الاثنين، 25 سبتمبر 2023

قابلية الإنسان للموت قبل السقوط

 


خُلِق الإنسان قابلًا للموت والألم قبل السقوط، وذلك بسبب طبيعة الإنسان أنه مخلوق من العدم وليس لأن الله خلق فيه خاصية الموت والألم. والذي كان من الممكن أنّ ينجو منه أنّ أبقى الله في معرفته.

القديس أثناسيوس الرسوليّ[1]

 

خُلِق الإنسان من العدم، وبحسب طبيعته هذه فإنّه قابل للفناء والعودة إلى العدم مرة أُخرى، وقد وهبه الله نعمة الخلود حتّى أنّ بقيَّ مُحافظًاعلى هذه النعمة يظل خالدًا إلى الأبد في شركة حقيقيّة في الله.

أمَّا وقد سقط الإنسان من نعمة الله وفقد شركة الروح القدس فقد أصبح عائدًا مرة أخرى إلى الأرض التي أُخِذَ منها وفي طريقه إلى العدم والاضمحلال. هذا ما يقوله القديس ساويرس الأنطاكي:

“الإنسان فانٍ بالطبيعة، لأنه أتى إلى الوجود من العدم.. ولكن، مع ذلك، لو أنه قد استمر موجهًا نظره نحو الله، لكان قد تجاوز قابليته الطبيعية للفساد وبقيَّ غير فاسد،[2] وقد قال الله لآدم أنت تراب وإلى تراب تعود، ولم يقل له لقد صرت الآن تُرابًا، مما يعني ضمنًا أنّ آدم قد خُلِقَ في الأصل قابلًا للموت والفناء.[3] ولكن آدم قد أُعطيَّ وعدًا بعدم الموت وعدم الألم كهبة إلهية تُمنح له بنعمة الله، وبالسقوط فقد الإنسان هذه النعمة الإلهية، على الرغم من أنه لم يُجرد من طبيعته”.[4]

نفس الأمر نجده عند القديس يوستينوس الشهيد، والذي سبق القديس ساويرس –من جهة الزمن - بحوالي خمسمئة عام، يقول:

“الله خلق الانسان على مثاله، حيًا لا يموت، حُرًا من المعاناة, ولكن الإنسان فَعَل فِعل آدم وحواء فجلب الموت على نفسه.. وفسِرّ المزمور الحادي والثمانين كما تشاء، فيظل يشهد أنّ جميع الناس يستحقون أنّ يكونوا آلهة، وأن كلًا منهم سيُدان ويُحكم عليه كما حُكِم على آدم وحواء”.[5]

فقد خُلِق الإنسان وله كلتا الإمكانيتين في طبيعته، عدم الخطأ، وبالتالي عدم الموت أو عدم الفساد، وكذلك في نفس الوقت له قابلية الخطأ، وبالتالي قبول الموت والفساد، وقد أُعطيَ الإرادة الحرة أن يختار.[6] هذا ما يقوله المُطوّب أغسطينوس:

“أمّا الإنسان الذي له طبيعة تميل بين الملائكية والحيوانية، فإنّ الله خلقه هكذا، حتّى إذا بقيَ خاضعًا لخالقه كسيدٍ له بحقٍ، ويحفظ وصاياه بورعٍ، تصير له شركة مع الملائكة، وينال خلودًا مُباركًا أبديًا، دون أنّ يُصيبه الموت. أمَّا إذا عصيَّ الرب إلهه باستخدامه حرية إرادته بعجرفةٍ وفي عصيانٍ، فإنّه يخضع للموت، ويسلك عبدًا للشهوة، ويُحكم علىه بالموت الأبدي.

نعم يا إلهي.. في غياب نورك ظهور للموت، أو بالحري مجيء للعدم. فالموت ليس له وجود في ذاته. وهذا العدم يدفع بنا إلى العدم الذي للخطية، فينزع عنا الخوف من ارتكابها.. فنخطئ، وبالتالي ننحرف إلى الهاوية عدمًا.. يا لشقائي.. لقد سادت عليَّ الظُلمة، ومع أنك أنت النور، إلاَّ إنني حجبت وجهي عنك!”[7]

ويعلق القديس ثيؤفيلس قائلًا:

