الأحد، 24 سبتمبر 2023

الصلاة كلقاء مع الله!

 


الصّلاة هيَ رغبة عارمة في ملاقاة يسوع، رغبة تستولي على النفس وتشعل فيها شوقًا يتأجج في كلّ حين، ويزداد هذا الشوق حينما تُصلي[1]، فالصّلاة لا تجعل شوقنا للتلاقي مع الله يخبو، بل على العكس فهي تزيده إشتعالًا وتوهجًا داخل النفس كما بنار.

هذا هو عمل الروح الإلهي الناري حينما يدخل النفس يوهجها بناره الإلهيّة المنيرة لا الحارقة ويطعم النفس بحضوره بملء النعمة لأن الروح لا يأتي بمقياس ولا يُعطي بمكيال.

وهذا اللقاء في أحضان الثالوث، أي حينما يُدخلنا الروح القدس في بنوية الابن وهي الدالة التي بها نصعد إلى قدس الأقداس أمام الآب، هذا لقاء لا تتشبع منه النفس ولا تمتلئ ولا تمل، بل دائمًا تطلب الازدياد منه وكلّما تذوقت النفس حلاوة عشرة الثالوث طلبت الدخول في العمق أكثر والجلوس معه أكثر وأزدادت محبة الرّب أكثر في داخلها. وهذا ما أشعل مرنم المزامير فتهلل قائلًا: "ذُوقُوا وَانظروا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ! مز34: 8".

فالعبادة هيَ لقاء، هيَ اجتماع بين أشخاص. الهدف من العبادة ليس مجرد إثارة عواطف أو تحقيق مواقف أخلاقية لائقة، بل الهدف هو الدخول في علاقة مباشرة وشخصية مع الله الثالوث القدوس، كصديق يتحدث مع صديقه، نحن نتكلم مع الله، وبدالة نقف أمام وجه ذاك الذي يسكن في نور لا يُدنى منه. هذا ما كتبه القديس سمعان اللاهوتي الحديث[2]. يشير القديس سمعان هُنا باختصار إلى قطبين للعبادة المسيحيّة، وهما الوجهان المتعارضان لهذه العلاقة الشخصية: فالله "يسكن في نور لا يدنى منه"، ومع ذلك فنحن البشر نستطيع أن نقترب منه "بدالة"، وأن نتحدث معه "كصديق يُكلّم صديقه". الله يفوق كلّ الوجود وهو بعيد بغير حدود، ولا يمكن إدراكه، "هو الآخر الكلي" (السر العظيم والذى يسلب العقول). ولكن هذا الإله الفائق العلو هو في نفس الوقت إله الحب الشخصيّ، فهو قريب بطريقة فريدة، موجود حولنا وحاضر فينا: "الحاضر في كلّ مكان والماليء الكل" (الصّلاة الأرثوذكسية التي توجه للروح القدس)[3].

ويتطلّع الأب أفراهاط إلى الصّلاة بكونها لقاءً داخليًّا للقلب النقي مع الله القدوس، فالصّلاة هيَ حديث القلب، الذي لن يكون موضوع سرور الله القدوس ما لم يكن طاهرًا ونقيًّا.

إنّ رجل العلم يَدرس الأشياء والظواهر المخلوقة، أمّا رجل الصّلاة فهو يعمل جادًا مع خالق المخلوقات. إنّ ما يُحرِّك حُبَّه ليس هو الدفء بل الينبوع الذي يفيض بالدفء، وما يشغل اهتمامه ليست هيَ وظائف الحياة بل مصدر الحياة، إنه ليس محصورًا في حدود ذاته الخاصّة ولكنه مشغول بمصدر الشعور والوعى في داخل كلّ ذات. وأعني به خالق الذات وكلّ الكيان[4].

 

عن كتاب: سكيب الناردين، لأمجد بشارة، 2022

[1] الاب سيرافيم البراموسي، نحو الصلّاة، ص 14

[2] Theological, Gnostic and Practical Chapters.

[3] صّلاة من قطع الساعة الثالثة " أيها الملك السمائى...".

[4] طريق النساك، ص 61

ما هية الصلاة في المسيحية؟

 


الصّلاة في الإيمان المسيحيّ ليست عملًا نُقدّمه إلى الله لإرضائه، ولا طقسًا فُرِض علينا نقوم به إبتغاء للهبات المُعطاة لنا خلاله أو طمعًا في الحياة الأبديّة والنجاة من الدينونة.

إنما الصّلاة هيَ حركة شوق داخليّة في الإنسان للتلاقي مع وجه الأبديّة، لقاء مع شخص الله، فيه التعبير عن الحب والشكر وكل ما نشعر به كأنّما نتحدث إلى أقرب قريب، الله محبوب النفس:

"لأَنَّهُ أَيُّ شَعْبٍ هُوَ عَظِيمٌ لهُ آلِهَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْهُ كَالرَّبِّ إِلهِنَا فِي كلّ أَدْعِيَتِنَا إِليْهِ؟" (تث 4: 7). "لاَ تَقُلْ فِي قَلْبِكَ مَنْ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟» أَيْ لِيُحْدِرَ الْمَسِيحَ،7أَوْ «مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟» أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ" (رو 10: 6-7).

فالله قريب منّا بل في داخلنا يسكن القدوس ذاته: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟.. لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ" (1كو 3: 16، 17).

لذلك فكثيرًا ما أكَّد الآباء أنّ الصّلاة الحقيقيّة هيَ استجماع العقل والقلب والدخول بهما في عمق الذات، وهكذا قال أيضًا القديس أنطونيوس إنّنا بمعرفتنا لأنفسنا نعرف الله وما أخذنا منه[1]. فيقول: "لإنّ من عرف نفسه عرف الله ومن عرف الله يستحق أنّ يعبده بالحق".[2]

فالصّلاة ليست مجرّد كلمات نرددها أو خُطب رنانة، بل الصّلاة هيَ تعبير إرداي عن شوق اللقاء مع الله والدخول في حالة الأبديّة والاتحاد به، وبهذا فليس المهمّ فيها حجم الكلمات وبلاغتها وعددها، بل المهم أن تكون بسيطة صادرة بنقاء من داخل القلب.

والصّلاة هيَ التأمُّل في الجمال، فعندما سأل القديس يوحنا الصليبي إحدى المعترفات قائلًا: "مما تتكوَّن صلاتك؟" فأجابته قائلة: "التأمُّل في جمال الله، وفي التهليل والفرح لأن له مثل هذا الجمال".[3]

هذه هيَ طبيعة العبادة. أنّ نصّلي وأن نعبد هو أن نشعر بالجمال الروحانيّ للملكوت السماويّ؛ وأن نعبِّر عن ذلك الجمال بواسطة الكلمات كما بالشعر والموسيقى، ومن خلال الفن والأعمال الرمزيّة، ومن خلال كلّ حياتنا؛ وبهذه الطريقة فإنّنا ننشر الجمال الإلهيّ في العالم حولنا، وهكذا نحوِّل الخليقة الساقطة ونجعلها تتجلّى[4].

ويصفها مارإسحق بأنّها تليق بالكمال، وهي استقامة الضمير، ووعظ الأنواع الحسنة، والحرّيّة إلى الأمور المرتفعة، وهذيذ الروح وتذكار السمائيّات والهمّ بالخفيّات[5].

والصّلاة أيضًا أهمّ ما يميزها أنها ذبيحة كما اسماها الرسول بولس:"فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أنّ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقدّسة مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ.. رو12: 1". ففي الصّلاة أقدم ذاتي ذبيحة لله –ليس ذبيحة بأن أتلاشى أنا وأكون بلا قيمة- بل بالحمد والشكر والتسبيح والتمجيد الذي يُقدم بفهم وذهن حاضر وإحساس كيانيّ وتذوق لكل كلمة تخرج من الفم موجهة إلى الله هيَ بالنسبة إليه كذبيحة مُقدّمة له يستأنس بها الله ويتلذذ ويقبلها ويُنميها. فالذبائح الدموية لا ترضي الله ولا هيَ حسب مشيئته بل فقط وضعها الله من أجل أنّ يتذكره الشعب دائمًا وأيضًا يتذكرون انهم في حاجة إلى الخلاص من الخطيه، وليعرفوا أنّ هذه الذبائح والافعال البشريّة لا تنفع الإنسان شيئًا وإننا نحتاج إلى تدخل إلهي في حياتنا بل إلى اعماق النفس، وهذا ما أعلنه الوحي بطول الكتاب المقدس..

+ "ذابح الحمد يمجدني" (مز 50: 23)

+"أسبح اسم الله بتسبيح، وأعظمه بحمدٍ، فيُستطاب عند الرّب أكثر من ثور بقر ذي قرون وأظلاف" (مز 69: 30-31)

+"لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ. 15فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كلّ حِينٍ لِلَّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسمهِ" (عب 13: 14- 15)

والصّلاة أيضًا هيَ سكيب للنفس أمام الله، في الصّلاة آاتي وأُسكب نفسي في يدي الله، حالة من الاشتياق للدخول في شركة فيه، والإحساس بإنسداد كلّ الطرق وضعفها وطلبه وحده. أعتقد هذا ما كان يشعر به المُرنم حين قال:

"بِصَوْتِي إِلَى الرّب أَصْرُخُ. بِصَوْتِي إِلَى الرّب أَتَضَرَّعُ. 2أَسْكُبُ أَمَامَهُ شَكْوَايَ. بِضِيقِي قُدَّامَهُ أُخْبِرُ. 3عِنْدَ مَا أَعْيَتْ روحيّ فِيَّ.. مز 142: 1- 3".

وما أختبرته أيضًا حنه أم صموئيل:

"إِنِّي امْرَأَةٌ حَزِينَةُ الرُّوحِ وَلَمْ أَشْرَبْ خَمْرًا وَلاَ مُسْكِرًا، بَلْ أَسْكُبُ نَفْسِي أمام الرَّبِّ.. 1صم1: 15".

فنحن نأتي إلى الله مُحملين بأثقال كثيرة من خطايا وضيقات وتجارب يمر بها الأحبّاء وضعفات الجسد، وآاتي لأسكب ذاتي بكل ما أحمل أمام الله على مذبح الصّلاة طالبًا أخذ القوة التي غلبت العالم والتي ترفعني بدورها فوق ضيق العالم، لا إلَّا أدخل في الضيق، بل أن أملك القوة الإلهيّة على تحمُّل الضيق بصبر وثقة ورجاء وإرادة على الخروج منه.

 

عن كتاب: سكيب الناردين، لأمجد بشارة، 2022

[1] لإنّه إذا اقترب إنسان من النعمة فإنّ يسوع سيقول له "سوف لا أدعوكم عبيدًا، بل أدعوكم أصدقائى وإخوتى لأن كلّ الأشياء التي سمعتها من أبى أخبرتكم بها" (يو15:15) فإنّ كلّ الذين اقتربوا من النعمة وتعلّموا من الروح القدس قد عرفوا أنفسهم حسب جوهرهم العقليّ. وفي معرفتهم لأنفسهم صرخوا قائلين: "لإنّنا لم نأخذ روح العبوديّة للخوف ولكن روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب" (رو15:8) حتّى نعرف ماذا أعطانا الله، "إذا كنّا أبناء فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله، ووارثون مع القديسين" (رو17:8). (الرسالة الرابعة)

[2] الرسالة الرابعة

[3] E. Underhill, Worship, 5.

[4] الأب كاليستوس وير، العبادة الأرثوذكسيّة، ص 19

[5] الميمر 1: 39

شرح نبوة دانيال: سبعون أسبوعًا قضيت

 


هذا الشاهد وأربعة شواهد أخرى (مزمور 118: 26، دانيال 9: 26، حجي 2: 7- 9، زكريا 11: 13) تفيد أن المسيا سيأتي وهيكل أورشليم قائم. وهذه النبوة ذات دلالة عظيمة، خصوصاً إذا علمنا أن الهيكل أخرب سنة 70م ولم يقم منذ ذلك الوقت!

«وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له، وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس» (دانيال 9: 26).

وهذه النبوة مذهلة، فهي تقدم الأحداث التالية بحسب ترتيبها الزمني:

1- المسيا يأتي.

2- المسيا يقطع (يموت).

3- تخرب المدينة (أورشليم) والقدس (الهيكل).

وقد أخرب تيطس الروماني وجيشه أورشليم والهيكل عام 70م. فإما أن يكون المسيا قد جاء، أو أن تكون النبوة كاذبة!


تحقيق النبوة

في (دانيال 9: 24- 27) تذكر النبوة ثلاثة أمور محددة عن المسيح، وهي تشمل سبعين أسبوعاً (من السنين)، أو 490 سنة. أولاً: تذكر النبوة أنه في نهاية تسعة وستين أسبوعاً، سوف يأتي المسيح إلى أورشليم (نفهم من قوله «سبعين سنة» في (دانيال 9: 2) أن المقصود بقوله «سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً» هو تسعة وستون أسبوع سنين). وتبدأ الأسابيع التسعة والستون (483 سنة من حاصل ضرب 69* 7) من صدور القرار بإعادة بناء أورشليم بحسب الآية 25.

ثانياً: تذكر النبوة أنه بعد أن يأتي المسيح، سيُقطع (أي يموت). ثم يأتي رئيس ليخرب أورشليم والهيكل ويتمم الأسبوع الأخير من السبعين أسبوعاً أو 490 سنة.

وطبقاً لما ورد في (دانيال 19: 24- 26)، سوف يحدث كل هذا عند تمام تسعة وستين أسبوع سنين. ولكن (دانيال 19: 24) يذكر سبعين أسبوعاً (7 + 62 + 1)، وليس تسعة وستون. وهو يصف الأسبوع الأخير في الآية 27. ويعتقد الكثير من الدارسين أن هذه الآية تصف شخصاً وزمناً آخر غير ما ورد في الآية 26. فمع أن الكاتب يشير إلى «رئيس»، فربما كانت هذه الإشارة إلى رئيس آخر سيأتي في نهاية الأزمنة. (ومن الأمور الشائعة في النبوات ازدواج الإشارة، فمثلاً يمكن أن تشير النبوة إلى الملك داود وإلى المسيا الآتي في ذات الوقت). ويؤيد هذا الرأي أن الرئيس في الآية 27 سوف يبطل ممارسات العبادة في الهيكل اليهودي، ولكنه يقول في الآية 26 إن الرئيس قد أخرب الهيكل! ومن ثم فإن هذا الرئيس قد يأتي في النهاية بعد بناء الهيكل، وهو ما لم يحدث بعد. وبغض النظر عن طريقة تفسير الأسبوع السبعين (وهو يمثل السنوات السبع الأخيرة في النبوة)، فإن الجزء الأول من النبوة يمكن دراسته تاريخياً[1] ولمزيد من الدراسة حول هذه النبوة انظر المرجع التالي: (Chronological Aspects of the life of Christ)

 

نص النبوة

 

«سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين. فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً يعود ويُبني سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس وانتهاؤه بغمارة وإلى النهاية حرب وخرب قضي بها. ويثبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب» (دانيال 9: 24- 27).

