الخميس، 4 ديسمبر 2025

النظم والعقائد في القرن الأول


 


النُّظُم والعقائد في القرن الأول (للمؤرخ الأنطاكي أسد رستم)


الرُّسُل


وكانت أم الكنائس قد انتظمت حول الرسل الأطهار، معترفةً بسلطتهم المطلقة، صاغيةً لوعظهم وإرشادهم، طائعةً عن إيمان ومحبة، وتبعها في ذلك جميع الكنائس على الإطلاق.

 

واللفظ اليوناني Apostolos الذي يُطلَق في الأناجيل والرسائل على الرُّسُل الاثني عشر، وعلى قليلين غيرهم؛ مشتق من الفعل Apostellein، وهذا الفعل اليوناني مركب من Apo؛ ومعناه: بعيد، وStellein؛ ومعناه: أرسل أو أوفد. وقد ورد هذا اللفظ في الترجمة السبعينية للدلالة على حمل رسالة دينية ونقلها، ويؤكد أفسابيوس المؤرخ أن اليهود دعوا منذ عهد أشعيا مَن حمل منشور زعيم من الزعماء رسولًا، ويؤيد أفسابيوس كلٌّ من أبيفانيوس ومكاريوس المغنيسي، ويفيد أبيفانيوس أن يوسف الجليلي الذي عاصَرَ قسطنطين الكبير، وحمل رسالةً إلى يهود قيليقية سُمِّي لهذه الغاية رسولًا بوضع الأيدي. ويردُّ مكاريوس المغنيسي على بورفيريوس الفيلسوف فيقول إن الرسل الدجالين الذين أشار إليهم بولس الرسول، كانوا رسلًا من اليهود يحملون مناشير يهودية معينة.١

والرسول في سِفْر الأعمال هو أحد الاثني عشر الذين انتقاهم السيد المخلص، فتبعوه منذ اعتماده حتى صلبه، ومن هنا قول بطرس الرسول لمناسبة الخيانة التي ارتكبها يهوذا الأسخريوطي: «فينبغي إذن أن يُعين واحد من الرجال الذين اجتمعوا معنا في كل الزمان، الذي فيه دخل وخرج الرب يسوع بيننا، منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذي ارتفع عنَّا ليكون شاهدًا معنا بقيامته.» وهؤلاء الرسل بموجب نص سِفر الأعمال هم الذين «اصطفاهم السيد وأوصى لهم بالروح القدس؛ ليكونوا له شهودًا في أوروشليم وجميع اليهودية وفي السامرة وأقصى الأرض». والرسل هم الذين «استقر عليهم الروح القدس في كل واحد منهم»، وهم أيضًا أولئك الذين «جرت على أيديهم آيات وعجائب كثيرة أهمها استحلال الروح القدس على غيرهم بالصلاة ووضع الأيدي».٢

ويقول مرقس الإنجيلي إن السيد اصطفى الرسل اصطفاءً، فإنه «فيما كان ماشيًا على شاطئ بحر الجليل، رأى سمعان وأندراوس أخاه يلقيان شباكًا في البحر، فقال: اتبعاني فأجعلكما صيَّادَي الناس.» وهم الذين انتقاهم بعد أن صعد إلى الجبل «ليكونوا معه وليرسلهم للكرازة، فأعطاهم سلطانًا أن يشفوا المرضى ويخرجوا الشياطين».٣ ويؤيد متَّى ولوقا ويوحنا هذه الرواية، ويضيف يوحنا أن الرب نفخ في الرسل بعد قيامته، وقال: «خذوا الروح القدس مَن غفرتم خطاياهم تُغفَر لهم، ومَن أمسكتم خطاياهم تُمسَك لهم.»٤

وأطلق هذا اللقب على غير الرسل الاثني عشر، فقد جاء في الفصل الرابع عشر من سِفْر الأعمال أن بعض أهل أيقونية كان مع اليهود، وبعضهم مع «الرسولَين»، والإشارة هنا إلى بولس وبرنابا، وقد سلم بولس على أندروتيكوس ويونياس في رسالته إلى أهل رومية جاعلًا منهما «رسولين» في المسيح قبله (١٦: ٧). وجاء في الفصل الخامس عشر من رسالة بولس إلى أهل كورينثوس أن الرب تراءى لكيفا ثم للأحد عشر، ثم لأكثر من خمسمائة، ثم ليعقوب، ثم «لجميع الرسل». ويرى صاحب الذيذاخة أن كلَّ مَن حمل كلمة الله فهو رسول، وعندما يشير إلى الرسل الاثني عشر يستعمل اللفظين اثني عشر، ويبين أنه ليس للرسول العادي أن يمكث أكثر من يوم واحد في محل واحد، وأنه يجوز له أن يقيم يومين متتاليين عند الحاجة، ثم يؤكد أنه إذا أقام أكثر من يومين أصبح من الدجالين.٥


الأنبياء والمعلمون


«وكان في الكنيسة التي بأنطاكية أنبياء ومعلمون، منهم: برنابا، وسمعان الملقب بالأسود، ولوقيوس القيرواني، ومناين.»٦ والأنبياء والمعلمون في نظر بولس غير الناطقين بالألسنة، فالذي كان ينطق بالألسنة كان لا يكلم الناس بل الله، أما الذي تنبَّأ فإنه كلَّمَ الناس كلام بنيان وموعظة وتعزية،٧ وبعض هؤلاء في نظر كاتب سِفْر الأعمال أنبياء ينبئون بما سيقع من حوادث، فإن أغابيوس أنبأ بالروح أن ستكون مجاعة شديدة في جميع المسكونة، فوقع ذلك في أيام كلوديوس.٨

