنت» (مز 139: 7و8).

أين يمكن لإنسان أن يهرب ممن يحتضن كل شيء؟!]

[حي هو الله، وحي هو يسوع المسيح وحي هو الروح القدس وحي هو إيمان ورجاء المختارين.] (الرسالة الأُولى لكليمندس الروماني 2و28و58)

 

كذلك فإن تعاليم كليمندس تأتي في كمال انطباقها على علاقة الروح القدس بقانون الأسفار المقدَّسة (انظر: الرسالة الأُولى لكليمندس الروماني 45و8و13و16و22و42).

 

برناباس:

ونقابل في رسالة برناباس بصورة مميِّزة استمرار التعليق على الإلهام الموجود في الأسفار (9-10) كذلك موضوع انسكاب الروح القدس على الكنيسة كلها (1).

 

إغناطيوس الأنطاكي:

في رسائله المختصرة نجده يسمِّي الروح القدس واحداً مع الآب والابن مع تمييز خاص لشخصه (ماغنيزيا: 13)، كذلك موضوع انبثاقه من الآب (فيلادلفيا: 7)، وإرساله بواسطة الابن (أفسس: 17)، وعمله في الحمل الإلهي الإعجازي للعذراء (أفسس: 18)، وفي تقديس (مسحة) أعضاء المسيح (أفسس: 9، سميرنا: 13)، كما نجد في حالة استشهاده ذكره للروح القدس في تمجيده لله، كذلك نجد عين الأمر في استشهاد القديس بوليكارب (استشهاد القديس بوليكارب 14-22) (استشهاد القديس إغناطيوس 71).

 

الأسقف “راعي هرماس”:

ولكن من بين كل ما وصلنا من كتابات عصر ما بعد الرسل للآباء الرسوليين، فإنه يندرج ما خلفه لنا “راعي هرماس” تحت أكثر الكتابات خصوبة في الإشارات للروح القدس. أنه أحياناً يشير إلى أرواح كثيرة مرسلة بواسطة الروح القدس منوط بها تعليم وإنارة بصيرة الناس، ونحن نجد إشارة إلى مثل هذا المعنى في رسالة يوحنا الأُولى: «أيها الأحباءُ، لا تصدِّقوا كل روحٍ، بل امتحنوا الأرواح: هل هي مِنَ الله؟ لأن أنبياءَ كذبةً كثيرينَ قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرفون روح الله: كل روحٍ يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو مِنَ الله ... مِنْ هذا نعرف روح الحقِّ وروح الضلال.» (1يو 4: 1-6)

 

كذلك نجد إشارة إلى هذا المعنى أيضاً في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي: «يوحنا إلى السبع الكنائس التي في أسِيَّا. نعمة لكم وسلام من الكائن والذي كان والذي يأتي ومن السبعة الأرواح التي أمام عرشه.» (رؤ 4:1)

وراعي هرماس يؤمن بشدة أن روح النبوَّة لا يزال مستمراً في عمله في الكنيسة، ويشير إلى أنه حائز لهذه العطية الخاصة بالإلهام.

 

ثيؤفيلس الأنطاكي: تُعتبر الكنيسة مدينة لهذا المدافع الشهيد بأول تسجيل للإصطلاح اللاهوتي الشهير “الثالوث”، في ما يختص باللاهوت في ذاته! [إن الثلاثة أيام السابقة قبل أن يصير النور هي مثال للثالوث، الله وكلمته وحكمته]

 

وهنا يذكر الثالوث بوضوح مشيراً إلى الشخصين الواضحين: “الكلمة” و“الحكمة”، باعتبار الحكمة هي الروح القدس حسب التقليد القديم الموروث. ويستمر هذا الكاتب الرسولي الملهم في توضيح تحديد الأشخاص في الثالوث إنما في وحدة مطلقة.

 

أثيناغوراس:

أثيناغوراس رأى في الروح القدس عملاً غريباً على المفهوم التقليدي وهو اضطلاعه بوظيفة رباط الوحدة في اللاهوت([2]). (وهذا الاتجاه رفضته الكنيسة بالرغم من أخذ القديس أغسطينوس به).

 

والذي رفضه بشدة ووضوح هو القديس أثناسيوس في حديثه الثالث ضد الأريوسية:

[وإن الروح القدس لا يوحِّد الكلمة بالآب، لأن الكلمة لا يشترك في الروح القدس حتى يصير في الآب، ولا الابن يستقبل أو يستلم الروح القدس بل بالحري يعطيه بنفسه للجميع، فالروح لا يوحِّد الكلمة بالآب ... فالابن هو في الآب لأنه كلمته وشعاعه.]([3])

 

كذلك فإن أثيناغوراس صاحب الفضل في توضيح جديد لعقيدة الانبثاق الجوهري للروح القدس من الله فهو يقول:

[إنه منه ينبثق وإليه يعود كشعاع الشمس أو كالنور المنبعث من النار.]([4])

 

أمَّا خارج الكنيسة، أي لدى مجموعات الهراطقة، فكانت هناك قوتان تتصارعان معاً بشدة ضد الكنيسة: جماعة المونتانيين وجماعة الغنوسيين.

 

أمَّا جماعة الغنوسيين، فأخذوا شيئاً ما بما تقوله الكنيسة من جهة الروح القدس، وإنما بصورة مشوَّهة وعلى اتساع تحليلي، وكان زعيمها الأول “سيمون” وهو ساحر سفر الأعمال، وكان قبل عماده يُدعى من جميع الشعب «قوة الله العظيمة» (أع 10:8)، لِما كان يأتيه من معجزات. وكان قد تلقَّى بعض تعاليم الرسل في ما يختص بأن القوة الإلهية إنما تتصل مباشرة باسم الروح القدس كما هو مدوَّن بوضوح في سفر الأعمال (أع 9:8-19)، ولكنه عاد من بعد عماده (من أيدي الرسل) وعزله عن الكنيسة، فادَّعى أن شريكته هيلانة هي “الباراكليت” وأن القوة التي تنبثق من الله هي قوَّة مؤنَّثة.

 

وجاءت جماعة “أوفيت Ophite” وقالت صراحة إن هذه القوة المؤنَّثة هي الروح القدس، وهي تتميَّز عن فكر الله، يقصدون بذلك “كلمته”([5])، وأن الكلمة مولود منها، وهي التي كلَّمته على الأردن.

 

أمَّا في نظام باسيليدس، فقد اعتبروا الروح القدس روحاً خادماً، وليس متحداً جوهرياً بالابن أو مساوياً له، وهكذا صارت بلبلة في الفكر خارج المحيط الكنسي.

 

أمَّا في نظام فالانتين، فقالوا بانبثاق الروح القدس ولكن ليس بصورة مباشرة من الله([6])، وإنه مساوي للمسيح؛ ولكنهم تبنُّوا كل الهرطقات التي ظلَّت متداولة حتى القرن الرابع والتي فنَّدها القديس أثناسيوس([7]).

