الخميس، 12 مارس 2026

ضرورة البحث الفلسفي في المسألة الإلهية، د. عبد الرحمن بدوي

 


ضرورة البحث الفلسفي في المسألة الإلهية[1]

تُعنى الفلسفة بالبحث في وجود الله بوصفه العلة الأولى للوجود. ولما كان شرف العلم بشرف موضوعه كما يقول أرسطو، فقد جعل أرسطو البحث في الله هو أشرف أبحاث الفلسفة، ولهذا سمى هذا القسم باسم «الفلسفة الأولى»، وقال عنها إنها العلم الحرّ الوحيد بين العلوم، لأنها وحدها التي لا غاية لها سوى نفسها. ولهذا يمكن حقاً أن نعتقد أن تحصيلها أمر فوق إنساني، لأن الطبيعة الإنسانية مستعبدة لكل شيء، ولهذا فإن الله هو وحده الذي يمكن أن تكون له هذه الموهبة، كما قال سيمونيد، وأنه لا يليق بالإنسان أن يبحث في علم غير ميسور له.[2]

ومهما حدث من تغيرات في الفكر المعاصر، فإن فكرة الله تبقى موضوعاً ضرورياً للبحث، وبدونها لا يمكن تكوين نظرة شاملة عن الكل. وما أمل فيه الوضعيون من إمكان استبعاد كل نظرة فوق طبيعية من مجال الفكر (العملي)؛ وإذا كان هذا الأمل لا يزال يراود أنصار مدرسة فيينا بتوجهها الفيزيائي، فإن هذا الأمل يرجع إلى «سفسطة» وليس إلى فلسفة بمعنى الكلمة.

إن استبعاد البحث في الله سيفضي إلى القضاء على الميتافيزيقا نفسها وهو أمر لا يستسيغه معظم المفكرين اليوم - كما لاحظ جوسدورف بحق.[3]

والصعوبة الكبرى في البحث الميتافيزيقي أن موضوع البحث هنا ليس من نوع موضوعات البحث الأخرى التي يتناولها العقل. إذ الطبيعة الإلهية من نمط آخر مختلف تماماً عن الطبيعة الإنسانية أو الطبيعة المادية. ومن هنا نشأ ما يسمى باللاهوت السلبي في العصور الوسطى المسيحية،[4] وصفات السلوب في علم الكلام الإسلامي،[5] ومفاده أننا لا نستطيع أن نصف الله: وجوده وصفاته إلا في مقابلة وجود الإنسان والأشياء وصفاتها. فالله «ليس كمثله شيء» (الشورى - آية 11) ولهذا لا يكون القول عنه إلا سلباً لما في الإنسان وسائر الكائنات الطبيعية من صفات. أو يتوقف كل قول إنساني منطقي فيما يتعلق بالله، ولا يبقى إلا الدعاء والصلاة.

لكن العقل الإنساني لا يستطيع أن يتوقف عن الكلام المتعالي حتى فيما يتجاوز نطاق الواقع الميسور له، لأنه يحس بوجود شيء يتجاوز هذا الواقع، وهو ما يسميه يسبرز باسم «العلو»، وما يسميه أصحاب فلسفة الروح (لافل أولسون) باسم «القيمة المطلقة» أو «المطلق» فقط.

وفي هذا يقول جوسدورف أيضاً:

«إن المعنى الفلسفي الله يبدو متضامناً مع مقتضى الميتافيزيقا المفتوحة. إنه لا يحيل إلى منطقة من مناطق الواقع غير الإنسان والعالم، بل يحيل بالأحرى إلى تلك المنطقة من العالم والإنسان التي لا يسكنها العلم. وفكرة الله لا تعني مذهباً من المذاهب Un système des systèmes؛ بل هي تكرس إخفاق المذاهب والباقي ينبوع (آخر) للحق. والقراءة الأولى للواقع لا تكفي، ولا تكفي قراءة الواقع كما هو - أو بالأحرى لا يوجد واقع كما هو - بنوع من الفهم الحرفي.

