السبت، 19 يوليو 2025

تاريخ العقيدة في المسيحية المبكرة (8) - طبيعة المسيح (2) - بين كيرلس ونسطور

 


تاريخ الصراع الخريستولوجي[1]

 

المشكلة الحقيقية في لاهوت المسيح بتبان في السؤال ده: إزاي ألوهية المسيح بتتصل ببشريته؟ إزاي اللي هو إله حق يقدر في نفس الوقت يكون إنسان؟ إزاي عاش في ظروف البشر وظهر في شكلهم؟

الأسئلة دي ظهرت من أول فترة في تاريخ الكنيسة، وخصوصًا لما واجهت الكنيسة جماعة الدوسيتية (Docetists) ورفضت تعليم الإبيونيين (Ebionites). الانحرافات دي رجعت تاني بأشكال جديدة في اللي اتسمى "الجدالات المسيحانية"، اللي كان ليها دور كبير في تطور العقيدة بداية من نص القرن الرابع.

 

"أبوليناريوس" (Apollinaris)

 

رجوع مشكلة لاهوت المسيح في الوقت ده بيجي في ضوء رفض الأريوسية (Arianism) وتأكيد صيغة الهوموأوسيوس (homoousios). التحدي الحقيقي كان: إزاي نربط حقيقة إن اللوغوس (Logos) من نفس جوهر الآب، مع حقيقة ظهوره في صورة بشر؟

أول واحد طرح المشكلة بالشكل ده، واللي خلّى الكنيسة تعيد التفكير فيها، هو أبوليناريوس من اللاذقية، اللي ظهر بعد نص القرن الرابع. ورغم إنه كان من حزب نيقية، لكنه عالج المشكلة بطريقة الكنيسة رفضتها بعد كده.

أبوليناريوس ما اكتفاش بفكرة إن المسيح من حيث طبيعته الإلهية، هو من نفس جوهر الآب. هو شاف إن المشكلة الأساسية هي: إزاي الإنسان يقدر يفهم الوجود البشري للمسيح؟ وعلشان كده كان شايف إن طبيعة المسيح البشرية لازم تكون فيها صفة إلهية. ولو مفيهاش، يبقى حياة المسيح وموته ما يقدروش يخلّصوا الإنسان.

ومن هنا، بيبان إن أبوليناريوس كان بيعلم إن الله في المسيح اتحول لجسد، والجسد ده هو كمان اتحول لحاجة طبيعتها إلهية. ومن وجهة نظره، المسيح ماخدش طبيعته البشرية من العدرا، لكن جابها معاه من السما. ورحم العدرا كان مجرد ممر ليه. (راجع Schoeps, Vom himmlischen Fleisch Christi, 1951, p. 9 ff., و Kelly, Early Christian Doctrines, p. 294).

ومن وجهة نظر أبوليناريوس، المسيح ليه طبيعة واحدة وهي طبيعة اللوغوس، واللي اتحولت في المسيح لجسد. والجسد ده كمان خد طبيعة إلهية في نفس الوقت. هو كان رافض تمامًا لفكرة الجمع بين الإلهي والبشري، أو إن اللوغوس لبس الطبيعة البشرية واتصل بيها روحانيًا.

واحدة من مميزات تفكير أبوليناريوس، إنه استخدم التفرقة بين الجسد والروح، أو بين الجسد والنفس والروح. الإنسان مكوّن من التلاتة دول، لكن اللي بيميز الإنسان هو الروح أو النفس العاقلة. والمسيح، حسب رأيه، ماكانش عنده نفس بشرية، لكن كانت عبارة عن لوغوس الله. فالله والإنسان اتحدوا في المسيح زي ما الجسد والروح بيتحدوا في الإنسان، لأن النفس البشرية استبدلت بلوغوس الله.

الاتحاد ده بين اللوغوس والجسد نتج عنه إن الجسد بقى لحم إلهي أو سماوي. لإن اللي بيشكل الجسد هو الروح أو العقل، والاتنين بيعملوا طبيعة واحدة. لكن في المسيح، حسب أبوليناريوس، الطبيعة دي كانت إلهية.

الواضح إن أبوليناريوس بالغ في تأكيد ألوهية المسيح لدرجة إنه تجاهل بشريته الحقيقية. فالمسيح عنده ماعندوش نفس بشرية. هو ليه طبيعة واحدة، وهي طبيعة اللوغوس المتجسد. ومن هنا، أفكاره كانت قريبة من الموداليزم القديم، وكان فيها لمحة من الدوسيتية.

الرد على أبوليناريوس جه من الكبادوكيين والمدرسة الأنطاكية. وكانوا بيأكدوا إن بشريّة المسيح الحقيقية معناها إنه كان عنده جسد ونفس بشرية، لإن الجسد والنفس هما اللي بيكوّنوا جوهر الإنسان. ومن غير النفس البشرية، الإنسان مايبقاش إنسان. واللي ضد أبوليناريوس كانوا بيرفضوا كمان فكرته إن الله نفسه ممكن يبقى جسدي أو يخضع للآلام.

 

أنطاكية والإسكندرية

 

مدرسة أنطاكية، زي ما بيسموها، كانت معارضة بشدة لأبوليناريوس. من أهم رموزها: ديودور الطرسوسي (اتوفي سنة ٣٩٤)، ثيؤدور المصيصي (اتوفي سنة ٤٢٨)، وثيؤدوريتوس. كمان يقدر يدخل ضمنهم الواعظ المعروف يوحنا ذهبي الفم (اتوفي سنة ٤٠٧)، بالإضافة لـ نسطوريوس، اللي تعاليمه اترفضت بعد كده واتوصفت بالهرطقة. وبعد ما الكنيسة رفضت لاهوت نسطوريوس، تأثير المدرسة دي قل جدًا، بس كانت ليها أهمية كبيرة في تطوّر العقيدة، وتميزت بالمنهج العلمي المنتظم.

المفسرين الأنطاكيين كانوا بيرفضوا التفسير الرمزي، واشتغلوا على طريقة تفسير تاريخية-نحوية. وقالوا إن الكتاب المقدس لازم يتفسر بشكل حرفي، وبما يتماشى مع المعنى الأصلي للنصوص.

اللاهوت المسيحاني اللي اتطور في أنطاكية كان مبني على المنهج ده. وكان التركيز الأساسي على بشرية المسيح. وقالوا إن المسيح كان ليه نفس بشرية وجسد بشري، وكمان مرّ بعملية نمو تدريجي. ومن خلال النمو ده، اتحقق الاتحاد الكامل مع الله، والعملية دي اكتملت في القيامة.

كمان الأنطاكيين تمسكوا بقرار نيقية بخصوص الهوموأوسيوس. من ناحية طبيعته الإلهية، المسيح فعلاً من نفس جوهر الآب. لكن اللوغوس (Logos) ما اتحوّلش لإنسان، هو احتفظ بطبيعته الإلهية، واتخذ شكل بشري، واتحد بالطبيعة البشرية. الاتحاد ده، حسب فهم الأنطاكيين، كان بالشكل ده: اللوغوس استخدم الطبيعة البشرية كأداة، وكان بيشتغل من خلالها. لكن في نفس الوقت، الطبيعتين فضلت متميزة؛ كل واحدة منهم لها كيان مستقل، والاتحاد بينهم كان بس من ناحية العمل والهدف المشترك. يعني كان اتحاد روحي وأخلاقي، مش اتحاد مادي زي ما كان عند أبوليناريوس.

علشان كده، اللاهوتيين الأنطاكيين وقفوا ضد أبوليناريوس من ناحية لاهوت المسيح. كل طبيعة من الطبيعتين في المسيح لازم تبقى محفوظة وكاملة. الطبيعة الإلهية والبشرية ماينفعش يبقوا واحد أو يتداخلوا في بعض. المسيح كان ليه طبيعة إلهية حقيقية، وفي نفس الوقت كان إنسان حقيقي بجسد ونفس بشرية. على عكس أبوليناريوس، اللي كان شايف إن المسيح ليه طبيعة واحدة، وهي الإلهية. الأنطاكيين أكدوا إن لازم نفرّق بين اللوغوس والطبيعة البشرية اللي أخدها. اللوغوس اتّحد بالإنسان وسكن فيه زي ما الله بيسكن في الهيكل، بس ده مايعنيش إن الطبيعتين اندمجوا في بعض. الطبيعتين ما اتغيروش علشان يبقوا حاجة واحدة.

ولما بنقرأ في "يوحنا ١: ١٤": "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا"، كلمة "صار" (ἐγένετο) لازم تتفهم بطريقة رمزية، زي ما قال ثيؤدور. اللوغوس أخد جسد، لكن ما اتحولش فعليًا لجسد. "لما بيتقال في فِيلِبِّي ٢: ٧ إنه ’أخذ صورة عبد‘، ده معناه إنه حصل فعلاً، مش تمثيل. لكن لما بيتقال ’صار‘، مايصحش نفهمها حرفيًا، لإنه ما اتحوّلش لجسد." (De incarnatione, 9)

وعلشان كده، الأنطاكيين ركزوا على الفرق بين الطبيعتين، وأصرّوا إن كل طبيعة تحتفظ بصفاتها المميزة. كان فيه طبيعة إلهية كاملة، هي طبيعة اللوغوس، وفيه طبيعة بشرية كاملة. بس في نفس الوقت، الأنطاكيين الأوائل أكدوا إن المسيح هو شخص واحد. والنقطة دي كانت حاسمة جدًا في جدال لاهوت المسيح عند مدرسة أنطاكية. وعلى أساسها اتُّهِم نسطوريوس بالهرطقة. السابقين ليه كانوا بيأكدوا إن المسيح هو شخص واحد، ليه إرادة واحدة ووجود مستقل. "إحنا ما بنقولش إن فيه ابنَين؛ إحنا بنؤمن بابن واحد. لأن التمييز بين الطبيعتين لازم يبقى واضح تمامًا، والوحدة الشخصية لازم تفضل مستمرة." (Theodore, De incarnatione, 12)

الجدال بين أنطاكية وأبوليناريوس كان بيعكس الصراع بين مدرستين لاهوتيتين كبار في الوقت ده: أنطاكية والإسكندرية. الخلاف بينهم كان نابع من وجهتين نظر مختلفتين بخصوص اللاهوت كله. مدرسة أنطاكية ركزت على الجانب التاريخي، ورفضت التفسير الرمزي، وحطّت تركيزها على وجود المسيح الأرضي، البشري، وتطوّره التاريخي. أما مدرسة الإسكندرية، فكانت متأثرة بالفلسفة اليونانية، اللي بتركز على ما وراء الطبيعة، وعلى الحقائق الروحية والإلهية، وكمان على التمييز الحاد بين الإلهي والبشري. العنصر الإلهي في المسيح كان بيتبرز بطريقة تخلي العنصر البشري مش واضح كفاية.

الاتجاهين دول ليهم جذور في العهد الجديد. التجسد متوصّف في "يوحنا ١: ١٤": "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا"، وفي "فيلبي ٢: ٧": "أَخَذَ صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ".

مدرسة أنطاكية حاولت تدي كل من العنصر الإلهي والعنصر البشري حقهم. وكانوا بيوصفوا الاتحاد بينهم باعتباره اتحاد أخلاقي، اتحاد إرادة. المؤمن طبعًا بيعبد المسيح الواحد — وده نوع من الاتحاد الذاتي. لكن في الواقع، فيه طبيعتين.

أما المنظور السكندري، فكان مبني على التمييز الجذري بين الإلهي والبشري، واللي بيتماشى مع توجه مثالي. التجسد كان بيتوصف فيه كأن اللاهوت اتحوّل لطبيعة بشرية. لكن بما إن الجوهر الإلهي مش بيتغيّر، فده معناه إن الطبيعة البشرية هي اللي ارتفعت لمستوى الإلهية، وتحولت لطبيعة إلهية. ولما تفكر الاتحاد بالشكل ده، كان المفهوم هو إن الاتحاد مش بس في العمل والإرادة، لكن كمان في الجوهر. يعني الاتحاد كان اتحاد جوهري، مادي، واللي فيه صفات الطبيعة البشرية بتختفي.

 

بين كيرلس ونسطوريوس

 

الخلاف بين مدرسة الإسكندرية ومدرسة أنطاكية كان هو الخلفية للصراع الشرس اللي حصل بين نسطوريوس وكيرلس في بداية القرن الخامس. بس لازم نوضح إن فيه عوامل تانية دخلت في الموضوع زي السياسة الكنسية والطموح الشخصي. الإسكندرية كانت بتتنافس مع أنطاكية، وبشكل خاص مع القسطنطينية، علشان تفرض سيطرتها الكنسية في الشرق، والأسئلة اللاهوتية اتحولت لأدوات في الصراع ده على السلطة.

مجمع أفسس سنة ٤٣١ حكم لصالح اللاهوت السكندري، ونسطوريوس اللي كان بيدافع عن الرأي التاني، اعتبرته الكنيسة مهرطق ونفته. وبعد الحكم ده، الجماعة النسطورية انفصلت عن باقي الكنيسة، وكونوا كنيسة مستقلة في بلاد فارس، وانتشروا في آسيا، بس عاشوا في عزلة. لحد دلوقتي فيه جماعات نسطورية صغيرة مازالت موجودة، زي كنيسة مار توما في الهند.

نسطوريوس، اللي بقى بطريرك القسطنطينية سنة ٤٢٨، كان بشكل عام بيمثل مدرسة أنطاكية في اللاهوت. ونظرة التاريخ ليه اتغيرت تمامًا مع الوقت. بسبب الحرم اللي تعرض له من الناس اللي عاصروه، بقى فيه اعتقاد شائع إنه بالغ في تبني وجهة نظر أنطاكية، وإنه بسبب كده وقع في غلط في لاهوت المسيح. واتقال إنه قدّم تعليم بيقول بوجود "مسيحين"، واحد إلهي وواحد بشري، وبالتالي بيبطل الإيمان المسيحي. ومن هنا، اتوصفت تعاليم نسطوريوس بالهرطقة، واتقدم كنموذج لفكر بيقسّم المسيح بشكل خاطئ بين الإلهي والبشري.

في فترة الإصلاح الديني، مثلًا، اتهموا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية إنها عندها لاهوت نسطوري. وفي أيامنا، فيه توجهات في اللاهوت العلمي بتقسّم اللاهوت لتفسير تاريخي من جهة وتجربة دينية من جهة تانية. فيه ناس كمان بيفرقوا بين يسوع التاريخي والمسيح ابن الله. المحاولات دي لفهم العلاقة بين اللاهوت والعلم بتفكرنا نوعًا ما بتعاليم نسطوريوس وبالأسس اللي بني عليها فكره.

الأبحاث الحديثة قدّمت تقييم مختلف تمامًا لنسطوريوس، وده حصل بسبب توفر مصادر أولية بشكل أفضل. بقى فيه رأي بيقول إن نسطوريوس اتفهم غلط، واتفسر تفسير مش دقيق من خصمه كيرلس، وإن ده، بالإضافة للسياسة الكنسية، هو اللي فجّر الصراع بينهم. والواقع، زي ما بيقولوا، إن لاهوت نسطوريوس كان مشابه لمدرسة أنطاكية القديمة، وماكانش فيه أي ميول هرطوقية. وبحسب Seeberg: "مافيش واحد من اللي اتوصفوا بالهرطقة في تاريخ العقيدة اتظلم في الوصف ده بقدر نسطوريوس" (Lehrbuch der Dogmengeschichte, II, 2d ed., 204). Seeberg و Loofs عملوا أكتر من أي حد علشان يعيدوا اعتبار نسطوريوس.

بس لازم نلاحظ إن الاتنين دول بيُمثلوا وجهة نظر لاهوتية أقرب لنسطوريوس ومدرسة أنطاكية عن مدرسة الإسكندرية. لاهوت مدرسة أنطاكية، اللي بيركّز على المسيح التاريخي وعلى الاتحاد الأخلاقي بين الطبيعة الإلهية والبشرية، اتشاف إنه أكتر قابلية للاستمرار من المنظور العلمي، بالمقارنة بلاهوت الإسكندرية اللي بيركّز على الاتحاد الجوهري بين الطبيعتين أو تأليه الجسد. لاهوت أنطاكية أقرب لتفكير العلم الحديث، وده جزء من السبب في تغيير النظرة لنسطوريوس.

اللي واضح بقى، إن تعاليم نسطوريوس اتفسرت غلط في وسط المعركة، وكمان إن الهجوم عليه ماكنش مبني على اعتبارات لاهوتية بس. الفرق بين تعاليم نسطوريوس وتعاليم مدرسة أنطاكية القديمة مكانش كبير زي ما خصومه حاولوا يثبتوا.

أساس لاهوت نسطوريوس عن المسيح كان زي أساس لاهوت اللاهوتيين القدامى من مدرسة أنطاكية؛ كلهم أكدوا إن الطبيعتين الإلهية والبشرية في المسيح ماينفعش يتخلطوا، ولازم يفضلوا متميزين تمامًا عن بعض. النقطة اللي اتكلم فيها نسطوريوس وخصومه كانت مرتبطة بالتعليم الأساسي ده، رغم إنها في ذاتها كانت نقطة تبدو بسيطة جدًا.

اللاهوتيين السكندريين بدأوا يطلقوا على العدرا لقب "ثيؤطوكوس" (θεοτόκος)، يعني "والدة الإله". لو فيه اتحاد جسدي بين الله والإنسان في شخص المسيح، يبقى، حسب كلامهم، الإنسان المسيح اللي اتولد من العدرا هو الله، والعدرا لازم تتسمى "والدة الإله". الاستنتاج ده كان ماشي مع التبجيل المتزايد للعذراء في الوقت ده. وكان فيه عوامل تانية ساعدت على التطور ده، زي إن الناس بدأت تقول إن العدرا ما اتأثرتش بالخطيئة الأصلية، وكمان فضلت عذراء طول حياتها.

بس نسطوريوس كان ضد استخدام لقب "ثيؤطوكوس". وقال إن العدرا ولدت ابن داود، اللي اللوغوس حلّ فيه وسكنه. العنصر الإلهي في المسيح ماكانش في طبيعته البشرية، لكن اللوغوس هو اللي اتّحد بيه. نسطوريوس كان شايف إن الاتحاد ده حصل وقت ميلاد المسيح، وده بيخالف رأي الديناميكيين الملكيين (Dynamic Monarchians) اللي كانوا شايفين إن الاتحاد ده حصل وقت المعمودية.

وبسبب رأيه ده، ماكنش ممكن بالنسبة لنسطوريوس إنه يطلق على العدرا لقب "ثيؤطوكوس". وكان بيقول إن أقصى حاجة ممكن تتقال عنها هي "خريستوتوكوس" (χριστοτόκος)، يعني "والدة المسيح".

وبسبب الكلام ده، اتهموه إنه بينكر ألوهية المسيح. لو المسيح عاش وتألم ومات كإنسان بس، يبقى الخلاص اللي عمله ملهوش فايدة. اللاهوت الأنطاكي القديم كان شايف إن العنصر البشري اتّحد بالعنصر الإلهي في المسيح بطريقة روحية وأخلاقية، وبالتالي بقى شخص واحد حقيقي.

