لتحميل الكتاب كاملًا اضغط هُنا:
«أَحَبَّنَا ٱلْمَسِيحُ
أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلّٰهِ
رَائِحَةً طَيِّبَةً» (أفسس 5: 2)
التعليق على النص اليوناني
γενόμενος ὑπὲρ ἡμῶν κατάρα، «جينومينوس
يبير هيمون كاتارا» (صائرًا لعنة لأجلنا): مَنْ كان يجرؤ على التكلم هكذا دون خوف
من التجديف، لو لم يمهد الرسول الطريق؟ إن كلمة «لعنة» [κατάρα] تعني أكثر من «أناثيما» [anathema]، رومية 9:
3 : «فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ
الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ»؛ لأن اللعنة يوقعها
آخر، أما الأناثيما فيجلبها المرء على نفسه تلقائيًا.
نزع الفكر العبراني
إلى مطابقة الشخص الذي حلت عليه اللعنة مع اللعنة ذاتها، مثلما طابق بين ذبيحة
الخطية والخطية، داعيًا إياها «هامارتيا» [ἁμαρτία] (لاويين 4:
21-25): «ذَبِيحَةُ خَطِيَّةِ الْجَمَاعَةِ». ومن هنا كان يُنظر إلى تيس عزازيل
كنجس تمامًا بسبب الخطايا الموضوعة عليه.
[Ἐπικاτάρατος] «إبيكاراتاتوس» هذا المقطع مقتبس من تثنية 21: 23 مع تغيير واحد
ذي دلالة. ففي الأصل، يُعلن عن المجرم الذي نُفذ فيه حكم الموت بموجب حكم الناموس
أنه [κεκαταραμένος ὑπὸ Θεοῦ] «كيكاتارامينوس إيبو ثيو» (ملعون من قبل الله)، بحيث يُؤكد
الناموس أنه صوت الله، حاملًا معه ملء المصادقة الإلهية. ولكن هنا، حُذفت الكلمات
[ὑπὸ Θεοῦ] «إيبو ثيو» (من قبل الله)، نظرًا لأن
الإعلان الجديد لرحمة الله فِي المسيح قد قضى للمسيحيين إدانة الناموس السابقة.[1]
وعلى المنوال نفسه،
قيلت كلمة «يكاريت» [יכרת]، «إكسولوثريوثيسيتاي» [ἐξολοθρευθήσεται]، (يُقطع)، عن المسيح فِي دانيال 9: 26 : «وَبَعْدَ اثْنَيْنِ
وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ». كما استُخدم حرف الجر
«يبير» [Ὑπὲρ]، (لأجل/عوضًا عن)، هنا بمنتهى اللياقة؛ لأن
المسيح صار اللعنة، التي كنا نحن إياها، عوضًا عنا، لكي نكف نحن عن أن نكون لعنة.[2]
فلأجلنا ولأجل خلاصنا
من قيد هذه اللعنة، تدخّل المسيح بموته، بما أنه مات كملعون، وبذلك، كما بثمن
شراء، حلَّ تلك العلاقة بالناموس التي كانت تتضمن لعنة. قارن: 1 كورنثوس 6: 20؛ 1
كورنثوس 7: 23؛ كولوسي 2: 14.[3]
وهذا الأثر يعتمد بالتأكيد على خلو المسيح من الخطية: 2 كورنثوس 5: 21، والتي
بدونها لم تكن حياته المبذولة لتكون «ليترون» [λύτρον] (فدية): متّى 20: 28؛ وهو نفسه، بسفك دمه، لم يكن ليكون
«هيلاستيريون» [ἱλαστή] (كفارة): رومية 3: 25، لأنه بوجود ذنب خاص
به، كان سيكون عرضة للعنة لحسابه الخاص، وليس من خلال أخذ ذنب الآخرين عليه: يوحنا
1: 29: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!».[4]
شروحات الآباء
يوضِّح القديس يوحنّا
ذهبي الفم أنّ اللعنة التي وقعت على المسيح، لم تكن أن الله ضربه أو لعنه، لإنه
كما رأينا فحتّى القديس بولس لما يقل هذا، بل لم يقتبسه من سفر التثنية، بل أنّ
اللعنة المقصودة هُنا هِيَ بكل بساطة الموت الذي رفعه المسيح عنّا بأخذه الموت فِي
جسده الخاص، ثمَّ بنصرته عليه، فيقول:
استبدل المسيح هذه اللعنة بلعنةٍ أخرى، "ملعونّ كلّ من عُلِّق على خشبة". إن كان مَنْ يُعلَّق على خشبة ومن يتعدّى الناموس كلاهما تحت اللعنة، وإنه كان من الضروري لذاك الذي يحرر من اللعنة أن يكون هو حرًا منها، إنما يتقبل لعنة أخرى (غير لعنة التعدي)، لذلك قُبِل المسيح فِي نفسه هذه اللعنة الأخرى. (خلال التعليق على خشبة) لكي يحررنا من اللعنة... لم يأخذ المسيح لعنة التعدي، بل اللعنة الأخرى، لكي يَنتزع اللعنة عن الآخرين. "على أنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن فِي فمه غش" (إش 9:53). إذ بموته خلص الأموات من الموت، هكذا بحمله اللعنة فِي نفسه خلصهم منها.[5]
فالمسيح لم يتحول إلى
لعنة، كما أنّه فِي تجسُّده اتخذ جسدًا بشريًا ليستخدمه كأداة، لكنّه لم يتحول
ويتغير ليصبح جسدًا! فهنا أخذ المسيح اللعنة التي بسبب الناموس، والتي هِيَ لعنة
الموت، ليموت عن موت البشريّة، وهذا ما يقوله أثناسيوس:
عند سماعنا "المسيح قد صار لعنة لأجلنا"، و"لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا" (2 كو 5: 21)، لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكُليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمل اللعنة التي علينا (إش 53: 4؛ 1 بط 2: 24).
كما أن المسيح بذاته لم يصر لعنة، إنما قيل هذا لأنه أخذ على عاتقه اللعنة لحسابنا، هكذا صار جسدًا لا بتحوله إلى جسد، إنما اتخذ جسدًا من أجلنا وصار إنسانًا.
إنه يُرشد اليهود وأهل غلاطية أن يضعوا رجاءهم لا فِي الناموس بل فِي الرب مُعطي الناموس.[6]
ويقول أمبرسيوس:
صار خطية ولعنة لا لحسابه بل لحسابنا... صار لعنة لأنه حمل لعناتنا.[7]
ويوضح النيزنزي أنّ
المسيح لم يكن ملعونًا من الله، بل أنّه حمل اللعنة عني، أي حمل الموت عني بموته
الكفاري على الصليب، فيقول:
كيف يمكن أن يكون خطية ذاك الذي يحررنا من الخطية؟ وكيف يمكنه أن يكون لعنة ذاك الذي يفدينا من لعنة الناموس؟ حدث هذا ليمارس تواضعه إلى هذه الدرجة، ولكي يُشكِّلنا نحن بالتواضع الذي يجلب مجدًا.
دُعي لعنة من أجلي، هذا الذي حطم لعنتي... صار آدم الجديد ليحتل مكان آدم الأول، وبهذا فقط يجعل عصياني عصيانه هو بكونه رأس الجسد كله.[8]
وهذا أيضًا ما يوضحه
غريغوريوس النيسي:
صار مطيعًا ذاك الذي "أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا" (راجع مت 8: 17)، فشفيَّ عصياننا؛ إذ بجلداته شَفى جراحاتنا وبموته طرد الموت العام الذي سيطر على كلّ البشرية. من أجلنا أطاع حتّى صار "خطية" و"لعنة" بتدبيره لحسابنا؛ لم يكن هكذا بالطبيعة، إنما صار كذلك من أجل حبه للإنسان.[9]
التفاسير المعاصرة وتعليقاتها
يضع الأب متّى المسكين
مقارنة بين ذبيحة المحرقة وذبيحة المسيح، فيوضِّح أنّ المسيح حمل الخطية كما
تحملها قديمًا ذبيحة المحرقة، فتزهق روحها وتنال الموت عوضًا عن موت الخاطيء. وأنّ
المسيح لم تمسّه الخطية ولا اللعنة، لكنّه ذاق الموت بالجسد لأجلنا، بينما هو القدوس
وبلا عيب، وهذا الموت الذي ذاقه المسيح عن الجميع هو اللعنة، فيكتب:
وبالفعل هو ارتضى بالحكم باعتباره أنه صادر بالحق على البشرية التي يحملها فِي جسده القدوس معتبرًا جسده الذي حمل البشرية بخطاياها ذبيحة خطية؛ والتزم أن يحمل العار وبالتالي ارتضى أن يكون المحرقة ليكفر عن خطايا البشرية.. وهكذا بحرق جسده تكون قد أحرقت خطايا الشعب كله، وبسفك دمه أزهقت روح عوض إزهاق روح الخاطئ.
