"إذا
كان الله موجودًا، فلماذا لا يجعل نفسه أكثر وضوحًا؟" إنه سؤال يتردد بقوة في
عالمنا الحديث، حيث يُنظر إلى الإيمان الديني غالبًا على أنه أمر اختياري، شخصي،
أو حتى غير عقلاني. في عصرٍ شكّلته العلوم والتكنولوجيا والشكوك، يعاني
كثيرون—وربما أنت من بينهم—من صمت الله أو غيابه الظاهر. لماذا، إذا كان هناك خالق
محب وكلي القدرة حقًا، لا يظهر بطرق أكثر وضوحًا؟ لماذا يبدو بعيدًا، خاصة في
لحظات الشك أو الألم أو التوق الروحي؟
وللتوضيح، فهذه ليست
معضلة حديثة فقط. فالكتاب المقدس نفسه يعبّر عن هذا السؤال. المزامير مليئة
بالصرخات مثل: "لماذا يا رب تقف بعيدًا؟ لماذا تختفي في أوقات الضيق؟"
(مزمور 10: 1). ويتحدث النبي إشعياء عن الله باعتباره "إلهًا محتجبًا"
(إشعياء 45: 15). وحتى يسوع، في ألم الصليب، اقتبس من مزمور 22 قائلاً: "إلهي،
إلهي، لماذا تركتني؟" (متى 27: 46). في هذه الكلمات نجد أمرًا مدهشًا: فالكتاب
المقدس لا يتجنب سؤال احتجاب الله، بل يمنحنا اللغة لطرحه.
ومع ذلك، يبقى السؤال
قائمًا: لماذا لا يجعل الله نفسه أكثر وضوحًا؟ إذا كان موجودًا ويهتم، لماذا لا
يتكلم بصوت أعلى، أو يظهر بشكل أوضح، أو يثبت ذاته بصورة أكثر إقناعًا؟ هناك عدة
مستويات لهذا السؤال. وللتعامل معه بصدق، يجب أولاً أن نفكر في طبيعة الله الذي نتحدث
عنه. فالمسيحية تعلن عن إله ليس جزءًا من الخليقة، بل هو الخالق نفسه—الأزلي،
اللامتناهي، القدوس، والشخصي.
وبحسب الكتاب المقدس،
فقد أعلن الله عن نفسه بطرق متعددة: من خلال الخليقة (مزمور 19: 1؛ رومية 1: 20)،
ومن خلال الضمير البشري (رومية 2: 14–15)، ومن خلال الأنبياء والكتب المقدسة
(عبرانيين 1: 1)، وأكملها من خلال تجسد يسوع المسيح (يوحنا 1: 14؛ عبرانيين 1: 2–3).
إذن، الادعاء المسيحي ليس أن الله صامت، بل أنه قد تكلم—وإن لم يكن بالطريقة التي
نتوقعها دائمًا.
لكن لماذا لا يعلن
الله عن نفسه بطريقة تُجبر الناس على الإيمان—كأن يكتب اسمه في السماء أو يظهر
للجميع في وقت واحد؟ ألن يحسم ذلك القضية؟ بشكل مفاجئ، يقترح الكتاب المقدس أن مثل
هذا البرهان الساحق لن يؤدي بالضرورة إلى نوع العلاقة التي يريدها الله معنا (لوقا
16: 31). فالله لا يهتم بالاعتراف القسري أو الخضوع الآلي. إنه يريد الإيمان
والمحبة والثقة—علاقة شخصية. الله لا يفرض الإيمان بالقوة أو بالإكراه، بل يدعونا
بمحبة إلى علاقة معه من خلال الإقناع والنعمة.