طب ورأي نسطوريوس إيه؟ هو كمان كان بيتكلم عن المسيح كشخص واحد، لكنه كان بيميل لفصل بين الطبيعتين بشكل يخلي مافيش اتحاد حقيقي في شخصية المسيح. وكان بيقول مثلًا: "أنا بفرّق بين الطبيعتين، لكن بعبد شخص واحد". بس الكلام ده ما بيدلّش على وحدة حقيقية في ذات المسيح، ده بيعبر أكتر عن وحدة في عين المؤمن، وحدة ذاتية مش حقيقية.

سواء كان وصف نسطوريوس بالهرطقة عادل ولا لأ، فهو فعليًا كان صعب يوضّح فكرة وحدة شخص المسيح بشكل واضح. الطبيعة الإلهية والبشرية كانوا ظاهرين جنب بعض من غير اندماج. نسطوريوس كان بيقول إن بعض الصفات والأحداث في حياة المسيح الأرضية كانت بشرية تمامًا، وفي أحداث تانية ظهرت القوة الإلهية. بس من خلال اللي كان مؤمن بيه، ماقدرش يعبّر بشكل كافي عن الاتحاد في نفس الوقت بين العنصر الإلهي والبشري في المسيح.

زي ما قلنا قبل كده، الخصم الرئيسي لنسطوريوس كان كيرلس، بطريرك الإسكندرية، واللي كان كمان بينافسه على أكبر سلطة كنسية في الشرق. كيرلس كان من المدرسة السكندرية، بس ماكانش متطرف زي أبوليناريوس. كان بيحاول يجمع بين أفكار أنطاكية الأساسية والأفكار السكندرية. لكن في معارضته لنسطوريوس، كان شديد جدًا، وكتب ضده بيان فيه اتناشر حرمان. في مجمع أفسس، كيرلس انتصر، وهناك اتقبل مفهوم "ثيؤطوكوس" السكندري، واترفض رأي نسطوريوس.

كيرلس خالف أبوليناريوس في إنه أكّد إن المسيح إنسان كامل، ليه نفس بشرية. فيه طبيعتين في المسيح، وكل واحدة ليها صفاتها. وبالتالي، كيرلس اتفق مع أنطاكية إن فيه طبيعتين كاملتين في المسيح، ومش بيتحولوا أو يتداخلوا في بعض.

لكن على عكس نسطوريوس، كيرلس أصر إن فيه اتحاد حقيقي وجوهري بين الطبيعتين في المسيح. رفض فكرة الاتحاد الأخلاقي أو الروحي. واحد من الحرومات اللي كتبها ضد نسطوريوس بيقول: "اللي ما بيعترفش إن اللوغوس خرج من الله الآب علشان يتّحد اتحادًا أقنوميًا بالجسد، ويكوّن مع الجسد مسيح واحد، إله وإنسان، فليكن محرومًا". لو ماكنش الله نفسه هو اللي ظهر في حياة المسيح الأرضية، واتألم ومات، يبقى ماينفعش يكون مخلّصنا. رأي نسطوريوس كان بيخلي ألوهية المسيح الحقيقية مستحيلة، وبالتالي الخلاص عن طريقه كمان مستحيل.

كيرلس وصف الاتحاد بين الله والإنسان إنه اتحاد مادي أو جوهري. جوهر الفكرة موجود في تعبيره "الاتحاد بالنسبة للأقنوم" أو "الاتحاد الأقنومي". التعبير ده ممكن يبان إنه بيمثّل عقيدة الاتحاد الشخصي (unio personalis)، بس في كتابات كيرلس كلمة "أقنوم" مش معناها "شخص" زي ما في عقيدة الثالوث، لكنها أقرب لكلمة "جوهر" (ousia). يعني التعبير ده يقصد بيه "اتحاد على مستوى الجوهر".

اللي كيرلس كان عايز يقوله إن الاتحاد ده مش بس حاجة بنعبّر عنها في عبادتنا، لكنه اتحاد حقيقي، داخل طبيعة المسيح نفسه، مش مجرد إحساسنا بيه. كيرلس، بمعنى ما، استعار من أبوليناريوس اللي قال: "لوغوس الله ليه طبيعة واحدة، وهي اللي بقت جسد".

 

المجال

نسطوريوس (مدرسة أنطاكية)

كيرلس (مدرسة الإسكندرية)

الموقف من لقب "ثيؤطوكوس"

رافض له، بيقول إن العدرا ولدت الإنسان اللي اللوغوس حلّ فيه؛ يفضل لقب "خريستوتوكوس"

مؤيد له، بيقول إن العدرا ولدت الله المتجسد، وبالتالي تستحق لقب "ثيؤطوكوس"

طبيعة الاتحاد

اتحاد أخلاقي وروحي بين الطبيعتين، مش مادي؛ الطبيعتين متميزتين تمامًا

اتحاد جوهري ومادي "في الأقنوم" بين الطبيعتين بدون اختلاط أو تغيير

عدد الطبيعتين

بيأكد وجود طبيعتين منفصلتين: إلهية وبشرية

بيؤكد وجود طبيعتين كاملتين، لكن متحدتين اتحادًا حقيقيًا

الشخصية المسيانية

بيقول إن المسيح هو شخص واحد، بس بيميل للفصل العملي بين الطبيعتين، وده خلاه يقع في تصور مزدوج للهوية المسيانية

بيقول إن المسيح هو شخص واحد، الاتحاد فيه حقيقي وجوهري، وبالتالي لا انفصال في الهوية أو الإرادة

النتائج اللاهوتية

نظرته بتصعّب فكرة إن الله هو اللي اتألم ومات، وبالتالي بيأثر على فهم الخلاص

بيقول إن الله في المسيح هو اللي عاش وتألم ومات، وبالتالي المسيح هو المخلّص بحق

المصطلحات المستخدمة

بيميل للفصل بين اللوغوس والإنسان، ويؤكد إن الاتحاد تم وقت الميلاد

بيستخدم تعبير "اتحاد أقنومي"، ويقصد بيه اتحاد على مستوى الجوهر مش بس العبادة أو المشاعر

الخصم الأساسي

كيرلس الإسكندري، مجمع أفسس، ثيؤفيل الإسكندري، أنصار مدرسة الإسكندرية

سطوريوس، مدرسة أنطاكية، تيودور المصيصي، ديودور الطرسوسي، ثيؤدوريتوس، أنصار نسطوريوس بعد مجمع أفسس

رد الفعل الكنسي

اتُّهِم بالهرطقة وطُرد في مجمع أفسس

انتصر في مجمع أفسس، وتعاليمه أصبحت أساس في العقيدة الأرثوذكسية

 

بسبب إن كيرلس أكد في نفس الوقت على إن الطبيعتين لازم يحتفظوا بهويتهم المنفصلة، ظهر نوع من التناقض في لاهوته عن المسيح. هو جمع بين تعليم أنطاكية اللي بيأكد على وجود طبيعتين متميزتين (مع تركيز على بشرية المسيح الحقيقية) وبين الفكرة السكندرية عن الاتحاد الجسدي. المفارقة دي ظهرت كمان في الصيغة المسيحانية اللي اتحددت في النهاية واتقبلت بشكل نهائي، بس عند كيرلس ما كانتش واضحة أو حادة بنفس الشكل. وجهة نظره اتعرِفت على إنها أرثوذكسية تمامًا، لكن في نفس الوقت بعض الصيغ اللي استخدمها قدر المونوفيسيين بعد كده إنهم يقبلوها ويبنوا عليها.