فلم تحرق منه إلا خطايانا، ولم ترفع عنه إلا لعنتنا. أما هو فبقي كما هو القدوس الطاهر الذي بلا خطية، ينضح عبر نار لاهوته من طهارته وقدوسيته على جسد بشريتنا فيه، حتّى صار بالنهاية قدسًا فِي قدسه وشعلة منصهرة فِي شعلته. فلاَقَ أن يُقال عنه: «أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِي لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ» (يو ١٧: ٢٣).
هكذا حوَّلت نار الحب الإلهي نار لعنة المحرقة على خشبة العار لتقدس بشريتنا فيه لنكون على صورته فِي المجد ونسكن الحب الإلهي فينا.[10]
نفس الأمر يكتب عنه
وليم ماكدونالد، موضحًا أن المسيح صار ملعونًا لأنّه صار مائتًا فِي الجسد عن
البشرية، فقد افتدى المسيح البشر من خطاياهم بموته، وهذه هِيَ لعنة الناموس التي
حملها:
الافتداء هو إعادة الشراء، أو التحرير بدفع الثمن. ولعنة الناموس هِيَ الموت، الذي هو أجرة كسر الوصايا. فقد حرَّر المسيح الذين تحت الناموس من عقوبة الموت التي يطالب بها الناموس.. لقد افتدى المسيح البشر بموته مكانَهم.. لم يصِر المسيح خاطئًا فِي ذاته، بل إنَّ خطايا الإنسان وُضعت عليه.. إنَّه خلَّص الناس من الناموس إذ حمل بموته لعنة الناموس المخيفة.[11]
ويكتب هنري إيرونسايد:
عندما نتحدث عن أناس تحت "لعنة الناموس"، فإننا نعني أنهم خاضعون لعقوبة انتهاك القانون، والقصاص هو الموت، روحيًا وأبديًا. "الروح التي تخطئ تموت" (حزقيال 18: 20). لذلك حسنٌ القول بأن الناموس هو "خدمة الموت" و"خدمة الدينونة" (2كورنثوس 3: 7،9)، لأن كلّ من هم تحت الناموس، ولكن أخفقوا فِي حفظه هم تحت الدينونة، ومحكوم عليهم بالموت، ولذلك فهم تحت اللعنة. ولكن ربنا يسوع المسيح قد مات ليحرّرنا من لعنة الناموس.[12]
الخلاصة
أولًا: التحليل اللغوي
والنصي (Philological
Analysis)
مفهوم اللعنة [κατάρα - كاتارا]: تفرق الدراسة بين اللعنة التي
يوقعها "آخر" (الناموس/الله) وبين "الأناثيما" التي يجلبها
الشخص على نفسه.
المطابقة
العبرانية: توضح الدراسة كيف
طابق الفكر العبراني بين الشخص وذبيحته، فكما دُعيت ذبيحة الخطية "خطية"
[ἁμαρτία - هامارتيا]، دُعي المسيح "لعنة"
لأنه حمل وضعنا القانوني أمام الناموس.