إن العالم لا يوجد في ذاته وتلقائه؛ وما فوق الطبيعة ليس خارج الطبيعة: إنه هو والطبيعة نفسها شيء واحد، الطبيعة التي لا يمكن أن تبدأ ولا أن تنتهي في التحديدات الخاضعة لضوابط المعرفة الوضعية. ولهذا فإن المفارقة paradoxe بالنسبة لميل (البحث في فكرة) الله تقوم عند نهاية التحليل في هذه الواقعة وهي أن الفيلسوف عاجز عن الكلام عن الله، لكنه ملتزم بالكلام عنه باستمرار والرجوع والإنابة إليه ابتداء أن ينظم منظوراته في كل لحظة.

وإله الفلاسفة، مجرداً من كل التصورات الدينية، يدل على الرجاء الشامل في الوحدة، غير المتحققة؛ ولكنها مأمولة دائماً، وعلى توافق القيم في توافق النوايا والأفعال، وعلى الأساس والضمان لكل جماعة إنسانية وكل مشاركة».[6]

ويلخص موريس بلوندل (1861 - 1949) مهمة اللاهوت العقلي بقوله:

«إن إله الفلاسفة والعلماء هو الموجود المطلق، الذي نصل إلى إدراكه (أو نفترض ذلك) بواسطة النهج العقلي، بوصفه مبدأ التفسير أو الوجود».

وفي مقابله يضع بلوندل إله إبراهيم واسحق ويعقوب – وهو:

«الموجود ذو الأسرار، الجواد الذي يكشف جانباً من كماله التي لا يمكن النفوذ إلى أعماقها، والذي لا يمكن الوصول إليه بالعقل وحده، ونحن نقر بأن له حقيقة باطنة لا نصل إلى إدراكها بمواهبنا الطبيعية، وتجاهه لا يمكن أن تكون بداية الحكمة شيئاً آخر غير الخوف والتواضع؛ لكن الله الذي يكاشفه للإنسان عن أسرار حياته يدعوه إلى (حضرته) الإلهية نفسها، وإلى تغيير حالته الطبيعية المهنية بوصفه مخلوقاً وتحويلها إلى خُلّة، وتبن خارق، ويأمره بأن يحبه، وبألا يبذل ذاته إلا له».[7]

ومع ذلك فإن موقف بلوندل يختلف عن موقف بسكال. ذلك أن بسكال قال: «إله إبراهيم، إله اسحق، إله يعقوب - لا إله الفلاسفة والعلماء» - أي قال بإله الإيمان المطلق، إيمان القلب، و«للقلب أسباب لا يعرفها العقل».[8] ويؤكد أننا «نعرف الحقيقة ليس فقط بالعقل، بل وأيضاً بالقلب. وعن طريق القلب نحن نعرف المبادئ الأولى».[9] باسكال يؤكد الله الحي، لا الإله المجرد الذي يقول به الفلاسفة والعلماء.

أما بلوندل وإن كان شديد الإيمان، فإنه يحاول التوفيق بين التفكير الفلسفي بوصفه إيضاحاً عقلياً لمضمون العقيدة، وبين التفكير الإيماني كما يتجلى في العقيدة البسيطة.

وباسكال يستعمل كلمة «قلب» فيما نستعمل فيه اليوم كلمة «وجدان»؛ أي الإدراك المباشر الذي ينفذ إلى باطن الأشياء دون المرور بسلسلة من البراهين. ومن هنا يقول باسكال:

«إن القلب يشعر بأن للمكان ثلاثة أبعاد وأن الأعداد لا نهائية؛ والعقل يبرهن بعد ذلك على أنه لا يوجد عددان مربعان أحدهما ضعف الآخر» (الأفكار، برقم 282 في نشرة برونشفيك).

وفيما يتصل بالقلب والإيمان يقول باسكال:

«إن القلب هو الذي يستشعر الله، لا العقل. هذا هو الإيمان. الله محسوس للقلب، لا للعقل Dieu sensible au coeur, non à la raison» (الأفكار، برقم 278 برونشفيك).

والإيمان ليس علماً، بل اعتقاد؛

«هذا الإيمان هو في القلب، ويجعل صاحبه يقول: أعتقد، ولا يقول: أعلم» (الأفكار، برقم 248 برونشفيك).

ولا يكف باسكال عن الحط من قدر العقل في أمور الإيمان، ذاهباً على العقل أنه يريد أن يحكم على كل شيء (الأفكار، برقم 272 برونشفيك)؛ ويطالب العقل بأن يلتزم حدوده، وسيكون هذا من فضل العقل: «لا شيء أكثر انطباقاً على العقل من هذا الاستنكار للعقل» (الأفكار، برقم 272). إن الإيمان هو من وراء العقل، بمعنى أنه يناقضه ويقدح من قدره ويطامن من كبريائه؛ وفي الوقت نفسه يتمه لأن الإيمان يبدأ بتمام العقل.

وفي مقابل ذلك نجد هيجل يقول إن عمل العقل هو الذي يتكمّل ما في معطيات الإيمان من نقص. ويقرر أنه من مفاخر الإنسان أنه لا يقنع بالعواطف بل يحرص على تبريرها بالفكر والعقل.[10] وعنده أن المباشر أقل مرتبة مما هو مؤسس على العقل، وأن الدين لا يجد إيضاحه الحق إلا في فلسفة الدين. يقول هيجل:

«إن الوجود الحقيقي للدين هو... فلسفة الدين. لكن إذا كانت فلسفة الدين هي وحدها الوجود الحقيقي للدين، فإني لا أكون متديناً حقاً إلا بوصفي فيلسوفاً في الدين؛ ولهذا أنا أستهجن التدين العاطفي والإنسان الشديد الانفعال».[11]

ومع ذلك ظل اتجاه باسكال سارياً لدى بعض الفلاسفة المعاصرين: فإدوار لوروا (1870 - 1954) يؤكد أن: «استنباط (وجود) الله يساوي إنكاره»،[12] ذلك لأن العقل حين يتكلم عن الله، فإنه لا يتناول الله حقاً، لأن البرهنة على وجوده معناها إمكان ردّه إلى حقائق أخرى غيره - لها سلطتها بالنسبة إليه؛ لكن الله إذا قيس بهذا القياس، فلن يكون بعد هو الله. ويشرح هذا جوسدورف، فيقول:

«إن التناول الفلسفي عن الله مآله الإخفاق. أولاً لأن المنهج التأملي يسير بواسطة تحديد التصورات وتركيبها بعضها مع بعض؛ والله ليس تصوراً concept. ولا يوجد تصور يناسب مقام الله؛ والماهية الإلهية لا يمكن - دون الوقوع في تناقض - حصرها ضمن حدود التعريفات الإنسانية. وكل فكرة عن الله لا يمكن إلا أن تكون فكرة لناقصة، أدنى مستوى، في هذا المعنى، من الأفكار الواضحة المتميزة للأمور العقلية الحقيقية، مثل الدائرة أو المثلث».[13]

ولهذا أنكر محاولة البرهنة على وجود الله، قائلاً:

«إن الرغبة في البرهنة على وجود الله أمر بالغ الهزل. فبما أنه موجود، وحينئذ لا يمكن البرهنة عليه (كما لا أستطيع أن أبرهن على وجود شخص ما)، وأقصى ما أستطيعه هو أن أجد عليه شواهد، لكني بهذا أفترض وجوده)؛ - أو الله غير موجود، وهذا أيضاً لا يمكن البرهنة عليه».[14]

وبمعنى مقارب يقول لوسن Senn إن:

«فكرتنا عن الله يجب أن تسمو مع معرفتنا بالله. فكرتنا عن الله توفيق compromis بين الله ومحدودية المعرفة الإنسانية».[15]

لكن الغالبية العظمى من الفلاسفة على مدى التاريخ لم يأخذوا بما دعا إليه باسكال، لأنهم رأوا في ذلك إشهاراً لإفلاس العقل.

ولهذا سنعمد الآن إلى بيان الموضوعات الرئيسية المتدرجة في الإثبات.