في الجدال العقائدي اللي سبق مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١، كان فيه صراع دايم بين وجهة نظر نسطوريوس وكيرلس علشان السيطرة اللاهوتية. لكن كان فيه عنصر تالت مهم دخل في المعركة دي، وهو التوجه المسيحاني الغربي، اللي اتطور على إيد هيلاري، وأمبرسيوس، وأوغسطينوس. الأفكار دي وطريقة عرضها كان ليهم تأثير كبير جدًا على تشكيل الرأي الكنسي الرسمي في الآخر. حتى ترتليان كان اتكلم عن المسيح على إنه ليه طبيعتين في شخص واحد.

اللاهوت الغربي طوّر الفكرة دي وقال إن اللوغوس هو اللي بيكوّن شخص المسيح نفسه، هو اللي أخد الطبيعة البشرية واتّحد بيها واشتغل من خلالها. المسيح، بالتالي، هو شخص واحد، والشخص ده عليه طابع الطبيعة الإلهية. الأفكار دي كانت قريبة من المنظور السكندري. لكن، في نفس الوقت، التمييز بين الطبيعتين كان واضح جدًا عندهم."



[1] Bengt Hagglund, History of Theology, electronic ed. (St. Louis: Concordia Publishing House, 1999, c1968). 91.


الجمعة، 18 يوليو 2025

الطلاق والزواج الثاني بحسب نصوص العهد الجديد، لكريج كينر [2]

 


للرجوع للمقال الأول اضغط هنا


ما هي الاستثناءات؟

 

غالبًا أربع نصوص من ستة عن الطلاق في العهد الجديد ("متى ٥: ٣٢"؛ "متى ١٩: ٩"؛ "١ كورنثوس ٧: ١٥، ٢٧–٢٨") بتقدّم استثناء للطرف البريء. في ناس بتحاول تفسّر الأربع استثناءات دي بطريقة تلغي تأثيرها، وده علشان يفضلوا متمسكين بالمبدأ العام اللي اتقال بشكل مباشر في "مرقس ١٠: ١١–١٢" و"لوقا ١٦: ١٨".

بس التفسير بالطريقة دي بيخلينا مانقدرش نستخدم نصوص تانية علشان نعدّل أو نوسّع تفسير المبادئ العامة، رغم إن ده شيء واضح إنه ضروري، خصوصًا في الأمثال (اللي كانت ليها تأثير كبير في تعاليم يسوع والمعلّمين اليهود).

خلينا نشوف المثالين دول:

• الشخص الكسول بيفتقر، والشخص المجتهد بيغتني (راجع "أمثال ١٠: ٤"؛ قارن "أمثال ١٤: ٢٤")؛ بس برضو، الأحسن إن الواحد يكون فقير ومستقيم عن إنه يكون غني وشرير (راجع "أمثال ٢٨: ٦"؛ قارن "أمثال ١٦: ٨").

• المفروض نرد على الأحمق حسب حمقه، علشان مايفتكرش نفسه حكيم (راجع "أمثال ٢٦: ٥")؛ بس في نفس الوقت، ماينفعش نرد عليه حسب حمقه، علشان ما نبقاش زيه (راجع "أمثال ٢٦: ٤").

يعني نرد على الأحمق ولا مانردش؟[1] الكتاب بيحط الاتنين جنب بعض علشان يدعونا نفكر كويس في إزاي نطبّق كل واحدة حسب الموقف.

بنفس الطريقة، لما يسوع اتكلم عن شروط التلمذة، قال إننا لازم "نُبغِض" أهلنا (راجع "لوقا ١٤: ٢٦")؛ بس في موقف تاني، طلب منّا نحبهم ونكرمهم لدرجة إننا نساعدهم ماديًا (راجع "مرقس ٧: ٩–١٢"). وكمان، يسوع قال إن اللي يشتم حد ويقوله "يا أحمق" يستحق الدينونة (راجع "متى ٥: ٢٢")؛ بس هو نفسه قال على المرائين "يا أغبياء" (راجع "متى ٢٣: ١٧").

ممكن نجيب أمثلة أكتر، بس دول كفاية علشان يوضحوا الفكرة: لو رفضنا نعدّل المبادئ العامة بمبادئ تانية، هنخلي الكتاب المقدس شكله متناقض ومش منطقي.

أما بالنسبة للاستثناءين الواضحين في الكتاب بخصوص الطلاق—الزنا والهجر—فالاتنين ليهم عامل مشترك: إنهم أفعال ارتكبها الطرف التاني ضد المؤمن المطيع. يعني المؤمن مش هو اللي بيكسر الجواز، لكن بيتواجه مع عهد جوازي مكسور بالفعل.[2]

 

استثناءات أُخرى

 

هل ممكن يكون في استثناءات تانية؟ مفيش إلا لو كان لازم نكون قادرين نقتبس قول محدد من بولس قبل ما نعلن عن استثناء—لكن ممكن يكون في لو مشينا على مثاله. صح، إحنا مش بنكتب كتابات مقدسة زيه، بس بولس ماكنش عارف إن رسالته لأهل كورنثوس هتبقى جزء من قانون الكتاب المقدس (ماكانش ضامن إن الرب هيأخر مجيئه للدرجة دي)، هو بس كان متأكد إنه بيتكلم بقيادة الروح القدس (راجع "كورنثوس الأولى ٧: ٤٠").

لو بولس اضطر يعيد تطبيق تعاليم يسوع بطريقة جديدة عشان موقف يسوع ما اتكلمش عنه بشكل مباشر، يبقى إحنا كمان ممكن نكون مطالبين نعمل نفس الحاجة. وده فعلاً عنصر أساسي في الطريقة اللي بنتعامل بيها مع الكتاب المقدس: لازم نسمع ونطيع المعنى بتاعه، مش بس نحفظ كلامه ونردده. لو اكتفينا إننا نقتبس نصوصه بس، يبقى إحنا كده بنقدر نتعامل مع عدد محدود من المواضيع اللي الكتاب اتكلم عنها بشكل مباشر، ومش هنقدر نواجه المواضيع الكتير اللي محتاجة نستنتجها من المبادئ الكتابية.

