الثلاثاء، 26 سبتمبر 2023

تحرير العبيد في المسيحية المبكرة، القديس غريغوريوس النيسي نموذجًا

 


المسيحية والاهتمام بالعبيد


عالج القديس بولس الرسول مشكلة العبيد بمنظار إيماني، ففي الوقت الذي فيه طالب العبيد أن يُطيعوا سادتهم في الرب، وليس على حساب إيمانهم وخلاصهم، طالب السادة أن يحملوا نظرة جديدة نحو عبيدهم، بكونهم اخوة مساوين لهم، شركاء معهم في العبودية لله سيد الجميع. مع خضوع الرسول بولس للنظام البشري لكنه في حدود إيمانية، فيحمل العبد الشجاعة للاستشهاد إن طالبه سيد بما يُضاد خلاصه، ويُطالب السيد بتقدير العبد كأخ له. وقد قدم لنا مثلاً عمليًّا في رسالته إلى تلميذه فليمون، حيث اعتبر العبد الهارب اللص أُنسيمس بعد توبته أخاه، وابنه الذي ولده في القيود، وأحشاءه، ونظيره، والمعين له في الخدمة.

طالب مجمع غنغرا أن يخضع العبيد لسادتهم في الرب، ويشهدوا للإنجيل الحيّ فيهم، ولا يحاولوا الهروب من السادة، ولا استخدام العنف معهم[1].

وحث القديس يوحنا الذهبي الفم، وهو معاصر القديس غريغوريوس، المسيحيين ألا يقتني أحد أكثر من عبدين لخدمة بيته وليس لإذلالهما[2]. لقد تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن عشرات السادة الذين اقتنوا ألفًا من العبيد[3]، وبعض السادة في أنطاكية لديهم مئات.

يوضح القديس يوحنا الذهبي الفم أن العبودية ليست في خطة الله الأصلية[4].

يُعلن اللاهوتي الكبادوكي القديس غريغوريوس النزينزي أن العبودية هي تمييز أثيم، ومع ذلك فهي جزء من الواقع الحاضر[5].

وبنفس الروح يقول القديس باسيليوس الكبير أنه ليس أحد بالطبيعة عبدًا. لكنه في نفس الوقت لم يطلب مقاومة نظام المجتمع، إذ يقول: "وإن كان إنسان ما يُجعل سيدًا والآخر عبدًا، مع هذا فخلال نظرتنا الخاصة بالمساواة في الرتبة، نحن جميعًا قطيعًا لخالقنا، إخوة عبيد[6].]


نظرة القديس غريغوريوس للعبودية


يرى بعض الدارسين أن القديس غريغوريوس النيسي هو أول لاهوتي يقدم ثورة فكرية ضد العبودية. قدم في منتصف عظته الرابعة على سفر الجامعة أساسًا لاهوتيًا لمقاومته للعبودية يتلخص في النقاط التالية.

* أن ظن كائن بشرى أنه سيد لجنسه، يحسب في نفسه أنه مختلف عن الخاضعين له (كأنه من طبيعة غير طبيعتهم).
* الطبيعة البشرية التي خلقها الله حرة، لكل منهم حق أخذ قراراته المصيرية بنفسه.
* يجب التمييز بين الممتلكات والخليقة غير العاقلة، بين صورة الله ومثاله الكائن العاقل الحر.
* استحالة السيادة على صورة الله الحرة، فإنه لا يقدر إنسان أن يدفع ثمن آخر!
* اللقب (سيد) لا يُعطي من السيادة على الخاضعين له.
* من أنت يا من تظن أنك سيد لكائن بشري؟

فيما يلي فقرات مما وردد في كتاباته:


1. كلنا متساوون بالطبيعة


جميعنا متساوون بالطبيعة[7].

ليست الطبيعة بل (حب) السلطة هو الذي قسم البشرية إلى عبيد وسادة[8].

الله وهب البشرية من تقرير مصيرها (ليس للسيد أن يتحكم في حياة العبد) [9].

هذا الذي يخضع لك بالعادة والقانون هو مساوي لك في كرامة الطبيعة[10].

(خلقت البشرية في الأصل متكاملة) لكل واحد سلطان أن يدير نفسه بلا سيد وقود حياة بلا حزن ولا تعب؛ فماذا يعني أن تُقاد إلا أن تُستعبد[11]؟!

أن تُقسم الخليقة التي retained بحق الطبيعة في المساواة إلى عبيد وقوة حاكمة، قسم يأمر والآخر يخضع هو tyranny و usurpation للنظام الذي وضعه الله[12].

(العبودية هي) اخصاء لتكامل الكائن الحي[13].

حالة الاستقلال والحرية هي ميل الحكمة motion لإرادة الإنسان[14].

أعلى مشكلة للحرية هو أن يكون الإنسان سيد نفسه[15].

 

2. الله سيد الكل


يقول (السيد) لقد اقتنيت لي عبيدًا وجواري، وقد ولد عبيد في بيتي لأجلي. هل تلاحظ الـ enormity الذي للعجرفة؟ مثل هذا النوع من الحديث هو تحدي لله. إذ نسمع من النبوة أن كل الأشياء عبيد للقوة التي transcends الكل. لذلك عندما يحول أحد ممتلكات الله ليجعلها ممتلكاته، ويُقيم سلطانًا arrogates على جنسه ظانًا أنه يملك رجالاً ونساء، فإن ما يفعله أليس إلا أنه overstepping طبيعته بالكبرياء، ظانًا في نفسه أنه شيء مختلف عن الخاضعين له؟ [16].


3. الطبيعة البشرية حرة


"اقتنيت عبيدًا وجواري".

ماذا تُعني؟ تلزم إنسانًا بالعبودية بينما طبيعته حرة وله إرادة حرة (تقرر مصير نفسه)،وأنت legislate في منافسة مع الله، محولاً شريعته إلى شريعة بشرية. لقد وضع سمات معينة ليكون هو ملك الأرض، وعين أن تُدار حياة الإنسان بواسطة الخالق، هذا الذي أنت تأتي به إلى نير العبودية، وكأنك defying وتحارب القانون الإلهي[17].