[1] بدوي، عبد الرحمن. مدخل جديد إلى الفلسفة. بيروت: دار القلم. القسم الثالث: الإلهيات، الفصلان الأول والثاني، ص 211–232.

[2] أرسطو: «ما بعد الطبيعة» المقالة الأولى الفصل الثاني - ص 982 ب س 25 - 983 أ س 4.

[3] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, p. 370. Paris, Colin, 1956

[4] Negative Theology أو Apophatic Theology

[5] Privative Attributes

[6] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, pp. 373-374. Paris, Colin, 1956

[7] من تعليق لبلوندل من كتابه «لاهوت عقلي» في معجم لالاند الفلسفي.

[8] Blaise Pascal: Pensées, n. 277. Ed. Brunschvicg.

[9] Pascal: Pensées, n. 282. Ed. Brunschvicg

[10] Hegel: Principes de la philosophie du droit, Préface, p. XXIII

[11] Marx: Manuscrits de 1844, 3e Manuscrit, p. XXIX

[12] Ed. Le Roy: Le Problème de Dieu, p. 65. Paris, Artisan du Livre, 1929.

[13] G. Gusdorf: Traité de métaphysique, p. 388. Paris, 1956.

[14] S. Kierkegaard: Journal, entries, 1846, t. I, tr. f.

[15] R. Le Senne: La découverte de Dieu, p. 22. Paris, Aubier, 1955


الثالوث القدوس ويدي الله


يمكنك تحميله مباشرة من هُنا:

الثالوث القدوس ويدي الله

ويتحدث القديس إيرينيئوس عن الابن والروح القدس كيَدَيّ الله الآب، وهذه الصورة المفضلة لدى القديس مستوحاة من قول المرتل في المزمور ”يَدَاكَ صَنَعَتَانِي وَأَنْشَأَتَانِي. فَهِّمْنِي فَأَتَعَلَّمَ وَصَايَاكَ.“ (مز 119: 73).[1] فنجده يكتب:

لقد خلق الله الإنسان على صورته بواسطة يديه: الابن والروح القدس قائلًا لهما نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا (تك1:26)“.[2]

وبالرغم من أن القديس ايرينيئوس قد اشتهر بهذا التعبير (الروح والابن يدي الآب)، إلَّا إنه ليس الوحيد من الآباء الذي استخدم هذا المُصطلح.

فالقديس أثناسيوس يستخدمه في كتابه ضد الآريوسيّين:

”لأنه هذا الذي يدعوه يوحنا بالابن، يدعوه داود يد الله في المزمور قائلًا: ”لماذا ترد يدك ويمينك من وسط حضنك ؟“ (مز11:73س). لهذا إن كانت ”اليد“ في الحضن، والابن في الحضن، فإنّ الابن سيكون هو اليد، واليد ستكون هى الابن، الذي به خلق الآب كلّ شئ: ”يدك صنعت كلّ شئ“ (إش2:66)، ” أخرج (الرّب) الشعب بيده (من مصر)“ (انظر تث8:7)، أي بواسطة الابن. وإن كانت عبارة: ”هذا هو تغيير يمين العلى“ (مز11:76س) وأيضًا: ”حتى النهاية، بخصوص الأمور التى سوف تتغير، ترنيمة لحبيبى“ (مز1:44س) فإنّ الحبيب لابد أن يكون هو اليد التى غيّرت. الذي يقول عنه الصوت الإلهى أيضًا: ”هذا هو ابنى الحبيب“ (مت17:3) إذن فعبارة ”هذه يدى“ تساوى ”هذا ابنى“.[3]

ويتكرّر أكثر من مرة ذات التعبير عند القديس كيرلس السكندريّ:

”الذراع يشير رمزيًّا إلى الكلمة الذي وُلدَّ من العذراء“.[4]

في موضع آخر يقول:

اليد -يد الله الآب- في االأسفار الإلهيّة هيَ الابن، لأنّ النص يُشير إليه: ”أنا ويدي اسّست السموات“ (إشعياء 48: 13)، وداود الإلهيّ ينشد قائلًا: ”بكلمة الرّبّ تأسّست السموات“(مزمور 33: 6)“.[5]

وليس الآباء السكندريّين فقط من استخدموا هذا المُصطلح للتعبير عن الثالوث، بل أيضًا أحد أبرز رموز الآباء اللاتين، القديس أمبرسيوس، يكتب:

”وإذا تصوَّر البعض أن الله مُكوَّن من شكل ماديّ جسداني عندما يقرأون في الكتاب المُقدّس عن يديه وأصابعه فَهُمْ لا يفهمون أن هذه الأمور لم تُكتَب لأنّ الله له جسد، لأنّه لا توجد أعضاء في اللاهوت وأجزاء، وإنما هيَ تعبيرات إنسانيّة عن وحدة جوهر اللاهوت، وحتّى نؤمن بأنه من المستحيل أن ينفصل الابن أو الروح القدس عن الله الآب، لأنّ ملء اللاهوت هو واحد في الثالوث مثل وحدة الجسد الواحد. لذلك قيل إنّ الابن هو اليد اليمنى للآب حسبما نقرأ ”يمين الرّبّ صنعت أعمالًا عجيبة. يمين الرّبّ رفعتني “ (مز118: 16)“.[6]

نفس هذا التعبير استخدمه القديس غريغوريوس النيصي، فيقول القديس غريغوريوس النيصي:[7]

فإن النبي يقول على لسان الآب: "يدي صنعت كل هذه الأشياء"، قاصدًا بـ "اليد"، في قوله الغامض، قوة الابن الوحيد. والآن يقول الرسول إن كل الأشياء هي من الآب، وأن كل الأشياء هي بالابن «وَلَنَا إِلَهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ» (١ كورنثوس ٨: ٦)، والروح النبوي يتفق بطريقة ما مع التعليم الرسولي، الذي هو نفسه أيضًا يُعطى من خلال الروح. ففي المقطع الأول، النبي، عندما يقول إن كل الأشياء هي عمل يد ذاك الذي هو فوق الكل، يعرض طبيعة تلك الأشياء التي وُجدت في علاقتها بذاك الذي صنعها، بينما ذاك الذي صنعها هو الله فوق الكل، الذي له اليد، وبها يصنع كل الأشياء.

 

وهكذا نرى تأثير القديس إيرينيئوس على اللاهوت اللاحق له، السكندريّ واللاتينيّ على السواء. فهُناك شموع قوية في التاريخ المسيحيّ أضاءت بتعاليمها وحياتها العالم بأسره، والقديس إيرينيئوس أحد أبرز تلك العلامات أو الشموع المُضاءة في بانوراما تاريخ اللاهوت المسيحيّ.

 



[1] Boris Bobrinskoy, The mystery of the Trinity Trinitarian Experience and vision in the biblical and Patristic Tradition, Translated by Anthony Gythiel (Crestwood, NY: ST Vladimir’s Seminary Press 1999), 207.

[2] Adv. Haer., 4: 4.

[3] ضد الآريوسيّين. 4: 26.

 [4]القديس كيرلس السكندريّ، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة نصحي عبد الشهيد (القاهرة: مؤسّسة القديس أنطونيوس، 2007)، 26.

[5] تجسّد الابن الوحيد 16.

[6] On the Holy spirit, Book II, chap VII, 69.

[7] Gregory of Nyssa: Against Eunomius, Book VII. Translated by William Moore and Henry Austin Wilson. From Nicene and Post-Nicene Fathers, Second Series, Vol. 5. Edited by Philip Schaff and Henry Wace. Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1893. Revised and edited for New Advent by Kevin Knight.

https://www.newadvent.org/fathers/290107.htm


الأربعاء، 11 مارس 2026

شرح إله من إله، توماس تورانس

 

 

قد حرص آباء نيقية على الإجابة عن مثل هذه التساؤلات عندما قاموا بصياغة اعتراف الإيمان:

"وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب (من جوهر الآب)، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب (ὁμοούσιος τῷ Πατρί - هوموأووسيوس تو باتري)، الذي به كان كل شيء".