“يقول لنا البعض أنّ الإنسان خُلِق خالدًا بالطبيعة. طبعًا لا. فهل كان إذًا خالدًا؟ نحن لا نستطيع أنّ نؤكِّد هذا أيضًا. لذا قد يسأل السائل: ماذا إذًا كان حال الإنسان، أكان عدمًا؟ ولا حتّى هذا الافتراض يمكن قبوله! لو كان الله أراد الإنسان خالدًا من البداية لكان خلقه إلهًا مثله! ولو كان الله يُريد خلقة الإنسان كخالد ومائت بالطبيعة، لقلنا أنّ الله هو سبب موت الإنسان. لا، لا هذا ولا ذاك. الله لم يخلق الإنسان خالدًا ولا مائتًا، ولكنه خلقه قابلًا للحالتين. لذلك إذا انجذب إلى الأمور الخالدة، وحَفِظ وصية الله، سوف يكون إلهًا، ولكنه إذا أنجذب إلى الأمور المائتة ولم يطع الله، يُصبح الإنسان نفسه السبب في موته بإرادته”.[8]

وهذا يعني أيضًا أنّ جميع المخلوقات خُلِقت كآدم قابلة للموت بحسب طبيعتها، ولأن الحيوانات وباقي الكائنات الحية لا تُكَون شركة مع الله بل خُلقت لخدمة البشريّة، فإنها كانت تموت قبل سقوط آدم، بل وقبل أنّ يُخلق آدم. وذلك بحسب طبيعتها.

لذا، فإنّ كلّ الحفريات التي اكتشفها العلماء، والتي يرجع تاريخها لملايين السنين، لا تتعارض مُطلقًا مع القول بإن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ذلك لأن الموت دخل إلى عالم الإنسانية، وليس العالم بأكمله، إذ قد سبق وكان موجودًا فيه قبل خلقة الإنسان، لأن كلّ خلائق الله الأُخرى الموجودة في العالم، لا تصنع شركة مع الله، ولا يكون هُناك رابط حقيقيّ بينها وبينه سوى كونها مخلوقة وهو خالقها. بينما الإنسان فقد صُنِع خصيصًا لأجل أنّ يكون على صورة الله، وبهذا فهو كائن يحيا في الشركة، ويسعى نحو الشركة مع الله ومع الخلائق الأُخرى، بسبب فرادته فكان له موضع خاص من تلك النعمة المؤلهة التي تحفظه من الموت وتُبقيه خالدًا.


عن كتاب: قصة الحب العجيب، لأمجد بشارة، 2017

[1] انظر: تجسد الكلمة 4: 6.

[2] La Polimque Anti julianiste, II B, ed. Robert Hespel, p. 30.

[3] Ibid, p. 34.

[4] ف. سي. صمويل (الأب)، مجمع خلقيدونية إعادة فحص بحث تاريخي ولاهوتيّ. ترجمة د/ عماد موريس إسكندر، مراجعة د/ جوزيف موريس فلتس. سلسلة دراسات عن المسيحيّة في العصور الأولى. إصدار دار بناريون للنشر. ص 412.

[5] الحوار مع تريفون، 24.

[6] قصة الإنسان حول الخطية والخلاص، الأب متى المسكين ص 8.

[7] المُطوّب أغسطينوس. الحبّ الالهي. للأب تادرس يعقوب ملطي ص 295.

[8] القديس ثيؤفيلس في رسالته إلى أتوليكوس 1: 25 - 27.


الأحد، 24 سبتمبر 2023

لماذا يجب أنّ يكون الفادي هو الله وليس أحد الملائكة أو أي مخلوق آخر؟!

 


لمَّا كان الموت قد دخل إلى العالم بالخطيئة دخول بهيمة وحشية شرسة مُفسِدة للحياة البشريّة، فقد وَجَب على من يفتديه أنّ يكون مُنزّهًا عن الخطية وغير محكوم عليه بالموت من جرّاء الخطية، بل عليه أيضًا أنّ يُعضد طبيعتنا ويُجددها، وأن يهذِّبنا بعمله ويُعلمنا طرق الفضيلة التي تبعدنا عن الفساد وتسدد خطواتنا نحو الحياة الأبدية. وأخيرًا يجب عليه أنّ يُظهِر لنا في ذاته عظمة لجة محبّة الله للبشر. ومن ثمّ فإنّ الرب البارئ نفسه قد اتخذ على عاتقه الدفاع عن جبلته الخاصة، فصار بعمله مُعلمًا. بهذه الكلمات يبدأ المُطوّب الأب يوحنا الدمشقي تعليمه اللاهوتيّ المُختص بقضية الفداء.[1]