4. لماذا تتعدى حدود سلطانك؟


لقد نسيت حدود سلطانك، قانونك هو أن تسيطر على الأشياء غير العاقلة، فقد كتب: "ليسيطروا" على الطيور والأسماء وذوي الأربعة أرجل والزجافات. لماذا تتعدي الحدود في ما يخضع لك وتقيم نفسك فوق من هم أحرار، حاسبًا من هم من جنسك كمن في مستوى ذوي الأربعة الأرجل بل وفي مستوى من لا أرجل لهم؟

"أخضعت كل الأشياء للإنسان، هكذا تعلن كلمة النبوة، وجاء في النص الأشياء الخاضعة: "الغنم والثيران والقطيع. حقًا لم يولد الإنسان من قطيعك! لم تحبل البقر بقطيع بشري! الكائنات غير العاقلة هي وحدها العبيد الوحيدين للإنسان...

بتقسيمك البشر إلى "عبيد" و "ملاك" تجعل من البشرية تَستعبد نفسها، وتملك نفسها![18]


5. أي ثمن دفعته لشراء عبيدك؟


"اقتنيت لي عبيدًا وجواري"

أخبرني بأي ثمن؟ ماذا وجدت في المسكونة ما يُضاهي الطبيعة البشرية؟

أيّ ثمن تقدمه مقابل التعقل (لأن العبد إنسان عاقل)؟

كم obole يمكن دفعه مقابل التشبه بالله (لأن العبد على شبه الله)؟

كم staters أخذت عندما بعت كائنًا شكَّله الله؟

يقول الله: "لنصنع الله على صورتنا ومثالنا". فإن كان على شكل الله ويسيطر على الأرض، ووُهب سلطانًا على كل ما على الأرض من قبل الله، فمن يكون الشاري؟ أخبرني! من بائعه؟ هذا السلطان هو لله وحده، بل وحتى ليس لله نفسه. لأن عطاياه السخية لا تُرد. الله لا يريد أن ينزل بالجنس البشري إلى العبودية، إذ هو نفسه - عندما صرنا عبيدًا للخطية - تلقائياً دعانا إلى الحرية. إن كان الله لا يستعبد ما هو حر، من هو ذاك الذي يجعل سلطانه فوق الله؟[19]

 

6. هل يُباع العبد مع ما يمتلكه؟ الأرض كلها!


يرى البعض أنه بحسب القانون الروماني عندما يُباع عبد لا تشمل عملية البيع ممتلكات العبد (مثل ثيابه)، لكن القديس غريغوريوس وهو يوبخ من يشترك في عمليات بيع أو شراء العبيد يتحدث بلغة الإنسان الروحي والواعظ لا المحامي ورجل القانون، إذ يرى من العار أن يُباع الإنسان وهو كائن حرّ مع ما يملكه فقد أقام الله الإنسان ليُسيطر على الأرض كلها.

كيف أيضًا صاحب السلطان على كل الأرض وكل الأمور الأرضية يُعرض للبيع؟ فإن ما يملكه الشخص المبُاع تربط به وتُباع معه أيضًا. ماذا تكون قيمة الأرض كلها؟ كم هي هذه التي على الأرض؟ إن كانت لا تقّدر بثمن، فأي ثمن يُقدم عن ذاك الذي فوق الكل؛ اخبرني...

ذاك الذي يعرف طبيعة البشرية بحق يقول أن كل العالم لا يستحق أن يقدم مقابل نفس بشرية. لذلك عندما يُقدم كائن بشري للبيع أليس أقل من مالك الأرض يُعاد إلى مزاد للبيع.

لنفرض إذن أن الأشياء التي يمتلكها تُقدم أيضًا للمزاد. هذا يعني أن الأرض كلها، والجزائر، والبحار وكل ما فيها مقدمة للبيع. ماذا سيدفع المشتري؟ ماذا يقبل الـ vendor، واضعًا في حساباته بالتفصيل كم هي الممتلكات موضوع الصفقة[20].

 

7. كيف يُكتب عقد بيع العبد؟


يرى القديس غريغوريوس أن الله الذي وهب الإنسان أن يسيطر على العالم كله كيف لورقة وقلم أن يُسجلا بيعه وشراءه!

هل قطعة من الورق، والعقد المكتوب، وعدّ العملة يخدعك ظانًا في نفسك أنك صرت سيدًا عل صورة الله؟ أية غباوة هذه؟! فإن فُقد العقد، إن كل العث الكتابة، أورشليم سقط عليها نقطة ماء فأفسدتها، أيّ ضمان لك من جهة عبوديتهم؟ ما الذي يُعضد لقبك كمالك[21].

لم يتحدث القديس غريغوريوس صراحة عن الثمن الذي دفع عن كل نفسٍ بشرية، وهو دم السيد المسيح الذي اشترانا، ولن تستطيع قوة أن تنتزع هذا الصك أورشليم تفسده أورشليم تمحيه. لقد اشترينا جميعًا بثمنٍ، ولا يستطيع أحد منا أن يشتري أخاه!


8. اختلاف في اللقب لا غير


يرى القديس غريغوريوس أن الاختلاف بين السيد والعبد هو في اللقب لا غير، لكنهما شريكان في كل شيء.

لا أرى أن لك سمو على الخاضعين لك من اللقب سوى اللقب وحده.

ماذا يقدم لك هذا السلطان كشخص؟ لا يهبك longirty ولا جمالاً ولا صحة، ولا سموًّا في الفضيلة.

أصلك من نفس الأسلاف التي ينسب إليها، وحياتك من نفس نوع حياته، آلام النفس والجسد تحوط بك يا من تملكه وبالذي يخضعلمكيتك: من آلام ومسرات، merriments ومصائب، أحزان ومباهج، ثورات ومخاوف، أمراض وموت. هل يوجد خلاف في هذه الأمور بين العبد ومالكه؟ ألم ينسحب إلى ذات الهواء الذي يتنفسه؟ ألا يصير الاثنان ترابًا واحدًا بعد الموت؟ أليست دينونة واحدة للإثنين؟ ملكوت واحد وجهنم واحد!

إن كنتما متساويين في كل مثل هذه الأشياء ففي شيء أنت أعظم؟ أخبرني    وأنت بشري تظن أنك سيد لكائن بشري؟ ويقول: "اقتبس عبيدًا وجواري"، وكأنهم قطيع من الماعز أورشليم الخنازير[22].

 

دعوة لعتق العبيد


في عظة له على عيد القيامة المجيد حث القديس غريغوريوس أسقف نيصص السادة على تحرير عبيدهم كما حررنا السيد المسيح بقيامته من عبودية الخطية.

[الآن هل تحرر المسجونون، وعُفي عن المدينين، وعتق العبيد بإعلان صالح ولطيف من قبل الكنيسة؟!...

لقد سمعتم أيها السادة، أعطوا اهتمامًا لقولي كقول صادق.

لا يهينوني لدى عبيدكم متطلعين إلى اليوم كعظة لبلاغية باطلة.

انزعوا الألم عن النفوس المتضايقة كما ينتزع الرب الموت عن الأجساد،

وحولوا عارهم إلى كرامة،

وضيقهم إلى فرح،

وخوفهم من أن يتحدثوا إلى انفتاح.

احضروا المطروحين في الزوايا كما من قبورهم،

اجعلوا جمال العيد يزهر كزهرة فوق كل أحدٍ[23].

في موضع آخر يقول:

[اللطف يزهر في... تقديم يد سخية لعبيدٍ نالوا سعادة قليلة في بدء عبوديتهم، وعانوا مرارة في حياتهم بعد[24].]

وفي حديث أخر يعتقد القديس غريغوريوس أن المجتمع المسيحي يلزمه أن يلتزم بالمساواة، لذا يجب انتزاع العبودية وكل ظلم من الجماعة الكنسية.

[لتمحى الاختلافات الاجتماعية، فلا يوجد خضوع وسلطة، فقر و opulence scum، وإشراف، plebeian منحط وأسرة مكرمة، ولا مجال لعدم المساواة... لنحكم المساواة السياسية والتشريعية، وتوزع على كل واحدٍ في كمال الحرية وبطريقة مملوءة سلامًا ليختار ما يريده[25].]

 



[1] Council of Gangra Canon 3.

[2] In 1 Cor. hom 40:5. 

[3] In Matt. hom 63:4.

[4] In 1 Cor. hom. 40:5, in Eph. hom 22:2.

[5] De rebus suis 80-82.

[6] De Spiritu Sancto 20:51.

[7] De Beatitudinibus,1.

[8] De Oratione Dominica, 5.

[9] Ibid.

[10] Ibid.

[11] De Beatitudinibus, 3.

[12] Contra Eunomium, 1:35.

[13] Antirrheticus adversus Apollinaruim, 23.

[14] De Hominis Oplficio 16:14 PG. 44:185 A. 

[15] De Beatitudinibus, 8.

[16] In Eccles. Hom., 4.

[17] Ibid.

[18] Ibid.

[19] Ibid.

[20] Ibid.

[21] Ibid.

[22] Ibid.

[23] In Sanctum Pascha.  

[24] Contra Usurarios.

[25] De Morstuis.

التجربة على الجبل (مت 1:4-11، مر 12:1و13، لو 1:4-13)

 


+ «لأنه فيما هو قد تألَّم مجرَّباً يقدر أن يعين المجرَّبين.» (عب 18:2)

+ «مجرَّب في كل شيء مثلنا بلا خطية.» (عب 15:4)

ú [لقد ودَّع المسيح خدمته بين الناس بعشاء المحبة، ولكنه بدأ خدمته بوحدة عنيفة وصوم ثقيل.] بابيني([1])

§ “آدم تجرَّب وسقط أمام عدوه، والمسيح تجرَّب وأسقط عدوه”.

§ “الذي قاله الشيطان للمسيح: «إن كنت ابن الله قل ...»،

قاله أيضاً رئيس الكهنة للمسيح: «إن كنت ابن الله انزل ..»”.

 

أهمية أن يُجرَّب المسيح من الشيطان قبل أن يبدأ خدمته

 

الآن قد استلم المسيح الرسالة بالصوت المسموع والرؤية العلنية للروح القدس، وهو يؤازره بالمنظور حتى يدرك المسيح أن الروح القدس سيعمل معه على المكشوف الذي يراه كل بشر. ولكن لا يزال يعوز الخدمة أن يتمرَّس المسيح كإنسان على أسلحتها في مواجهة الشرير وأعماله ويستوثق هو من سلطانه الأقوى في مواجهة رئيس هذا العالم. فاقتاده الروح للمقابلة الرسمية مع العدو وهو في عقر داره في القفر.

فإن كان المسيح قادماً ليفتتح ملكوت الله في صميم العالم، فهذا معناه اقتحام سلطة الشيطان رئيس هذا العالم ونهب داره أولاً الذي سلَّحه بأسلحة الخطية المتعدِّدة. إذن، فقد لزمت المواجهة.

وهكذا تقدَّم المسيح أعزل من سلطانه الإلهي، إذ قد تخلَّى عمداً عمَّا له، لكي يستطيع أن يقف موقفنا ويأخذ دورنا: [ففي كل ما انتصر فيه المسيح معناه أننا انتصرنا]([2]). وفي هذه المواجهة الساخنة مع الشيطان انتصرت البشرية فيه على مستوى البشر لأن كل ما انتصر فيه جسدياً انتصرنا فيه حتماً.

يلزمنا أن نتعرَّف أولاً على ما حدث في تجربة الشيطان للمسيح بناءً على رأى الرب يسوع في العلاقة التي بين المسيح والشيطان، وهي على مستوى المثل الذي قدَّمه المسيح لتلاميذه ليدركوا مَنْ هو المسيح ومَنْ هو الشيطان، وماذا فعل المسيح للشيطان كمحصِّلة للتجربة التي مرَّ بها على الجبل وفي خدمته بطولها بالنسبة للأشفية وإخراج الشياطين. وهو مَثَل أعطاه المسيح نفسه وهو يحمل سر قوة المسيح. والمَثَل الذي ساقه المسيح لقياس القوة بين المسيح والشيطان يأتي هكذا: » ولكن إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله! أم كيف يستطيع أحدٌ أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته، إن لم يربط القوي أولاً، وحينئذ ينهب بيته؟ «(مت 12: 28و29)

واضح من هذا الكلام أن المسيح:

أولاً: قد افتتح ملكوت الله وأصبح بيت إسرائيل بشخصه هو ملكوت الله.

ثانياً: إنه جاء وفيه الروح القدس كقوة رادعة للشيطان الذي هو الروح أو الملاك الساقط من السماء.

ثالثاً: ومن المَثَل أن المسيح ربط القوي وهو الشيطان أولاً، ثم دخل بيت القوي وهو القفر ونهب أمتعته! والسؤال متى وأين ربط المسيح هذا الشيطان القوي؟

واضح لدينا الآن أن بدخول المسيح إلى الشيطان في البرية القفر وعلى جبل التجربة، استطاع أن يدخل بيته وأن يربطه، بمعنى أن يشل حركته، أي يعرِّي أساليبه. وسوف نرى ذلك في موضوع التجربة على الجبل.

ولكن يعطينا ق. لوقا في إنجيله معلومة مضافة كالآتي: » حينما يحفظ القوي داره متسلِّحاً تكون أمواله في أمان. ولكن متى جاء مَنْ هو أقوى منه فإنه يغلبه وينزع سلاحه الكامل الذي اتَّكل عليه ويوزِّع غنائمه «(لو 11: 21و22). هنا إضافة ق. لوقا تأتي بخصوص الربط، إذ يضيف عليها أنه ينزع سلاحه الكامل الذي اتَّكل عليه قبل أن يوزِّع غنائمه، بعد أن يربطه ويغلبه.

وهذا يعطينا معلومة أن نزع السلاح الكامل يأتي بعد أن يغلبه. ويغلبه لأن المسيح هو الأقوى! وهذا كله يضاف إلى مفهوم تجربة المسيح على الجبل.

 

التجـربـة (مت 4: 1-10)

 

أول ما يسترعينا في هذه القصة أن الروح هو روح المسيح: [فروحه هو الذي اقتاده إلى البرية]([3])، [وبآن واحد نقول: إن روح الله هو الذي اقتاده إلى البرية.]([4])

 

( أ ) «ثم أُصعد يسوع إلى البرية “من الروح ليُجرَّب” من إبليس»:

 

إذن، فالتجربة أساساً موضوعة في تدبير الله كجزء من منهج رسالة المسيح وخدمته قبل دخوله في بدء الخدمة. ولذا فهي تختص أساساً بالخدمة، إذ يستحيل أن ينزل المسيح إلى الخدمة والشيطان حرٌّ طليق يعبث بالناس ويعطِّل عمل المسيح! بمعنى أنه لَزِمَ أولاً أن يُربَط الشيطان ويُنْزَع سلاحه الكامل الذي اعتمد عليه والذي جعله يطمئن على بيته وهو الإنسان؛ بعد أن يتغلَّب المسيح على الشيطان “القوي” ويربطه لأن المسيح هو “الأقوى” - وهنا الروح القدس وارد بمعنى أن المسيح يحمل اللاهوت فهو أقوى ليس بالروح القدس، ولكن الروح القدس مرافق للاهوته لأنه الابن بشهادة الآب، وهذا هو سر قوته الفائقة على قوة الشيطان - حينئذ تبدأ جولة المسيح في مواجهة الشيطان في الناس الذين تسلَّط عليهم إلى أن يتقابلا أخيراً عند الصليب.

 

(ب) «فبعدما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلةً، جاع أخيراً»:

 

واضح أن الصوم يجيء هنا كأول وأساس لعملية التجربة. والمعنى واضح أن التجربة ستبدأ من الجسد أي بصفة أن المسيح حامل البشرية. فبالتالي من حق الشيطان أن يتقدَّم ويجرِّب المسيح. لذلك لزم للمسيح أن يُعِدَّ جسده أو بشريته للتجربة بالصوم. أمَّا جوع المسيح بعد هذه المدة فهو إثبات قاطع أن الجسد الذي يحمله انتهت طاقته في احتمال الانقطاع الكلِّي عن الأكل والشرب عند هذا الحد.

وعند هذا الحد تقدَّم الشيطان، لأنها أضعف لحظة للمسيح فيها يستخدم الشيطان الضغط على الجسد بالجوع والعطش ليقدِّم تجربته. فالجوع يُنشئ “شهوة” للطعام جارفة، ومن “الشهوة” سابقاً أُسْقِطَ آدم وامرأته. فالشيطان متمرِّس في إسقاط الإنسان بعراكه مع شهوة الجسد، وهذا هو أول أسلحة الشيطان الكاملة. فتقدَّم الشيطان رافعاً سلاحه.

 

 ( ج ) «فتقدَّم إليه المجرِّب وقال له: إن كنت ابن الله فَقُلْ أن تصير هذه الحجارة خبزاً»:


هنا استغل الشيطان فرصة الجوع والعطش الشديد ليحرِّك فكر المسيح أن يعمل عملاً يتنافى مع رسالته ويستخدم لاهوته في إشباع جوعه بدلاً من إشباع جوع مَنْ جاء ليخلِّصهم. وهنا يكون المسيح قد خضع لمشيئة نفسه بإيحاء من الشيطان، وهي مخالفة صريحة مباشرة لقانون المسيَّا والخلاص: » لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني «(يو 38:6). وقد وضع الشيطان تجربته في قالب مناسب غاية المناسبة. فمنذ قليل وبعد المعمودية جاء الصوت من السماء يؤكِّد أنه ابن الله. فما المانع أن يتأكِّد هو من هذه الحقيقة، وبسلطان ابن الله يحوِّل الحجارة خبزاً؟ وهكذا يكون الشيطان قد حبك التجربة لتخلخل علاقة المسيح بالآب السماوي وتوحي للمسيح أن يستقل بإرادته عن مشيئة الآب. وعلى هذا الخبث كان رد المسيح لينزع سلاح الشيطان الكامل في العمل على استقلال مشيئة الإنسان عن مشيئة الله أو ابن الله عن الآب!

 

( د ) «فأجاب وقال: مكتوبٌ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله»:


هنا التجاء المسيح وهو ابن الله إلى كلمة الله توضيحٌ لمصدر “الأقوى” عند المسيح، وهو “سلطان الكلمة” التي بها انتزع سلاح الشيطان الكامل الذي يقوم على استخدام مشيئة الإنسان بعيداً عن مشيئة الله، أو الابن عن الآب، لتكميل شهوة الجسد. فالخبز مهما كان ليس هو مصدر حياة الإنسان، بل كلمة الله التي تخرج من فمه لتُحيي وتُميت.

يُلاحَظ هنا أن رد المسيح: “بكلمة الله التي تخرج من فمه” (انظر: تث 3:8) هي بعينها لو طبقناها على التوراة ككل تصير “كل وصايا الله”. حيث الاتجاه التعليمي يكون الطاعة لوصايا الله وإرادته، وهي التي عبَّر عنها المسيح بقوله: » طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمِّم عمله. « (يو 34:4)

فالشيطان يستغل الجوع ويُظهر عطفه لئلاَّ يموت الإنسان، مُحرِّضاً إيَّاه ليعمل الخطأ والممنوع (يسرق مثلاً) لكي يحيا ولا يموت، وردَّ المسيح أن الحياة ليست من الخبز بل الحياة في كلمة الله.

وهنا انتهى الشيطان من التجربة القائمة على شهوة الجسد بتكسير سلاحه وانتزاعه. فابتدأ يصوِّب التجربة الثانية، وهي قائمة على رد المسيح أنَّ بكلمة الله يحيا الإنسان. فهنا تقدَّم الشيطان بمشروعه الثاني القائم على الاعتماد على كلمة الله.


( هـ ) «ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدَّسة، وأوقفه على جناح الهيكل، وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوبٌ: أنه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجرٍ رجلك»:


وهذا وارد حقـًّا في المزمور (91: 11و12).

وهنا يستخدم الشيطان سلاحه القائم على أساس استخدام كلمة الله للفخار والمجد الذاتي. فسلاح الشيطان هنا مصوَّب نحو كلمة الله لكي يجعلها أساس التجربة. فبهذه المناسبة نجد سلاح العدو من نفس صنف سلاح الفرِّيسيين الذين طلبوا من المسيح آية، فكان ردّه أنه لا تُعطى لهم آية إلاَّ آية يونان النبي، والتي كانت قائمة على استخدام كلمة الله لتبكيت أهل نينوى وإنذارهم بالهلاك إن لم يتوبوا. هذا هو سلاح الكلمة الأقوى. فكان رد المسيح:


( و ) «قال له يسوع: مكتوبٌ أيضاً: لا تجرِّب الرب إلهك»:


هنا القوة الأقوى انبرت لتحطيم سلاح العدو بسلطان الكلمة نفسه لتظل كلمة الله ضد العدو قادرة أن تحطِّم أسلحته وفخاخه على أساس أن عدم تجربة الله يستند على الثقة بالله. وهنا تقدَّم الشيطان بسلاحه الأخير، مصوِّباً إياه نحو رسالة المسيح القائمة على أساس تحمُّل الآلام والصَّلْب والموت لخلاص العالم، وهي أيضاً مشيئة الله الآب.


( ز ) «ثم أخذه أيضاً إبليس إلى جبلٍ عالٍ جداً، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له: أُعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي»:


هنا سلاح العدو مصوَّب ضد “الآب” نفسه الذي أرسل الابن لخلاص العالم مبذولاً على الصليب. فقدَّم الشيطان مشروعه في المقابل: أن يكسب العالم كله لحسابه لو عصى الآب وأطاع الشيطان. وهو بهذا يتجنَّب الآلام والصليب. ولذلك كان رد المسيح حاسماً وقاطعاً ضد تجربته.


( ح ) «حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان! لأنه مكتوبٌ: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد»:


على أساس أن نوال مُلك العالم من دون الله خيانة لله. لذلك فهذا الرد الإلهي يستند على الأمانة المطلقة لله.

كانت التجربة الأخيرة التي قدَّمها الشيطان هي نفسها التي كان قد سقط فيها الشيطان نفسه؛ إذ عصى الله قديماً فأُسقط من رتبته التي كانت رئاسته العُليا على بقية الملائكة، وأخذ رئاسته السُّفلى على العالم المادي، وذلك بمشيئة الله كمجرِّب أو كحزب معارضة ضد تعاليم الله، وليمكنه أن يستولي - إن استطاع - على الإنسان الذي خلقه الله على صورته لكي يعبده، والله عالم أنه سيستعيده بقدر ما يكتشف الإنسان الحق. وهكذا انتقلت رئاسة الشيطان من وضعها الإيجابي الروحي العالي - قبل سقوطه - إلى وضعها المادي الأسفل والسالبي، وبدل أن كانت للخير كخادم لله صارت للشر كمقاوِم ومجرِّب ولكن تحت انضباط الله. هنا المسيح صوَّب سلاحه الأقوى والغالب لتحطيم سلاح الشيطان الأخير، ذلك بالرجوع إلى الله مصدر السلطات والمجازاة والعطايا، بأنه يتحتَّم السجود لله وحده والطاعة الكاملة مع العبادة، مذكِّراً الشيطان بجريمته.

إلى هنا يكون المسيح قد حطَّم سلاح العدو الكامل وبالتالي ربطه، حيث الرباط والتقييد هنا هو نتيجة حتمية لتحطيم سلاحه الكامل الذي اعتمد عليه، وهو أنواع المراوغة ووسائل الخداع لإسقاط الإنسان بعيداً عن الله ووصاياه.