وعلاوة على ذلك ألحق الآباء بإعتراف الإيمان، قانونًا مؤداه أن الكنيسة الجامعة تحرم:

"كل مَن يقول إن ’هناك وقت لم يكن فيه الابن كائنًا‘، أو إنه ’لم يكن كائنًا قبل أن يُولد‘، أو إنه ’أتى إلى الوجود من العدم‘، أو يزعم أن ابن الله له جوهر مختلف (عن الآب)، أو أنه مخلوق، أو قابل للتغير والتبدل".

وكان مجمع نيقية قد أخضع جميع العبارات التي وضعها للفحص الدقيق، حتى يمكنه مواجهة النقد المتواصل خلال القرن الرابع. وقد ساعد ذلك على تأكيد وتعميق إيمان وعقيدة الكنيسة، حتى أن مجمع القسطنطينية اللاحق قد أقرَّ تمامًا هذا الإيمان وأعطاه الشكل النهائي كالآتي:

"وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي به كان كل شيء".

وإذ بدأ آباء نيقية المقطع الثاني من قانون الإيمان بعبارة: "وبربٍ واحد يسوع المسيح"، فقد أظهروا بذلك العلاقة المباشرة للرب يسوع المسيح بـ "الله الآب ضابط الكل …"، الذي بدأوا به في المقطع الأول، وبالتالي بيَّنوا أنهم سواء بالنسبة ليسوع المسيح أو بالنسبة لله الآب، فإنما كانوا يشيرون إلى نفس الجوهر الواحد.

وهكذا عبَّر الآباء عن المحتوى الحقيقي للعهد الجديد فيما يخص المسيح، هذا المحتوى الذي فيه الإيمان بالمسيح يتطابق تمامًا مع الإيمان بالله الآب. فأن تؤمن ’برب واحد يسوع المسيح‘ هو أن تؤمن ’بإله واحد الله الآب‘ وتعترف به إلهًا متطابقًا وفي الآب.

وقد عبَّر قانون الإيمان عن هذه العلاقة الفريدة التي للمسيح مع الآب داخل وحدانية الله بهذه العبارات:

"ابن الله الوحيد، المولود من أبيه قبل كل الدهور .. مولود غير مخلوق".

وكان مصطلحا ’ابن‘ و ’آب‘ إنما يشيران إلى التمايز داخل جوهر الله الواحد، لأن الابن هو ’ابن‘ وليس ’آب‘، والآب هو ’آب‘ وليس ’ابن‘.[1] ولكن بما أن هناك إله واحد، فبالتالي يكون هناك فقط ابن واحد لله، الذي هو أزليًّا ابن الآب كما أن الآب هو أزليًّا أبو الابن لأنه لا يوجد فارق زمني أو من أي نوع بينهما. وقد تم تجميع مفاد كل هذه العبارات معًا في مصطلحٍ مُركزٍ واحدٍ هو ’هوموأووسيوس‘ (ὁμοούσιος)[2] مع الآب أو ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘[3] وذلك للتعبير عن وحدانية الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب، وجاءت عبارة: "الذي به كان كل شيء .." للتأكيد على ارتباط الابن مع الخالق.[4]

إذًا، الابن هو إله من إله لأنه بالتحديد هو منذ الأزل ابن الآب. وهناك تبـادلية أزلية مطلقـة بين الآب والابن دون أي فـارق أو فاصـل في الوجـود أو الزمن أو المعــرفة بينهمـا.[5] وقد عبَّــــر ق. غريغـوريوس النـزينـزي عن ذلـك بقـوله:

إن ولادة الابن من الآب هـي ولادة ’غير زمنيــة‘، و’غير سببيــة‘، و’غير مبتـدأة‘ (ἄχρονος، ἀναιτίως، ἀνάρχως - آكرونوس، أنايتيوس، أنارخوس).[6]

أما بالنسبة للقديس أثناسيوس وآباء نيقية، فقد كانت ولادة الابن من الآب أمر يتخطى ويفوق إدراك البشر.[7] ولا يجب أن يتصوَّر أحد أنها (أي ولادة الابن) قد حدثت في ’لحظة ما‘ أو بواسطة ’فعل إرادة‘ من قِبَل الله ـ كما تصوَّر ذلك بالفعل كل من أريوس ويوسابيوس.[8] بل هي علاقة لا يُنطق بها بين الآب والابن، كائنة منذ الأزل في الله، ولذلك يقول ق. أثناسيوس: "والله هو على الدوام آب للابن".[9]

ويضيف ق. أثناسيوس أن الآبــاء استطاعوا (باستخدام هذا المثال). وعلى أســـــــاس إنجيلي:

"أن يتحــــــدثوا بثقة عن المسيـــح: بكــونه ابن الآب الحقيـقي والطبيـعي، وبكــونه خــــاص بجـوهر الآب (ἴδιος τῆς οὐσίας αὐτοῦ - إيديوس تيس أوسياس أوتو)، وأنه هو نفسه إله حقيقي وله ذات الجوهر الواحد (ὁμοούσιος - هوموأووسيوس) مع الآب الحقيقي، لأنه ’هو رسم أقنوم (ὑπόστασις - هيبوستاسيس) الآب‘،[10] وهو نور من نور، وهو صورة كيان الآب الحقيقية وقوته".[11]

ومن هذا المنطلق، أدخل آباء نيقية في قانون الإيمان هذه العبارة على وجه التحديد: “إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق”، وذلك لكي يوضِّحوا ويحددوا طبيعة العلاقة الفريدة التي بين الابن المتجسد والآب.[12]

ويخبرنا ق. أثناسوس في العديد من أعماله،[13] أن مجمع نيقية قد جاهد جهادًا عنيفًا من أجل التوصل إلى الصياغة النهائية للفقرات الحاسمة في قانون الإيمان، وقد تم ذلك على مراحل متتالية. ففي أول الأمر، عندما وافق الأريوسيون على صيغة أن الابن هو ’من الله‘ أو ’من عند الله‘ كما جاء في ’نور من نور‘، أصرَّ آباء نيقية على تعريف ’من الله‘ أو ’من عند الله‘ على أنها تعني ’من جوهر الآب‘ (ἐκ τῆς οὐσίας τοῦ Πατρός - إيك تيس أوسياس تو باتروس)، وذلك لتوضيح وتحديد العلاقات في داخل الله. وكان هذا يعني أن الابن خاص بصميم جوهر الله، وأنه ’من الله‘ الآب ـ وهو الأمر الذي لا ينطبق على المخلوقات ـ وأنه هو إله من إله.

إن ما نــراه جليًّا تمامـًا في المجمـع الكبير، هـو أن الآبـاء بنيقيـة، كما عبَّر ق. أثناسيوس، قد تنفَّسوا روح الكتب المقدسة.[14]

فمن ناحية، اهتم الآباء بتحديد المعنى الأساسي الذي تضمَّنته الكتب المقدسة، في العديد من نصوصها، فيما يخص علاقة الرب يسوع المسيح بالآب، وقد حققوا ذلك من خلال التعمُّق في الجوهر الداخلي للإنجيل.

ولكن من ناحية أخرى، كان اهتمام الآباء أيضًا أن يقدموا صياغة دقيقة ومحددة للإيمان بيسوع المسيح بكونه ابن الله المتجسد، وذلك من خلال استجلاء طبيعة علاقته الحقيقية بالله الآب. وفي هذا الصدد لم يكن أمام الآباء -ومن خلال الإعلان الإنجيلي- إلاّ أن يشهدوا بإيمانهم بألوهية المسيح الكاملة، بكونه إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب.

ومن هُنا توصَّل آباء نيقية -ومن خلال جهودهم التفسيرية واللاهوتية- إلى الصيغة الفائقة الأهمية: ’هوموأووسيوس‘ (ὁμοούσιος) والذي يعني أن (الابن) ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘.

وترجع أهمية هذه الصيغة إلى أنها قدَّمت في تعبير محدد، العلاقة الكيانية بين الابن المتجسد والآب والتي بُنيَت عليها رسالة العهد الجديد، وفي ضوئها تُفسَّر (وتُربَط) نصوصه المختلفة.



