الأحد، 13 يوليو 2025

تاريخ العقيدة في المسيحية المبكرة (8) - طبيعة المسيح

 


طبيعة المسيح[1]

مقدمات وهرطقات عن طبيعة المسيح

 

علشان نفهم شخص المسيح بشكل كامل، فيه أربع عناصر لازم يتجمعوا مع بعض:

1. إن له لاهوت حقيقي وكامل 

2. وإن له ناسوت حقيقي وكامل 

3. وإن اللاهوت والناسوت متحدين في شخص واحد 

4. وإن اللاهوت متميز عن الناسوت في نفس الشخص، من غير ما يكون فيه خلط أو امتزاج بين الطبيعتين 

لو عنصر واحد من دول مش موجود، يبقى التصريح العقيدي فيه خطأ. والبدع اللي ظهرت في الكنيسة القديمة كانت بسبب الفشل في تجميع العناصر دي كلها في العقيدة. بعض الناس خدوا واحد أو أكتر من العناصر دي، ورفضوا الباقي. فبالتالي تصنيف الأخطاء القديمة في الكريستولوجي (علم لاهوت المسيح) هيجي بشكل طبيعي بناءً على الترتيب اللي فوق.[2]

 

1- الآريوسيين ماكانوش بيقبلوا وجود طبيعة إلهية حقيقية وكاملة في شخص يسوع المسيح. حتى شبه الآريوسيين، اللي وافقوا إن ابن الله، أو اللوغوس، له طبيعة شبه طبيعة الله لكن مش مطابقة ليها، مقدروش ينسبوا ألوهية كاملة لفادي العالم. الكائن السامي اللي كان موجود قبل التجسد واتجسد في المسيح، حتى حسب نظرية شبه الآريوسيين، ماينفعش يتوصف بدقة عقيدية إنه "إله-إنسان".

لكن المسيح الآريوسي كان واضح إنه ناقص الطبيعة الإلهية بكل معني الكلمة. رغم إن ابن الله اتحد بالطبيعة البشرية في ميلاد يسوع، إلا إن ابن الله ده كان (κτίσμα - كْتِيزْمَا)، يعني مخلوق. هو فعلاً كان موجود من زمان قبل الميلاد ده، بس مش من الأزل.

فبالتالي، العنصر الوحيد اللي فضل سليم ونقي في تصور الآريوسيين لشخص المسيح كان الطبيعة البشرية. وفي النقطة دي بالذات، الآريوسيين كانوا أرثوذوكس.

 

2- بيندرج تحت نفس التصنيف مع الآريوسيين، التثليثيين الاسميين القدامى the earlier Nominal Trinitarians. لأنهم في شرحهم لعقيدة الثالوث، كان الابن مش وجود مستقل (ὑπόστασις - هيبوستاسيس) في الجوهر، لكن مجرد انبعاث أو طاقة (δύναμις - ديناميس) طالعة منه. علشان كده، ماقدروش يقولوا بشكل منطقي إن فيه اتحاد بين الطبيعة الإلهية، أو جوهر الألوهية نفسه، والطبيعة البشرية ليسوع.

فالطاقة المنبعثة دي من الألوهية، واللي دخلت الطبيعة البشرية للمسيح، ماتكونش أكتر من إلهام داخلي شبه اللي كان عند الأنبياء. وعنصر الألوهية الحقيقية الأساسية، متحد مع البشرية الحقيقية الأساسية، في شخص المسيح، كان بالتالي غايب عن الكريستولوجي بتاع التثليثيين الاسميين.

 

3- المونارخيين، أو الباتريباسيين (مؤلمي الآب)، راحوا للناحية التانية تمامًا من الخطأ. هم أكدوا إن في شخص المسيح فيه لاهوت حقيقي وكامل، لكن أنكروا ناسوته. 

حسب رأيهم، الشخص الواحد الوحيد في الألوهية، اللاهوت الحقيقي والمطلق، اتحد بجسد بشري، لكن من غير نفس بشرية عاقلة. فبالتالي، الناسوت في شخص المسيح كان ناقص. كان ناقص الجزء العاقل – الروح اللي بتتميز عن الجسد.

 

4- اللاهوت الباتريباسي ده حصل له تعديل بسيط على يد أبوليناريس، أسقف لاودكية († ٣٨٢)، واللي بقى معروف باسم النظرية الـ(أبولينارية). 

التقسيمة الثلاثية للطبيعة البشرية، اللي بتقسم الإنسان لـ جسد (σῶμα - سوما)، ونفس (ψυχή - بسيكيه)، وروح (πνεῦμα - Pneuma - نِفْما)، كانت وقتها منتشرة، وأبوليناريس افتكر إن الموضوع هيبقى أسهل في الفهم والشرح لو اعتبرنا إن اللوغوس حل مكان المكوّن العاقل الأعلى في الطبيعة البشرية، وبكده يبقى جزء لا يتجزأ من البشرية نفسها.[3]

لكن في النظرية دي، الطبيعة الإلهية ما اتحدتش بطبيعة بشرية كاملة وشاملة، زي ما حصل في نظرية الباتريباسيين الأصلية. 

الجسد المادي، مع النفس الحيوانية أو العنصر الحيوي، مش بيكوّن الإنسان بالكامل.  اللوغوس، حسب النظرية دي، اتحد بطبيعة بشرية ناقصة ومشوّهة في أصلها. لأن لو شلنا الجزء العاقل من الإنسان، هيبقى إما مجنون أو حيوان.

صحيح إن الأبولينارية بتحاول تسد النقص بالعقل الإلهي، لكن برضو الحقيقة هي إن وقت الاتحاد بين الطبيعتين، الجزء البشري كان مجرد جسد (σῶμα - سوما) ونفس حيوية (ψυχή - بسيكيه). يعني مش عاقل، وربنا، حسب النظرية دي، اتحد بشخصه بطبيعة حيوانية بحتة.  فبالتالي، العنصر البشري كان ناقص في الكريستولوجي بتاع أبوليناريس.

 

5- الخطأ العام التالت في الكريستولوجي، اللي ظهر في الكنيسة القديمة، هو النسطورية.[4] والمقصود هنا النظرية اللي اتلغت في الآخر بسبب الجدل بين نسطوريوس ومعارضينه.  سواء كانت نظرية نسطوريوس نفسه في بداية الجدل، أو حاجة هو كان ناوي يبنيها، الموضوع لسه قابل للنقاش. لكن النسطورية مكانتش نظام عقيدي واضح، وكانت ناقصة فيه عناصر وصفات أساسية.

العيب في الكريستولوجي النسطوري مش في التمييز بين الطبيعتين، لكن في اتحادهم في شخص واحد. فيه اعتراف بوجود لاهوت حقيقي وكامل، وناسوت حقيقي وكامل. لكنهم مش متحدين في شخصية واحدة واعية بذاتها. 

المسيح النسطوري هو شخصيتين — واحدة إلهية، والتانية بشرية. التمييز المهم بين "الطبيعة" و"الشخص" مش معمول حسابه، والنتيجة إن فيه ذاتين منفصلين ومختلفين في يسوع المسيح.[5]

بدل ما الطبيعتين يتحدوا في ذات واحدة، النظرية النسطورية بتحط ذاتين جنب بعض، وبتسمح باتحاد أخلاقي وعاطفي بس بينهم. النتيجة إن أفعال كل طبيعة مش بتستمد صفات من التانية. مفيش اتضاع إلهي، لأن الاتضاع موجود في الناسوت، والناسوت منفصل لوحده، مش متحد في وحدة ذاتية واعية. وكمان مفيش تمجيد للناسوت، لأن التمجيد مصدره اللاهوت، واللاهوت هو كمان منعزل لنفس السبب. يعني فيه إله، وفيه إنسان؛ لكن مفيش "إله-إنسان".

 

6- الهرطقة الرابعة من الهرطقات القديمة في الكريستولوجي (علم لاهوت المسيح) هي الأوتيخية أو المونوفيزية. ودي كانت العكس تمامًا من النسطورية. 

هي بتأكد إن فيه وحدة في الذات الواعية في شخص المسيح، لكن بتفقد التمييز بين الطبيعتين. أوتيخيس كان بيعلم إن الطبيعة البشرية في التجسد اتحولت لطبيعة إلهية؛ وبكده النتيجة كانت شخص واحد وطبيعة واحدة.

علشان كده، الأوتيخيين كانوا شايفين إنه من الدقة والصح إننا نقول "الله تألم" — واللي قصدوا بيه إن الله تألم في طبيعته الإلهية. 

لكن الكاثوليك لما استخدموا العبارة دي، أحيانًا، كانوا يقصدوا إن الله تألم في الطبيعة البشرية. هوكر قال: "لما الرسول بيقول عن اليهود إنهم صلبوا رب المجد (1 كورنثوس 2: 8)، لازم نفهم إن الكلام عن الشخص الكامل للمسيح، اللي، كونه رب المجد، اتصلب فعلًا، لكن مش في الطبيعة اللي بسببها اتسمى رب المجد. 

وبنفس الطريقة، لما ابن الإنسان، وهو على الأرض، يقول إن ابن الإنسان كان في السماء في نفس اللحظة (يوحنا 3: 13)، لازم نقصد بابن الإنسان الشخص الكامل للمسيح، اللي، كونه إنسان على الأرض، كان بيملأ السماء بحضوره المجيد، لكن مش بالطبيعة اللي اتسمى بيها ابن الإنسان."[6]

 

المجامع نيقية والقسطنطينية، لما حددوا التصريح الصحيح لعقيدة الثالوث، ساعدوا بشكل غير مباشر في تحديد عقيدة شخص المسيح. وفيما يخص لاهوته، قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني قدّم مادة لازم تدخل في أي كريستولوجي كتابي. 

لكن هدف المجامع دي ماكانش إنها تتكلم عن ناسوت المسيح، أو تحدد العلاقة بين الطبيعتين. وعلشان كده، كان موضوع الكريستولوجي أقل تطورًا من موضوع الثالوث؛ وده السبب إن ناس زي أبوليناريس، اللي كانت آراءهم صح في موضوع الثالوث، يقعوا في غلط عقيدي في فهمهم لشخص المسيح. 

الأخطاء والنواقص المختلفة في شرح عقيدة شخص المسيح اتصححت واتكملت في قانون الإيمان اللي عمله مجمع خلقيدونية سنة 451. مجمع أفسس سنة 431 بدأ يحاول يحل الأسئلة المطروحة؛ لكن، رغم إنه اتعقد كمجمع مسكوني، هو ماكانش فعلاً مجمع مسكوني بكل معنى الكلمة، وكان تحت تأثير كيرلس وده خلى نتيجته مش شاملة ولا حيادية.

 



[1] William G. T. Shedd, A History of Christian Doctrine, Vol. 1 (Eugene, OR: Wipf and Stock Publishers, 1999). 392.

[2] Compare GUERICKE: Church History, § 87–90; HOOKER: Ecclesiastical Polity, Book V. Ch. li–lv.

[3] حسب SUIDAS (sub voce Ἀπολλινάριος)، أبوليناريس كان شايف إن العقل البشري هيكون زيادة مالوش لازمة في الاتحاد مع العقل الإلهي:

Μηδὲ γὰρ δεηθῆναι φησὶ τὴν σάρκα ἐκείνην ἀνθροπίνου νοὸς, ἡγεμονευομένην ὑπό τοῦ αὐτὴν ἐνδεδυκότος θεοῦ.

يعني: "هو بيقول إن الجسد ده مش محتاج لعقل بشري، لأنه بيتوجّه ويُقاد من الله اللي سكن فيه."

[4] Compare WALCH: Ketzerhistorie; and DOLLINGER: Church History, II. 150, 152 sq.

[5] الفرق بين نسطوريوس وكنيسة الله، ماكانش في جوهر الإيمان، لكن بس إن نسطوريوس تخيل في المسيح وجود شخص بشري مستقل بجانب الشخص الإلهي؛ الكنيسة كانت بتعترف بجوهر إلهي وبشري، لكن من غير وجود شخص بشري مستقل (يعني الذات البشرية)، لأن ابن الله ماخدش لنفسه شخص إنسان، بل بس الطبيعة البشرية. 

HOOKER: Eccles. Polity, Book V. Ch. liii

اللعنات اللي نسطوريوس وجهها ضد عقيدة كيرلس كانت بتفصل بين الطبيعتين بشكل واضح. 

هو كان شايف إن الاتحاد، أو بالأدق الارتباط بين اللاهوت والناسوت، حصل وقت الميلاد، وكان بيعتبر إن الناسوت اتشال أو اختفى بعد موت المسيح وقيامته. 

MILMAN: Book II. Ch. iii

[6] HOOKER: Eccl. Pol. Book V. Ch. liv.


تاريخ العقيدة في المسيحية المبكرة (9) - الأخرويات - الملك الألفي

 


الملك الألفي[1]

 

الميليانية Millenarianism، أو الكيلياسية Chiliasm، هي العقيدة اللي بتقول إن فيه قيامتين (رؤيا 20) — الأولى، قيام الأبرار اللي ماتوا، وده بيحصل وقت المجيء التاني للمسيح؛ والتانية، قيام الأبرار والأشرار في نهاية العالم — وبين الاتنين بيحصل حكم شخصي وجسدي للمسيح لمدة ألف سنة على الأرض اللي اتجدّدت.

العقيدة دي شبه جدًا عقيدة المملكة المسيانية اليهودية المتأخرة اللي كانت بتقول إن فيه ملك أرضي هييجي. واليهود وقت التجسد كانوا مستنيين أمير شخصي، وحكم جسدي، في المسيّا اللي كان المفروض ييجي؛ وواحدة من الأسباب الأساسية لرفضهم للمسيح هي إنه قدّم صورة الحكم المسياني كحكم روحي في قلوب الناس، وما شجعش تفسيرهم الحرفي والمادي للنبوات المسيانية.

والتلاميذ، بما إنهم يهود، كانوا في البداية متأثرين بالأفكار دي بشكل طبيعي؛ لكن ده اتغير بعد يوم الخمسين، لما اتسكب عليهم الروح القدس، واللي وسّع فهمهم عن ملكوت الله، وابتدت منه فعليًا فترة وحيهم.

ومفيش أي كتابة موحى بيها منهم بتوضح إنهم كانوا متوقعين إن المسيح هييجي بسرعة،  زي ما كانت النغمة في السؤال: "يَا رَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمَلَكُ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟" (أعمال 1: 6) لأن رد المسيح على السؤال ده كان وضّحلهم، إن قبل الحدث ده، لازم المسيحية تتبشر في "أُورُشَلِيمَ، وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ، وَالسَّامِرَةِ، وَإِلَى أَقْصَى الْأَرْضِ" (أعمال 1: 8).

الملينيانية، بسبب تشابهها مع فكرة المسيّا والمملكة الأرضية عند اليهود المتأخرين، مش غريب نلاقي إنها كانت سِمَة مميزة للفرع المسيحي-اليهودي، مش المسيحي-الأممي، في نهاية القرن الأول.

ظهرت أول مرة في نظام كيرنثوس (Cerinthus)، اللي كان يهودي غنوصي ومعاصر ومُعارض للرسول يوحنا. من بين الآباء الرسوليين، بس برنابا، هيرماس، وبابياس اللي ظهر في كتاباتهم أثر واضح للعقيدة دي — بابياس كان بيعلّمها بأبسط وأكتر شكل مادي، والاتنين التانيين كانوا بيؤمنوا بيها بشكل أقل حسّية.

مافيش أي أثر للكيلياسية في كتابات كليمنضس الروماني، إغناطيوس، بوليكاربوس، تاتيان، أثيناغوراس، وثيوفيلوس الأنطاكي.[2]

الاستنتاج من الكلام ده، إن العقيدة دي ماكانتش الإيمان المُتبع في الكنيسة، على الأقل لحد سنة 150. كانت موجودة بس عند أفراد. وفي بعض الحالات، زي حالة كيرنثوس، كانوا في علاقة معادية وهرطوقية واضحة مع الكنيسة. حتى الأشخاص اللي كان يُعترف بانتمائهم للكنيسة الجامعة — زي برنابا، هيرماس، وبابياس — ماكانوش ليهم تأثير كبير ولا كانوا يمثّلوا الأرثوذكسية بشكل رسمي. بالعكس، تأثيرهم كان قليل نسبيًا، وكتاباتهم ملهاش أهمية كبيرة.

أما السلطة الكنسية بتاعة كليمنضس الروماني، إغناطيوس، وبوليكاربوس فهي أكيد أقوى بكتير من برنابا، هيرماس، وبابياس.

ومن ناحية العصر الرسولي، التاريخ بيأكد إن التفسير الحرفي والمادي لتعاليم إشعياء ويوحنا عن المجيء التاني للمسيح، اللي تبنّاه أصحاب العقيدة الملينيانية، ماكانش هو التفسير الأقوى أو الرسمي — رغم إنه كان منتشر بين اليهود المسيحيين أكتر من المسيحيين الأمميين، وكان بيبتدي ينتشر تدريجيًا في الكنيسة عموماً، لأسباب هنتكلم عنها بعدين.

ودليل إضافي على إن الملينيانية ماكانتش العقيدة الرسمية أو المعتمدة في الكنيسة من وقت موت الرسل لحد سنة 150، هو إنها مش موجودة في "قانون الإيمان الرسولي" المعروف.

القانون ده مش الرسل اللي كتبوه فعليًا، لكن بلا شك هو خلاصة اعترافات الإيمان القصيرة اللي المتقدّمين للمعمودية كانوا بيقولوها قبل دخولهم الكنيسة؛ يعني هو بيان شامل بيمثّل جوهر المسيحية بالنسبة ليهم. لكن في القانون ده، مفيش أي إشارة لقيامتين، ولا لحكم جسدي للمسيح بينهم.

الحاجات الوحيدة اللي مذكورة هي إن المسيح هييجي من السما "علشان يدين الأحياء والأموات"، وإن فيه "قيامة الأجساد"، و"حياة أبدية" (والمعنى المقصود إنها تيجي على طول بعدها).

الفترة بين سنة ١٥٠ و٢٥٠ كانت العصر الذهبي لفكرة الـMillenarianism، وبرغم كده مبقتش الإيمان الكاثوليكي اللي اتجسد في قانون الإيمان. فيه ناس بدأت تفسّر نبوات العهد القديم بشكل حرفي وبطريقة فيها تفسير حسي قوي. إيرينايوس[3] و ترتليان وصفوا الملك الألفي بأوصاف مُبهرة. الـAnti-Christ ومعاه كل الأمم اللي هتتحالف معاه هيتم تدميرهم. كل الإمبراطوريات الأرضية، وبالذات الرومانية، هتنهار. المسيح هيظهر تاني وهيملك ألف سنة بجسده على الأرض، في أورشليم اللي هتتبني من جديد وهتبقى عاصمة المملكة بتاعته.

الأنبياء، والبطاركة، وكل الناس الأتقياء هيقوموا من الموت ويشاركوا في فرحة المملكة دي. أورشليم الجديدة اتوصفت بألوان خلابة جدًا. الصور اللي في إشعياء (٥٤: ١١، ١٢) اتاخدت بمعاني حرفية. إيرينايوس[4] وصف أساسات أورشليم المبنية من جديد حرفيًا على إنها حجر الكربونكِل والياقوت، وأسوارها من الكريستال، وشاف إنها نازلة فعليًا من السما حسب رؤيا يوحنا ٢١: ٢. ترتليان فسّر النص ده بنفس الطريقة اللي فسّرها بيها إيرينايوس، واستشهد بتقرير بيقول إنه أثناء الحرب البارثية، في اليهودية، كانت مدينة بتظهر نازلة من السما كل صباح وتختفي مع تقدم النهار.

الأرض كانت هتبقى خصبة جدًا. إيرينايوس[5] اقتبس من بابياس كلامه بإعجاب، وقال إن فيه كروم هيكون فيها عشرة آلاف فرع، وكل فرع فيه عشرة آلاف غصن، وكل غصن فيه عشرة آلاف فرع صغير، وكل فرع صغير فيه عشرة آلاف عنقود، وكل عنقود فيه عشرة آلاف حباية، وكل حباية هتطلع خمسة وعشرين مكيال من النبيذ.

اتجه الفكر الـMillenarian بقوة أكتر لما الكنيسة بدأت، في نص القرن التاني، تحس بيد الحكومة بتبطش بيها. الحالة الصعبة اللي كان فيها شعب الله خلتهم يتمنّوا ويصلّوا إن رأس الكنيسة ييجي ويقضي على كل أعدائه. وكان طبيعي جدًا إن عقيدة الحكم الشخصي للمسيح تبقى منتشرة أكتر وقت ما كانت حالة الكنيسة الأرضية في أسوأ حالتها.

لدرجة إن العقيدة دي بقت منتشرة جدًا في نص القرن التاني، لحد ما يوستينوس الشهيد[6] قال إنها كانت معتقد الكل ما عدا الغنوصيين. بس إيرينايوس[7] بالعكس، اتكلم عن ناس ضد الـMillenarianism، ومع إنهم كانوا بيؤمنوا بالإيمان الكاثوليكي، إلا إنهم اتفقوا مع الغنوصيين بس في إنهم ضد فكرة الـMillenarianism؛ رغم إنه حاول يبيّن إن معارضة العقيدة دي تعتبر نوع من البدعة.

جايوس، اللي كان كاهن في روما حوالي سنة ٢٠٠، هاجم أفكار بروكلوس الـMontanist عن الـMillenarianism، وقال إن العقيدة دي من اختراعات سيرينثوس، وإن سفر الرؤيا ده من كتابات البدعة دي. سيبريان كان بيؤمن بالـMillenarianism بطريقة صريحة ومحايدة زي عادته.

وبرغم كده، العقيدة دي ما ظهرتش في قانون الإيمان الكاثوليكي كجزء من العقيدة الرسمية. إيرينايوس وترتليان، في كتاباتهم ضد الهراطقة، قدموا ملخصات مختصرة للإيمان الرسمي بتاع الكنيسة،[8] بس ما جاش فيها أي ذكر لفكرة الـMillenarianism. وفي الملخصات دي، متقالش أكتر عن الأمور النهائية (الإسكاتولوجيا) من اللي موجود في قانون الإيمان الرسولي.

في القرن التالت، حصل هجوم واضح جدًا على فكرة الـMillenarianism، وده بيبيّن إن فترة ازدهارها كانت قصيرة، تقريبًا ميت سنة بس. مدرسة الإسكندرية، بقيادة إكليمنضس وأوريجينوس، شنّت هجوم قوي ضدها؛ وفي آخر جزء من القرن التالت، ديونيسيوس، أسقف إسكندرية، قدر بحججه يقضي على شكل فج جدًا من الـMillenarianism كان بينتشر في أبرشيته، وكان وراه نيبوس وكوراسيون.

بعد القرن التالت، العقيدة دي بدأت تختفي بشكل عام. لاكتانتيوس († ٣٣٠) كان الشخص الوحيد اللي ليه وزن في القرن الرابع ودافع عن النظام ده. أوغسطينوس تبنّى النظرية دي في بدايته، لكنه رفضها بعد كده. فكرة إن الـChiliasm ما كانتش منتشرة بشكل عام في أول القرن الرابع، بتظهر من الطريقة اللي يوسابيوس اتكلم بيها عنها. لما وصف كتابات بابياس، قال إنها فيها “حاجات خرافية شويّة.” ومن ضمن الحاجات دي، ذكر رأي بابياس إن:

“هيبقى فيه ألف سنة بعد القيامة، والمسيح هيملك بجسده على الأرض نفسها؛ والحاجات دي هو تخيل إنها مأخوذة من روايات الرسل، لكن ما فهمش صح الأمور اللي كانوا بيقدّموها بطريقة رمزية في شرحهم. لأنه كان فهمه محدود جدًا، زي ما واضح من كلامه، لكنه كان السبب إن أغلب كتّاب الكنيسة، عشان بيحترموا قدم الشخص، اتأثروا بنفس الرأي، زي مثلًا إيرينايوس، أو أي حد تبنّى نفس الأفكار.”[9]

ولو كانت الـMillenarianism، في أول ربع القرن الرابع، معتقد شائع في جزء كبير من الكنيسة الكاثوليكية، ماكانش كاتب زي يوسابيوس، اللي عنده احترام عالي لكل حاجة كاثوليكية وكنسية، هيقول عليها إنها “خرافية.”

تاريخ الـMillenarianism بعد سنة ٤٠٠ ممكن يتلخص في نقاط قليلة جدًا. في العصور الوسطى، ماكنش لها وجود واضح كعقيدة؛ بس في نهاية القرن العاشر، كان فيه خوف غير واضح وتوقّع عند الناس إن سنة ١٠٠٠ هتشهد مجيء الرب.

وفي فترة الإصلاح الديني، ظهرت فكرة الـMillenarianism مرتبطة بالاتجاهات المتطرفة وغير الأرثوذكسية اللي ظهرت مع اليقظة الدينية الكبيرة. علشان كده، لما الرموز الدينية ذكرت العقيدة دي، كان دايمًا بصيغة الإدانة.

إعتراف أوجسبورج أدان الـChiliasm جنب فكرة العقاب الأبدي المحدود؛ لأن الاتنين كانوا معتقدات موجودة عند جماعة الـAnabaptists في الوقت ده:

Damnant Anabaptistas, qui sentiunt hominibus damnatis ac diabolis finem poenarum futurum esse. Damnant et alios, qui spargunt Judiacos opiniones, quod ante resurrectionem mortuorum pii regnum mundi occapaturi sint, ubique oppressis impiis.”

وترجمته:

"هما بيدينوا جماعة الـAnabaptistas اللي بيعتقدوا إن الناس المدانين والشيطان هيجي عليهم وقت وتنتهي فيه العقوبة. وبيستنكروا كمان الناس التانيين اللي بينشروا أفكار يهودية، زي إن الأتقياء هيستلموا حكم العالم قبل قيامة الموتى، في وقت ما الأشرار هيكونوا مضطهدين في كل مكان."[10]

الاعتراف الإنجليزي في عهد إدوارد السادس، اللي اتلخصت منه مواد الإيمان التسعة والثلاثين بعدين، أدان نفس الفكرة تقريبًا بنفس ألفاظ أوجسبورج:

Qui millenariorum fabulam revocare conantur, sacris literis adversantur, et in Judaica deliramenta sese praecipitant.”

"اللي بيحاولوا يرجّعوا خرافة الـMillenarianism، بيتعارضوا مع الكتب المقدسة، وبيقعوا في هواجس يهودية وخرافات مضلّلة."[11]

الاعتراف البلجيكي كان بيحذر في كلامه عن المجيء التاني للمسيح، وعلّم إن توقيت المجيء ده غير معروف لأي مخلوق، ومش هيحصل غير لما يكتمل عدد المختارين:

Credimus Dominum nostrum Jesum Christum, quando tempus a Deo praestitum, quod omnibus creaturis est ignotum, advenerit, et numerus electorum completus fuerit, e caelo rursus venturum, etc.”

احنا مؤمنين إن ربنا يسوع المسيح، لما ييجي الوقت اللي حدده ربنا، واللي كل المخلوقات مايعرفوش عنه حاجة، ولما يكتمل عدد المختارين، هييجي تاني من السما، إلخ.[12]

تاريخ الـChiliasm من وقت حركة الإصلاح الديني ما فيهوش نقاط كتير مهمة. في القرن الحالي، فيه أفراد في إنجلترا وأمريكا، وكمان في أوروبا، حاولوا يحيوا النظرية دي—في حالات معينة اتربطت بفكر أرثوذكسي ذكي وجاد، وفي حالات تانية كانت مرتبطة بتقوى شعبية بسيطة وشوية متطرفة.

الفئة الأولى متمثلة في دليتسش و أوبرلين في ألمانيا، وكمان كامنغ و إليوت و بونار في بريطانيا؛ أما الفئة التانية فكانت بتمثلها جماعات زي الأدفنتست و الـMillerites في الولايات المتحدة.

الخلاصة اللي بتثبتها الرواية دي عن الـMillenarianism في الكنيسة القديمة، والوسطى، والحديثة هي كالتالي:

١. إن الـMillenarianism عمرها ما كانت الإيمان العام (oecumenical) للكنيسة، ولا دخلت كجزء في أي قانون إيمان.

٢. وإن الـMillenarianism كانت مجرد رأي لأفراد وجماعات—في منهم اللي كانوا متوافقين مع الإيمان الكاثوليكي، وفي اللي كانوا ضده.

 



[1] William G. T. Shedd, A History of Christian Doctrine, Vol. 2 (Eugene, OR: Wipf and Stock Publishers, 1999). 389.

[2] HAGENBACH: History of Doctrine, § 75, n. 6. (Smith’s Ed.).

[3] IRENAEUS: Adversus Haereses, V. xxxiv.

[4] IRENAEUS: Contra Haereses, V. xxv. 36. TERTULLIANUS: Adversus Marcionem, iii. 24.

[5] IRENAEUS: Adversus Haereses, V. xxxiii.

[6] JUSTINUS MARTYR: Dialogus cum Tryphone, p. 306.

[7] IRENAEUS: Adversus Haereses, V. xxxi. 1.

[8] IRENAEUS: Adv. Haer. I. x; III. iv. TERTULLIANUS: De virg. vel. Cap. i.; Adv. Prax. Cap. ii.; De praescr. haer. Cap. xiii.

[9] EUSEBIUS: Eccl. Hist. III. xxxix.

[10] HASE: Libri Symbolici, p. 14.

[11] NIEMEYER: Collectio, p. 600.

[12] NIEMEYER: Collectio, p. 387.