الكتاب المقدس بيتكلم قليل جدًا أو يمكن ما بيذكرش خالص مواضيع زي الإجهاض، إلغاء العبودية، تعاطي المخدرات، الإباحية، العنف الأسري، وحاجات تانية كتير من القضايا اللي بتضغط علينا دلوقتي، ومع كده معظمنا مؤمن إن الكتاب ليه دلالات قوية بخصوص المواضيع دي. هل نجرؤ إننا "نجمد" رسالته في التاريخ القديم ونكتفي إننا نقتبس منه عشان نغطي كل احتياجاتنا؟ ولا لازم نقراه بطريقة ديناميكية باعتباره كلمة الله للقراء الأولانيين في ظروفهم، واللي ربنا عايزنا نعيد تطبيقها بطريقة مشابهة لما نواجه مواقف مختلفة؟[3]

فكّر كده في الخلاف اللي حصل بين يسوع والفرّيسيّين حوالين موضوع الطلاق. الاتنين اقتبسوا نصوص من الكتاب المقدس، لكن يسوع كان بيدور على المبدأ اللي بيكشف قصد الله المثالي. الفرّيسيّين ركّزوا على نص القانون من غير ما يهتموا كفاية بالناس اللي القانون معمول علشان يخدمهم، وده لأن "قُلُوبَكُمْ قَاسِيَةٌ" (مرقس ١٠: ٥)، زي ما موسى استخدم نص القانون علشان يتعامل مع قساوة قلوبهم.

يسوع دايمًا كان بيبص أبعد من الصياغات المحددة للوصايا في الناموس، وكان بيركّز على جوهر الناموس نفسه، زي ما بيبان في "لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (متى ٥: ١٧–٤٨).

معظم المسيحيين النهارده ما بيعتبروش إن كل قوانين العهد القديم بصيغتها الأصلية ملزمة للمؤمنين، لكن بنتعلم منها المبادئ اللي وراها.

على المستوى العملي، السؤال عن وجود استثناءات تانية هو سؤال مهم جدًا. وده حتى لو السبب الوحيد هو إن الجواز ليه أهمية روحية للناس اللي عمرهم ما اتجوزوا قبل كده. لو بولس نصح إن الجواز ممكن يساعد روحيًا في مواجهة خطر الشهوة "وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يَضْبِطُوا أَنْفُسَهُمْ، فَلْيَتَزَوَّجُوا. لِأَنَّ التَّزَوُّجَ أَحْسَنُ مِنَ التَّحَرُّقِ" (كورنثوس الأولى ٧: ٩)، هل المفروض نعتقد إن المسيحيين المطلقين، واللي اختبروا العلاقة الزوجية، أقل عرضة للشهوة من المسيحيين العُزّاب اللي (من الناحية المثالية) عمرهم ما اختبروها؟

أنا مش بقول الكلام ده كحُجّة أخلاقية تبرّر أي جواز بعد الطلاق (لأن في ناس ممكن تستغل فكرة "تقليل الشهوة" دي علشان تبرّر أي سلوك مرفوض كتابيًا)، لكن بطرحه كحُجّة رعوية بتسلّط الضوء على أهمية إننا نفكر في وجود استثناءات تانية.[4]

بس الاستثناءات اللي بنقبلها لكلام يسوع عن الطلاق لازم تكون ماشية مع طبيعة الاستثناءات اللي موجودة في العهد الجديد: المؤمن مش حرّ إنه ينهِي الجواز بإرادته، لكن بيقبل إن الطرف التاني اللي مش بيتوب هو اللي فعليًا دمّر العلاقة.

زي ما قال ديفيد جَسي، الأخلاقي المعتمد عند المعمدانيين الجنوبيين:

"مافيش نص كتابي بيقول إن حرق طفل أو زوجة بالسجاير، أو رميهم من على السلم، أو خبط راسهم في الحيطة، أو إشراكهم في جريمة قتل، يعتبر سبب للطلاق. لكن التصرفات دي تعتبر هجوم أساسي على معنى عهد الجواز".[5]

وبما إن النمط المعتاد في حالات العنف الجسدي هو إن الطرف المؤذي بيعتذر كل شوية أو يبرّر تصرفاته، لكن من غير ما يكون ملتزم بعلاج نفسي جاد، فأنا مؤمن إن ربنا بيحمّلنا مسؤولية إننا نقبل نمط الإساءة ده كسبب كافي للطلاق، وبالتالي، حسب الحُجّة اللي فوق، كمان سبب للجواز من جديد.[6]

بس في مواقف رعوية كتير بتخلينا نعيد تعريف كلمة "إساءة". قليل من قادة الكنيسة النهارده هيعترضوا على فكرة الانفصال المؤقت على الأقل، لما الراجل يضرب مراته وتكون حياتها أو سلامتها الجسدية في خطر. بس هل الضرب هو الحد اللي بنقف عنده؟

في مرة، راجل عنده إعاقة حكى لي إن مراته عايشة على معاشه، لكنها كانت سايباه من غير رعاية، ومستنية يموت علشان تاخد الورث. هي ما كانتش بتضربه، بس هل كده يبقى مش في خطر؟

 

مواجهة بعض الأسئلة الصعبة

 

وعلى الطرف التاني، قليل جدًا من الناس هيعتبروا إن الكلام الجارح اللي بيحصل في خناقات الجواز العادية هو "إساءة". بس بين الكلام الجارح والعنف الجسدي، في حالات كتير صعبة. يعني مثلًا، واحدة جوزها بيهينها بالكلام طول الوقت لدرجة إنها بدأت تفكر في الانتحار—ده مش عنف جسدي، بس أغلب الناس على الأقل هيشوفوا إن الانفصال المؤقت والعلاج النفسي ضروريين علشان يحاولوا ينقذوا الجواز.

وبرضو، أي حد ممكن يدّعي إنه بيتعرض لـ"إساءة"، وفي ناس بتستخدم الادعاء ده علشان ينهوا جوازهم وخلاص. فإزاي نقيّم مدى صدق أو خطورة الإساءة دي؟ وبنفس الطريقة، مع إن هدفنا هو الحفاظ على الجوازات، إمتى المستشار أو الراعي يقرىر إن تعنّت أحد الطرفين بقى غير قابل للإصلاح؟ (على الأقل حسب القراءة المتشائمة لـ"لَعَلَّكِ تُخَلِّصِينَ الرَّجُلَ؟ أَوْ لَعَلَّكَ تُخَلِّصِينَ الْمَرْأَةَ؟" في كورنثوس الأولى ٧: ١٦).

دوري كمُفسّر كتابي مش بيأهّلني إني أتعامل مع الأسئلة اللي بتتعدّى الحالات الواضحة في الكتاب المقدس، لأن الأمور بتتعقّد جدًا لما نخرج برا نطاق الإساءة الجسدية. في ظروف فعلاً شكلها قريب من الاستثناءات اللي في الكتاب، بس أنا بخاف أكتب كلام ممكن ناس تستخدمه كـ"مخرج سهل" من جواز صعب.

لكن، على عكس كتير من الباحثين، الرعاة وقادة الكنيسة ما يقدروش يهربوا من الأسئلة دي، لأنها بتواجهنا في الخدمة الرعوية اليومية. ولو تجاهلناها، يبقى كأننا بنغمض عينينا عن سلوك خاطئ بيأثر فعلًا على الجوازات اللي في وسط شعبنا.

وكوني لسه بشتغل كراعي مساعد في كنيسة، وبدرّس رعاة في كلية لاهوت بتركّز على الخدمة العملية، ده بيساعدني أفضّل متواصل مع نوعية الأسئلة الواقعية اللي كنت بتعامل معاها وأنا راعي، رغم إن الرعاة المتفرغين بيواجهوا الأسئلة دي بشكل أوسع وأكتر مني بكتير.

أنا بفكر في كذا حالة لستات أزواجهم كانوا مدمنين مخدرات. واحدة منهم فضلت سنين ترفض فكرة الطلاق لأنها بتحب جوزها، لكن في الآخر طلّقته بعد ما سرق وباع كل حاجة عندهم، وخلّاهم يخسروا بيتهم. واحدة تانية ما كانتش فارقة معاها البيت، بس طلّقته بعد ما ضربها قدّام ابنهم. واحدة تالتة فضلت مخلصة لجوزها طول السنين، لكن هو استغل الوضع وخلى أولادهم يدمنوا مخدرات.

أنا مش عندي كل الإجابات، بس بما إني الكاتب اللي اتكلّف في الكتاب ده إني أدافع عن وجود استثناءات إضافية، يبقى على الأقل عندي مسؤولية إني أسأل السؤال: هل الحالات دي تُعتبر "إساءة"؟ ولو سألنا السؤال بشكل أكتر جدلية: لو الجوازات دي انتهت، هل الستات دول لازم يفضلوا من غير جواز طول عمرهم؟

لو واحد من أعضاء الكنيسة اللي بخدم فيها، وكان مكسور من معاناة مرّ بيها في سنين فاتت، وبقى دلوقتي قادر يدخل في علاقة جواز صحية، هل هوافق أعمل له مراسيم الجواز التاني؟ ولا هرفض أشارك؟ لما بواجه الأسئلة دي، بفتكر الطريقة اللي يسوع كان بيتعامل بيها مع الناس المكسورة. ولما بحاول أقرر في الحالة دي، كمان بفتكر إزاي يسوع كان بيتعامل مع الناس "البارّين" اللي زيي، اللي كانوا شايفين نفسهم مؤهلين يحكموا على كل حالة: "فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالًا ثَقِيلَةً شَاقَّةَ الْحَمْلِ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبَعِهِمْ" (متى ٢٣: ٤)، ويمكن كمان: "فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ" (متى ١٢: ٧)، أو حتى: "وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي، فَيَسُرُّهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ رَحًى، وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ" (متى ١٨: ٦).

الآيات دي مش بتقول لنا نرسم الخط فين، لكن بتخلينا نفكر كويس جدًا قبل ما نرسمه بشكل صارم زيادة عن اللزوم.

فيه بعض الإنجيليين اللي بيروحوا أبعد من كده، وبيستشهدوا بحالات زي "الهجر الجنسي" كسبب للطلاق. أنا شخصيًا متردد إني أعتبر "الإهمال" أو الحرمان الجنسي سبب كافي للطلاق (رغم إنهم فعلاً محتاجين إرشاد ومشورة)، لأن بالرغم من إن العلاقة الزوجية ليها قيمة في مقاومة الشهوة، بولس ما ذكرش الحرمان الجنسي كسبب للطلاق، حتى وهو بيتكلم عن الموضوعين في نفس السياق "وَلَكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْتَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا... لَا يَسْتَحِقُّ الرَّجُلُ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ... وَلَكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيَفْرِقْ" (كورنثوس الأولى ٧: ٢–٦، ١٠–١٦).

أنا مؤمن إن التضحيات اللي بنقدّمها علشان نحافظ على رباط الجواز تستحق الصبر طالما فيه أمل في إن الجواز يتصلح. لكن في نفس الوقت، فيه بعض علماء الكتاب الإنجيليين والمستشارين الرعويين اللي شايفين إن "الهجر الجنسي" المتعمد ممكن يقطع عهد الجواز، لأن "الوحدة الجسدية" بتتعرف جزئيًا من خلال العلاقة الحميمة، إلا لو كان فيه مانع جسدي يمنعها.[7]

ومن الناحية المثالية، الكتاب ده ممكن يقدّم وجهة نظرهم كطرح رابع، غير وجهة نظري، علشان يمثل طيف أوسع من الرؤية الإنجيلية.

 

أمثلة متطرفة

 

مع إني متردد إني أروح للدرجة دي، بس الأمثلة المتطرفة بتخليني أقف شوية. شاب في بلد تاني حكالي إن مراته رفضت أي لمسة بسيطة وكمان تقريبًا كل الكلام معاها من أول ما اتجوزوا. مقدرتش أأكد أو أنفي كلامه إنها رفضت من غير سبب، وإنها عمرها ما اتعرضت لأي إساءة. في بلده (زي ما الكتاب المقدس بيقول)، الجوازات المرتبة شائعة، فمعرفته بيها قبل الجواز غالبًا كانت أقل من اللي متعودين عليه هنا. بس دلوقتي هو كان عايز نصيحة. هي كانت رافضة تطلقه لإنها شايفة إن الطلاق غلط، بس كانت بتشجعه يطلقها؛ وهو كان متأكد إنهم محتاجين يطلقوا، مع إنه مش حابب فكرة الطلاق.