 

أمَّا جماعة المونتانيين، فيُشك أنهم أخذوا بشيء من عقيدة الروح القدس في الكنيسة، لأن العالم الألماني نياندر([8]) قد أشار إلى أن موقف “مونتانس” و“ماكسيملا” في ما يختص بالروح القدس عندهم كان من وجهة نظر العهد القديم أكثر منه في العهد الجديد، وأنه لم يكن للفكر المونتاني تأثير كبير على الكنيسة، وسرعان ما انحل تحت ضغط الاضطهاد.

 

أمَّا جماعة اليهود المتنصرين، الذين ظلوا متمسكين بتقاليدهم العتيقة ورفضوا التقليد الرسولي من جهة الإيمان بالثالوث الأقدس، وهم في هذا الموضوع جماعة الناصريين Nazarenes، أخذوا برأي الغنوسيين فقالوا إن الروح القدس هو أيضاً قوة مؤنَّثة وأنها هي التي ولدت المسيح على الأُردن وأن الباراكليت هو أم المسيح([9]).

 

والعجيب أن هذا الفكر أخذت به أيضاً جماعة هراطقة الإيبونيم اليهودية المتنصِّرة بزعامة كيرنثوس المبتدع، وقال إن الروح القدس قوة مؤنَّثة، وهكذا ظلَّت هذه السفاهة العقلية التحليلية الشيطانية عالقة بالكنيسة حتى القرن السابع - (وكان بعض أئمة هؤلاء الهراطقة قاطنين شبه الجزيرة العربية واليمن. لذلك فقد سمع بها القرآن وسُئل فيها فجحدها وقال فيها إن الله لم يلد ولم يولد ولم يكن له صاحبة، والقرآن على ضوء هذه الهرطقات محقٌ في ما قال).

 

وجماعة هراطقة المونوأرخيين (أي وحدة الرأس أو الصدر)، وهي قريبة من جماعة الإيبونيم يهودية متنصِّرة، وكان على رأسها ثيئودوتس المبتدع فكانت أصلاً مشغولة بجحد لاهوت المسيح وإنكار الثالوث، وزعماؤهم براكسياس ونوئيتوس وبيرللوس (بلاد العرب) وسابيليوس، فهؤلاء جميعاً جحدوا الثالوث القائم على أقانيم متميِّزة، وقد تزعَّم براكسياس - حسب شرح ترتليان (براكسياس: 9) - فكرة أن الروح القدس هو أصل وجود الآب والابن.

 

بل في روما ذاتها قام كاليستوس بابا روما، وألغى شخصية الروح القدس المتميِّزة في الثالوث، وأعطى اسم الروح القدس ليعبِّر عن جوهر الله الذي قد يسمَّى الآب أو يسمَّى الابن أو يسمَّى الكلمة([10]).

 

ومن هنا نشأت أيضاً بدعة السابلية التي امتدت وأعطت الروح القدس شخصية. ولكن كان عندهم الروح القدس قادراً أن يظهر نفسه في أي من الأقانيم الأخرى فهو إمَّا يظهر كآب أو كابن أو كالروح القدس([11]).

 

بولس الساموساطي المبتدع: وهذا المبتدع يعتبر الروح القدس ليس استعلاناً لشخص أو أقنوم وإنما “خاصية”...

 

وبولس الساموساطي لم ينكر انبثاق وإرسال الروح القدس، وإنما حلله إلى مجرَّد تأثير، وإنما تأثير غير مشخَّص أو غير شخصي. فالروح القدس عند بولس الساموساطي ليس أقنوماً بل مجرَّد نعمة نزلت على الرسل([12]). وكان حذراً في الدخول إلى التفاصيل الخاصة بعقيدة الكنيسة في هذا الموضوع، ففلت من جهة هذا الأمر من ملاحظة المجمع المقدَّس الذي حكم عليه في تعاليمه الأخرى وجرَّم إيمانه وقطعه.

 

تعاليم الكنيسـة الأرثوذكســية في تلك الحقبة، أي أواخر القرن الثاني حتى منتصف القرن الثالث:

 

إيرينيئوس: وهو يمثل معاً تعاليم مدرسة آسيا الصغرى المنحدرة من القديس يوحنا الرسول، بجوار تعاليم جنوب شرق بلاد الغال (فرنسا الآن).

وهو يُعتبر من أوائل معلّمي هذه الفترة الزمنية، وهو يجحد بشدة في كل أقواله أخطاء فالنتينوس المبتدع الذي خلط بين إرسالية الروح القدس المحدَّدة زمنياً بيوم الخمسين وبين انبثاق الروح القدس من الله أزلياً، أي خلط بين عمل الروح القدس في البشرية وعلاقة الروح القدس جوهرياً بالله([13]).

 

ولكن إيرينيئوس يرفض أحد التعبيرات عن الاصطلاح بالانبثاق emisso = probol»([22]). إذ تراءى له أن هذا التعبير يحمل ضمناً نوعاً ما من الانفصال في جوهر الله الواحد، ولذلك فإنه فضَّل أن يترك كيفية “الانبثاق” الإلهي بدون شرح([14])، مكتفياً بتوضيح ذلك بالتصوير، فيقول عن الابن وعن الروح القدس أنهما يدا الله، الأول ابن progenies أمَّا الروح القدس فهو الصورة figuraties للآب، الابن هو “كلمة” الله والروح القدس هو “حكمة” الآب([15])، ليس من خارج الله ولكن من داخله([16]). (يُلاحَظ هنا أن إيرينيئوس لا يتبع الخط الفكري الآبائي القديم الذي يشدِّد أن الكلمة هو حكمة الله).

 

ويستشهد إيرينيئوس بما جاء في إشعياء أصحاح 57 آية 15و16 (الترجمة السبعينية) هكذا: “لأنه هكذا قال العلي الساكن في الأعالي إلى الأبد، القدوس في الأقداس اسمه، العلي المستريح في القديسين المعطي صبراً للمنسحقين وحياة لمنكسري القلوب، لأني لن أنتقم إلى الأبد ولا أغضب عليكم دائماً لأن روحي التي تنبثق مني تحيي كل نفس.” (إش 15و16:57 سبعينية)

 

وإيرينيئوس يعطي تصوراً للعلاقة بين الروح القدس والابن هكذا:

 

[إننا بالروح القدس نرتفع إلى الابن، وبالابن نصعد إلى الآب.]([17])

وبذلك فإن عطية الروح القدس لنا هي إحدى نتائج التجسُّد.

والذي ليس له الروح القدس فليست له شركة في حياة يسوع المسيح([18]).

كذلك فإن إيرينيئوس يرى أن نفخ المسيح في تلاميذه وإعطاءهم الروح القدس (يو 22:20) هو برهان على لاهوت المسيح([19]).

وبخصوص وظيفة الروح القدس التعليمية كالأقنوم الثالث، فعقيدة إيرينيئوس سليمة وكاملة فهي واضحة في إلهام الأنبياء والرسل([20]).