وبحسب القديس أثناسيوس لم تكن هُناك طريقه أُخرى لتحقيق مجد الله وصلاحه تجاه خليقته سوى بتدخل إلهي:

لأن مجد الله الآب هو: أنّ يوجد الإنسان الذي كان قد خُلِق ثمّ هَلَك، وهو: أنّ يحيا الذي مات، وهو: أنّ يصير الإنسان هيكل الله... وهذا قطعًا ـ لم يكن ممكنًا أنّ يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلاّ إذا كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد أتخّذ لنفسه صورة العبد، وأذلّ ذاته، راضيًا بأن يصل جسده حتّى إلى الموت”.[2]

لم يكن يستطيع أحد أنّ يقدم هذا الخلاص للبشر، لأن جميع البشر كانوا خطاة، فكل واحد منهم كان يحتاج أولًا أنّ يخلّص هو. وأيضًا حتّى الملاك أو أي كائن آخر لا يستطيع أنّ يقدم الخلاص لكلّ جنس البشر.[3]

ولأن الجرح كان عظيمًا، واحتاجت البشريّة التي عبدت المخلوق دون الخالق أنّ يُعلَن لها أخيرًا عن خالقها فيقول ق. كيرلس الأورشليمي:

“إذًا، هل جاء ابن الله من السماء باطلًا؟! ألم يأتِ ليشفي جرحًا كان عظيمًا هكذا؟! هل جاء الابن باطلًا؟ أم جاء لكي يخبر عن الآب؟! لقد عرفت ما هو الدافع لمجيء الابن الوحيد من العرش عن يمين الآب فإذ هم احتقروا الآب جاء الابن يصلح الأمر. إذ به خُلق كلّ شيء التزم أنّ يحضر ‘الخليقة’ بأسرها كتقدمة لرب الكون! لاقَ به أنّ يضمد الجراح، لأنه أي جرح أشر من أنّ يُعبد الحجر عوض الله؟!”[4]

ويقول العلاَّمة أوريجانوس: “من كان قادرًا أنّ يحطم وباء الجهل والظلمة والدمار؟ ليس نبي ولا رسول أو أي رجل متدين آخر. بالأحرى كان لازمًا للقوة الإلهية النازلة من السماء، القادرة أنّ تموت لحسابنا جميعًا، لكي بموتها يصير لنا دفاع ضد الشيطان”.[5]

وكان يجب أنّ الخالق الإله الوحيد هو من يأتي ويُخلّصنا لئلا بعد خلاصنا نصير مديونين لآخر، وفي ذلك يتحدث أثناسيوس الرسوليّ، قائلًا:

“لأنه لا يجب أنّ يكون الفداء عن أي طريق آخر سوى عن طريق ذاك الذي هو رب بالطبيعة، لئلا بعد أنّ خلقنا الابن فإننا ندعو لنا ربًا آخر، أو نسقط في الحماقة الآريوسية والوثنية بأن نعبد المخلوق من دون خالق جميع الأشياء”.[6]

وكيف كان سينجو المُخلّص من الموت أنّ كان هو نفسه ليس فيه حياة من ذاته، فأهم ما فعله لنا المسيح انه غلب الموت بموته حيث يشرح الآباء ذلك؛ على أنّ الموت دخل في مصارعة مع جسد الكلمة، وإذ كان الكلمة نفسه هو الحياة فقد أستنزف الموت فيه كلّ قوته وهُزِم تمامًا وأصبح بلا قوة، فابتلع الله الموت لأنه هو الحياة ذاتها. فإنّ لم يكن المُخلّص هو الحياة، فلماذ أتى؟ وكيف وقتها سيغلب الموت وهو نفسه بلا حياة في ذاته؟! وهذا ما قاله أثناسيوس:

“من غير الممكن أنّ يموت الكلمة لأنه غير مائت بسبب أنه هو ابن الآب غير المائتولهذا اتخذ لنفسه جسدًا قابلًا للموت حتّى إنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أنّ يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به”.[7]

ويكمل في موضع آخر:

“ولكن فليسمعوا، لأنه لو أنّ الكلمة كان مخلوقًا، لمَا اتخذ جسدًا مخلوقًالكي يهبه الحياة، لأنه أية معونة تحصل علىها المخلوقات من مخلوق هو نفسه يحتاج إلى الخلاص؟ ولكن حيث إنّ الكلمة خالق، فقد تمم خلقة المخلوقات”.[8]

ويقول العلاَّمة أوريجانوس: “لا يقدر أحد أنّ يموت الموت الذي ماته يسوع عنّا كلنا لكي نحيا، لأن الجميع وُجِدُوا في الخطيّة، وهم في حاجة إلى آخر يموت عنهم، لا أنّ يموتوا هم عن غيرهم”.[9]

وهناك أيضًا سببٌ آخر، فعندما فقدنا صورة الله المطبوعة في داخلنا وأراد الله إعادة تلك الصورة مطبوعة بختم في داخلنا مرة أُخرى، فكان يجب أنّ من يطبع تلك الصورة في داخلنا من جديد أنّ يكون هو نفسه صورة الله الحقيقيّ، وإلاَّ فالذي سيطبعه داخلنا –إن كان المُخلّص مخلوقًا - سيكون صورة أُخرى غير صورة لله، بل صورة مخلوق، وهذا ليس استعادة لصورتنا الأصلية، بل تشويه أكثر لتلك الصورة الإلهية التي طُبِعت داخلنا باحتواء الابن الوحيد لطبيعتنا في جسده، ويقول القديس كيرلس السكندري شارحًا ذلك:

“استمع لي جيدًا وسأشرح لك هذا على قدر استطاعتي: لو أنّ أحدًا من الصُنَّاع، وعلى سبيل المثال أحد هؤلاء الذين يعملون في تشكيل النحاس، قد صنع تمثالًا معطيًا إياه شكله وملامحه، ثمّ سقط هذا التمثال من على قاعدته بفعل أحد الحاسدين وتحطّم وفقد جماله، ولو أنّ صانع التمثال ـ لأنه لم يحتمل أنّ يرى تمثاله محطمًا ـ أراد أنّ يقتل ذلك الحاسد الذي حطّم التمثال، نجده وقد أعاد صنع التمثال مستخدمًا نارًا أشد قوة معيدًا إياه إلى حالته الأولى بعد أنّ يكون قد رفع عنه ما أصابه من أضرار. وهل كنت تعتقد أنه كان من الصواب لو أنّ الصانع قد ترك صنعته كي تتشكّل بشكل آخر غير الأول، وفي هذا تتضح عدم قدرته؟..، فما هو الأمر الذي تُصدق أنّ يكون الله الآب قد فعله، أنّ كان الإنسان قد خُلق ‘على صورته كشبهه’ هو وحده فقط. لأن هذا الكلام تقريبًا هو ما يقوله المخالفون. أي عندما أراد أنّ يعيد خلقة الإنسان الذي انزلق وتشوّه، ويجدّده لم يعطِ له ملمحه الذي كان عليه في الأصل، أي لم يصيّره شبيهًا بنفسه بل أعطاه شكلًا آخر؟ وهذا سيحدث بالطبع لو أنّ الابن الذي أُعيدت خلقتنا على صورته كان مختلفًا في الطبيعة عنه (عن الآب). لأن بولس الحكيم يكتب للبعض ما يلى ‘يا أولادي الذين اتمخض بكم أيضًا إلى أنّ يتصور المسيح فيكم.[10] وفي موضع آخر يقول: ‘لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه’.[11] لأن المسيح قد شكّلنا مرةً ثانيةً بالروح القدس حسب صورته واهبًا جمال طبيعته لنفوس الأتقياء وبطريقة عقلية وغير موصوفة. بمعنى أننا - كما أعتقد - نتشكّل لا لنصير كالله الحقيقيّ، لكننا نأخذ شكل يتناسب وطبيعتنا المخلوقة. وإلاّ فإنّ ما ذكره المزمور منذ القديم بأنه ‘يتجدّد كالنسر شبابك،[12] كان سيضيع هباء، ويظهر أنه بدون هدف. لأن التجديد بحسب الكتاب ليس هو شيء آخر سوى أنه تجديد نفوسنا التي لم ترتفع إلى أعلى إطلاقًا والتي لم ترجع لِمَا كانت عليه أولًا، ولكنها صارت في وضع أقل كرامة مما كانت عليه قبلًا وهيَ هكذا تعاني من هذه الحالة”.[13]