هذا يقودنا إلى حقيقة
ثانية: إن محدوديتنا وظروفنا كثيرًا ما تسهم في الإحساس باحتجاب الله. فوفقًا
للتعليم المسيحي التاريخي، الإنسان ليس مراقبًا محايدًا أخلاقيًا. نحن مخلوقون على
صورة الله لكننا ساقطون—منفصلون عنه بخطايانا. هذا العمى الروحي يشوّه إدراكنا. كما
يقول رومية 1، نحن نقمع الحق بالإثم. بمعنى آخر، احتجاب الله أحيانًا أقل ارتباطًا
بغيابه وأكثر بضعفنا أو عدم رغبتنا في رؤية ما هو موجود.
ومع ذلك، بالنسبة
لكثيرين اليوم، يبدو الله محتجبًا ليس فقط بسبب الخطية الشخصية، بل أيضًا بسبب
العالم الذي نعيش فيه. نحن نعيش فيما يسميه الفلاسفة "عصرًا منزوع
السحر"—لحظة ثقافية تُرفض فيها الحقائق الروحية غالبًا ويُفترض أن المعنى
يُبنى ذاتيًا. أضف إلى ذلك الضجيج المستمر للحياة الرقمية، وإيقاع الجداول
الحديثة، وصعود الفردية، فيصبح من الصعب جدًا تنمية نوع من الانتباه الهادئ الذي
يتطلبه الإيمان. وكما لاحظ باسكال منذ زمن بعيد، فإن كثيرًا من تعاسة البشر تنبع
من عجزنا عن الجلوس بهدوء في غرفة. قد لا نسمع الله لأننا نادرًا ما نترك مساحة
للإصغاء.
ومع ذلك، تقدم
المسيحية رجاءً ليس فقط للباحث، بل أيضًا للمشكك. رسالة الإنجيل هي أن الله
المحتجب قد أعلن عن نفسه—بأوضح صورة في يسوع الناصري. ففي المسيح، دخل الخالق إلى
الخليقة. صار الله غير المنظور منظورًا. صار غير الملموس ملموسًا. حياته وموته
وقيامته ليست مجرد أساطير دينية أو استعارات روحية—بل هي ادعاءات تاريخية تدعو إلى
الفحص. ومن خلال روحه، يستمر الله في فتح القلوب والعقول على حقيقة حضوره. الإيمان
ليس تفكيرًا رغبيًا. إنه ثقة مبنية على الأدلة، منيرة بالنعمة، ومستمرة بالعلاقة.
ومع ذلك، إذا شعرت أن
الله محتجب، فأنت لست وحدك. كثير من المسيحيين المتأملين مرّوا بما يسمى "ليل
النفس المظلم"—مواسم من الجفاف الروحي أو الخيبة. ومع ذلك، حتى في تلك
الأوقات، يشجعنا الكتاب المقدس على طلب الله بصدق ومثابرة. "فتطلبونني
وتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم" (إرميا 29: 13). وقال يسوع نفسه:
"اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا" (متى 7: 7). هذه ليست عبارات سطحية. إنها
دعوات. وهي تأتي مع وعد رائع: أن الله قريب من المنكسري القلوب، وأنه يقترب من
الذين يقتربون منه (مزمور 34: 18؛ يعقوب 4: 8).
في النهاية، احتجاب
الله لا يعني غيابه. بل يعني أنه شخصي. إنه لا يفرض نفسه علينا—ولكنه أيضًا لا
يتركنا وحدنا. يسوع نفسه الذي بدا متروكًا على الصليب هو الآن قائم ومالك، ويستمر
في إعلان نفسه للذين يطلبونه. كما قال الرسول بولس للفلاسفة المشككين في أثينا، إن
الله "ليس بعيدًا عن كل واحد منا" (أعمال 17: 27).
إذا كنت تصارع الشك،
فلا تخف من مواجهة السؤال. اطرحه بصدق. اقرأ الأناجيل بعيون جديدة. تأمل شهادة
الذين شكوا ثم آمنوا. قد تكتشف، كما اكتشف كثيرون، أن ما بدا غيابًا كان في
الحقيقة بداية حضور—وأن وراء الصمت إلهًا كان ينادي منذ البداية.
If God Is Real, Why
Does He Feel So Hidden, By Thiago M. Silva

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق