الخميس، 12 مارس 2026

الحجة الكونية كدليل على وجود الله عند الفلاسفة، د عبد الرحمن بدوي

 

 


2 - الحجة الكونية

والأدق أن نقول الحجج الكونية لأنها على أنواع، أشهرها ثلاثة:

أ - حجة الحركة والمحرك الأول.

ب - حجة الممكن والواجب.

ج - حجة العلية والعلية الأولى.

فلنأخذ في بيانها بإيجاز:

أ - حجة الحركة والمحرك الأول

ويحسن بنا أن نورد أولاً تلخيص هذه الحجة كما وضعه ابن رشد (المتوفى سنة 595 هـ):

« تبين في العلم الطبيعي أن كل متحرك فله محرك، وأن المتحرك إنما يتحرك من جهة ما هو بالقوة، والمحرك يُحرّك من جهة ما هو بالفعل. وأن المحرك إذا حرك تارة ولم يحرك أخرى فهو محرك بوجه ما، إذ توجد فيه القوة على التحريك حين ما لا يحرك. ولذلك، متى أنزلنا هذا المحرك الأقصى للعالم محركاً تارة، ولا يحرك أخرى، لزم ضرورة أن يكون هناك محرك أقدم منه، فلا يكون هو المحرك الأول. فإن فرضنا أيضاً هذا الثاني يحرك تارة، ولا يحرك أخرى، لزم فيه ما يلزم في الأول. فباضطرار: إما أن يمرّ ذلك إلى غير نهاية، أو تنتهي إلى ههنا محركاً لا يتحرك أصلاً، ولا من شأنه أن يتحرك لا بالذات ولا بالعرض. وإذا كان كذلك، فهذا المحرك أزلي ضرورة ».[1]

وصاغها القديس توما الأكويني (1225 - 1274) كما يلي:

« من البين كما يشهد بذلك الحسّ، أن بعض الأشياء في العالم متحركة. وكل ما هو متحرك فهو متحرك بغيره. ومن المستحيل أن يكون للموجود محركاً ومتحركاً بنفس الطريقة ومن نفس الاعتبار، أعني أن يحرك ذاته وأن ينتقل بذاته من القوة إلى الفعل. وإذن فإن كان الشيء متحركاً، فيجب أن نقول إنه متحرك بغيره. فإذا حدث بعد ذلك أن تحرك الشيء المتحرك بدوره، فلابد أن يكون متحركاً بغيره، وهذا الأخير بآخر أيضاً. لكن لا يمكن السير إلى غير نهاية، لأنه لن يكون ثم حينئذ محرك أول، وسينتج من ذلك أيضاً أنه لن يكون ثم محركون آخرون (أو محركات أخرى)، لأن المحركات الوسطى لا تُحرّك إلا إذا حركها المحرك الأول، مثل العصا لا تُحرّك إلا إذا حركتها اليد. فمن الضروري إذن الوصول إلى محرك أول لا يُحرّكه محرك آخر. وهذا المحرك الأول هو الله ».[2]

وكلتا الصيغتين لهذه الحجة ترجع إلى أرسطو[3] (راجع كتابنا عنه). وينبغي أن تفهم الحركة هنا بكل معانيها: حركة النقلة، حركة الكون والفساد، حركة الاستحالة، وحركة النمو والنقصان، فهي التغير بوجه عام.

 

ب - حجة الممكن والواجب

أول من قال بها الفارابي، وعنه أخذها ابن سينا، فصاغها في كتاب «النجاة» هكذا:

« لا شك أن هنا وجوداً، وكل وجود فإما واجب، وإما ممكن. فإن كان واجباً، فقد صح وجود الواجب - وهو المطلوب. وإن كان ممكناً، فإنا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود.

وقبل ذلك فإنا نقدم مقدمات: فمن ذلك أنه لا يمكن أن يكون، في زمان واحد، لكل ممكن الذات علل ممكنة الذات بلا نهاية، وذلك لأن جميعها إما أن يكون موجوداً معاً، وإما أن لا يكون موجوداً معاً. فإن لم يكن موجوداً معاً غير المتناهي في زمان واحد، ولكن واحد قبل الآخر، فليؤخر الكلام في هذا. وإما أن يكون موجوداً معاً، ولا واجب وجود منه: فلا يخلو إما أن تكون الجملة، بما هي تلك الجملة، سواء كانت متناهية أو غير متناهية - واجبة الوجود بذاتها، أو ممكنة الوجود. فإن كانت واجبة الوجود بذاتها، وكل واحد منها ممكن، يكون الواجب الوجود متقدماً بممكنات الوجود - هذا خلف. وإن كانت ممكنة الوجود بذاتها فالجملة محتاجة في الوجود إلى مفيد الوجود، فإما أن يكون خارجاً عنها، أو داخلاً فيها. فإن كان داخلاً فيها: فإما أن يكون واحد منها واجب الوجود، وكان كل واحد منها ممكن الوجود - هذا خلف. وإما أن يكون ممكن الوجود، فيكون هو علة لوجود الجملة، وعلة الجملة علة أولاً لوجود أجزائها، ومنها هو - فهو علة لوجود نفسه. وهذا - مع استحالته - إن صح فهو من وجه ما نفس المطلوب: فإن كل شيء يكون كافياً في أن يوجد ذاته فهو واجب الوجود. وكان ليس واجب الوجود. هذا خلف.