ويُضيف أثناسيوس الرسوليّ:

لذلك فإنّه عند اكتمال الدهور أيضًا فقد لبس هو نفسه ما هو مخلوق (أي الجسد) لكي يجدده بنفسه مرة أخرى كخالق؛ ولكي يستطيع أنّ يُقيمه. لا يستطيع مخلوق أنّ يُخلّص مخلوقًا على الإطلاق، كما أنّ المخلوقات لم تُخلق بواسطة مخلوق، وذلك أنّ لم يكن الكلمة هو الخالق (كما يدّعى الآريوسيين)”.[14]

ويقول أيضًا:

إنه لم يكن ممكنًا أنّ يُحوَّل الفاسد إلى عدم فساد إلاّ المخلّص نفسه، الذي خلق منذ البدء كلّ شيء من العدم، ولم يكن ممكنًا أنّ يعيد خلق البشر، ليكونوا على صورة الله إلاّ الذي هو صورة الآب، ولم يكن ممكنًا أنّ يجعل الإنسان المائت غير مائتٍ إلاّ ربنا يسوع المسيح الذي هو الحياة ذاتها. ولم يكن ممكنًا أنّ يُعلّم البشر عن الآب، ويقضي على عبادة الأوثان إلاّ الكلمة الذي يضبط الأشياء، وهو وحده الابن الوحيد الحقيقيّ”.[15]

وأيضًا لكي يحمل حكم الموت مائتًا عن كلّ البشريّة. فلا يقدر إنسان على حمل هذا الحكم إلا الإله الوحيد غير المحدود الذي بتجسده جمع البشريّة في ذاته[16]، يقول كيرلس السكندري:

“لأنه لأجلنا احتمل عقاب خطايانا. فرغم أنّ الذي تألم هو(إنسان) واحد فقط، إلاَّ إنه هو عال فوق كلّ خليقة، كإله، وهو أثمن من حياة الجميع. لذلك كما يقول المُرنم: (كل إثم يسد فاه.. مزمور 107: 42)، وأُسكِتَ لسان الخطية، ولا يعود قادرًا أنّ يتكلم ضد الخطاة. لأننا قد تبررنا الآن لأن المسيح احتمل العقوبة عنا...[17] الطبيعة التي خضعت للفساد لا يُمكن أنّ ترتفع إلى عدم الفساد، إلا بنزول الطبيعة التي تعلو على كلّ أنواع الفساد والتغير وباتحادها بها، وبالاتحاد ترتفع تلك الساقطة، إلى صلاحها الدائم، أي عدم الفساد”.[18]

 

عن كتاب: قصة الحب العجيب، لأمجد بشارة، 2017

[1] المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسيّ. تعريب الأرشمندريت إدريانوس شكور. 3: 1. ص 151.

[2] ضد الآريوسيين المقالة الأولى فصل 11. عربها عن اليونانية أ/ صموئيل كامل عبد السيد، د/ نصحي عبد الشهيد. إصدار المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية.

[3] تعليقات القديس كيرلس السكندري على: رو5: 20.

[4] كيرلس الأورشليمي (القديس). حياته مقالاته لطالبي العماد الأسرار. تعريب الأب تادرس يعقوب ملطي. إصدار كنيسة مارجرجس إسبورتنج. ص 109.

[5] Commentary on 1 Cor. 1:6:8-12.

[6] ضد الآريوسيين المقالة الأولى. عربها عن اليونانية أ/ صموئيل كامل عبد السيد، د/ نصحي عبد الشهيد. إصدار المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية.

[7] تجسد الكلمة مؤسّسة القديس أنطونيوس المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية، نصوص آبائية 107 صفحة 23.

[8] المسيح في رسائل القديس أثناسيوس إلى سرابيون وأدلفيوس وابيكتيتوس. عربها عن اليونانية أ/ صموئيل كامل عبد السيد، د/ نصحي عبد الشهيد. إصدار بيت التكريس لخدمة الكرازة. ص 31.

[9] Com. Ser. Matt. 88.

[10] غلاطية4: 19.

[11] رومية8: 29.

[12] مزمور130: 5.

[13] كيرلس السكندري (القديس). حوار حول الثالوث. الجزء الثاني الحوار الثالث. ترجمة د/ جوزيف موريس فلتس. ص 29، 30.

[14]المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، مرجع سابق. ص 30.

[15]تجسد الكلمة فصل 20/1.

[16]سيتم شرح ذلك تفصيليًا في فصل قادم (انظر ص 28).

[17]شرح إنجيل يوحنا. ج2 ص 470.

[18]شرح انجيل يوحنا الكتاب 11 فصل 12

لماذا اعطى الله وصية لآدم وهو يعلم أنه سيسقط؟!

 


خَلَق الله الإنسان كائنًا على صورته الإلهية، سيدًا على كلّ الخليقة، له مطلق الحرية والسيادة على إرادته، وأغدق عليه الحبّ والرحمة وملأه كرامة.

وأمام كلّ هذا أراد الله أنّ يشاركه الإنسان حبًا بحبٍ وهذه الشركة هيَ أحد أسباب خلقته ولكي يُظهر الإنسان محبّته تجاه الله عمليًا احتاج إلى وصية ليثبت بها محبّته لله. كان للوصية في نظر آدم قبل السقوط مفهوم آخر. إنها شهوة يبتغيها، بدونها لا يقدر أنّ يستطعم مشاركته حبّ الله له.

تصوَّر معي إنسانًا يقدم لعروسهِ فوق ما تطلب وأكثر مما تحتاج، يغدق عليها بالحب والعطف والحنان بلا كيل أو حدود، أما تشتهي العروس أنّ يترك لها عريسها مجالًا –مهما كان صغيرًا– تعبِّر فيه عن حبها له؟! فالعريس الذي لا يترك لعروسه مجالًا لرد محبّته بمحبتها له، ولو بطاعتها له في أقل الأمور، يكسر قلبها ويحزنها! بدون الوصية ما كان لآدم أنّ يستطعم المشاركة في الحب. ففي حبّ قدم الله لآدم الوصية، حتّى يُعبِّر هذا المحبوب عن حبه لله، الذي هو انعكاس لحب الله علىه.

هذا المفهوم كشفه لنا ربنا يسوع عندما قال: إن كنتم تحبونني، فاحفظوا وصاياي (يو14: 15). الذي عنده وصاياي ويحفظها، فهو الذي يحبني. والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه، وأُظهر له ذاتي (يو14: 21). فبقدر ما يحفظ الإنسان الوصية يعلن حبه لله، أو قل يتجاوب مع حبّ الله له. عندئذ يدخل في شركة أعمق فأعمق في حبّ الله غير المُتناهي. هذا هو عمل الوصية، وهذا هو هدفها![1]

بل أيضًا لكي يكون الإنسان حُرَّ الإرادة، يجب أنّ يكون لديه الخَيار وإنْ لم يمتلك الاختيار بين أنّ يفعل أو لا فهو مُسير ومُجبر وليس حُرًا له إرادة يستخدمها كيفما يشاء. وبحسب القديس غريغوريوس النيزنزيّ فإنّ شجرة المعرفة كانت مصدرًا لصلاح الإنسان أنّ كان قد أكل منها في الوقت المناسب!

ويضيف القديس إيرينيئوس:

إنَّ الله منذ البدء خلق الإنسان حرًا. فللإنسان سلطانه على قراره، كما أنّ له حياته الخاصة، حتّى يتمم مقاصد الله بدون قسر من الله”.[2]

ويؤكد على ذلك اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ فلاديمير لوسكي قائلًا:

قمة كلّ قدرة وقدوة إلهية تظهر من عمل الله الذي يُظهِر فيه نفسه في حالة الضعف (إخلاء الذات)، هذه هيَ المخاطرةالإلهيةDivine risk !! الشخص هو أعلى ما في خليقة الله، وذلك فقط لأن الله يعطي الشخص إمكانية الحب، وبالتالي الرفض أيضًا.

الإنسان غير معصوم من الخطأ، لأن بدون هذه القدرة على الخطأ لا يكون عظيمًا! لذلك أكَّد الآباء أنه كانت هُناك ضرورة لاختبار الإنسان لكي يدرك ويعي حريته، وبذلك يعي حبّ الله الحرَّ الذي في انتظاره. يقول القديس باسيليوس الكبير: لقد خلق الله الإنسان كائنًا حيًا، وقدم له الدعوة لكي يصير إلهًا! وقد كرّر القديس غريغوريوس النيزنزيّ هذا القول. ولكي يحقق الإنسان هذه الدعوة، لابد وأن تكون عنده إمكانية الرفض أيضًا.

لقد أظهر الله نفسه بمظهر العبد، وفي تواضع مُذهل اقترب بهدوء ولطف من الإنسان لأنه صار في شبه الناس، ومع كونه هو الله ذو السلطان المُطلق، ولكنه يُقدِّر الحرية التي وهبها للإنسان الذي خلقه على صورة ذاته، لذلك لا يستطيع أنّ ينتهك هذه الحرية، لأنها (الحرية) تنبع من شخصه القدوس. حقًا لقد خُلِقَ الإنسان بإرادة الله وحده، ولكنه لا يُمكنه أنّ يحقق التأله بإرادة الله وحده دون توافق إرادته مع إرادة الله وقبول هذه الدعوة الكريمة، فالله بتواضع يقترب بالحب واقفًا على باب النفس البشريّة هائنذا واقف على الباب وأقرع أنّ سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل اليه واتعشى معه وهو معي (رؤ3: 20)، وهو لا يُريد أنّ يقتحم النفس عنوة، بل يطلب منها أنّ تفتح بإرادتها وحدها: أنا نائمة وقلبي مستيقظ، صوت حبيبي قارعًا: افتحي لي يا أختي يا حبيبتي يا حمامتى يا كاملتي، لأن رأسي امتلأ من الطل وقصصي من ندى الليل (نش5: 2).

فالوصية ترفع من شأن الإنسان، إذ تكشف عن حرية إرادته. فقد أراد الله أنّ يتعامل معه على مستوى فائق، فأعطاه الوصية ليفتح باب الحوار العملي معه، فتكون طاعة آدم لله ليست طاعة غريزية آلية تحكمها قوانين الطبيعة كسائر المخلوقات، وإنما تقوم على إرادته المُقدّسة وحبه للحق الخارج من أعماقه بكمال حريته. فالوصية إذًا ليست حرمانًا للإنسان، ولا كبتًا له، وإنما هيَ طريق للتمتع بقدسية الإرادة الحرة.

فقد خلق الله في الفردوس َشَجَرًا ‍ذَا ثَمَرٍ، ورأى الله ذاك أنه حسن (تك1: 11، 12)، وقال الله إني قد أعطيتكم.. كلّ شجر فيه ثمر.. لكي يكون لكم طعامًا (تك29:1)، ولكنه ميَّز شجرة في الفردوس عن كلّ الأشجار، وتلك هيَ شجرة الحياة. إذ يمد (الإنسان) يده ويأخذ من شجرة الحياة.. ويأكل.. يحيا إلى الأبد (انظر: تك3: 22). لهذا وضع الرب هذه الشجرة في وسط الجنة (تك2: 9) لتكون أمام عينيَّ آدم حتّى تشغل مركز عقله واهتمامه وتملأ قلبه جعل الكل حسنًا في وقته، وأيضًا جعل الأبدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الإنسان العمل الذي يعمله الله من البداية إلى النهاية (جا11:3). وبالطبع فإنّ هذه الشجرة لا تُحيى بمجرد الأكل، وإلاّ حُسبت على قدر المساواة بذاك الذي غرسها، فينسى الإنسان بذلك مصدر حياته وخالقه. كان الواجب أنّ يكون الأكل من الشجرة مُصاحبًا للتأمل في الله. وكانت هذه الشجرة تؤكد وتعبّر من جانب، عن المسافة بين الله والإنسان، ومن جانب آخر، عن عطية الله للإنسان، وذلك ليكتشف الإنسان حاجته لما يسد تلك الهوة بينه، كمخلوق وبين الله الحى بذاته، فيحيا المخلوق القابل للموت، بالحى بذاته. كما أنّ الشجرة كانت تهدف أيضًا إلى أنّ لا يحيا آدم في الخلود من ذاته الذي هو أصل السقوط وكلّ خطية.