 

تفسير النبوة

 

العناصر الرئيسية في النبوة


عن مذكرات الدكتور چيمس روسكب، الأستاذ بمعهد لاهوت تالبوت، كاليفورنيا فيما يختص بشعب دانيال، إسرائيل، ومدينته أورشليم (الآية 24) تذكر النبوة رئيسين:

1- المسيح (آية 25).

2- رئيس آت (آية 26).

وفترة زمنية مداها سبعون أسبوعاً (آية 24):

1- كفترة زمنية واحدة (آية 24).

2- مقسمة إلى ثلاث فترات: سبعة أسابيع، اثنان وستون أسبوعاً، أسبوع واحد. (الآيات 25، 27).

وتحدد النبوة بداية السبعين أسبوعاً (آية 25).

يأتي المسيح في نهاية تسعة وستون أسبوعاً (آية 25).

يخرب المدينة والقدس شعب رئيس آت (آية 26).

يقيم الرئيس الآتي عهداً مع إسرائيل في بداية الأسبوع الأخير (آية 27)، وينقض العهد في وسط الأسبوع (آية 27).

في نهاية الأسابيع السبعين، سوف يكون لإسرائيل بر أبدي (آية 24).

 

المدى الزمني لعبارة «سبعون أسبوعاً»

 

1- كلمة «أسبوع» في العبرية هي Shabua وتعني «سبعة»، وعلى هذا فإن سبعين أسبوعاً هي سبعون سبعة.

2- كان اليهود يتحدثون عن أسبوع أيام أو أسبوع سنين. «وكان ذلك في بعض الأحيان، أكثر أهمية بالنسبة لهم».[2]

3- يتضح ذلك من النص الوارد في  لاويين: "«وَتَعُدُّ لَكَ سَبْعَةَ سُبُوتِ سِنِينَ. سَبْعَ سِنِينَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. فَتَكُونُ لَكَ أَيَّامُ السَّبْعَةِ السُّبُوتِ السَّنَوِيَّةِ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً." (لا 25: 8). حيث يذكر أسابيع السنين. وهناك ما يجعلنا نقرر أن السبعين أسبوعاً التي وردت في دانيال هي أسابيع سنين:

1- تحدث دانيال عن أسابيع السنين ومضاعفات العدد سبعة في بداية هذا الأصحاح (دانيال 9: 1 و2).

2- كان دانيال يعلم أن السبي البابلي يرجع إلى عدم حفظ سنة اليوبيل. ولما كان اليهود في السبي 70 سنة فيكون عدم حفظهم لليوبيل قد استمر 490 سنة (لاويين 26: 32- 35، 2 أخبار أيام 36: 21، دانيال 9: 24).

3- تشير القرينة إلى أن المقصود هنا سنوات.

4- في دانيال 10: 2، 3 يتحدث دانيال عن «ثلاثة أسابيع أيام». ولو أنه قصد هنا أسابيع أيام لقال ذلك.

 

طول السنة النبوية

 

يجب أن نحدد طول سنة التقويم المستخدمة في الكتاب المقدس تبعاً للكتاب المقدس ذاته:

1- من الناحية التاريخية: قارن تكوين 7: 11 مع تكوين 8: 4، وقارن كلا النصين مع تكوين 7: 24 وتكوين 8: 3.

2- من الناحية النبوية: يشير الكتاب المقدس في كثير من المواضع إلى «الضيقة العظيمة» تحت مسميات شتى، ولكن جميعها تشترك في احتساب السنة 360 يوماً:

- دانيال 19: 27: «في وسط الأسبوع» وواضح هنا أن المقصود ثلاث سنوات ونصف.

- دانيال 7: 24 و25 «زمان وأزمنة ونصف زمان». وتترجم هذه العبارة حرفياً ثلاثة أزمنة ونصف.

- رؤيا 13: 4- 7: «اثنين وأربعين شهراً» -أي ثلاث سنوات ونصف.

- رؤيا 12: 13 و14 «زماناً وزمانين ونصف زمان».

- رؤيا 12: 6 «ألفاً ومئتين وستين يوماً» -أي ثلاث سنوات ونصف.

 

بداية السبعين أسبوعاً

 

اقترح الدارسون أربع قرارات في تاريخ إسرائيل يمكن اعتبار كل منها بداية للسبعين أسبوعاً وهي:

1- قرار الملك كورش عام 539 ق.م. (عزرا 1: 1- 4).

2- قرار الملك داريوس عام 519 ق.م. (عزرا 5: 3- 7).

3- قرار الملك أرتحشستا لعزرا عام 457 ق.م. (عزرا 7: 11- 16).

4- قرار الملك أرتحشستا لنحميا عام 444 ق.م. (نحميا 2: 1- 8). (Hohner, CALC, 131)

إلا أن أنسبها هو قرار الملك أرتحشستا إلى نحميا.

ويعلق ج. د. ويلسون على بداية الفترة التي تشير إليها النبوة قائلاً: يشار إلى هذا الأمر الملكي في (نحميا 2). وكان ذلك في السنة العشرين للملك أرتحشستا. ولا يذكر نص هذا الأمر، ولكننا يمكن أن نعرف مضمونه بسهولة. يسمع نحميا عن حالة الخراب التي تقبع فيها مدينة أورشليم، فيتملكه الحزن. وعندما يسأله الملك عن سبب ذلك يجيبه نحميا: «المدينة بيت مقابر آبائي خراب وأبوابها قد أكلتها النار». وعندما يسأله الملك عن طلبه فإنه يطلب أن يصدر الملك أمراً «بإرساله إلى مدينة أورشليم ليبنيها. وبالفعل يرسله الملك إلى هناك، حيث يعيد بناء أورشليم.

إذن فهذا هو «الأمر لتجديد أورشليم». وليس هناك أمر ملكي آخر يعطي الحق في إعادة بناء المدينة مثل هذا الأمر الذي يذكره لنا سفر نحميا ويذكر لنا كيف كان يتم العمل في إعادة بناء المدينة. ولقد وضع البعض نظريات مختلفة حددت قرارات ملكية مختلفة لبداية هذه الفترة، ولكن لا يخلو أي منها من الشك.

أما الأمر الوارد في (نحميا 2) فهو الأمر بتجديد أورشليم، وليس أي من الأوامر الأخرى يصرّح لبناء مدينة أورشليم. فجميع الأوامر الأخرى تشير إلى بناء الهيكل فقط.

لقد صدر هذا الأمر عام 444 ق.م. بناءً على ما يلي:

1- «في شهر نيسان، في السنة العشرين لأرتحشستا الملك» (نحميا 2:1).

2- ارتقى أرتحشستا العرش عام 465 ق.م.

3- عندما لا يحدد الكاتب العبري يوم الشهر يكون المقصود عادة اليوم الأول من الشهر. ومن ثم يكون تاريخ صدور الأمر 1نيسان 444 ق.م.

4- وبحسب تقويمنا يكون اليوم هو 5 مارس 444 ق.م.

 

نهاية الأسابيع السبعة الأولى:

 

1- استغرق إعادة بناء المدينة 49 سنة (آية 25).

2- تجدر الإشارة هنا إلى أن نهاية النبوة اليهودية وأسفار العهد القديم جاءت بعد 49 سنة من عام 444 ق.م، وهو تاريخ كتابة سفر ملاخي آخر أسفار العهد القديم.

لو صحت نبوة دانيال، فإنه من الأمر بتجديد أورشليم (1نيسان 444 ق.م.) إلى مجيء المسيح إلى أورشليم 483 عاماً (تسعة وستون أسبوع سنين)، وكل عام يساوي 360 يوماً بحسب السنة النبوية اليهودية، أي 173.880 يوماً.

والحدث الختامي في التسعة والستين أسبوعاً هو ظهور المسيح نفسه لإسرائيل باعتباره المسيا المنتظر، كما تنبأ عنه زكريا 9: 9. وبعد دراسة مستفيضة لنبوة دانيال وتواريخ الأحداث المتصلة بها، قال هارولد هوهنر:

إن حاصل ضرب 69 أسبوعاً * 7 سنوات * 360 يوماً= 173.880 يوماً. والفرق بين عام 444 ق.م. و 33 م. هو 476 سنة شمسية. وإذا ضربنا هذا الرقم * 365.24219879 أي * 365 يوماً و 5 ساعات و 48 دقيقة و 45.975 ثانية (إذ أن السنة الشمسية بها 1/4 365 يوماً تقريباً)، فإننا نحصل على 173.855 يوماً و 6 ساعات و 52 دقيقة و 44 ثانية أو 173.855 يوماً. وبطرح هذا الرقم من الفرق بين عامي 444 ق.م. و 33 م. يتبقى 25 يوماً. وإذا أضفنا 25 يوماً على التاريخ السابق الذي يبدأ من يوم 5 مارس (عام 444 ق.م.)، فإننا نصل إلى يوم 30 مارس (عام 33م) 10 نيسان 33م. وهذا يوافق دخول المسيح الانتصاري إلى أورشليم.[3]

 

الفترة بين التسعـة والستين أسبوعاً والأسبوع السبعين

 

بعد تمام تسعة وستين أسبوعاً وقبل بداية الأسبوع السبعين، هناك حادثتان هامتان لابد أن تحدثا:

1- «يقطع المسيح» (دانيال 9: 26). وقد صلب المسيح في 3 نيسان 33 م الموافق يوم الجمعة التالي لدخوله الانتصاري إلى أورشليم.

2- خراب أورشليم والهيكل (دانيال 9: 26).

ويناقش ويلسون هذه النبوة قائلاً:

وبعد ذلك أرسل القائد الروماني (تيطس) جيشاً ليخرب مدينة أورشليم والهيكل. وكان هذا الخراب تاماً. فإنه لم يدنس الهيكل فقط كما فعل أنطيوخس أبيفانس، ولكنه هدمه. ومنذ ذلك الوقت لم يقم الهيكل في أورشليم. وانتهت بذلك العبادة الطقسية اليهودية. ولم ولن تعد مرة أخرى. فمنذ سقوط أورشليم لم يعد هناك كهنوت يقيمها، إذ قتل كل نسل هارون. وليس هناك ذبائح كهنوتية أو كفارة يقوم بها رئيس الكهنة بعد، لأنه بحلول هذه الكارثة، انقضى العهد القديم. فعندما قدَّم حمل الله في الجلجثة أبطله، إلا أن مظهره الخارجي بقى لأربعين سنة. وانتهى ذلك بخراب أورشليم في عام 70م.[4]

 

الخلاصة

 

كانت نبوات دانيال عن المسيح دقيقة للغاية عندما تحدث عن السبعين أسبوعاً. وحتى مع افتراض أن تاريخ كتابة سفر دانيال كان عام 165 ق.م.، تكون هذه الأحداث قد حدثت بعد التنبؤ بها بما لا يقل عن مائتي عام. وهي تشمل:

1- مجيء المسيح.

2- موت المسيح.

3- خراب أورشليم واليهكل.


أما الجزء الثالث من النبوة والذي يتعلق بالأسبوع السبعين فهو لم يتم بعد.

 

 

عن كتاب: برهان جديد يتطلب قرار، لجوش ماكدويل

[2] McClain, Alva J. Daniel’s Prophecy of the Seventh. Grand Rapids: Zondervan Publishing House, 1972., 13

[3] Hoehner, Harold. Chronological Aspects of the Life of Christ. Grand Rapids: Zondervan Publishing House, 1977., 138

[4] Wilson, Joseph D. Did Daniel Write Daniel? New York: Charles C. Cook, n.d., 148, 149