وليس في المراجع الأولية ما يخولنا تحديد صلاحيات هؤلاء الأنبياء، أو يمكِّننا من القول بأنهم حازوا درجةً معينةً من درجات الكهنوت، فاهتمام صاحب الذيذاخة بهم واعترافه بحقهم في أخذ باكورة المواسم، وفي دعوة المؤمنين إلى الاجتماع والتمتع بلقب «رئيس الكهنة»؛٩ لا يكفي وحده لجعلهم رؤساء الكنائس وأصحاب السلطة فيها؛ فإن ظروف التبشير والوعظ في القرن الأول قضت بتسهيل مهمة الأنبياء، ولا سيما وأن معظمهم كان متجولًا غريبًا لا يملك ما يعتاش به، ولا يمارس مهنةً تدرُّ عليه بالمال اللازم لقضاء حاجاته.١٠

أما المعلمون Dedascales، فإنهم كانوا يقومون فيما يظهر بالعمل نفسه الذي قام به الأنبياء؛ أي التبشير والإرشاد. والفرق بين الاثنين نشأ عن مصدر الوعظ، فالأنبياء اعتمدوا الوحي، والمعلمون اجتهدوا اجتهادًا.١١


الأساقفة


وتوجب الذيذاخة على المؤمنين انتخاب أساقفة وشمامسة مستقيمين أمناء مجربين ذوي سهولة ودماثة في الأخلاق لا يحبون المال، فتنيط بالأساقفة ممارسة أقدس الأسرار وأرفعها وتعلمهم الصلاة لهذه المناسبة.١٢ وكان قد سبق لبطرس الرسول أن دعا المسيح أسقفًا على النفوس١٣ ولبولس أن جعله وكيل الله، وأوجب أن يكون بغير عيب رجل امرأة واحدة، صاحيًا عاقلًا مهذبًا مضيفًا للغرباء، قادرًا على التعليم، غير مدمنٍ الخمر ولا سريع الضرب، بل حليمًا غير مخاصم ولا محب للمال، يُحسِن تدبير بيته، ويضبط أبناءه في الخضوع بكل عفاف.١٤

والأسقف Episkopos: لفظ يوناني مركب معناه الرقيب أو الناظر، وهو مؤلَّف من Epi؛ ومعناه: «على»، وSkopein؛ ومعناه: لاحظ أو راقب. وقد اجتهد ابن السكيت وغيره من علماء اللغة في أصل هذا اللفظ، فجعلوا كلمة أسقف مشتقة من السقف، وهو عندهم طول في انحناء، فقالوا سُمِّيَ أسقفًا؛ لأنه يتخاشع، وهو اجتهاد في غير محله، واللفظ Episkopos قديم العهد عند اليونان؛ فقد جاء في أشعار هوميروس أن الآلهة أساقفة على القيام بالعهود المقطوعة،١٥ وجاء في شرائع أفلاطون أن ذيكي أرسَلَ نمسيس أسقفًا ليؤدِّب الأولادَ عمَّا ارتكبوه من ذنوب ضد الوالدين.١٦ وورد هذا اللفظ نفسه في الترجمة السبعينية بمعنى المراقب،١٧ والحاكم،١٨ ورئيس الكهنة.١٩


الشيوخ


وتشير رسائل الرسل في كثير من الأحيان إلى زعماء الكنائس، فتجعلهم رؤساء أو مدبرين أو ملائكة أو رعاة أو أساقفة أو شيوخًا؛ فقد جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكية، وفي فصلها الخامس إشارة إلى الذين يتعبون «ويرأسون»، كما جاء في رسالة بولس إلى أهل رومية في فصلها الثاني عشر أمرٌ يوجب على المعلم التعليم، والواعظ الوعظ، «والمدبر العناية». وجاء أيضًا في الفصل الثالث عشر من الرسالة إلى العبرانيين «اذكروا مدبريكم»، والكواكب السبعة في الفصل الأول من الرؤيا هم «ملائكة» الكنائس السبع، والمسيح في رسالة بولس إلى أهل أفسس وفي فصلها الرابع هو الذي جعل بعضًا رسلًا، وبعضًا أنبياءَ، وبعضًا مبشِّرين، وبعضًا «رعاة» ومعلمين، وليس في هذه النصوص ما يمكِّننا من التعرُّف بوضوح إلى نوع العمل، الذي كان يقوم به كلٌّ من هؤلاء الرؤساء والمدبرين والرعاة والأساقفة والشيوخ، أو إلى درجة السلطة التي كانوا يمارسونها.

 

وأكثر هذه الألقاب استعمالًا في رسائل الرسل الأسقف، وقد سبقت الإشارة إليه والشيخ Presbyleros، وليس في استعمال هذين اللقبين ما ينبئ بوضوح أن أحدهما كان أعلى رتبةً من الآخر؛ فالشيوخ هم رؤساء الكنائس في رسائل بطرس ويعقوب،٢٠ والأساقفة والشيوخ هم رؤساء كنيستَيْ فيليبي وأفسس، والرؤساء في الرسائل الرعائية هم أساقفة أحيانًا وشيوخ أحيانًا أخرى.

ويصعب التفريق بين الأسقف والشيخ في رسالة إقليمس الروماني إلى أهل كورينثوس،٢١ كما يتعذَّر العثور على أية إشارة واضحة إلى الشيوخ في نص الذيذاخة،٢٢ وقد يكون السبب في هذا كله أن تنظيم الكنائس في القرن الأول لم يكن واحدًا مطردًا فيها جميعها.٢٣


الدرجات في أوروشليم


ولا يختلف اثنان فيما نعلم في أن أم الكنائس كانت في أوائل عهدها أخوية تعمل بقلب واحد وروح واحد، وأن الرسل كانوا قطب الدائرة فيها، فهم الذين شهدوا قيامة الجسد، وهم الذين حملوا التعاليم، وهم أيضًا الذين نقلوا هَدْيَ الروح القدس إلى جمهور المؤمنين.

 

ويشير صاحب سِفْر الأعمال (١١: ٢٩-٣٠) إلى المساعدة المالية التي قدَّمها الأنطاكيون إلى كنيسة أوروشليم، فيقول إنها أُرسِلت إلى «الشيوخ» على أيدي برنابا وشاوول، ونقرأ بعد هذا أن بولس وبرنابا شكوَا أمرَ النزاع حول الاختتان إلى «الرسل والشيوخ»، وأن «الرسل والشيوخ» اجتمعوا لينظروا في هذا الأمر (١٥: ٢ و٦)، ثم نرى «الرسل والشيوخ وجمهور المؤمنين» يختارون رجلين منهم ليحملَا نص القرار في هذه المشكلة إلى الإخوة في أنطاكية (١٥: ٢٢)، فيقولون في متن هذا القرار: «لأنه قد رأى الروح القدس «ونحن» ألَّا نضع عليكم ثقلًا فوق هذه الأشياء» (١٥: ٢٨).

 

وهكذا فإنه يجوز القول بناءً على هذه النصوص إن الشيوخ في كنيسة أوروشليم شاركوا الرسل في إدارة أم الكنائس، واشتركوا معهم في تحمل المسئوليات، وأبدوا رأيهم في العقيدة، ونقلوا هدي الروح القدس مع الرسل الأطهار.٢٤ ويجوز القول أيضًا بناءً على الآيتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة في الفصل الخامس من رسالة يعقوب أخي الرب، وأسقف أوروشليم نفسها؛ إن هؤلاء الشيوخ لم يكونوا وجهاء نافذي الكلمة في كنيسة أوروشليم فحسب، بل كهنة يمارسون الطقوس:٢٥ «هل فيكم مريض فَلْيدعُ شيوخ الكنيسة، وليصلوا عليه ويمسحوه بالزيت باسم الرب، فإن صلاة الإيمان تخلص المريض والربُّ ينهضه، وإن كان قد ارتكب خطايا تُغفر له.»

واللفظ اليوناني الذي استُعمِل للدلالة على هؤلاء الشيوخ في المراجع الأولية هو الكلمة Presbyteroi؛ ومعناها الشيوخ المتقدمون، ولعلهم كانوا في أم الكنائس أقدم المؤمنين في نعمة الإيمان وأوجههم.٢٦

وجاء بعد الشيوخ في أم الكنائس الشمامسة، والشماس لفظ سرياني معناه خادم ديني، وهو يقابل اللفظ Diakonos اليوناني الوارد في سِفر الأعمال وغيره من الرسائل المقدسة، وقد سبق لنا وأشرنا إلى كيفية انتقاء الشمامسة السبعة الأولين، فإن المؤمنين انتخبوهم انتخابًا والرسل باركوهم بوضع الأيدي، فقاموا بمهام روحية منذ البدء، وأشهرهم أسطفانوس الشهيد، ولعل السبب الرئيسي لانتقائهم كان إشراك العنصر اليهودي الهليني في الخدمة قبل أن يكون مجرد خدمة موائد.٢٧

وضيَّق أغريبة على المؤمنين في أوروشليم وشدَّد عليهم، فاستشهد يعقوب بن زبدي، وأُلقِي بطرس في السجن وأفلت، وقضت حرارة الإيمان بالتبشير، فتفرق الرسل الاثنا عشر، وتزعم يعقوب أم الكنائس، وما فتئ حتى استشهاده في السنة ٦٢.

 

ويعقوب هذا هو «أخو الرب» وأخو سمعان ويوسي ويهوذا الرسول، وهو الذي قال عنه بولس أنه رأى الرب وحده،٢٨ وهو الذي يعتزُّ بولس بموافقته، فيذكره قبل بطرس ويوحنا.٢٩ ولا نعلم بالضبط متى قبِلَ يعقوبُ الرسالةَ، ولكن صاحب الإنجيل إلى العبرانيين يؤكد أن يعقوب أقسم في ليلة العشاء أنه لن يذوق طعامًا قبل قيامة المسيح من الموت، وأن المسيح بعد أن داس الموت ذهب إلى يعقوب هذا، وقال له: «كُلْ خبزَكَ؛ لأن ابن الإنسان قد قام من بين الأموات.»٣٠ وجاء في التقليد أن يعقوب أخا الرب كان قد اشتهر بين اليهود بالورع والتقوى والمحافظة على الناموس، وأنه كان قد تقدَّمَ على كهنتهم فلبس القميص والجبة والعمامة، ووضع الصحيفة الذهبية على عمامته، ودخل قدس الأقداس وحده.٣١ ومما أجمع عليه الآباء أن يعقوب أخا الرب امتنع عن اللحم والخمر، وتقشَّفَ وتعبَّدَ وأكثر السجود، ولم يحلق رأسه ولم يحتذِ حذاءً، ويقول إقليمس الإسكندري إنه لم يتقدَّم أحدٌ على يعقوب، فانتُخِب أسقفًا على أوروشليم في اليوم الأول بعد الصعود.٣٢

ويرى رجال الاختصاص من علماء الكنيسة أن نصوص سِفر الأعمال ورسائل بولس تجعل من يعقوب خلفًا للرسل في أوروشليم، يمارس سلطتهم، ويقوم بالأعمال نفسها التي قاموا هم بها في أثناء وجودهم في أوروشليم؛ فهو في نظر هؤلاء العلماء رئيس أم الكنائس، يعمل على إدارتها وسياستها بالتعاون مع شيوخها، كما يرأس الأسقف الكنيسة في عهدنا.٣٣


الدرجات في أنطاكية


وليس لدينا من النصوص الأولية ما يخولنا التبسُّط في وصف هذه الدرجات في أنطاكية وتعيين الصلاحيات اللاحقة بكلٍّ منها، وجلُّ ما يجوز قوله هو أن بطرس كان راعي هذه الكنيسة منذ نشأتها، وأن أفوذيوس حلَّ محله، فلما توفي هذا أو استشهد تسلَّمَ زمامَ الأمور في هذه الكنيسة أغناطيوس ثيوفوروس؛ أي حامل الإله.

 

ومما لا ريب فيه أيضًا أن برنابا بذل بسخاء من وقته ونشاطه في خدمة الكلمة في أنطاكية، وأن عددًا من الأنبياء والمعلمين أقاموا في أنطاكية واشتركوا في تدبير كنيستها، وقد سبقت الإشارة إلى أسمائهم والظروف التي اقتادتهم إلى أنطاكية؛ فَلتُراجَع في محلها. وجلُّ ما لدينا عن صلاحياتهم مضمون الآية: «وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاوول للعمل الذي دعوتهما إليه. فصاموا حينئذٍ وصلوا ووضعوا عليهما الأيادي وأطلقوهما.»٣٤

ويجوز القول أيضًا إن مجمع الرسل والشيوخ في أوروشليم استمع إلى بولس وبرنابا يشرحان أمر المشادة، التي نشبت في أنطاكية حول ختن الأمميين فيها قبل دخولهم في النصرانية؛ وإن بطرس اشترك في البحث، وإن يعقوب أخا الرب قال كلمته أيضًا، فاتخذ المجمع قرارًا، وأوفد يهوذا وسيلا إلى أنطاكية؛ لينقلا قراره إلى الإخوة الأمميين في أنطاكية وسورية وقيليقية.٣٥


الدرجات في الكنائس المجاورة


وبشَّرَ بولس وبرنابا في قبرص وآسية الصغرى، وأسَّسَا الكنائس «وانتخبَا للمؤمنين شيوخًا Presbyleroi، ثم صلَّيَا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به.»٣٦

«ومن ميليتس أرسل بولس إلى أفسس، واستدعى شيوخ الكنيسة Presbyteroi، وقال لهم: ها أنا أذهب إلى أوروشليم مقيدًا بالروح، لا أعلم ماذا يصادفني هناك، فاحترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها «أساقفة»؛ لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه.»٣٧ وهكذا فإننا نرى الرسول المؤسس مدبِّرًا أعلى لكل كنيسة أسَّسها في آسية الصغرى، ونراه أيضًا يقيم شيوخًا محليين في هذه الكنائس يدعوهم أساقفة في بعض الأحيان لرعاية الكنيسة.٣٨

وينبئنا البطريرك أفتيشيوس أن رئيس كنيسة الإسكندرية كان في بادئ الأمر الأول بين أقرانه الشيوخ أو الأساقفة Primus Inter Pares،٣٩ وكان هؤلاء يقيمونه رئيسًا بوضع الأيدي، كما أقام شيوخ أفسس تيموثاوس أسقفًا عليهم،٤٠ ولعل السبب في ذلك أن أسقف الإسكندرية ظلَّ الأسقف الأوحد في مصر حتى أوائل القرن الثالث، فالأسقف ديمتريوس الثالث (١٨٩–٢٣٢) كان أول مَن سام أساقفة في مصر خارج الإسكندرية، ولنا في نص اﻟ Ambrosiasler ما يؤيد هذه النظرية؛ فقد جاء في هذا المرجع الأولي (القرن الرابع) أن لكهنة مصر حق التثبيت في حال خلوِّ الكراسي من الأساقفة.٤١

وتطل علينا السنة ٩٧ فإذا بالقديس إقليمس الروماني، يحاول حل الخلاف الذي نشب في كنيسة كورينثوس، فيحثُّ المؤمنين على المحبة والتوبة والتواضع، ويذكرهم بأن السيد نفسه رفع الرسل إلى مرتباتهم، وأن الرسل هم الذين أقاموا الأساقفة والشمامسة، وأن هؤلاء انتخبوا خلفاءَهم، وأن الخضوع لهؤلاء واجب.٤٢


الذيذاخة


ويجيء القرن التاسع عشر، فيحرك الروح فيلوثيوس متروبوليت نيقوميذية، فيجد في السنة ١٨٧٣ نسخةً قديمة من «تعاليم الرسل» للأمميين الراغبين في تقبُّل رسالة السيد المخلص، ويتهافت علماء الكنيسة على قراءتها ودرسها، فتنقل في السنة الأولى لظهورها مطبوعةً إلى لغات الغرب (١٨٨٣).

 

والذيذاخة لمؤلف مجهول من أعيان كنيسة أنطاكية (أو مصر) عاش ما بين السنة ٥٠ والسنة ١٥٠، وجمع في كتاب واحد التعاليمَ المنقولة عن الرسل التي يجب تلقينها للأمميين الراغبين في الدخول في النصرانية.٤٣

ويتضح من هذه الذيذاخة أن نظام الكنيسة عند نهاية القرن الأول قضى بالاعتراف بسلطة الأنبياء بعد الرسل، وسلطة المعلمين واﻟ Episcopoi-Presbyteroi فالشمامسة.٤٤


الأسرار


ومارَسَ المؤمنون في القرن الأول أسرارًا ثلاثة: المعمودية، ووضع الأيدي، وكسر الخبز. فكان على المؤمن أن يعتمد باسم الرب أولًا ليتحد بشخص المسيح السري الذي كان ولا يزال حيًّا بالكنيسة، وكان عليه أن يتثبت بوضع الأيدي ليتغلغل في نفسه فعلُ الروح القدس فيطهِّرها، وباشتراكه بسر الأفخارستيه كان يترجى الاتحاد مع الحاضر تحت أعراض الخبز والخمر.٤٥


الليتورجية والطقوس


وكان على المسيحي في القرن الأول أن يصلي ثلاث مرات في اليوم الواحد،٤٦ وذلك في الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة،٤٧ أي في الساعة التاسعة صباحًا، وعند الظهر، وفي الساعة الثالثة بعده، وكان عليه أن يصلي واقفًا حاسر الرأس رافع اليدين حتى الكتفين، وحضت الذيذاخة المؤمنين على الاتصال في كل يوم بالقديسين أيْ بإخوانهم المسيحيين؛ ليجدوا في كلامهم عزاءً وغذاءً للنفوس، وأوجبت التراضي والاعتراف بالخطايا قبل تقديم الذبيحة الإلهية في يوم الأحد.٤٨ والصلواتُ في الذيذاخة: الصلاةُ الربانية، وصلاةُ المعمودية، وصلاةُ الذبيحة المقدسة، وقد جاءت الصلاة الربانية متوَّجةً بالذوكسولوجية: «لأن لك القوة والمجد إلى الأبد.»٤٩

ولا نعلم الشيء الكثير عن المعمودية في القرن الأول؛ فالذيذاخة توجب وعظ المهتدين وتدريبهم في مبادئ النصرانية، وتفرض صوم يوم أو يومين على كلِّ مَن يصبح مستعدًّا للمعمودية، وتحضُّ مرشده وغيره من المؤمنين على الاشتراك معه في الصوم التمهيدي، وتعين الذيذاخة أيضًا نوع المياه، فتوجب الاعتماد بالمياه الجارية، ولكنها تسمح باستعمال غيرها في حال تعذُّرها، كأنْ تجمع كمية كافية من المياه في أحد الأوعية، وهي تجيز تسخينَ المياه في بعض الأحيان، والتغطيس واجب، وقد يكتفى بالرش إذا قضَتِ الظروف باللجوء إليه. ويجب على مَن يتولَّى أمر التعميد أن يعمد باسم الآب والابن والروح القدس،٥٠ ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا لم يكن كل ما في المعمودية، وأن المسيحيين آنئذٍ قالوا بماء جاء في رسالة بطرس الأولى (٣: ٢١)، فاعتبروا الماء «رمزًا لاختيار الضمير الصالح الذي يخلصهم بقيامة يسوع المسيح»، كما قالوا مع بولس الرسول «برب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة»،٥١ ومع فيليبوس والخصي «بأن يسوع المسيح هو ابن الله».٥٢

ويجب ألَّا يغيب عن البال أن اليهود مارسوا آنئذٍ معمودية شابهت في بعض مراحلها ومظاهرها معمودية النصارى، فإنهم أوجبوا على الداخل في دينهم أن يتعلم مبادئ هذا الدين، وأن يُختتَن ويُعمَّد بالماء،٥٣ ولكن هذا التشابه وسكوت الذيذاخة عن مغفرة الخطايا وعن المقصود بالضبط من العبارة باسم الآب والابن والروح القدس، وعدم توضيح علاقة المسيح بالمعمودية، لا يعني أن معمودية الذيذاخة تقع في صعيد واحد مع معمودية اليهود؛٥٤ فالسكوت لا يُتَّخَذ حجة Argumentum ex Silentio إلا في ظروف منطقية يصعب توفرها في غالب الأحيان، وهي غير متوفرة في هذه الحالة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا النوع من الخطأ في عرض الكلام عمَّا قاله بعض العلماء المتحذلقين عن دور السيدة العذراء في أداء الرسالة، فَلْيُراجَع في محله.

ومارس المسيحيون في القرن الأول سر الأفخارستية؛ فقاموا باكرًا في يوم الرب في الساعة نفسها التي تغلَّبَ فيها على الموت، وأموا الكنيسة للصلاة، فبارك الأسقف وشكر من أجل الخبز والخمر، وناول مَن اعترف بالخطايا وتقدَّمَ بنية صالحة وقلب طاهر،٥٥ «فإذا قدَّمت قربانك إلى المذبح وذكرت هناك أن لأخيك عليك شيئًا، فدَعْ قربانك هناك أمام المذبح وامضِ أولًا، فصالح أخاك وحينئذٍ ائتِ وقدِّم قربانك.»٥٦

ورُبَّ معترض يقول: ولكن الذيذاخة لا تذكر الاستحالة. وجوابنا على هذا ذو حدين: أولهما أن المسيحيين كانوا قد أجازوا التقية للتحاشي وللمحافظة على قدسية هذا السر، والثاني أن السكوت لا يكون حجةً إلا بشروط معينة لا تتوفر في هذا المقام.٥٧

وتناول المسيحيون في عشية الأحد عشاء الأغبة Agapé؛ أي المحبة، مجتمعين حول مائدة واحدة ناظرين في أمورهم المشتركة، ولا سيما في حاجة المعوزين منهم، وبدءوا حفلتهم بالشكر وأنهوها بالشكر وبقبلة المحبة، وكان الروح يرافقهم ويحل على بعضهم، فيتكلمون بلغات أو يتنبئون.٥٨ وأساء بعض الكورنثيين السلوكَ في هذه الحفلات المسائية، فاستحقوا تأنيب بولس الرسول: «فحين تجتمعون معًا ليس هو لأكل عشاء الرب؛ لأن كل واحد يسبق، فيأخذ عشاء نفسه في الأكل، فالواحد يجوع والآخَر يسكر، أفليس لكم بيوت لتأكلوا فيها وتشربوا؟»٥٩


الدوغمة أو العقيدة


وتوجب الذيذاخة على المؤمن القول بإله واحد في أقانيم ثلاثة؛ الآب والابن والروح القدس، والله في هذه الذيذاخة هو الآب السماوي الخالق ذو القدرة والجلال، به كان كل شيء وبدونه لم يكن شيء، له المجد إلى الأبد باسم ربنا يسوع المسيح، ويسوعُ المسيح ابن الله وربنا ومخلصنا، وهو حي في كنيسته وسيجيء في يوم الدينونة، والروح القدس هو الله مع الآب والابن وقد نطق بالأنبياء، وكنيسة الله جامعة مقدسة!

مختصر الصراع الخريستولوجي للمؤرخ أسد رستم

 


النزاع الخريستولوجي

٤٤١–٥١٨

الأباطرة

وتوفيت بلشيرية في السنة ٤٥٣ وتبعها مركيانوس في السنة ٤٥٧، ولم يكن لهما وارث، فاتجهت الأنظار إلى قائد الجيش أسبار، فوجد آلانيًّا آريوسيًّا فوقع الاختيار على وكيل خرجه لاوون، فتربَّعَ على عرش القسطنطينية حتى السنة ٤٧٤، واصطنع لاوون منافسًا ينافس أسبار، فأنشأ حرسًا إمبراطوريًّا من الأسوريين، وأتى بزعيمهم زينون وأزوجه من بنته أرياذنة (٤٦٧)، وبطش زينون بأسبار وحرسه (٤٧١)، ونشب خلاف بين لاوون وفيروز شاه الفرس حول مصير إمارة لازقة على شاطئ البحر الأسود، وتدفق القوط الشرقيون على شاطئ الأدرياتيك الشرقي، فعاد لاوون إلى دفع الإعانة المالية السنوية إليهم.

 

وتوفي لاوون الأول في السنة ٤٧٤، فتولى العرش بعده حفيده لاوون الثاني ابن بنته أرياذنة، وكان لا يزال في السادسة من عمره، فأشرك الولد والده زينون في الحكم (٤٧٤–٤٩١)، ثم توفي بعد بضعة أشهر، فعظم أمر الآريوسيين في الدولة.

 

وفي إيطالية أصبحت السلطة محصورة بيد العسكريين البرابرة، فكانوا ينصبون الأباطرة ويعزلونهم حسب أهوائهم، وخلعوا في السنة ٤٧٦ آخر الأباطرة، ونصبوا مكانه أحدهم أودواكر، واستقل هذا بالحكم ولم يكترث لصاحب السلطة الشرعي زينون إمبراطور الشرق، فالتفت زينون شطر القوط الشرقيين في البلقان الغربي ووجههم شطر إيطالية، فزحف ملكهم ثيودوريكوس على إيطالية واستولى على رابينة، ثم على رومة، وخلع أودواكر وجلس مكانه (٤٩٣) ملكًا على مملكة قوطية شرقية ذات حول وطول.

 

مركيانوس ينفذ


وفي السابع من شباط سنة ٤٥٢ شرع مركيانوس بالتنفيذ، فأمر بتطبيق جميع مقررات المجمع الخلقيدوني، ونهى عن التردد في قبولها وتطبيقها، ثم عاد فكرر هذه الأوامر في الثالث عشر من آذار من السنة نفسها، وفي الثامن والعشرين من تموز أعلن عدم الرضى الإمبراطوري على أوطيخة وأتباعه.

 

بلبلة في فلسطين


وكانت أفذوكية أرملة ثيودوسيوس الثاني قد استقرت في فلسطين منذ السنة ٤٤٢، بعد أن دبَّ الخلاف بينها وبين بلشيرية شقيقة زوجها وزوجها أيضًا، وأنفقت هذه الإمبراطورة بسخاء في سبيل الدين في فلسطين، فاكتسبت عطف الرهبان وجمهور المؤمنين، وقالت أفذوكية بالطبيعة الواحدة؛ لأنها توهمت أن الإيمان الصحيح يقضي بذلك، ولأن بطانتها أكدت لها أن القول بالطبيعة الواحدة هو قول كيرلس الإسكندري، وارتاحت نفس الإمبراطورة الأرملة إلى القول بالطبيعة الواحدة؛ لأن بلشيرية وزوجها مركيانوس قالا بالطبيعتين.١

وكان قد أمَّ فلسطين عدد كبير من النساك والرهبان الذين قالوا بالطبيعة الواحدة؛ لأنهم توهموا أن في ذلك مجاراة لاعتقاد الآباء الأطهار، وأن في القول بالطبيعتين خروجًا على التقليد، وكثر عدد هؤلاء حتى أصبحوا في السنة ٤٥١ أكثرية ساحقة بين الرهبان، وغدا معظم رؤساء الرهبان أمثال: البيذيوس، وجيرونتيوس، ورومانوس، ومركيانوس؛ من أقحاح الأوطيخيين، وجارى الرهبانَ في قولهم هذا نصفُ الأحبار الأساقفة، واضطر يوبيناليوس أسقف أوروشليم أن يصرح قبل قيامه إلى خلقيدونية في السنة ٤٥١: «إن مَن يؤيِّد طومس لاوون أسقف رومة، فَلْيتبوأ مقعده بالقرب من سمعان الساحر ويهوذا الخائن، وَلْيختتن اختتان اليهود أنفسهم.»

 

ثيودوسيوس الراهب


وقُدِّر لثيودوسيوس — أحد هؤلاء الرهبان الفلسطينيين أو الموجودين في فلسطين — أن يتزعم القول بالطبيعة الواحدة ويدافع عنه. ويُستدَل من بعض المراجع الأولية أن ثيودوسيوس هذا كان مشاغبًا من الطراز الأول، وأنه كان يجمع في شخصه صفتين قلما اجتمعتا في شخص واحد: الممالقة والوقاحة، وأن صلابة وجهه كانت قد دفعته للتواقح على ديوسقوروس في الإسكندرية، فأمر به فجُلِد وأركب الأجرب الأعرَّ!٢

فلما دعي الأساقفة إلى خلقيدونية في السنة ٤٥١ أسرع ثيودوسيوس السير وأقام في خلقيدونية يترقب أخبار الآباء الأعضاء ويتجسسها أحيانًا، وعند ارفضاض المجمع سبق يوبيناليوس إلى فلسطين، فحدَّثَ بما جرى ولامَ الآباء الأساقفة، وشدد عليهم النكير مدَّعيًا أنهم خانوا كيرلس وأيدوا نسطوريوس، فاغتاظ الرهبان وقبَّحوا وأنكروا، ثم تمادوا في اللوم بعد أن تزعمت هذه الحركة المعارضة أفذوكية الإمبراطورة الأرملة المقيمة في فلسطين.٣

وعاد يوبيناليوس إلى أوروشليم فخيَّره الرهبان المعارضون بين الموافقة على موقفهم من المجمع الخلقيدوني وبين الاستقالة والعزلة، فرفض يوبيناليوس فأحاط الرهبان به من كل جانب، وهددوه بالقتل واغتالوا سويريانوس أسقف بيسان، وفرَّ يوبيناليوس إلى القسطنطينية، فسام بعض الأساقفة المعارضين ثيودوسيوس أسقفًا على أوروشليم، ورأى ثيودوسيوس وأعوانه أن لا بد من الاستغناء عن خدمات الأساقفة الأرثوذكسيين واستبدالهم بغيرهم ممن يقول بالطبيعة الواحدة، فأقاموا بطرس الكرجي٤ أسقفًا على مايومة، وثيودوتوس أسقفًا على يافة.

واهتم الإمبراطور مركيانوس للأمر، فأنفذ القائد دوروثيوس إلى فلسطين على رأس قوة عسكرية للقضاء على المعارضة وإيصال يوبيناليوس إلى كرسيه في أوروشليم، فقاوم ثيودوسيوس والرهبان ولجئوا إلى العنف، فكانت معركة بالقرب من نابلس سقط فيها عدد كبير من الرهبان، وفرَّ ثيودوسيوس إلى سيناء وكذلك بطرس الكرجي، ووقع ثيودوسيوس في أيدي الشرطة ونقل إلى القسطنطينية، وأكره على الإقامة في أحد أديارها، وما فتئ حتى توفي فيها في الثلاثين من كانون الأول سنة ٤٥٧، ونُقِل رفاته إلى جزيرة قبرص.٥

وظلت أفذوكية الإمبراطورة الأرملة في أوروشليم وتابعت نشاطها في المعارضة، وظل جمهور الرهبان ناقمًا ساخطًا، فلجأ الإمبراطور إلى الطرق السلمية وحرر هو وزوجته الإمبراطورة إلى رهبان سيناء ورهبان أوروشليم٦ وإلى الراهبات في أوروشليم والمجمع المقدس ناشدين السلم للكنيسة،٧ وحذا حذوهما أسقف رومة لاوون الكبير، فكتب إلى أفذوكية يحضها على إنقاذ الرهبان من الضلال.٨


اضطراب في مصر


وأوعز مركيانوس بانتخاب خلف لديوسقوروس وأوصى ببروتيريوس Proterios وكيل ديوسقوروس في الإسكندرية، فتم انتخابه وسلم العكاز واعتبر خليفة أرثوذكسيًّا لمرقص الإنجيلي، فثارت فتنة فتدخَّل الجند فأُكرِوها على اللجوء إلى السيرابيوم فأُحرِقوا أحياء، فمنعت الحكومة توزيع الحنطة وأقفلت الحمامات والملاهي.٩

وتوفي ديوسقوروس في الرابع من أيلول سنة ٤٥٤ ولم تقع حوادث هامة، ولكن لما توفي مركيانوس في السادس والعشرين من كانون الثاني سنة ٤٥٧ اعتبر تيموثاوس الهر Ailouros نفسه مرسلًا من السماء، ودعا إلى خلع بروتيريوس، وسيم أسقفًا وهجم على بروتيريوس وقتله وعرض جثته في قلب البلد، ثم أمر بجرها إلى محل سباق الخيل وهناك أحرقها،١٠ وبعد ثبوته في الكرسي جمع مجمعًا وحرم المجمع الرابع المسكوني، وقطع أساقفة رومة والقسطنطينية وأنطاكية.١١


في أنطاكية


وفي أنطاكية خُلِع مكسيموس خلعًا في السنة ٤٥٥، فخلفه باسيليوس الأول، ثم أكاكيوس، فمرتيريوس Martyrios (٤٥٨–٤٧١).

وانتشر القول بالطبيعة الواحدة في وادي الفرات، وسار على أقواه النساك والرهبان وملأ الأسماع، وتولى زينون الأسوري قيادة الجيش في الشرق، فجاء أنطاكية يجر وراءه أخلاطًا من الناس بينهم راهب خلقيدوني قال بالطبيعة الواحدة وأبطل النذر، يُدعَى بطرس القصار،١٢ وما كاد هذا القصار يستقر في أنطاكية حتى ألف عصبة من بقايا الأبوليناريين وهاجم بها مرتيريوس، فانطلق هذا إلى القسطنطينية يشكو زينون وصديقه القصار، فضغط زينون على بعض الأساقفة فساموا بطرس أسقفًا على أنطاكية وسلموه عكاز الرعاية في سلفكية الساحلية، ولدى عودة مرتيريوس فائزًا بعطف الإمبراطور توارى القصار وبات ينتظر فرصة ثانية، ثم عاد إلى المشاغبة، فيئس مرتيريوس واستقال، فجلس القصار مرة ثانية على سدة الرسولين في أنطاكية، فغضب الإمبراطور لكرامته وكرامة القانون فأصدر أمرًا بإبعاد بطرس، فابتعد فتبوَّأ يوليانوس الكرسي الرسولي.١٣