حذف عبارة «من
قبل الله»: تلاحظ الدراسة أن
الرسول بولس عند اقتباسه من تثنية 21: 23 حذف عبارة [ὑπὸ Θεοῦ - إيبو ثيو]، ليشير إلى أن المسيح لم يكن ملعونًا من الآب كشخص،
بل حمل "حالة اللعنة" وهي الموت، الذي أوجده الناموس ضد الطبيعة
الساقطة.
ثانيًا: الرؤية الآبائية
(Patristic Insights)
تتفق الآراء الآبائية
(ذهبي الفم، أثناسيوس، النيزنزي، والنيسي) على مبدأ أساسي: المسيح صار لعنة
"بالتدبير" لا "بالطبيعة".
ليس تحولًا
جوهريًا: كما أن الكلمة صار
جسدًا دون أن يتحول جسده إلى لاهوت أو العكس، كذلك صار لعنة بأخذه "عقوبة
اللعنة" (الموت) فِي جسده، دون أن تتغير قداسته.
تبادل المواقع: المسيح أخذ "لعنة الخشبة" ليحررنا من
"لعنة التعدي". هو لم يخطئ، لكنه احتمل الموت (أجرة الخطية) ليميت الموت
فِي جسده.
ثالثًا: التفسير
اللاهوتي المعاصر
ذبيحة المحرقة: يربط الأب متى المسكين بين نار العدل الإلهي ونار
الحب؛ فالمسيح ارتضى أن يكون "محرقة" لتُحرق فيه خطايانا، بينما يبقى هو
القدوس الذي يفيض بطهارته علينا.
مفهوم
الافتداء: يؤكد المفسرون (مثل
ماكدونالد وإيرونسايد) أن الافتداء هو "إعادة شراء" بوفاء الدين، وأن
المسيح لم يصر "خاطئًا" فِي ذاته قط، بل وُضعت عليه عقوبة كسر الناموس
(الموت) لينزعها عنا.
[1] Expositor’s
Greek Testament, Commentary on Galatians 3. Bible Hub. Retrieved February 20,
2026, from https://biblehub.com/commentaries/egt/galatians/3.htm
[2] Bengel’s
Gnomon of the New Testament, Commentary on Galatians 3. Bible Hub. Retrieved
February 20, 2026, from
https://biblehub.com/commentaries/bengel/galatians/3.htm
[3] 1
كورنثوس 6:20 — «لِأَنَّكُمْ قَدِ ٱشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ، فَمَجِّدُوا ٱللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ
وَفِي أَرْوَاحِكُمُ ٱلَّتِي هِيَ لِللهِ.»
1 كورنثوس 7:23 — «قَدِ ٱشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ،
فَلَا تَصِيرُوا عَبِيدًا لِلنَّاسِ.»
كولوسي 2:14 — «إِذْ مَحَا ٱلصَّكَّ ٱلَّذِي
عَلَيْنَا فِي ٱلْفَرَائِضِ، ٱلَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ ٱلْوَسَطِ
مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِٱلصَّلِيبِ.»
[4] Meyer,
Heinrich August Wilhelm. "Galatians 3." In Critical and Exegetical
Commentary on the New Testament. Edited by William P. Dickson. Translated by G.
H. Venables. Edinburgh: T&T Clark, 1873. Accessed February 20, 2026.
https://biblehub.com/commentaries/meyer/galatians/3.htm.
[5] In
Galat., Chapter 3.
[6] Four
Discourses against the Arians, 2:47; Ep. 59 ad Epictetum, 8; De Synodis, 45.
[7] Of
the Christian Faith, 5, 14, 178.
[8] Oration
37:1; The Fourth Theological Oration, 5.
[9] Against
Eunomius 2:11.
[10] شرح رسالة
بولس الرسول إلى أهل غلاطية، الأب متى المسكين (وادي النطرون: دير أنبا مقار،
2014)، ص 207.
[11] The
Holy Bible. Arabic Smith & Van Dyke (VDV) and King James Version (KJV)
Parallel Edition. Galatians, Chapter 3. Accessed February 20, 2026.
https://injeel.com/read/vdv,kjv/Galatians/3.
[12]
نفس المرجع
السابق.