( ط ) «وينهب أمتعته»: (مت 29:12)


وبعد أن ينتزع سلاحه ويربطه » ينهب أمتعته « وهنا عملية الخدمة بطولها، حيث كان عمل المسيح مُرَكَّزاً بصورة أساسية ومُلفِتة إلى إخراج الشيطان بقوة واقتدار وسلطان. ففضح الشيطان وحرَّر مئات وربما ألوفاً من الذين كان قد استولى عليهم الشيطان وصاروا من ممتلكاته أو أمتعته التي يتمتَّع ويتسلَّى بتعذيبها كخليقة الله التي وقعت في يده فريسة.

وهكذا ينكشف منهج المسيح بوضوح كيف نزع أسلحته قبل بداية الخدمة وقيَّده، فلم يَعُدْ له قدرة على مواجهة المسيح. ثم نزل المسيح إلى بيت الشيطان الذي اختبأ فيه هو والأشخاص الذين استولى عليهم وسكن فيهم سُكنى المتاع والاستمتاع، وهناك أخرجه عنوة وفضحه. وهذه أمثلة من صراخه:

+ » وإذا هما قد صرخا قائلين: ما لنا ولك يا يسوع ابن الله؟ أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذِّبنا؟ «(مت 29:8)

+ » آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري. أتيت لتهلكنا. أنا أعرفك مَنْ أنت: قدوس الله. « (مر 24:1)

+ » أستحلفك بالله أن لا تعذبني. « (مر 7:5)

+ » أطلب منك أن لا تعذبني. « (لو 28:8)

وبهذا كله كان المسيح يرد على الشيطان فيما عمله في خليقة الله التي أهانها وعذَّبها: » والمعذَّبون من أرواحٍ نجسةٍ. وكانوا يبرأون. « (لو 18:6)

هذا طبعاً مضافاً إليه كشف المسيح لأفكار الشيطان وأعماله في سلوك الناس وتلويث عبادتهم.

بقيت في حركات الشيطان وأعماله عملية واحدة لها علاقة هنا بالتجربة “في البرية” إذ السؤال: لماذا ذهب المسيح بنفسه مُقاداً بالروح إلى “البرية” ليُجرَّب من إبليس؟ والجواب قدَّمه المسيح في موضع آخر هكذا:


( ي ) «إذا خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء، يطلب راحة ولا يجد. ثم يقول: أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه. فيأتي ويجده فارغاً مكنوساً مزيَّناً. ثُمَّ يذهب ويأخذ معه سبعة أرواح أُخر أشر منه، فتدخل وتسكن هناك، فتصير أواخر ذلك الإنسان أشرَّ من أوائله. هكذا يكون أيضاً لهذا الجيل الشرير.» (مت 12: 43-45)

واضح هنا أن البرية هي المكان المفضَّل للعدو الذي يجعله مركز تجمعه وراحته. فالمسيح بذهابه إلى البرية، دخل إلى الشيطان في عقر داره بصفته الأقوى، ونازله وانتزع أسلحته وربطه ونزل إلى الخدمة ونهب أمتعته.


( ك ) «ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين.» (لو 13:4)


واضح من هذه الآية، أنه بعد أن فقد الشيطان جولته مع المسيح وخرج منهزماً ومربوطاً، فارقه إلى حين، بمعنى فارقه ليتقابل معه على الصليب؛ حيث أنهى المسيح معه جولته الأخيرة وانتزع كل سلطانه المؤسَّس على الخطية التي هي آخر أسلحته وأمضاها:

+ » مسامحاً لكم بجميع الخطايا، إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض، الذي كان ضدًّا لنا، وقد رَفَعَهُ من الوسط (بيننا وبين الله) مسمِّراً إياه بالصليب، إذ جرَّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً، ظافراً بهم فيه. « (كو 2: 13-15)

نظرة إلى مجموع التجارب وهدفها إن أهم ما يمكن أن نقوله بخصوص هذه التجارب التي جازها المسيح: إنها لم تُصوَّب إليه كونه “ابن الله” فهذا مستحيل ولا يستطيعه الشيطان، ولكنه لمَّا تجسَّد الابن الكلمة وأخذ جسد الإنسان، أي صار بشراً، أصبح في متناول الشيطان لأنه جرَّب مع آدم ونجح. فالتجارب مصوَّبة للمسيح ابن الله المتجسِّد باستغلال أخذه ضعف الإنسان أي جسده.

وبالمقابل فإن المسيح دخل إلى تجربة الشيطان وهو حامل البشرية وممثِّلها بقصد مباشر هو أن يجيز البشرية التي فيه، وهي أضعف ما فيه، كل تجارب الشيطان، ثم يغلب الشيطان، وبجسده الضعيف، يحطِّم أسلحته وقوته وذلك لحساب الإنسان الجديد أو الخليقة الجديدة التي ستقوم به وفيه من بين الأموات. لذلك قالها المسيح واثقاً مما عمله بفم الإنسان الجديد الذي فيه قبل أن يجوز به الموت لينهي منه قوة الخطية إلى الأبد: «لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء» (يو 30:14). فقد صفَّى المسيح حساب الشيطان مع الإنسان قبل أن يدخل بجسده الموت حتى لا يُمسك منه في الموت؛ بل قام به جديداً منيراً خليقة جديدة لحساب الإنسان.

على أن التجربة مع الشيطان كانت تمهيداً للتجارب والمصادمات التي كانت تنتظره مع الكتبة والفريسيين، وأعطته الإحساس الداخلي كيف يتعرَّف على التجربة من أين هي آتية وإلى أين هي مصوَّبة. فقد أدرك أفكار العدو وكشف حيله، فلم تكن التجارب بعد ذلك خارجة عن متناول معرفته وسلطانه.