فبقي أن يكون خارجاً عنها، ولا يمكن أن يكون علة ممكنة، فإنا جمعنا كل علة ممكنة الوجود في هذه الجملة. فهي إذن خارجة عنها، وواجبة الوجود بذاتها.

فقد انتهت الممكنات إلى علة واجبة الوجود. فليس لكل ممكن علة ممكنة بلا نهاية ».[4]

أما القديس توما الأكويني فيقول في هذا البرهان:

يوجد أشياء تتكون وتفسد، وتبعاً لذلك يمكن أن توجد أو لا توجد. لكن من المستحيل أن توجد كل الأشياء التي من هذا النوع دائماً، لأنه حين يكون من الممكن ألا يوجد شيء ما، فإنه في وقت ما لا يوجد هذا الشيء بالفعل. فإذا كان من الممكن لكل الأشياء ألا توجد، فإنه في وقت ما لم يكن يوجد أي شيء على الإطلاق. ولكن إذا كان هذا صحيحاً، فإنه حتى الآن لا يوجد شيء، لأن ما لا يوجد لا يبدأ في الوجود إلا بواسطة شيء موجود بالفعل. وإذن، لو لم يكن يوجد شيء، لكان من المستحيل أن يبدأ شيء في الوجود، ولما كان يوجد شيء الآن أيضاً - وهذا واضح البطلان. وإذن فليست كل الموجودات ممكنة، بل لا بد من وجود كائن واجب الضرورة. وهذا الكائن الواجب إما أن تكون علة ضرورته مستمدة من خارج، أو لا تكون. وكما هو الحال في العلل الفاعلة، لا يمكن السير إلى غير نهاية في الكائنات الضرورية التي لها علة لضرورتها. وإذن فلا بد من التسليم بوجود كائن هو واجب بذاته، ولا يستمد ضرورة وجوده من غيره، بل هو العلة في ضرورة وجود الكائنات الأخرى. وهذا ما نطلقه عليه اسم الله.[5]

ويقوم هذا البرهان على مقدمتين هما أساساه: الأولى أن الممكن Contingent يمكن أن يكون وألاّ يكون، بعكس الواجب وهو ما لا يمكن ألا يكون. والثانية أن الممكن لا يستمد وجوده من ذاته، أي من ماهيته، بل من علة فاعلية هي التي تمده بالوجود. وهذا بدوره يفترض أمرين: الأول أن الوجود يتميز من الماهية ويضاف إليها؛ والثاني أنه لا يمكن الصعود في سلسلة العلل الفاعلية إلى غير نهاية.

 

جـ - حجة العلّية والعلة الأولى

وهي قريبة الشبه من الحجة السابقة. وترجع إلى أرسطو[6] في إبطاله للتسلسل إلى غير نهاية في سلسلة العلل بأنواعها الأربعة: المادية، والصورية، والفاعلية، والغائية.

وخلاصتها كما يعرضها القديس توما:

إننا لو نظرنا في المحسوسات لوجدنا فيها نظاماً من العلل الفاعلية. كذلك نلاحظ أننا لا نعثر على موجود هو علة غائية لذاته. ولما كانت العلة بالضرورة سابقة على المعلول، فإن الموجود الذي سيكون علة ذاته يجب أن يسبق ذاته، وهذا مستحيل. ثم إنه من المستحيل الصعود إلى غير نهاية في سلسلة العلل الفاعلية المرتبة. فكما هي الحال في العلل المحركة وأنها مرتبة بحيث أن الأولى علة محركة للثانية، والثانية للثالثة، وهكذا، فكذلك الحال في العلل الفاعلية: كل واحدة منها علة في التي بعدها، وهكذا، وسواء أكانت العلل الوسطى التي تفصل العلة الأولى عن الأخيرة واحدة أم كثيرة. وفي كلتا الحالتين، وأياً ما كان عدد العلل الفاعلية الوسطى، فإن العلة الأولى هي العلة في آخر معلول، حتى إننا لو ألغينا العلة الأولى، فلن يكون ثمة علل وسطى ولا علة أخيرة ولا معلول أخير. لكننا نلاحظ أن في العالم عللاً وسطى ومعلولات. فمن الواجب إذن الاقرار بوجود علة أولى هي التي يسميها الناس جميعاً باسم: الله.[7]

وكما هو واضح هنا، يقوم البرهان على أساس استحالة التسلسل إلى غير نهاية في سلسلة مرتبة من العلل والمعلولات، وضرورة التوقف عند علة أولى، هي علة العلل.

ونقد هذه الحجج الكونية تشعب جداً، فلا مجال لعرضه في هذا الكتاب.


بدوي، عبد الرحمن. مدخل جديد إلى الفلسفة. بيروت: دار القلم. القسم الثالث: الإلهيات، الفصلان الأول والثاني، ص 211–232.


[1] ابن رشد: « تلخيص ما بعد الطبيعة »، ص 124، تحقيق د. عثمان أمين، القاهرة سنة 1958.

[2] St. Thomas d'Aquin: Summa theologica, I a, q. 2, art. 3.

[3] أرسطو: « الطبيعة » المقالة الثامنة، الفصل الخامس، ص 311 أ س 4 وما يلو؛ « ما بعد الطبيعة »، المقالة الثانية عشرة، الفصل السادس، ص 1071 ب س 3 وما يليه.

[4] ابن سينا: « النجاة » ص 235، القاهرة، طبعة محي الدين صبري الكردي، ط 2 سنة 1938.

[5] St. Thomas d'Aquin: Summa theologica, I a, q. 2, art. 3

وراجع جيلسون : «التوماوية» ط ٦ ص ٨٠ - ٨١. باريس، فران، سنة ١٩٦٥.

[6] أرسطو : «ما بعد الطبيعة» المقالة الثانية، الفصل الثاني ص ٩٩٤ أ س.

[7] St. Thomas : Sum. theol., I, 2, 3, ad resp.

وراجع جيلسون: «التومادية» ط ٦ ص ٧٧؛ باريس، فران، سنة ١٩٦٥.


الحجة الوجودية كدليل على وجود الله في الفلسفة، د. عبد الرحمن بدوي

 


البراهين على وجود الله

أول هذه الموضوعات، وأهمها، مسألة البراهين على وجود الله. ومحاولة البرهان على وجود الله برهاناً عقلياً قديمة، بدأت في صورتها المنطقية المحكمة عند أرسطو أي برهانه على المحرك الأول، ثم تعاقب الفلاسفة، خصوصاً في العصور الوسطى الإسلامية والمسيحية على السواء، فأولوا هذه المسألة عناية بالغة. ولما كنا قد عرضنا لهذه البراهين تفصيلاً وبحثنا في كتبنا المختلفة في تاريخ الفلسفة: «أرسطو» (القاهرة، ط1 سنة 1943)، و«فلسفة العصور الوسطى» (القاهرة، ط1 سنة 1960)، و«تاريخ الفلسفة في الإسلام» (بالفرنسية في جزئين، باريس سنة 1972) فإننا نقتصر هاهنا على المعالم العامة لهذه البراهين، محيلين طالب المزيد في هذا الباب إلى هذه الكتب.

وأشهر هذه البراهين أو الحجج:

1- الحجة الوجودية.

2- الحجة الكونية.

3- الحجة الغائية.

4- الحجة الأخلاقية.

فلنأخذ في عرض كل واحدة منها بإيجاز:

 

1- الحجة الوجودية Preuve ontologique

الواضع الأول لهذه الحجة في صورتها المنطقية المتصلة هو القديس أنسلم (1033 - 1109). وعنه أخذها القديس بونا فنتورا (1221 - 1274)، ثم ديكارت (1596 - 1650) وليبنتس (1646 - 1716)، وهيجل (1770 - 1831).

وقد فندها في عصر أنسلم راهب يدعى جونيلون، كما فندها القديس توما الأكويني (1225 - 1274)، ثم أمانويل كانت (1724 - 1804).

ولقد صرّح أنسلم بأنه لا يريد من ورائها إقناع غير المؤمن بوجود الله بأن الله موجود، بل أراد أن يتعمق مضمون إيمانه:

«ذلك لأني لا أعقل لأؤمن، بل أؤمن لأعقل Credo ut intelligam».

ولهذا تستند حجته إلى أمرين:

1- عبارة وردت في سفر المزامير من الكتاب المقدس.

2- أن الوجود في العقل هو وجود حقاً وفعلاً.

أما عبارة «المزامير» (المزمور 13، عبارة 1) فتقول: «يقول الجاهل في قلبه: لا إله». ويعلق أنسلم عليها قائلاً:

«لكن من المؤكد أن هذا الجاهل حين يسمع قولي: «شيء لا يمكن تصور أعظم منه» يفهم ما يسمع - وما يفهمه موجود في عقله، حتى لو لم يفهم أن هذا الشيء موجود. لكن الشيء الذي لا يمكن تصور أعظم منه، لا يمكن ألا يوجد إلا في العقل فقط. لأنه إذا كان موجوداً في العقل فقط، فمن الممكن أن يتصور أنه موجود في الواقع أيضاً، وهذا سيكون أعظم. وإذن فإذا كان «ما لا يمكن تصور أعظم منه موجوداً في العقل فقط، فإن «ما لا يمكن تصور أعظم منه» سيكون شيئاً يمكن تصور أعظم منه، - وهذا مستحيل طبعاً. فيوجد إذن، من غير شك، شيء لا يمكن تصور أعظم منه موجود في العقل وفي الواقع معاً. وهو موجود حقاً بحيث لا يمكن تصور عدم وجوده».[1]

وخلاصة هذه الحجة هي أن «ما لا يمكن تصور أكمل منه» لا بد أن يكون موجوداً في الواقع، وليس في الذهن فحسب؛ وإلا لو كان موجوداً في الذهن فحسب، لأمكن تصوره موجوداً في الواقع أيضاً، فلا يكون التصور الأول صحيحاً إذ هناك تصور أكمل منه، بل سيكون تصوراً متناقضاً. وإذن فلا بد لـ «ما لا يمكن تصور أكمل منه» أن يكون موجوداً في الواقع والذهن معاً.

وقد ردّ على هذه الحجة راهب يعاصر أنسلم يدعى جونيلون في كتابه Liber pro insipiente («دفاع عن الجاهل») فقال:

أ) إنه لم يثبت أنني أفهم مضمون العبارة: «الكائن الذي لا يمكن تصور أعظم منه».

ب) وحتى لو فهمتها فإني لا أستطيع أن أستنتج شيئاً منها يتعلق بحقيقة مدلولها في الواقع، ثم قضايا خاطئة عديدة أفهمها جيداً.

ج) وإذا كان كل ما هو كامل واقعياً، فيجب أن أقرّ بوجود جزائر سعيدة توصف بل وأفهم مدلولها، لكني لا أستطيع مطلقاً أن أستنتج من ذلك أنها موجودة بالضرورة.

وردّ أنسلم على اعتراضات جونيلون هذه، فقرر بأن هذه الحجة الثالثة المتعلقة بالجزائر السعيدة حجة صحيحة، وهي سليمة في جميع الأحوال، إلا في حالة واحدة هي حالة الله، لأن حالة الله حالة خاصة تماماً متميزة عن سائر الأحوال:

« فإذا زعم أحدٌ أن الله غير موجود، فإني أقول إنه حين يظن ذلك فإنه إما أن يفكر فيمن لا يمكن تصور أعظم منه، أو هو لا يفكر فيه. فإن كان لا يفكر فيه، فإنه لا يفكر في عدم وجود من لا يفكر فيه. وإن كان يفكر فيه، فإنه يفكر في كائن لا يمكن أن يتصور غير موجود».[2]

وكما ترى فإن رد أنسلم ضعيف، إذ المشكلة هي في الانتقال من التصور الذهني إلى الوجود العيني. وأنسلم لم يوضح كيف يمكن هذا الانتقال. ولا يفيده في شيء أن يكون الأمر متعلقاً بتصور من نوع فريد لا نظير له، هو تصور الله؛ فإن هذا التصور هو في ذهن الإنسان، ولا يحمل في باطنه ضرورة وجوده، بل يظل دائماً يجول في داخل الذهن، ولا ينقله إلى الخارج إلا برهان تجريبي.

ومع ذلك نجد ديكارت (1596 - 1650) يأخذ بهذه الحجة. فيقرر أن الله: جوهر لا متناهٍ، سرمدي، ثابت، مستقل (قيوم)، كله علم، وكله قدرة، وخالق كل شيء. ولما كان كذلك، وكانت هذه الصفات من العظمة والجلال بحيث لا يمكن أن أكون قد استمدتها من نفسي، فلا بد أن نستنتج من ذلك بالضرورة أن الله موجود:

« ذلك لأنه على الرغم من كون فكرة الجوهر موجودة في ذاتي بوصفي أنا جوهر، فإنه ما كان لي أن تكون لديّ فكرة جوهر لا متناهٍ، أنا المتناهي، لو لم تكن قد وضعها في نفسي جوهر هو لا متناهٍ حقاً. وينبغي ألا أتخيل أني لا أتصور اللامتناهي بفكرة حقيقية، بل بنفي ما هو متناهٍ، كما أفهم الكون والظلام بنفي الحركة والنور: لأني - على العكس - أرى بوضوح أنه يوجد في الجوهر اللامتناهي من الحقيقة الواقعية أكثر مما في الجوهر المتناهي، وتبعاً لذلك فإن فكرة اللامتناهي توجد عندي قبل فكرة المتناهي، أي فكرة الله قبل فكرة ذاتي، إذ كيف يتيسر أن أعرف أني أشك وأني أشتهي، أي ينقصني شيء ما وأني لست "كاملاً" تماماً، إذا لم تكن عندي أية فكرة عن كائن أكمل مني، وبالقارنة به أعرف نقائص طبيعتي ».[3]

أي أن فكرة جوهر لا متناهٍ ما كان من الممكن أن توجد في عقل المتناهي إلا بسبب وجود كائن لا متناهٍ هو الذي أودعها فيه، وبالقارنة به أدرك نقصي. ومن هذا نرى أن ديكارت يعتقد أن المتناهي لا يوجد إلا بسلب اللامتناهي، لا العكس كما هو الاعتقاد السائد الذي يقرر أن اللامتناهي مدرك بسلب المتناهي. فاللامتناهي إذن تصور إيجابي تماماً، بينما المتناهي تصور سالب.

ثم يخلص ديكارت بعد ذلك إلى تقرير الحجة الوجودية لإثبات وجود الله على الصورة التالية:

« من المؤكد أنني لا أجد في نفسي فكرة الله، أي فكرة الموجود التام الكمال، كما أجد في نفسي فكرة شكل أو عدد أيًا كان؛ كما أني أعرف بوضوح وتمايز أنه ينتسب إلى طبيعة الله وجوده فعلي actuel وسرمدي كما أعرف أن كل ما أستطيع برهنته فيما يخص بشكل أو عدد ينتسب حقاً إلى طبيعة هذا الشكل أو طبيعة هذا العدد؛ وتبعاً لذلك... فإن وجود الله يجب أن يعد يقيناً عندي مثل يقين كل الحقائق الرياضية، التي لا تتعلق إلا بالأعداد والأشكال، وإن كان هذا الأمر لا يبدو في الحقيقة واضحاً تماماً، بل عليه مسحة السفسطة. لأني وقد تعودت في سائر الأشياء كلها أن أميز بين الوجود والماهية، فإني أقنع نفسي بسهولة بأن الوجود يمكن أن ينفصل عن ماهية الله، وهكذا يمكن تصور الله على أنه غير موجود بالفعل. لكني حين أفكر في الأمر بمزيد من الانتباه، فإني أجد بوضوح أن الوجود لا يمكن أن ينفصل عن ماهية الله، تماماً كما أنه لا يمكن أن نفصل عن ماهية المثلث المستقيم الخطوط كون مقدار زواياه يساوي قائمتين، ولا أن نفصل عن فكرة الجبل فكرة الوادي - حتى إنه لا يمكن تصور الله (أعني الموجود التام الكمال) غير موجود (أي ينقصه كمال ما) كما لا يمكن تصور جبل بدون واد ».[4]

ولكن جاء إمانويل كانت (1724 - 1804) فنقد الحجة الوجودية نقداً عميقاً، خصوصاً وقد صيغت هذه الحجة على شكل القياس التالي:

الله هو الموجود الكامل

والوجود كمال

.. الله موجود

وخلاصة نقد كانت يمكن أن تصاغ هكذا:

لا يمكن أن يستنبط من أي تصور إلا ما هو متضمن فيه من قبل. وفكرة الموجود الحقيقي بدرجة لا نهائية لا تتضمن إلا فكرة الوجود لا الوجود في ذاته خارج الفكر.

أي أن الوجود ليس "كمالاً" يثرى به مضمون الماهية؛ إنه يضع الماهية فحسب، ولا يدخل في تقويمها. والماهية مجرد فكرة، وبالتالي لا تقدم لنا غير إمكانية منطقية. لكن الممكن ليس هو الواقعي، والمظنون ليس هو الواقعي بالضرورة.


بدوي، عبد الرحمن. مدخل جديد إلى الفلسفة. بيروت: دار القلم. القسم الثالث: الإلهيات، الفصلان الأول والثاني، ص 211–232.