غير أن إيرينيئوس يعود في مواضع أخرى ليثبت أن إلهام الأنبياء كان من عمل الكلمة سواء في العهد القديم أو الجديد([21]).

كذلك فإن الروح القدس هو الذي يضطلع بعمل استنارة لذهن الكنيسة بصورة مستمرة([22])، ويؤكِّد أنه في حضن الكنيسة فقط يمكن أن يستمتع المسيحي بنور الروح القدس، وأن الروح القدس ينطلق عمله في سري المعمودية والإفخارستيا([23]).

 

ترتليان (160-240م):

صوت مدوي يظهر مبكِّراً من شمال إفريقيا في نهاية القرن الثاني، يمثِّل تعبيراً حراً ومستقلاً، هو صوت ترتليان، وذلك في معرض كتاباته ضد الموحدين Monarchians وكان يمثلهم آنئذ براكسياس.

وترتليان يُحسب كواضع لأساس التعليم الجامعي بخصوص الانبثاق.

ولكن نجد في كتاباته ما يفيد تعبير الكنيسة الرومانية الآن: أن انبثاق الروح القدس هو من الآب والابن([24]).

كما نجد في مواضع أخرى بكل وضوح تعبيره الآخر وهو الأرثوذكسي السليم أن: [الروح القدس منبثق من الآب في الابن: Spiritum non aliunde pute quam a Patre per Filium.]([25])

كما يقول إن الروح القدس يأخذ دائماً من الابن، كما أن الابن يأخذ دائماً من الآب، وهكذا فإن الثلاثة متحدون معاً في حياة إلهية واحدة: [الآب في الابن والابن في البراكليت ثلاثة متحدون ...]

[Ita connexus patris in Filio et Filii in paracleto tres officit cohaerentes alterum ex altero]([36])

أمَّا في ما يختص بعمل الروح القدس، فيتكلَّم ترتليان عن يقين كجزء لا يتجزَّأ من الإيمان، إن الروح القدس أُرسل ليملأ مكان صعود المسيح، وذلك لكي يقدِّس الكنيسة. ففي المعمودية ينزل الروح القدس من السماء ويقدِّس الماء معطياً للماء قوة التقديس([26]).

ثم إن حضور الروح القدس يُستدعى بالإضافة إلى تقديسه الماء ليحل بوضع الأيادي الذي يتبع طقس العماد([27]).

 

كبريانوس († 258م):

يُعتبر كبريانوس أكبر تلاميذ ترتليان. وهو يذكر موضوع أقنوم الروح القدس عبوراً([28])، ولكنه يؤكِّد وحدة الأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس، أي توحيد الله هكذا:

De unitate Patris et Filii et spiritus sancti plebs adunata

[إن أفضل ذبيحة لدى الله هي سلامنا وتوافقنا الأخوي، (وظهور) وحدة الآب والابن والروح القدس في تآلف الشعب (المسيحي).]([29])

ولكن يركِّز كبريانوس كثيراً على علاقة الروح القدس بالكنيسة كجسد وكأفراد في الجسد، أمَّا ما يتبع هذا من نمو أو فقدان في النعمة فهذا يرجع في عقيدة كبريانوس، إلى سلوك الفرد.

وعن الروح القدس يقول: Totus infunditur se qualiter sumitur كله يُفاض بقدر ما يُقبل([30]).

ولكن لكي تكون المعمودية ذات مفعول يتحتَّم أن تُجرى بواسطة إنسان يكون هو نفسه يملك الروح القدس([31]).

والكنيسة الجامعة باعتبارها عروس المسيح الوحيدة هي وحدها التي لها القوة على ميلاد (تجديد) أولاد الله([32])، لأنها هي وحدها التي تملك ينابيع المياه الحية (يقصد التعاليم المحيية السليمة)([33]).

ويتبع كبريانوس خط ترتليان في تأكيده أن وضع الأيادي بعد المعمودية يكمل بالضرورة طقس المعمودية لإعطاء الروح القدس([34]). كذلك فإن كبريانوس يتبع خط ترتليان في كون الروح القدس هو مصدر الإلهام للأنبياء والرسل وكتابة الأسفار جميعاً([35]).

 

هيبوليتس([36]) (160-258م):

وإذ كان هيبوليتس أسقفاً على بورتس رومانو (ربما بعد رعاية إيرينيئوس لها فترة من الزمن)([37])، قيل إنه كان أول أساقفة روما ثم ضخَّموا الأسقفية - إن كانت هي أسقفية روما - فقالوا بابا روما!! وقد فرح مؤرِّخو اللاتين بهذا الإلتباس في النساخة وقالوا إنه فعلاً بابا روما لأنهم اكتشفوا أخيراً جدًّا أن كتاباته في تقليد الرسل عن الليتورجيا يطابق ليتورجية روما، ثم إذ لم يجدوا ما يبرهنون به على صحة تزييف نسبته لروما قالوا إن بورتس رومانو كانت قرية بجوار روما؛ وللأسف أثبتت السجلات أنه لم توجد قط أسقفية بجوار روما بهذا الاسم ولا وُجِدَ بابا لروما بهذا الاسم، ولمَّا اكتشفوا في آثار روما كرسيًّا حجرياً وتمثالاً لا يحمل اسم هيبوليتس وبدون ذكر أي لقب بابوي عليه ولكن وجد على ظهر الكرسي مؤلَّفات هيبوليتس اعتبروا هذا دليلاً على صدق امتلاكهم لشخصية هيبوليتس، وقالوا بلاتينيَّتهُ ونسبته لروما. والحقيقة إن هذا العالم إسكندري الجنس وكان أسقفاً على عدن كل أيام حياته. وبسبب صراعه ضد بابا روما، وتصحيحه لهراطقة اثنين من هؤلاء الباباوات وبما أنه كان أيضاً أسقفاً على مدينة تحت الولاية الرومانية، اعتبروه رومانياً. وكان صراعه هذا ضد هرطقة البابا زفرينوس (199-217م) والبابا كالليستوس (217-222م)، كما قاوم انحراف البابا فابيانوس. وإن تسمية مؤلَّفات هيبوليتس الليتورجية باسم “نظام الإسكندرية في الرسامات القبطية” منذ أقدم العصور لهو دليل كافٍ لتدعيم علاقة هيبوليتس بالإسكندرية وليس بروما.

أمَّا كل ما يعرفه تاريخ العقيدة والإيمان عن علاقة هيبوليتس بروما فهو مهاجمة هيبوليتس لهرطقة زفرينوس وكالليستوس وفابيانوس باباوات روما، حيث كانت روما في ذلك الوقت هي مرتع ومهد هرطقة المونوأرخيزم([38])، أي “منكري الثالوث” كما كتب أيضاً هيبوليتس ضد نوئيتس Noetus.