لقد جاز المسيح تجارب الشيطان والكتبة والفرِّيسيين ورؤساء الكهنة، وبالنهاية قال لتلاميذه: » دُفع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأُمم «(مت 18:28و19). لقد تخلَّى المسيح عن مظاهر المجد والقوة وحارب الشر والأشرار ببرِّه الذاتي الشخصي، فغلب واسترد كل سلطان له ليحكم ويدين.

لقد كان القصد والغاية من التجربة التي جازها المسيح إزاء الشيطان أن يختبر علاقة المسيح بالله أبيه. بالرغم أن التجربة في ظاهرها أصابت الجسد حيث تتركَّز التجربة في: ( أ ) شهوات الجسد الطبيعي، (ب) الشهوات النفسية للطبيعة الإنسانية، (ج) شهوة الإعجاب بالذات والتكريم من الآخرين وامتلاك القوة.

أمَّا جوهر التجربة الحقيقي فهو موجَّه نحو الدعوة التي دُعِيَ إليها المسيح، فهي مصوَّبة بإتقان لتخريب العلاقة بين المسيح والله لإصابة طاعته وثقته وأمانته في الله. وهذا واضح جداً في عرض الشيطان للمسيح بأن يُسلِّمه مملكة العالم كله إن هو سجد له. أمَّا ثقة المسيح في الله فتعرَّضت للتجربة بتقديم فكرة طرح المسيح لنفسه من فوق جناح الهيكل. وأمَّا طاعة المسيح لله في كل شيء فامتحنها الشيطان بعرض فكرة تحويل الحجر إلى خبز، الأمر الذي ازداد وضوحاً برد المسيح عليه: » ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله « أي الوصايا والطاعة لها. كما جاءت في (تث 3:8)، حيث تكون الحياة في خضوع كلِّي لمشيئة الله.

من هنا يظهر لنا أن المعمودية وبعدها التجربة هما فصل واحد متماسك ومتشابك في بدء حياة المسيح وخدمته، حيث في المعمودية يتم اختيار الله للمسيح وتعيينه للعمل، يقابله في التجربة رد فعل المسيح في المحافظة على هذا الاختيار بمنتهى حرية المسيح والأمانة الكلِّية لله الآب، والثقة فيه، والخضوع والطاعة له كملك.

وهكذا وقبل أن يبدأ خدمته تعيَّن المسيح رسمياً من الله كمختار الله للعمل في تأسيس ملكوته على الأرض، كما تمَّ إثبات أمانة المسيح وثقته وخضوعه لله كملك لملكوته على الأرض، وأن كل ما سيتم في هذه الخدمة سيكون من أجل الله، مع الله، وتحت الله؛ حيث المسيح سيكون العامل الأمين الكامل للملك الكامل.

الأناجيل تُثبت وتوضِّح هذا الأمر:

+ » إن كنت أنا بروح الله أُخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله. « (مت 28:12)

هنا واضح أن القوة التي سيُمارس بها المسيح إخراج الشياطين هي قوة الله الملك.

+ » ثم نظر حوله إلى الجالسين وقال: ها أُمي وإخوتي، لأن مَنْ يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي. « (مر 3: 34و35)

وهنا واضح أن المسيح جاء ليصنع مشيئة الله بدليل أن كل مَنْ يصنع مشيئة الله يكون منتسباً إليه: “بيت الله”.

+ » وأمَّا الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلاَّ للذين أُعدَّ لهم. « (مر 40:10)

+ » وأمَّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاَّ الآب. « (مر 32:13)

وهنا واضح أن المسيح يترك ما لله في يد الله وليس له إلاَّ أن يصنع مشيئته.

  

عن كتاب، المسيح حياته واعماله، للأب متى المسكين، ص 76: 84

 


([1]) G. Papini, op. cit., p. 63.

([2]) A. Edersheim, op. cit., p. 294.

([3]) A. Edersheim, op. cit., p. 303.

([4]) Ibid.

إعادة المعمودية في القرون الأولى

 

طُرح هذا الموضوع في القرون الأولى للمسيحية، أوّلاً في رومة، ثمّ في شمالي أفريقيا بين كبريانوس أسقف قرطاجة واسطفانوس أسقف رومة.

فالاضطهادات التي كانت تصيب المسيحيين جعلت الكثيرين منهم يجحدون إيمانهم خوفًا من التعذيب والموت، ويقدّمون ذبائح لآلهة الوثنيين أو يشترون شهادات تفيد بأنّهم قدّموا ذبائح؛ ولدى انقطاع الاضطهادات كانوا يطلبون قبولهم من جديد في حضن الكنيسة.

كان أساقفة رومة يقفون من هؤلاء المسيحيين موقفًا متسامحًا، فيفرضون عليهم التوبة ووقت امتحان ثمّ يقبلونهم لسرّ الإفخارستيا. هكذا فعل البابا كالستوس (217- 222)، ومن بعده البابا كرنيليوس (251- 253). وقد قاوم هذا الموقفَ بعض المتشدِّدين من أمثال الكاهن هيبوليتوس الذي حمل حملة عنيفة على البابا كالستوس، والكاهن نوفاسيانوس الذي قاوم الباباكرنيليوس في الموضوع عينه. ومن تعاليم نوفاسيانوس نشأت بدعة "الأطهار" الذين كانوا يرفضون أن يُقبَل من جديد في الكنيسة مسيحي جحد إيمانه أو اقترف خطيئة ثقيلة، وينكرون صحة الأسرار التي يمنحها كاهن غير "طاهر".
أمّا موقف الكنيسة الكاثوليكية فكان التسامح اقتداء بالسيّد المسيح الذي أن روبل توبة الخطأة وطلب ألاّ يُقلعَ الزؤان من حقل القمح (متى 13: 24- 30).

وفي شمالي أفريقيا وقف كبريانوس أسقف قرطاجة الموقف عينه الذي وقفه أساقفة رومة، فقاومه دوناتوس وأنشأ كنيسة مستقلّة عُرفت في ما بعد ببدعة "الدوناتيين". ومن ممارسات هؤلاء المبتدعين إعادة معمودية الكاثوليكيين الذين كانوا ينتقلون إليهم، لاعتقادهم أنّ المعمودية غير صحيحة في كنيسة تتساهل مع الخطأة وجاحدي الإيمان. وفي مقابل ذلك راح كبريانوس والكاثوليكيون يعيدون هم أيضاً معمودية الدوناتيين الذين كانوا يأتون إليهم.
وفي هذا الموضوع الأخير حصل جدال عنيف بين كبريانوس والبابا اسطفانوس أسقف رومة الذي أكّد بشدّة صحّة معمودية الدوناتيين، وطلب من كبريانوس العدول عن إعادة معموديتهم. إلاّ أنّ كنيسة شمالي أفريقيا بقيت على موقفها، ولم يحسم الخلاف بين الموقفين إلاّ سنة 314 في مجمع "أرل" وبعد وفاة أهم المتخاصمين. وقد قرّر المجمع ما يلي:

"بالنسبة الى الأفريقيين الذين يتبعون شريعتهم الخاصّة بإعادة المعمودية، رأى المجمع أنّه إن قدم أحد من الهرطقة إلى الكنيسة، يُسأَل عن قانون الإيمان الذي تعمّد فيه، فإن بدا واضحًا أنّه تعمّد في الآب والابن والروح القدس، يُكتفى بأن توضع عليه الأيدي لينال الروح القدس. أمّا إذا لم يستطع الإجابة عن الثالوث، فتُعاد معموديّتُه".[1]

احتدم النقاش من جديد بين الدوناتيين والقديس أغوسطينوس، الذي أظهر أنّ صحّة العماد غير مرتبطة بقداسة الكاهن الذي يمنح السرّ، بل بالسلطة التي منحيا المسيح لكنيسته. فالكاهن لا يعمّد باسمه الخاص، بل باسم الكنيسة، والكنيسة تعمّد باسم المسيح: "أبطرس عمّد أم بولس أم يهوذا، فالمسيح هو الذي يعمّد".[2] والأمر الوحيد المطلوب من خادم السرّ هو احترام قوانين الكنيسة في منح السرّ.

وسنة 325 أقرّ المجمع المسكونيّ الأوّل في القانون 8 صحّة عماد النوفاتيين وكهنوتهم، وهم "الذين يسمّون أنفسهم أطهارًا، إذا عادوا الى الكنيسة الجامعة الرسولية"؛[3] ولكنّه في القانون 19 طلب إعادة معمودية "أتباع بولس السميساطي اللاجئين الى الكنيسة الجامعة".[4] إنّ القدّيس أثناسيوس الاسكندري الذي كان له دور هام في المجمع، وكان بعد شماسًا إنجيليًا، يفسّر هذا القرار بقوله إنّ أتباع بولس السميساطي كانوا يمنحون المعمودية حسب الصيغة الكنسية الصحيحة، إلاّ أنّ إيمانهم بالثالوث الأقدس كان خاطئًا:

"فهم لا يعترفون بالآب الحقيقي، إذ ينكرون الذي وُلد منه وله جوهر مماثل؟ وينكرون أيضاً الابن الحقيقي؛ إذ يسمّون ابنًا آخر مؤكّدين أنّه مخلوق من العدم. فكيف إذن لا تكون المعمودية التي يمنحونها فارغة وباطلة؟ وكذلك القول عن أتباع آريوس. فإنّهم وإن حافظوا على قول الكتاب المقدّس ولفظوا أسماء (الآب والابن والروح القدس)، إلاّ أنّهم يخدعون من ينال منهم المعمودية... لأن من ينال المعمودية باسم من ليس بشيء لا ينال شيئًا، بل يتّحد بالخليقة ولا ينال منها أيّ عون".[5]

وسنة 381 أقرّ المجمع المسكوني الثاني أن تعاد معمودية الآتين من بعض البدع كأتباع بولس السميساطي، و"أتباع افنوميوس الّذين يعمّدون بغطسة واحدة، والصابيليين الذين يعلّمون أنّ الآب هو نفسه الابن". أمّا سائر المبتدعين من "آريوسيين وتبّاع مكدونيوس... والذين يدعون أنفسهم أطهارًا والأَبوليناريين، فيُقبَلون بعد أن يعطوا صكًا برفضهم ضلالاتهم ولعنهم كلّ بدعة لا تتّفق مع تعليم كنيسة الله الجامعة المقدّسة الرسولية، ومن ثمّ يُختَمون ويُمسَحون بالزيت المقدّس".[6]
وكذلك المجمع المنعقد في القسطنطينية سنة 691 والمدعوّ "مجمع القبّة" (أو ترولّو)، أعاد هذا التمييز بين البدع التي تُعتبَر المعمودية فيها صحيحة وتلك التي تعتبر المعمودية فيها باطلة. وأضاف أنّ "النساطرة وأتباع افتيخيوس وأتباع ديوسقوروس وساويروس... يجب على كل منهم أن يقدّم صكًا مكتوبًا يرفض فيه بدعته، وبذلك يصيرون أهلاً لتناول سرّ الشركة المقدّس".[7]

من هذا نستخلص أنّ المعمودية باطلة في كنيسة لا تعتقد الاعتقاد الصحيح في الثالوث الأقدس، ويجب إعادة معمودية الذين ينتقلون منها إلى الكنيسة الكاثوليكية. أمّا الكنائس التي تعترف بالثالوث الأقدس، فمهما اختلفت في سائر المواضيع، تبقى المعمودية فيها صحيحة، ولا تعاد معمودية من ينتقل من إحدى هذه الكنائس إلى كنيسة أخرى.



[1] Denzinger, 53 (23), Cite dans Hamman (A), op. cit., p. 76.

[2] في إنجيل يوحنا، 5: 7، 15، 18؛ 6: 7.

[3] حنانيا إلياس كسّاب، مجموع الشرع الكنسي، بيروت، 1975، ص 63.

[4] المرجع السابق، ص 93.

[5] ضد الآريوسيين، 2: 42، 43.

[6] مجموع الشرع الكنسيّ، 279.

[7] المرجع السابق، ص 605، 606.