إذًا، لكي يحيا آدم حياة مغايرة، غير مائتة كان عليه أنّ يقتني التمييز بين حياة وحياة، أي أنّ لا يساوي نفسه بالمخلوقات الباقية من جانب، وأن يتجه نحو الحياة التي تأتي له من الله من جانب آخر.

يقول القديس أثناسيوس:

خَلَق مخلّصنا يسوع الجنس البشريّ، وجَعَل الإنسان قادرًا على رؤية وإدراك الحقائق بواسطة هذه المشابهة لشخصه.. عائشًا حياة الخلود كاملة ومباركة يقينًا.. إذ يتأمل في العناية الإلهية التي تمتد إلى الكون عن طريق الكلمة، مرتفعًا عن الأشياء الحسية والمظاهر الجسدية ومتصلًا بقوة عقله بالإلهيات والأشياء التي تدرك بالعقل في السموات.. وإذ يرى الكلمة، فإنّه يرى فيه أيضًا أبا الكلمة متلذذًا بالتأمل فيه، ومكتسبًا التجديد من الانعطاف نحوه. وذلك تمامًا كأول إنسان خُلق - الذي سُميَّ بالعبرية آدم - إذ وُصِف في الكتب المُقدّسة بأن عقله كان متجهًا نحو الله بحرية لا يعيقها الخجل. وبأنه كان يشارك القديسين في التأمل في الأمور التي يدركها العقل، والتي كان يتمتع بها في المكان الذي كان فيه، الذي دعاه موسى رمزيًا بالجنة، لذلك فإنّ طهارة النفس كافية في حد ذاتها للتأمل في الله. كما يقول الرب أيضًا طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله.[3]

والقديس غريغوريوس العجائبي يعتبر أنّ غياب الاتجاه نحو الله، كان سبب الخضوع لغواية الحية: حواء التي استراحت في الفردوس كان عقلها عقيمًا بلا فكر ولا تأمل، ولذلك خضعت لغواية وكلام الحية أصل كلّ الشرور. هذا يفسر ما جاء في (حك9: 10) فإنّ الجسد الفاسد يثقل النفس وللخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم.


خلاصة الأمر:


إنَّ الحياة في الفردوس كانت تعني لآدم أنه مدعو للبقاء إلى الأبد في نعمة الصورة الإلهية، وبذلك يكون بقاؤه ونجاته من الموت، وخلوده في الفردوس، هو في الشركة مع الله. فيدوم خلاصه وتحرره من الفساد والموت.

إنَّ آدم قبل سقوطه كان حيًا ـ طالما كان هناك تأمل، وانعطاف فكر نحو الله، ومحبة، واتحاد بالله وتجديد حياة، فلم يملك عليه الموت وقتئذٍ.

الوصية الإلهية في حقيقتها هيَ علامة حبّ الله نحو الإنسان محبوبه، وتقديره له. فهي أشبه بعهدٍ، سمح الله به لآدم، حتّى ببقاءه أمينًا في عهده، يبقى مرتبطًا بالله مصدر حياته، فلا يستقل بذاتيته، ويرجع إلى أصله: التراب!

الوصية الإلهية هيَ عطية ثمينة، مُقدّمة من يديّ إله محب، يطلب ارتباط محبوبه به، فتناغم الإرادة البشريّة مع إرادته الإلهية غير المتناهية، دون أنّ يفقد الإنسان شخصيته أو حريته، بل باحترام الإنسان للعهد وتمسكه به، ينال كرامة لا يستطيع مخلوق آخر أنّ ينالها.

الوصية الإلهية في مكنونها لم تكن حِملًا أو ثِقلًا يسقط تحت عبئه الإنسان، كما يتصور البعض الآن بعد السقوط. لا، بل هيَ بحق صادرة عن أحضان إلهية مُحبة، تُريد أنّ تحتفظ بالإنسان فيها، ليتمتع بكلّ الانعكاسات التي للطابع الإلهيّ على صورته إلى الأبد، وليس لإذلاله.[4]


عن كتاب: قصة الحب العجيب، لأمجد بشارة 2017

[1] الحبّ الالهي. الأب تادرس يعقوب ملطي. ص 192.

[2] ضد الهرطقات 4: 27: 1.

[3] ضد الوثنيين، 2: 2 - 4.

[4]الحب الإلهي. الأب تادرس يعقوب ملطي. ص 191.