هل سلوكها اللي هو بيقول عليه كان شبه الخيانة؟ كنت متردد أقف قدام ربنا في يوم من الأيام، وأنا نصحته بنصيحة يا إما متشددة بشكل مش صحي (زي خصوم بولس في "غلاطية")، يا إما متساهلة أكتر من اللازم (زي كتير من المسيحيين في "كورنثوس"). زي ناس تانية هو استشارهم، كنت مضطر أعترف إني ماعنديش إجابة سهلة غير اللي واضح في الكتاب المقدس. مكنش عندي فرصة أكلم مراته أو أعمل جلسة مشورة؛ كان عندي ساعة واحدة بس مع الراجل ده وممكن ما أشوفهوش تاني. ومع كده، حاولت أقدم له اللي أقدر عليه.

"أنا مش قادر أكمّل أحبها!" قالها بتوسُّل. فقلت له: "لو مش قادر تحبها علشانها، ممكن تحاول تكمّل تحبها دلوقتي علشان خاطر يسوع؟"

خلال السنة اللي بعدها، كنا بنصلي علشان يحصل تغيير معجزي في جوازه. وقال إنه مستعد يعمل كده علشان خاطر يسوع. بعض الناس اللي هيقروا الكتاب ده ممكن يشوفوني متساهل زيادة علشان ما وبختوش على فكرة الطلاق، وناس تانية ممكن يشوفوني قاسي علشان ما وافقتش على دفن علاقة شكلها ماتت خلاص. وبما إني ماعنديش الإجابة بنفسي، فبطرح السؤال عليكم تفكروا فيه.

أنا بحب أكتب شروحات كتابية بتتناول معلومات موضوعية وواضحة؛ ولما بكون مفتقد المعلومات دي، غالبًا بلجأ لحرية الباحث الكتابي إنه يقول: "مش عارف". بس في المواقف الرعوية الحقيقية، ساعات بنكون مضطرين ناخد قرارات (حتى لو القرار هو إننا ما ناخدش قرار)، سواء كنا عارفين كل الإجابات أو لأ. الباحثين في الكتاب المقدس بيساعدوا المرشدين الرعويين يفضلوا مرتبطين بمطالب النص، لكن المرشدين الرعويين كمان بيوسّعوا تفكيرنا علشان نواجه مواقف ما اتكلمناش عنها بشكل واضح وإحنا بنشرح المطالب دي.

غياب اليقين التام في تحديد فين نرسم الخط الفاصل في بعض الحالات هو مشكلة معروفة في موقفي، وأنا حاسس بيها جدًا. بس دي غالبًا بتكون مشكلة لما بننتقل من شرح المعنى الأصلي لنصوص الكتاب المقدس لتطبيقها على مواقف غير متوقعة في الزمن اللي إحنا فيه. أنا بثق إن يسوع كان قصده يحدد لنا فين نرسم الخط أكتر من إنه يخلينا أمناء في جوازاتنا. الاستثناءات كانت للجوازات اللي اتكسرت غصب عن إرادتنا؛ وياريت الاستثناءات دي كانت نادرة أكتر من اللي بنشوفه النهارده.

 



[1] See other examples in Craig Keener, The IVP Bible Background Commentary: New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 1993), 235.

[2] Blomberg (Matthew, 293) عنده حق لما بيقول إن أي استثناءات زيادة عن اللي اتذكرت في الكتاب لازم تتحدد حسب المبدأ اللي بيربط بين الاستثناءين الكتابيين:

(1) الزنا والهجر بيهدّموا عناصر أساسية في الجواز؛ (2) الاتنين بيخلّوا الطرف البريء مش قادر ينقذ الجواز؛ (3) الاتنين بيستخدموا الطلاق كـ"حل أخير".

هو واعي إن في ناس ممكن تستغل الحرية دي بشكل غلط، بس ده مش معناه إننا نعاقب الطرف البريء اللي فعلاً محتاج الاستثناء ده.

[3] يعني مثلًا، لما بولس قال للعبيد يطيعوا سادتهم "يَا عَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرَعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ، لَا بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَا يُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ كَعَبِيدٍ لِلْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ، خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ لَا لِلنَّاسِ، عَالِمِينَ أَنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ، فَذَلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَمْ حُرًّا" (أفسس ٦: ٥–٨)، إحنا بنفهم إن مبدأ الطاعة هنا مبدأ عام، لكن بولس مش بيوافق على نظام العبودية نفسه.

راجع مثلًا المناقشة اللي في "Craig S. Keener and Glenn Usry, Defending Black Faith: Answers to Tough Questions About African-American Christianity (Downers Grove, Ill.: InterVarsity, 1997), 36–41".

[4] See Keener, … And Marries Another, 67–82. Some apply Matt. 19:10–12 only to divorced persons, but in view of the immediate flow of context, it addresses the disciples’ concern about initial marriage if it cannot be escaped (see fuller discussion in my Matthew, 470–72).

[5] Gushee, Getting Marriage Right, 81.

[6] القديس يوحنا ذهبي الفم (في "العظة على كورنثوس الأولى ١٩: ٤") طبّق الآية "وَلَكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيَفْارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعَبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ. وَلَكِنَّ اللهَ قَدْ دَعَانَا فِي السَّلاَمِ" (كورنثوس الأولى ٧: ١٥) مش بس على الهجر، لكن كمان على الإساءة.

وعلى الرغم إن المسيحيين لازم يواجهوا الألم، ربنا مش بيطلب مننا نفضل فيه من غير داعي، زي ما بيقول "وَمَتَى اضْطَهَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ، فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى" (متى ١٠:٢٣)، و"فَإِذَا رَأَيْتُمُ الرِّجْسَ الْمُخَرِّبَ قَائِمًا حَيْثُ لاَ يَنْبَغِي، فَلْيَفْهَمِ الْقَارِئُ. حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ" (مرقس ١٣:١٤)، و"فَلَمَّا عَلِمُوا ذَلِكَ، هَرَبُوا إِلَى الْمُدُنِ الْلِيكَاوُنِيَّةِ: لِسْتِرَةَ وَدَرْبَةَ وَالْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ" (أعمال ١٤:٦).

[7] أكيد العلاقة الجنسية ليها دور أساسي في عهد الجواز، على الأقل في بداية اكتماله؛ شوف مثلًا "Gordon P. Hugenberger, Marriage as a Covenant: Biblical Law and Ethics as Developed from Malachi (Biblical Studies Library; Grand Rapids: Baker, 1998), 216–79"، وكمان "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ التَصَقَ بِزَانِيَةٍ هُوَ جَسَدٌ وَاحِدٌ؟ لأَنَّهُ يَقُولُ: يَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا" (كورنثوس الأولى ٦: ١٦).

راجع كمان المناقشة الأوسع عن الاستثناءات في "David Instone-Brewer, Divorce and Remarriage in the Church: Biblical Solutions for Pastoral Realities (London: Paternoster, 2003), 82–93".