مختصر عن كتاب: الإيمان بالثالوث، الفكر اللاهوت والكتابي للكنيسة الجامعة، بناريون، ترجمة د عماد موريس 



[1] كان هذا التمييز يتضمن رفضًا لبدعة سابليوس:

 Athanasius, De syn., 16; cf. De sent. Dion., 5ff; Con. Ar., 3.4, 36; 4.1ff; Ad Ant., 3-6, 11; Con. Ar., 4.2.

[2] مصطلح ’هوموأووسيوس‘ هو صفة من مقطعين:  ’هوموس ο̉μος‘ ويعني ذات الشيء الواحد (one and the same) ، و’أوسيا ούσια‘ والذي يعني الجوهر، فيكون المعنى الكامل لمصطلح ’هوموأووسيوس  مع الآب‘: له ذات الجوهر الواحد مع الآب أو واحد مع الآب في ذات الجوهر (of one and the same being with the father). (المترجم)

[3] Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, The Incarnation. Ecumenical Studies in the Nicene-Constantinopolitan Creed, 1981, p.6 (ed. By T. F. Torrance)

[4] Athanasius, De decr., 7, 18f; De syn., 12, 35; Con. Ar., 1.9ff; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.2-5.

[5] Athanasius, Con. Ar., 1.1-29, 34; 2.22ff, 33; 3.1ff; 65f; 4.1ff; De syn., 41-54; De decr., 24, 27; Basil, Ep., 52.2; Hilary, De syn., 25

[6] Gregory Naz., Or., 30.11&19; cf. 29.3f; 31.14.

[7] يقول ق. باسيليوس: "إن طريقة الولادة الإلهية (للابن)، هي أمر لا ينطق به ويفوق كل تخيلات الفكر البشري" (Ep., 52.3). انظر كذلك:

 Basil, Con. Eun., 2.16 & 24; Gregory Naz., Or., 29.8

[8] Cf. C. Stead, Divine Substance, 1977, pp. 26 & 229.

[9] Athanasius, De decr., 12; cf. 20. Also Ad Episc., 2;

إن هذا الفهم للأبوة والبنوة بكونها علاقات أزلية كائنة في الله، هو ما قد أيده بشده ق. غريغوريوس النزينزي ـ ونفس الوضع ينطبق بالطبع على الروح القدس ـ حيث نراه يشرح ذلك بوضوح في ’عظاته اللاهوتية‘، كما يمكننا أيضًا أن نجد نفس المعنى تقريبًا عند بقية الآباء الكبادوك:

Gregory Naz., Or., 29.16 & 20; 31.9. Cf. Basil, (or his brother) Ep., 38.4; and Gregory Nyss., Con. Eun., 1.33; 8.5; 9.2; Or. Cat., 1.

[10] الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَمَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي (عبرانيين 1: 3)

ὃς ὢν ἀπαύγασμα τῆς δόξης καὶ χαρακτὴρ τῆς ὑποστάσεως αὐτοῦ, φέρων τε τὰ πάντα τῷ ῥήματι τῆς δυνάμεως αὐτοῦ, καθαρισμὸν τῶν ἁμαρτιῶν ποιησάμενος ἐκάθισεν ἐν δεξιᾷ τῆς μεγαλωσύνης ἐν ὑψηλοῖς

(τῆς ὑποστάσεως αὐτοῦ  تيس هيبوستاسيوس أوتو) وكما نعلم أن كلمة هيبوستاسيس تعني بالأكثر الأقنوم وليس الجوهر الذي هو أوسيا، لذا من الأفضل قراءة هذه الآية: "الذي هو بهاء مجده، ورسم أقنومه..".

[11] Athanasius, Con. Ar., 1.9, with reference to Hebrews 1.3.

[12] Jaroslav Pelikan, The Light of the World. A Basic Image in Early Christian Thought, 1962, pp.55ff

[13] Athanasius, De syn., 33ff, 46; De decr., 19ff; Ad Afr., 5f.

[14] Athanasius, Ad Afr., 4.