[1] St. Anselme: Proslogion, chap. II-III, tr. P. Rousseau, in Oeuvres Philosophiques de Saint Anselme, p. 102. Paris, Aubier 1947

[2] St. Anselme: Liber apologeticus contra Gaunilonem, 3, in Oeuvres Philosophiques, p. 112-113

[3] ديكارت: « التأملات الميتافيزيقية » (سنة 1641)، ترجمة فرنسية سنة 1647، التأمل الثالث، نشرة آدم وتانري ج 9 ص 35 - 36.

[4] ديكارت: « التأملات الميتافيزيقية »، التأمل الخامس، نشرة آدم وتانري ج 9 ص 52.


ضرورة البحث الفلسفي في المسألة الإلهية، د. عبد الرحمن بدوي

 


ضرورة البحث الفلسفي في المسألة الإلهية[1]

تُعنى الفلسفة بالبحث في وجود الله بوصفه العلة الأولى للوجود. ولما كان شرف العلم بشرف موضوعه كما يقول أرسطو، فقد جعل أرسطو البحث في الله هو أشرف أبحاث الفلسفة، ولهذا سمى هذا القسم باسم «الفلسفة الأولى»، وقال عنها إنها العلم الحرّ الوحيد بين العلوم، لأنها وحدها التي لا غاية لها سوى نفسها. ولهذا يمكن حقاً أن نعتقد أن تحصيلها أمر فوق إنساني، لأن الطبيعة الإنسانية مستعبدة لكل شيء، ولهذا فإن الله هو وحده الذي يمكن أن تكون له هذه الموهبة، كما قال سيمونيد، وأنه لا يليق بالإنسان أن يبحث في علم غير ميسور له.[2]

ومهما حدث من تغيرات في الفكر المعاصر، فإن فكرة الله تبقى موضوعاً ضرورياً للبحث، وبدونها لا يمكن تكوين نظرة شاملة عن الكل. وما أمل فيه الوضعيون من إمكان استبعاد كل نظرة فوق طبيعية من مجال الفكر (العملي)؛ وإذا كان هذا الأمل لا يزال يراود أنصار مدرسة فيينا بتوجهها الفيزيائي، فإن هذا الأمل يرجع إلى «سفسطة» وليس إلى فلسفة بمعنى الكلمة.

إن استبعاد البحث في الله سيفضي إلى القضاء على الميتافيزيقا نفسها وهو أمر لا يستسيغه معظم المفكرين اليوم - كما لاحظ جوسدورف بحق.[3]

والصعوبة الكبرى في البحث الميتافيزيقي أن موضوع البحث هنا ليس من نوع موضوعات البحث الأخرى التي يتناولها العقل. إذ الطبيعة الإلهية من نمط آخر مختلف تماماً عن الطبيعة الإنسانية أو الطبيعة المادية. ومن هنا نشأ ما يسمى باللاهوت السلبي في العصور الوسطى المسيحية،[4] وصفات السلوب في علم الكلام الإسلامي،[5] ومفاده أننا لا نستطيع أن نصف الله: وجوده وصفاته إلا في مقابلة وجود الإنسان والأشياء وصفاتها. فالله «ليس كمثله شيء» (الشورى - آية 11) ولهذا لا يكون القول عنه إلا سلباً لما في الإنسان وسائر الكائنات الطبيعية من صفات. أو يتوقف كل قول إنساني منطقي فيما يتعلق بالله، ولا يبقى إلا الدعاء والصلاة.

لكن العقل الإنساني لا يستطيع أن يتوقف عن الكلام المتعالي حتى فيما يتجاوز نطاق الواقع الميسور له، لأنه يحس بوجود شيء يتجاوز هذا الواقع، وهو ما يسميه يسبرز باسم «العلو»، وما يسميه أصحاب فلسفة الروح (لافل أولسون) باسم «القيمة المطلقة» أو «المطلق» فقط.

وفي هذا يقول جوسدورف أيضاً:

«إن المعنى الفلسفي الله يبدو متضامناً مع مقتضى الميتافيزيقا المفتوحة. إنه لا يحيل إلى منطقة من مناطق الواقع غير الإنسان والعالم، بل يحيل بالأحرى إلى تلك المنطقة من العالم والإنسان التي لا يسكنها العلم. وفكرة الله لا تعني مذهباً من المذاهب Un système des systèmes؛ بل هي تكرس إخفاق المذاهب والباقي ينبوع (آخر) للحق. والقراءة الأولى للواقع لا تكفي، ولا تكفي قراءة الواقع كما هو - أو بالأحرى لا يوجد واقع كما هو - بنوع من الفهم الحرفي.

إن العالم لا يوجد في ذاته وتلقائه؛ وما فوق الطبيعة ليس خارج الطبيعة: إنه هو والطبيعة نفسها شيء واحد، الطبيعة التي لا يمكن أن تبدأ ولا أن تنتهي في التحديدات الخاضعة لضوابط المعرفة الوضعية. ولهذا فإن المفارقة paradoxe بالنسبة لميل (البحث في فكرة) الله تقوم عند نهاية التحليل في هذه الواقعة وهي أن الفيلسوف عاجز عن الكلام عن الله، لكنه ملتزم بالكلام عنه باستمرار والرجوع والإنابة إليه ابتداء أن ينظم منظوراته في كل لحظة.

وإله الفلاسفة، مجرداً من كل التصورات الدينية، يدل على الرجاء الشامل في الوحدة، غير المتحققة؛ ولكنها مأمولة دائماً، وعلى توافق القيم في توافق النوايا والأفعال، وعلى الأساس والضمان لكل جماعة إنسانية وكل مشاركة».[6]

ويلخص موريس بلوندل (1861 - 1949) مهمة اللاهوت العقلي بقوله:

«إن إله الفلاسفة والعلماء هو الموجود المطلق، الذي نصل إلى إدراكه (أو نفترض ذلك) بواسطة النهج العقلي، بوصفه مبدأ التفسير أو الوجود».

وفي مقابله يضع بلوندل إله إبراهيم واسحق ويعقوب – وهو:

«الموجود ذو الأسرار، الجواد الذي يكشف جانباً من كماله التي لا يمكن النفوذ إلى أعماقها، والذي لا يمكن الوصول إليه بالعقل وحده، ونحن نقر بأن له حقيقة باطنة لا نصل إلى إدراكها بمواهبنا الطبيعية، وتجاهه لا يمكن أن تكون بداية الحكمة شيئاً آخر غير الخوف والتواضع؛ لكن الله الذي يكاشفه للإنسان عن أسرار حياته يدعوه إلى (حضرته) الإلهية نفسها، وإلى تغيير حالته الطبيعية المهنية بوصفه مخلوقاً وتحويلها إلى خُلّة، وتبن خارق، ويأمره بأن يحبه، وبألا يبذل ذاته إلا له».[7]

ومع ذلك فإن موقف بلوندل يختلف عن موقف بسكال. ذلك أن بسكال قال: «إله إبراهيم، إله اسحق، إله يعقوب - لا إله الفلاسفة والعلماء» - أي قال بإله الإيمان المطلق، إيمان القلب، و«للقلب أسباب لا يعرفها العقل».[8] ويؤكد أننا «نعرف الحقيقة ليس فقط بالعقل، بل وأيضاً بالقلب. وعن طريق القلب نحن نعرف المبادئ الأولى».[9] باسكال يؤكد الله الحي، لا الإله المجرد الذي يقول به الفلاسفة والعلماء.

أما بلوندل وإن كان شديد الإيمان، فإنه يحاول التوفيق بين التفكير الفلسفي بوصفه إيضاحاً عقلياً لمضمون العقيدة، وبين التفكير الإيماني كما يتجلى في العقيدة البسيطة.

وباسكال يستعمل كلمة «قلب» فيما نستعمل فيه اليوم كلمة «وجدان»؛ أي الإدراك المباشر الذي ينفذ إلى باطن الأشياء دون المرور بسلسلة من البراهين. ومن هنا يقول باسكال:

«إن القلب يشعر بأن للمكان ثلاثة أبعاد وأن الأعداد لا نهائية؛ والعقل يبرهن بعد ذلك على أنه لا يوجد عددان مربعان أحدهما ضعف الآخر» (الأفكار، برقم 282 في نشرة برونشفيك).

وفيما يتصل بالقلب والإيمان يقول باسكال:

«إن القلب هو الذي يستشعر الله، لا العقل. هذا هو الإيمان. الله محسوس للقلب، لا للعقل Dieu sensible au coeur, non à la raison» (الأفكار، برقم 278 برونشفيك).

والإيمان ليس علماً، بل اعتقاد؛

«هذا الإيمان هو في القلب، ويجعل صاحبه يقول: أعتقد، ولا يقول: أعلم» (الأفكار، برقم 248 برونشفيك).

ولا يكف باسكال عن الحط من قدر العقل في أمور الإيمان، ذاهباً على العقل أنه يريد أن يحكم على كل شيء (الأفكار، برقم 272 برونشفيك)؛ ويطالب العقل بأن يلتزم حدوده، وسيكون هذا من فضل العقل: «لا شيء أكثر انطباقاً على العقل من هذا الاستنكار للعقل» (الأفكار، برقم 272). إن الإيمان هو من وراء العقل، بمعنى أنه يناقضه ويقدح من قدره ويطامن من كبريائه؛ وفي الوقت نفسه يتمه لأن الإيمان يبدأ بتمام العقل.

وفي مقابل ذلك نجد هيجل يقول إن عمل العقل هو الذي يتكمّل ما في معطيات الإيمان من نقص. ويقرر أنه من مفاخر الإنسان أنه لا يقنع بالعواطف بل يحرص على تبريرها بالفكر والعقل.[10] وعنده أن المباشر أقل مرتبة مما هو مؤسس على العقل، وأن الدين لا يجد إيضاحه الحق إلا في فلسفة الدين. يقول هيجل:

«إن الوجود الحقيقي للدين هو... فلسفة الدين. لكن إذا كانت فلسفة الدين هي وحدها الوجود الحقيقي للدين، فإني لا أكون متديناً حقاً إلا بوصفي فيلسوفاً في الدين؛ ولهذا أنا أستهجن التدين العاطفي والإنسان الشديد الانفعال».[11]

ومع ذلك ظل اتجاه باسكال سارياً لدى بعض الفلاسفة المعاصرين: فإدوار لوروا (1870 - 1954) يؤكد أن: «استنباط (وجود) الله يساوي إنكاره»،[12] ذلك لأن العقل حين يتكلم عن الله، فإنه لا يتناول الله حقاً، لأن البرهنة على وجوده معناها إمكان ردّه إلى حقائق أخرى غيره - لها سلطتها بالنسبة إليه؛ لكن الله إذا قيس بهذا القياس، فلن يكون بعد هو الله. ويشرح هذا جوسدورف، فيقول:

«إن التناول الفلسفي عن الله مآله الإخفاق. أولاً لأن المنهج التأملي يسير بواسطة تحديد التصورات وتركيبها بعضها مع بعض؛ والله ليس تصوراً concept. ولا يوجد تصور يناسب مقام الله؛ والماهية الإلهية لا يمكن - دون الوقوع في تناقض - حصرها ضمن حدود التعريفات الإنسانية. وكل فكرة عن الله لا يمكن إلا أن تكون فكرة لناقصة، أدنى مستوى، في هذا المعنى، من الأفكار الواضحة المتميزة للأمور العقلية الحقيقية، مثل الدائرة أو المثلث».[13]

ولهذا أنكر محاولة البرهنة على وجود الله، قائلاً:

«إن الرغبة في البرهنة على وجود الله أمر بالغ الهزل. فبما أنه موجود، وحينئذ لا يمكن البرهنة عليه (كما لا أستطيع أن أبرهن على وجود شخص ما)، وأقصى ما أستطيعه هو أن أجد عليه شواهد، لكني بهذا أفترض وجوده)؛ - أو الله غير موجود، وهذا أيضاً لا يمكن البرهنة عليه».[14]

وبمعنى مقارب يقول لوسن Senn إن:

«فكرتنا عن الله يجب أن تسمو مع معرفتنا بالله. فكرتنا عن الله توفيق compromis بين الله ومحدودية المعرفة الإنسانية».[15]

لكن الغالبية العظمى من الفلاسفة على مدى التاريخ لم يأخذوا بما دعا إليه باسكال، لأنهم رأوا في ذلك إشهاراً لإفلاس العقل.

ولهذا سنعمد الآن إلى بيان الموضوعات الرئيسية المتدرجة في الإثبات.



[1] بدوي، عبد الرحمن. مدخل جديد إلى الفلسفة. بيروت: دار القلم. القسم الثالث: الإلهيات، الفصلان الأول والثاني، ص 211–232.

[2] أرسطو: «ما بعد الطبيعة» المقالة الأولى الفصل الثاني - ص 982 ب س 25 - 983 أ س 4.

[3] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, p. 370. Paris, Colin, 1956

[4] Negative Theology أو Apophatic Theology

[5] Privative Attributes

[6] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, pp. 373-374. Paris, Colin, 1956

[7] من تعليق لبلوندل من كتابه «لاهوت عقلي» في معجم لالاند الفلسفي.

[8] Blaise Pascal: Pensées, n. 277. Ed. Brunschvicg.

[9] Pascal: Pensées, n. 282. Ed. Brunschvicg

[10] Hegel: Principes de la philosophie du droit, Préface, p. XXIII

[11] Marx: Manuscrits de 1844, 3e Manuscrit, p. XXIX

[12] Ed. Le Roy: Le Problème de Dieu, p. 65. Paris, Artisan du Livre, 1929.

[13] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, p. 388. Paris, 1956.

[14] S. Kierkegaard: Journal, entries, 1846, t. I, tr. f.

[15] R. Le Senne: La découverte de Dieu, p. 22. Paris, Aubier, 1955