ولكن كتابات هيبوليتس عن الروح القدس جاءت قليلة، ولكنه أكَّد على لاهوت الروح القدس بوضوح حيث يقول:

[إنه يستحيل أن نمجِّد الله دون أن نتجه مباشرة إلى الاعتراف بكل أقنوم في الثالوث الأقدس. بواسطة هذا الثالوث يتمجَّد الآب].

[ونحن عن طريق تجسُّد الكلمة صرنا نعبد ونكرِّم (proskunoàmen) الروح القدس، كذلك فإنه يستحيل علينا أن نكوِّن فكرة عن الوحدة أو الوحدانية في الله إلاَّ بالإيمان بالآب والابن والروح القدس (كونهم في اتحاد مطلق).]([39])

وهيبوليتس يدحض فكرة خضوع الروح القدس للمسيح بقوله:

[إن الآب أخضع كل شيء للابن المتجسِّد ما خلا الآب والروح القدس.]([40])

ويهتم هيبوليتس بتحديد الصفة أو الوظيفة الخاصة للروح القدس في التدبير الإلهي بالإنارة أو الاستنارة هكذا:

لأن الآب هو الذي يأمر، والابن هو الذي يطيع، والروح القدس يوحِّد. لأن الآب أراد، والابن صنع، والروح أنار.]([41])

 

كما يقول هيبوليتس أيضاً إن الأنبياء يظهرون دائماً مؤيَّدين بروح النبوَّة ومكرَّمين من جهة الابن الكلمة ذاته([42])، وإن إلهامهم ينبع من قوة الآب:

 

ديونيسيوس الروماني (269م):

في احتجاجه ضد الذين انحرفوا نحو فصل الثلاثة أقانيم وضد مبادئ سابيليوس، أوضح ديونيسيوس الروماني عقيدته عن الروح القدس بالنسبة لعلاقته بأقنومي الآب والابن في الثالوث قائلاً إنه ينبغي أن لا نقسم الوحدة الإلهية القائمة في الثالوث إلى ثلاثة أقانيم منفصلة.

 

كنيسة الإسكندرية:

 

والآن نأتي إلى تعليم مدرسة الإسكندرية في ما يتعلَّق بالروح القدس:

 

كليمندس الإسكندري:

بالرغم من أن الكثير من مؤلفات كليمندس الإسكندري قد فُقدت، من بينها كتابان عن كل ما يتعلَّق بالتعاليم الخاصة بالروح القدس عن شخصه ومواهبه: الأول “عن النبوَّات”، والثاني “عن النفس”؛ غير أنه قد تبقَّى لنا أجزاء هامة قام بفحصها ونشرها العالِم كوتيلييه Cotelier، والتي يُظن أنها تتبع أحد هذين الكتابين المفقودين([42])، وتدور حول معنى الانبثاق بالنسبة للروح القدس:

[مبارك الإنسان الذي عرف عطية الآب من خلال انبثاق الروح كلي القدس.[43]

[مبارك الإنسان الذي عرف وتقبَّل الروح القدس الذي هو عطية الآب الذي منحه على هيأة حمامة، الروح الذي بلا شائبة عديم الغضب والمرارة، الكامل المنطلق من - قلب - (أعماق) الآب. ليدبر الدهور ويعلن غير المنظور، فهو الروح القدس الحق الآتي من الآب الذي هو قدرته وإرادته، المستعلن لتكميل ملء مجده. أمَّا الذين ينالونه فإنهم ينطبعون بطابع الحق بكمال النعمة.]([44])

وفي بقية أعمال كليمندس الإسكندري يعلن بوضوح لاهوت الروح القدس([45])، حيث ينتهي كتاب المعلِّم بدعاء النعمة لتمجيد الآب والابن مع الروح القدس، وهو يفرِّق بين وحدانية الروح القدس وبين تعدُّد مواهبه.

كذلك فإن كليمندس يعتبر أن حضور الروح القدس في المؤمنين يشكِّل نوعاً جديداً من الطبيعة البشرية.

كذلك فإنه يصف مواهب الروح القدس الإلهية أنها هي العطر الذكي المكوَّن من الروائح السمائية التي يمنحها المسيح لأحبائه([46]).

وكليمندس يقرن أحياناً بين الكلمة والروح حينما يتكلَّم عن إلهام الأنبياء([47]).

كذلك فإن كليمندس يؤكِّد على دور الروح القدس في إنارة الكنيسة بصورة مستمرة وكذلك الأفراد فيها([48]).

كما يضيف أن كل مَنْ يؤمن “بالكلمة” فإن نفسه تتحد بالروح القدس([49]).

والإنسان العارف بالله بالحقيقة true gnostic هو المؤمن حقـًّا والتلميذ بالفعل للروح القدس([50])، وهو بهذا يتمكَّن أن يسبر أعماق الكتاب المقدَّس ويطَّلع على أعماق المعنى المخفي فيها بالإضافة طبعاً إلى اتِّباعه التقليد في ما يخص قانون الإيمان([51]).

وكليمندس يشير إلى عمل الروح القدس في سلوك الكنيسة من نحو الماديات، ويربط بين أعمال الروح القدس وبين سر المعمودية فيقول:

[نحن المعمَّدين إذ قد تخلَّصنا من خطايانا التي كانت بمثابة ضباب يحجب نور الروح الإلهي، أصبحنا نملك عيناً روحية محرَّرة غير منطمسة ممتلئة نوراً، بها نحدِّق في الإلهيات، وصرنا منفتحين على خفايا الأسرار، والروح القدس ينسكب علينا من السماء.]([52])

ويشرح كليمندس التدرُّج من درجة الموعوظين التي فيها تقود التعاليم المبدئية إلى الإيمان، والإيمان حينما تلحق به المعمودية يتهيَّأ لقبول تعاليم الروح القدس.

أمَّا في ما يختص بالإفخارستيا وعلاقتها بالروح القدس فهو يشير إلى هذه العلاقة ولكن يذكر أيضاً الكلمة، ولا يتضح تماماً ما إذا كان التقديس يتم بالروح القدس أو بالكلمة.

 

أوريجــانوس:

كان أوريجانوس من بعد ترتليان أول مَنْ قام بمحاولة دراسة موضوع الروح القدس دراسة علمية.

وقد علَّم أوريجانوس بأن الروح القدس مساوٍ في الكرامة والمجد للآب والابن([53]).

وأول مَنْ أكَّد بيقين أن الروح القدس منبثق من الآب انبثاقاً أزلياً، حاله كحال الابن([54]).

وأن الروح القدس صالح صلاحاً كلياً ومطلقاً([55]).

وأن عمل الروح القدس المميَّز غير عمل الآب والابن، فهو يختص بنفوس المؤمنين([56]).

وأنه بالرغم من أن عطاياه متعدِّدة فجوهره واحد غير منقسم([57]).

وأن الروح القدس العامل في الأنبياء في العهد القديم هو هو نفسه العامل في العهد الجديد في القديسين، غير أنه بعد الصعود صارت إرساليته ممتدة وشاملة ومتسعة([58]).

والمؤمنون باشتراكهم في الروح القدس يصيرون روحيين وقديسين، والذي يشترك في الروح القدس يشترك في الثالوث، لأن الثالوث غير مفترق لأنه ليس هيولياً أي مادياً([59]).

والقدرة على استخلاص المعاني الروحية العميقة بالإلهام يرجع إلى كون الكتب المقدَّسة مكتوبة بإلهام الروح القدس([60]).

بل وإن كل حرف هو بمقتضى الحال يكشف عن أثر الحكمة الإلهية([61]).

 

وفي كتابات ديونيسيوس بابا الإسكندرية إلى سميِّه بابا روما توجد أقوال واضحة وتمنع أي مماحكة لأريوس الذي قال إنه يقتبس من ديونيسيوس الإسكندري - وقد أوردها القديس أثناسيوس في دفاعه عن البابا ديونيسيوس لإثبات صحة إيمانه.

[إن كل اسم من الأسماء الآب والابن والروح القدس غير منفصل قط عن ما يليه ... لذلك حينما يُذكر الروح القدس فإني في الحال أتذكَّر انبثاقه من الآب بواسطة الابن فإن طبيعة الآب ليست غريبة عن الابن ولا يمكن أن يفترق الابن عن الآب والروح القدس فيهما (في أيديهما).]([64])

 

ولا تخلو هذه الحقبة - نهاية القرن الثالث - من شاهد قوي لتقليد الكنيسة اللاهوتي بالنسبة لدرجة الروح القدس ولاهوته معاً، وهو ميثوديوس Methodius أسقف صور، الذي قال صراحة إن الروح القدس مساوي للآب في الجوهر ([65]).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- عن كتاب حقبة مضيئة في تاريخ الكنيسة، القديس اثناسيوس الرسولي، للاب متي المسكين.

 

([1]) Hahn, Bibliothek der Symbole, pp. 42,66; Geb. hardt, Patr., ap. opp. fasc. 1,2, p. 15 sq. 

([2]) Athanas., Discourse III against Arian, ch. XXV, p. 407. 

([3]) Athenagoras, Wisd. vii. 25; Legat. 10, 24; cited by D.C.B., p. 115. 

([4]) Iren., I., 23, 30. 

([5]) Iren., I. 2,4,5. 

([6]) Athanasius ad. Serap., 1:10. 

([7]) Neand., Ch. H., ii. 207; Epiph., Hear. 48, II sq. 

([8]) Origen, in Joann., II, 6. 

([9]) Hypolytus, IX. 12. 

([10]) Athanas., Or. C. Ar., iv. 25. 

([11]) Leontius, de sect 3; cited by D.C.B., p. 117. 

([12]) Irenaeus, ad. Haer. ii, 19. 9. 

([13]) Ibid., ii, 13, 5, 6. 

([14]) Ibid., ii, 28.6. 

([15]) Ibid., IV. 7. 4. 

([16]) Ibid., IV. 7. 8. 

([17]) Ibid., V. 12. 

([18]) Ibid., V. 36. 

([19]) Fragment, 36. 

([20]) Syr. Fragment., D.C.B., p. 117. 

([21]) Ibid., III, 24. 1. 

([22]) Ibid., IV, 7. 2; IV, 9, 1; IV, 20. 4; cited by D.C.B., p. 117. 

([23]) Ibid., III. 24. 1. 

([24]) Ibid., III, 17, 82 & fragment 38, cited by Neander, Hist. of Dogma, 1. 231. 

([25]) Tert., Against prax, 8. 

([26]) Ibid., 4. 

([27]) Ibid., 25. 

([28]) Tert., De Baptismo., 8. 

([29]) Cyprian, De Domin orat. 23. 

([30]) Ibid., 34. 

([31]) Cyprian, Epist. 69; 14. 

([32]) Ibid., 79: 9. 

([33]) Ibid., 75: 14. 

([34]) Ibid., 73: 11. 

([35]) Ibid., 73: 9. 

([36]) Westcott, Study of The Gospels, pp. 429. 

([37])وهو تلميذ إيرينيئوس، والمسمَّى في المخطوطات القبطية “أبوليدس”، شرقي المولد، إسكندري الجنس وقد نسب خطأ إلى روما وأُعطي خطأ لقب بابا روما في المخطوطات القبطية. وذلك الالتباس أصله كلمة “بورتس رومانو” وترجمتها الحرفية المرفأ الروماني، وهو مرفأ عدن الآن، وكانت المرفأ الروماني الهام في مدخل البحر الأحمر. وقد قرأها النساخ الأقباط بورتس = الأول (خطأ)، رومانو = الروماني، فقرأوها “الأول” في أساقفة روما، ثم بابا روما ومع أن كلمة بورتس هي مرفأ وليس بروتو = الأول وسيصدر الكاتب نبذة تاريخية مفصَّلة ومدعَّمة بالحقائق التاريخية عن هيبوليتس كأسقف عدن وأصالته كعالم قبطي إسكندري. 

([38]) انظر كتاب مخطوط مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة لابن كبر في ذكر كتاب اعتراف الآباء. 

([39]) Rev. Henry Barcly Swete, D. C. B., p. 118. 

([40]) Contra (Noetus 12-14), cited by D.C.B., p. 118. 

([41]) Ibid., 8. 

([42]) Ibid., 14 

([43]) Hypolytus, De Antichr. 2, cited by D.C.B., p. 118. 

([44]) Ibid., Contra Noetus, ii, 12. 

[45] D.C.B., p. 119 

([46]) D.C.B., p. 119. 

([47]) Clement of Alex., Paedagog., iii. 12. 

([48]) Paedagog., 11. 8. 

([49]) Westcott., Study of the Gospels, p. 435. 

([50]) Clement., Strom., V. 13. 

([51]) Ibid., II. 1-13. 

([52]) Strom., V. 24; Paed., 1. 6. 

([53]) Strom., VI. 15. 

([54]) Paedag., 1. 6. 

([55]) Paedag., ch. 2; ch. 47; cited by H.B. Swete, D.C.B., p. 119. 

([56]) Origen, Princ., 1; praef. 

([57]) Ibid., II. 2; ch. 1. 

([58]) Ibid., I. 2; ch. 3. 

([59]) Ibid., I. 3; ch. 5. 

([60]) Ibid., I. 1; ch. 3. 

([61]) Ibid., II. 7; ch. 1, 2 

([62]) Hieron., epp. ad. Avit., ad. Pamm., et Ocean; Epiph., Haer. IXIV. 8. 

([63]) Basil., De Sp. sanct, 29. 

([64]) Athanas., De sent Dionys., 17.. 

([65])Migne, Patr. Gr., XVIII 210, 351; cited by D.C.B., p. 120.


الوحدانية الإلهية والثالوث القدوس عند آباء ما قبل نيقية

 



3 - الاصطلاحان الحارسان لمفهوم الوحدة الإلهية

أولاً: “في الله” ثانياً: “من الله”

 

لقد أنشأ لقب “ابن الله” و“كلمة الله” للمسيح حتمية الدخول في معرفة الصلة الكيانية بين هذه الألقاب وبين طبيعة الله وذاته. والكتاب المقدَّس لم يترك هذا الموضوع دون أن يشير إليه في مواضع عديدة جدًّا، باصطلاحين يترددان دائماً، وهما: “في الله”، “من الله”.

 

أمَّا الاصطلاح الأول فيوضِّح في بساطة أن الرب بالرغم من ظهوره واستعلانه “كخارج من عند الآب” إلاَّ أنه قائم في وحدة الله غير منقسم أو منفصل عن هذه الوحدة ولا ممتد أو خارج عنها، بل قائم كبسيط في البسيط دون أي تركيب أو انقسام عددي في الله الواحد، لأن هذه هي صفة جوهر الله (فجوهر الله بسيط غير مركب من اجزاء).

 

وهذا المعنى العميق الرائع يوضِّحه القديس أثناسيوس في بساطة واختصار إعجازي هكذا:

[الابن والكلمة من الله وفي الله، كلٌّ منهما يتضمَّن الآخر، فإذا لم يكن هو “ابن” فهو ليس “كلمة”، وإذا لم يكن “كلمة” فهو ليس “ابناً”.]([1])

[فكيان الابن لأنه “من الآب” لذلك فهو “في الآب”.]([2])

 

لذلك وبهذين الاصطلاحين “من الله” و“في الله” استطاع الآباء أن يوازنوا بين “لاهوت المسيح” و“وحدانية الله”، وخاصة في دفاعهم ضد الوثنيين، لرفع أي التباس من جهة تعدد الآلهة بسبب القيام الذاتي للآب والابن معاً في الثالوث.

 

وإليك دفاع أثيناغوراس في هذا الشأن:

[لا يسخر أحد من القول بأن الله له ابن، لأنه ليست لنا مثل تلك الأفكار التي لدى شعرائكم، في الميثولوجيات، التي لا تجعل الآلهة أفضل من البشر في شيء، ولكن “ابن الله” هو “كلمة الآب”، وهو كخالق إنما يجمع بين الفكر والقوة. فالآب والابن واحد، فالابن كائن “في الآب” والآب كائن “في الابن”، في الوحدانية والقوة بالروح. فابن الله هو فكر وكلمة الآب.]([3])

 

وهكذا حينما بلغ الآباء في دفاعهم إلى يقين لاهوت الابن، عادوا في الحال ليحموا وحدانية الله من أي شائبة مادية تجنح بالفكر إلى التقسيم والتفريق في اللاهوت. ومن الناحية المقابلة ليتحفَّظوا من خطر الفكر الوثني الذي يحاول الفصل بين الابن والروح من الآب ليصنع من الثالوث تعدُّد آلهة.

 

ولهذا استخدم الآباء كلاًّ من الاصطلاحين “في الله” و“من الله” بالتتابع، للحفاظ على تساوي اللاهوت في الثالوث من جهة، ومن جهة أخرى للتأكيد على وحدانية الله المطلقة ذاتاً وكياناً.

 

أولاً: في الله:

 

من واقع إعلان الكتاب المقدَّس الذي ينبغي أن يُقبل دون أي مناقشة، أن الابن والروح القدس هما “في الله الواحد”، والله الواحد فيهما، لا مجرَّد الوجود الكياني بل الوجود الحي الفعَّال، لتكميل صفات الذات الإلهية الواحدة: أبوَّة وبنوَّة وروحانية، ثلاث صفات جوهرية مشخَّصة.

 

ويوضِّح الرب نفسه أن “الابن في الآب والآب في الابن” (انظر: يو 11:14)، «والآب الحال (الساكن) فيَّ» (يو 10:14)، «الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب.» (يو 18:1)

 

هذه الآيات تعبِّر عن نوع وجود “الابن في الآب”، فهو ليس وجوداً مجرَّداً بل وجوداً مشخَّصاً حيًّا فعَّالاً متبادل العلاقات الكاملة الذاتية التي تقوم بين البنوَّة والأبوَّة، لتكمُل الأبوَّة في البنوَّة وتكمُل البنوَّة في الأبوَّة، وتنتهي إلى كمال “الذات الإلهية” من حيث كونها مصدر كل “أبوَّة” في السماء والأرض «الذي منه تسمَّى كل أُبوَّة (عشيرة) في السموات وعلى الأرض.» (أف 15:3)

 

ولكي يزيد الكتاب توضيحاً لمدى شدة وعمق العلاقة القائمة بين الآب والابن في الروح القدس، أعطى المثل على مستوى إدراكنا، من إحساسنا ومشاعرنا: «الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله لأن مَنْ مِنَ الناس يعرف أمور الإنسان إلاَّ روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها إلاَّ روح الله.» (1كو 10:2و11)

 

هذا الوجود المتبادل في الأقانيم (الثالوث) مع بقائهم في غير انفصال، أي في وحدة ذاتية كاملة، يعبَّر عنه في اللاهوت باصطلاح “الاحتواء”، وهي كلمة مشتقة من الأصل التي تفيد “التحرُّك والاحتواء” معاً. ويقابلها في الإنجليزية Coinherence، وتفيد أن الأقانيم تحتوي أو “ترتاح” في بعضها البعض، وهنا كلمة “الارتياح” تفيد نفس الكلام الذي سبق وقلناه أن وجود الأقانيم في بعضها ليس كمجرد تواجد بل هو “إرتياح” أي انسجام مطلق، وهذا الانسجام المطلق هو التساوي المطلق، ومن هنا تبرز معنى “الوحدة” ومعنى الانقسام أو الانفصال في الأقانيم بالرغم من تمايز كل منها في عمله. فالتعبير هنا ليس فلسفة بل واقع لاهوتي حي.

 

فالثالوث متواجد معاً ودائماً في كل من الأقانيم بدون انقسام أو انفصال.

 

وقد استخدم القديس أثناسيوس هذا الاصطلاح ضد الأريوسيين كتقليد كنسي وصل إليه بالتسليم([4])، وقد سبقه في استخدام هذا الاصطلاح ديونيسيوس بابا روما: [لأنه يتحتَّم أن يكون “الكلمة” الإلهي متحداً مع إله الكون كما يتحتَّم أن يرتاح الروح القدس ويسكن في الله.]([5])

 

وقد سبق ديونيسيوس في توضيح هذا المعنى أثيناغوراس:

[نؤمن بالله الآب والله الابن وبالروح القدس، ونعلن قوتهم في الوحدانية وتمايزهم في الترتيب، فالابن في الآب والآب في الابن بالروح القدس العامل في الوحدة والقوة.]([6])

 

وهكذا نرى أن الآباء منذ البدء كانوا مهتمين جدًّا بالتأكيد على هذا الاصطلاح أو على ما يفيد معناه لإثبات الوحدانية في الثالوث بحسب ما جاء في الكتاب المقدَّس. بل وحرصوا جدًّا أن تكون الخاتمة التي يختمون بها عظاتهم وتآليفهم، أي الذُكصا، تحتوي على هذا المعنى أي التمايز الأقنومي في وحدة الإله الواحد. فنسمع كليمندس الإسكندري في خاتمة كتابه عن المعلِّم هكذا:

[وإلى الواحد الوحيد، الآب والابن، والابن والآب، الابن قائدنا ومعلِّمنا، مع الروح القدس أيضاً واحداً في الكل والكل في الواحد ... له المجد إلخ.]([7])

 

وهكذا كانت الإسكندرية منذ البدء صاحبة هذا التقليد بالتسليم الرسولي.

 

وقد كان هذا الاصطلاح الراسخ في اللاهوت الآبائي، أي ارتفاق الثالوث وتساويه المطلق في الله الواحد، هو القوة العظمى التي كانت كسلاح في يد أثناسيوس في دفاعه ضد الأريوسية. وإليك نموذجاً رائعاً لدفاعه.

[لأنه حيثما ذُكر الآب ذُكر ضمناً كلمته والروح القدس الذي هو في الابن، وإذا ذُكر الابن فإن الآب في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة، لأن من الآب نعمة واحدة تتم بالابن في الروح القدس. وهناك طبيعة إلهية واحدة وإله واحد «على الكل وبالكل وفي الكل» (أف 6:4).]([8])

[وإن كانت توجد في الثالوث المقدس المساواة وهذا الاتحاد فمن الذي يستطيع أن يفصل الابن عن الآب أو يفصل الروح القدس عن الابن أو عن الآب نفسه؟]([9])

[لنتأمَّل في تقليد الكنيسة الجامعة وتعاليمها وإيمانها منذ البدء التي أعطاها الرب وكرز بها الرسل وحفظها الآباء. على هذه تأسَّست الكنيسة، ومَنْ يسقط منها لا يُعتبر مسيحياً. إن هناك ثالوثاً مقدَّساً وكاملاً ومعتَرفاً به أنه الله الآب والابن والروح القدس، لا يتكوَّن من واحد يخلق وآخر يبدع بل الكل يخلقون، وهو متماثل (متساوي)، وفي الطبيعة غير قابل للتجزئة، ونشاطه واحد. الآب يعمل كل الأشياء بالكلمة في الروح القدس وهكذا تُحفظ الوحدة في الثالوث المقدَّس، وهكذا يُنادى بإله واحد في الكنيسة «الذي على الكل، وبالكل، وفي الكل» (هنا الكل يعني الثالوث) “فعلى” الكل كآب، “وبالكل” أي بالكلمة “وفي” الكل أي في الروح القدس، هو ثالوث ليس فقط بالاسم وبالكلام بل بالحق والفعل، لأنه كما أن الآب واحد وإله على الكل هكذا أيضاً كلمته واحد وإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود فعلي بل هو كائن وله وجود فعلي.]([10])

[لأن كل ما للآب هو للابن أيضاً. إذن فتلك التي تُمنح من الابن في الروح القدس هي مواهب الآب، وعندما يكون الروح القدس فينا يكون أيضاً فينا الكلمة الذي يمنح الروح القدس والآب الذي هو في الكلمة. وهذا يتفق مع ما قيل «إليه نأتي أنا والآب وعنده نصنع منزلاً» (قارن: يو 23:14). لأنه حيث وُجد النور وُجد أيضاً شعاعه، وحيث وُجد الشعاع وُجد أيضاً نشاطه، ووجِدَت نعمته الخالقة.]([11])

 

ثانياً: من الله:

 

وهذا الاصطلاح الإنجيلي والمتكرِّر في كل أسفار العهد الجديد، اتخذه الآباء في شرح علاقة الابن والروح القدس بالآب، أي أنهما “من الآب”، للحفاظ على وحدة الأصل أو السلطان أو الملوكية في الثالوث. ومن ذلك تكوَّنت عقيدة Monarchia عند الآباء لحراسة مفهوم “وحدانية الله” ضد أي انحراف في مفهوم الثالوث ناحية الوثنية وتعدُّد الآلهة أو تعدُّد الأصول في الفلسفة. فكما يقول أثناسيوس سابقاً: [حيثما ذُكر الآب ذُكر ضمناً كلمته والروح القدس]، وهذا يُعتبر مفتاح فهم الثالوث وفهم لغة الكتاب المقدَّس من جهة الآب والابن والروح القدس.

 

فمثلاً نقرأ أن الآب هو “الإله وحده”، ثم يذكر بعد ذلك اسم الرب يسوع المسيح «وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته» (يو 3:17) حيث يقع هنا اسم يسوع المسيح موقع التكميل للتوضيح حسب عادة الكتاب المقدَّس في تفسير المعاني الصعبة. فالآب هو الإله الحقيقي الوحيد مع ابنه يسوع المسيح الذي أرسله لإعلان أبوَّته ووحدانيته والحق الإلهي الذي فيه.

 

وفي هذا يقول أثناسيوس:

[فإن كان الآب يسمَّى “الإله الحقيقي الوحيد” فهذا قيل ليس بغرض نفي حقيقة المسيح الذي قال عن نفسه: “أنا الحق”، ولكن بقصد إقصاء (الآلهة) التي ليست هي “الحق” عن الآب وكلمته اللذين هما الحق. ومن أجل هذا فإن الرب أضاف حالاً: «ويسوع المسيح الذي أرسلته» ... وهكذا بإضافة نفسه إلى الآب أوضح أنه من جوهر الآب، وأعطانا أن نعرف أنه من الآب الحقيقي كابن حقيقي، ويوحنا نفسه كما تعلَّم (من الوحي في الإنجيل) هكذا كان يعلِّم (بالروح) في رسالته «ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية» (1يو 20:5).]

 

ولهذا يشرح الآباء العلاقة السرية بين لاهوت الابن ولاهوت الآب أنه: [نور من نور، إله حق من إله حق]. فهنا ذِكرُ الواحد يشمل الآخر بالضرورة الحتمية. لأنه ليس منه فقط بل وفيه! وهذا في نفس الوقت لا ينفي التميُّز كما يقول هيبوليتس:

[حينما أقول أن الابن متميِّز عن الآب، فأنا لا أتكلَّم عن إلهين ولكن كنور من نور وكنهر من نبع وكشعاع من الشمس.]([12])

 

كما ويتضح هذا مرَّة أخرى في رسالة بولس الرسول الأُولى إلى تيموثاوس حينما يصف الله الآب هكذا: «وملك الدهور الذي لا يفنى ولا يُرى الإله الحكيم وحده له الكرامة والمجد» (1تي 17:1)، هنا يقول الكتاب إن الله هو «الإله الحكيم وحده» ولكن معروف أن المسيح الكلمة هو «حكمة الله»، فالله لا يمكن أن ينفصل عن حكمته. فإن كان الله يُدعى «الحكيم وحده»، فهو واحد مع حكمته أي هو والمسيح الكلمة الإله الواحد الحكيم.

 

وعلى هذا الأساس من مفهوم الـ Monarchia، سجل الآباء مطلع قانون الإيمان الرسولي النيقاوي الذي لم يكن إلاَّ تسجيلاً لتقليد الرسل، هكذا:

[نؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل ... خالق السماء والأرض ما يُرى وما لا يُرى، نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب،

نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب.]

 

هنا الله الآب أُعطى صفة “الإله الواحد”، ثم ذُكر الابن والروح القدس في صميم الإله الواحد (منه وفيه) كمكمِّلين للثالوث المتساوي، فالإله يشمل الآب والابن والروح القدس.

هذا التفسير قديم جدًّا في الكنيسة، وهو تقليد محفوظ، ونقرأه لترتليان:

[إنه من الخطأ أن نتصوَّر أن العدد والترتيب في (ذكر) الثالوث هو انقسام في وحدانيته أو أن الوحدة تنفي الثالوث.]([13])

[إن تنازل الثالوث ابتداءً من الآب باتصال وثيق على درجات يتفق مع ألـ Monarchia أي وحدة الأصل وفي نفس الوقت يحمي التدبير.]([14])

 

ويوضِّح البابا ديونيسيوس الإسكندري هذه الحقيقة في اختصار شديد هكذا:

[نحن نمتد بالوحدة غير المنقسمة إلى الثالوث، ثم نركِّز على الثالوث غير المفترق لنبلغ الوحدة.]([15])

 

ومن هذا يتضح أنه يستحيل أن نعبد أحد الأقانيم الإلهية دون أن نعبد الكل معاً، وحينما نصلِّي إلى الآب فنحن نتقدَّم إلى حضرته السرية الفائقة في شخص ابنه وفي الروح القدس، كما تعوَّدنا دائماً أن نبدأ الصلاة أو نختمها في اسم الثالوث المتحد.

 

وهكذا وجدنا أن مبدأ “وحدة الأصل مونأرخيا Monarchia” بدأ كعقيدة أرثوذكسية للحفاظ على حقيقة الوحدة في الثالوث. وسارت كتقليد مبكِّر جدًّا في الكنيسة، ولكن سرعان ما اختطفها الهراطقة من فم آباء الكنيسة ليستخدموها ضد العقيدة والإيمان كله. كما يقول ترتليان:

[إن الشيطان الذي ينافس ويناقض الحق بكل الطرق جعل نفسه بطلاً على أساس عقيدة أن الله واحد حتى يصنع أكبر هرطقة من كلمة “واحد”.]([16])

 

لقد تصَّوروا أن عقيدة لاهوت المسيح لا يمكن توافقها مع الإيمان بوحدة الله، أي أنها تتعارض مع الإيمان “بالله الواحد”. وهكذا تجمع كثير من الهراطقة الذين كانوا مختلفين في كل شيء ليتفقوا ويتحدوا في شيء واحد ضد الثالوث، وهو المناداة بوحدة الله ضد لاهوت المسيح. وفي هذا يقول ترتليان أيضاً:

[هؤلاء السذج، إن لم نَقُلْ - قصيرو البصر والجهلاء - الذين يكوِّنون السواد الأعظم من المؤمنين الذين بواسطة قانون الإيمان الرسولي عادوا من عبادة آلهة العالم الوثني إلى عبادة الله الحقيقي غير عالمين أن الإيمان بوحدانية الله إنما هو على أساس تدبيره المتعدِّد (أي الثلاثي: الخلقة، الفداء، التقديس). ولكن هؤلاء بسبب قصورهم يظهرون كخائفين من هذا التدبير الإلهي عينه، ويقولون عنَّا إننا نعبد ثلاثة آلهة، أمَّا هم ففي نظر أنفسهم يعبدون إلهاً واحداً ولذلك يقولون إنهم متمسِّكون بشدة بالمونأرخيا = الوحدانية.]([17])

 

ومن ضمن الذين وقعوا في هذه المونأرخيا (الوحدانية) الصورية زفرينوس بابا روما، على أساس تخوُّفه من عبادة ثلاثة آلهة، ولذلك يقول عنه هيبوليتس:

[رجل جاهل غير مدرَّب على فهم اصطلاحات الكنيسة.]([18])

 

ويعود أوريجانوس يصف هذه الهرطقة هكذا:

[هذه البدعة التي أقلقت إيمان الكثيرين الذين يفتخرون بتعبُّدهم لله (الواحد) لأنهم كانوا قلقين وحذرين من عبادة إلهين.]([19])

 

وهكذا أطلقت الكنيسة على هؤلاء الذين انحرفوا بمفهوم المونأرخيا (الوحدة) اسم المونأرخيين (الموحِّدين). وظلت الكنيسة على مدى القرن الثالث توضِّح إيمانها بلاهوت المسيح على أساس وحدانية الله.

 

أمَّا هؤلاء المونأرخيون فنصفهم الأول كان ينكر لاهوت المسيح جملة وتفصيلاً، والنصف الآخر كان يعتبر المسيح مجرَّد قوة أو صفة مُنحت له من الله؛ وذلك لكي يدافعوا عن وحدانية الله.

 

أمَّا النصف الأول فلم يعطوا المسيح شخصية إلهية مستقلة، وهم براكسياس ونوئيتوس وكالليستس (بابا روما) وبيرللوس (أسقف بوسطرة ببلاد العرب)، وعلى رأسهم سابيليوس الذي يُظن أنه ليبي الأصل([20]) وكان متضلِّعاً في اللاتينية.

 

أمَّا النصف الثاني فهو ألوجي وثيئودوتس وأرتمون وعلى رأسهم بولس الساموساطي.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن كتاب حقبة مضيئة في تاريخ الكنيسة، للأب متى المسكين 

([1]) Athanas., Orat. IV. 24. 

([2]) Ibid., III. 3. 

([3]) Newman, op. cit., p. 172. 

([4]) Athanas., Or., C., Ar., II, 33, 41, III, 1-6. 

([5]) Deonysios of Rome, De Decretis, ch. 26; Beth. Bax., op. cit., p. 226. 

([6]) Athenagoras, Leg., 12, Leg. 10. 

([7]) Clement of Alex., Instruct. 

([8]) Athanas. to Serap., I:14. 

([9]) Ibid., I.20. 

([10]) Ibid. I.28 

([11]) Athamas., to Serap., I.30. 

([12]) Newman op. cit., 178. 

([13]) Newman op. cit., p. 176. 

([14]) Ibid. 

([15]) Athanas., ap. Dion. adv. Prax. 1 cited by Beth. Bax. p. 96. 

([16]) Tertulian, adv, Prax., 1, cited by Beth. Back., p. 96. 

([17]) Tertullian, adv. Prax., 3, cited by Beth. Back., p. 97. 

([18]) Beth. Back., op. cit., p. 97. 

([19]) Ibid., Origen, on John 2:2. 

([20]) Cross, Dict., of Chr. Church., p. 1197.