وفي مطلع السنة ٤٧٥ تغلب باسيليسكوس القائد على زينون، واستوى على عرش القسطنطينية وأصغى لأقوال الرهبان في مصر وآسية، فأعاد تيموثاوس إلى سدة الإسكندرية، وبطرس القصار إلى رئاسة أنطاكية، ثم أصدر برأيهما منشوره الشهير وأكره خمسمائة أسقف على تأييده، فأصبح القول بالطبيعة الواحدة قول الدولة، والقول بالمجمع الخلقيدوني وطومس لاوون قولًا منبوذًا،١٤ ولم يَدُمْ حكم باسيليسكوس أكثر من عشرين شهرًا، وعاد زينون إلى سابق عزه (٤٧٧) بمعونة الخلقيدونيين، فاضطر أن يرضيهم فألغى شرائع باسيليكوس وخلع بطرس القصار من كرسي الرئاسة، وأجلس صديقه يوحنا الثاني محله Jean Codonat، وكان هذا لا يزال قائمًا في أنطاكية منذ سيامته؛ لأن أبرشيته أبت أن تعترف برئاسته، وهو الذي قطع في السنة ٤٧٨ بقرارٍ من مجمع روماني عقد برئاسة سيمبليكيوس أسقف رومة.١٥ وفي هذه السنة نفسها عادت السلطة الزمنية فأقصت يوحنا وأجلست إسطفانوس الثاني في كرسي الرئاسة (٤٧٧–٤٨١)، وليس لدينا في هذه الحقبة سوى إسطفان واحد هو إسطفان الثاني بدليل اتفاق النصوص.١٦ ولم يرضَ أتباع أوطيخة عن أرثوذكسية إسطفانوس، فأوقعوا به وهو في طريقه إلى كنيسة الأربعين، وذلك بشكه بالقصب الحاد الذرِب،١٧ فتدخلت العاصمة وانتقت كلانذيون Calendion وسامته أسقفًا على أنطاكية وأرسلته إليها (٤٨١–٤٨٥).١٨


كتاب الاتحاد (٤٨٢)


ولم يثمر حزم مركيانيوس ولاوون، ودام الشقاق في مصر وفلسطين وفي كنيسة أنطاكية أيضًا، وأصبح القوم لا تجمعهم جامعة، فاضطرب زينون لهذا التشعب في الآراء والتباين في المذاهب، فاستشار أكاكيوس أسقف العاصمة في ذلك، فاقترح هذا أن يصار إلى التراخي بانتهاج سبيل وسط، فأصدر زينون في السنة ٤٨٢ الأينوتيكون Henotikon كتاب الاتحاد، وهو إرادة سنية إمبراطورية موجهة إلى الأساقفة والإكليروس والرهبان والمؤمنين في الإسكندرية ومصر وليبية والمدن الخمس، وفيها يشجب زينون تعاليم نسطوريوس وأوطيخة معًا، ويقرُّ رأي كيرلس، ويجتنب الكلام في الطبيعة الواحدة والطبيعتين ليرفض بلباقة ما كان قد أقرَّه المجمع الخلقيدوني الأخير.١٩

ولكن الأينوتيكون بدلًا من أن يؤلف القلوب ويوحِّد الصفوف، سعَّر نار الشقاق والتفرقة؛ لأنه لم يرضِ الأرثوذكسيين ولا أصحاب الطبيعة الواحدة. وانشقَّ في مصر عن بطرس أسقف الإسكندرية قسمٌ من جماعته، فألفوا طائفة سموها الآكيفلي أي العادمة الرأس، وكتب الأرثوذكسيون إلى أكاكيوس يلومونه على مماشاة بطرس الإسكندري، فلم يكترث، بل أصر على القول بكتاب الاتحاد، فكتبوا إلى أسقف رومة فيلكس الثالث (٤٨٣)، ولكن هذا بدلًا من أن يراسل زميله القسطنطيني مستوضحًا حسب العادة القديمة والمحبة الأخوية، فإنه عقد مجمعًا محليًّا وحرم بطرس وأكاكيوس، فلما علم أكاكيوس بذلك محا اسم أسقف رومة من الذبتيخة، فنشب انشقاق دام أكثر من خمس وثلاثين سنة.

 

ولم يرضَ كلانذيون أسقف أنطاكية عن كتاب الاتحاد ولم يوقعه، وعلى الرغم من أرثوذكسيته ونجاحه في إنهاء الانشقاق الأفستاثيوسي بنقل رفاة أفستاثيوس إلى أنطاكية، فإنه اتهم بالمؤامرة على سلامة الإمبراطور وتأييد القائد لاونديوس مرشح البطريق أيلوس للعرش، فأُنزِل عن الكرسي الرسولي ونُفِي إلى الواحة الكبرى في أواخر السنة ٤٨٤، أو أوائل السنة ٤٨٥.

 

بطرس القصار (٤٨٥–٤٩٠)


وعاد بطرس القصار إلى الكرسي للمرة الرابعة والأخيرة، وكان قد تولى الرئاسة في أثناء غياب مرتيريوس، ثم بعد استقالته، ثم في أثناء حكم باسيليسكوس، ووقع بطرس كتاب الاتحاد ودعا المجمع الأنطاكي، فأرسل الرسائل السلامية ولا سيما إلى بطرس أسقف الإسكندرية، وحاول أن يرجع كنيسة قبرص إلى طاعة أنطاكية ولكنه لم يفلح.

 

وهو أول مَن أوجب تلاوة قانون الإيمان في أثناء القداس الإلهي، وأنشأ رتبة تكريس الماء ليلة عيد الظهور فضلًا عن تبريكه يوم العيد نفسه، وأضاف إلى التريصاجيون العبارة: «يا مَن صُلِبت لأجلنا»، كأنْ يُقال: قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي لا يموت، الذي صُلِب من أجلنا، ارحمنا.

 

ودخلت الكنيسة في دور من الفوضى، كثرت فيه سيامة الأساقفة زوجًا زوجًا، أرثوذكسيين ومونوفيسيين، في وقت واحد، ومدت الأيدي إلى الكراسي لخلع هذا وتنصيب ذاك، وكان من أهم أسباب هذه الفوضى سعي الأباطرة لاسترضاء مَن قال بالطبيعة الواحدة في مصر وسورية؛ لكثرة عددهم ولضعف هيبة السلطة إذ أحرجتها مشاغل أخرى، وظلت الحال على هذا المنوال حتى ظهرت كنائس مونوفيسية مستقلة في مصر وسورية وأرمينية.

 

الإمبراطور أنسطاسيوس الأول (٤٩١–٥١٨)


وكان زينون قد سعى لإجلاس أخيه لونجينوس على العرش بعده، ولكن زوجته الإمبراطورة أرياذنة لم ترَ في لونجينوس الكفاءة اللازمة، فانتقت أنسطاسيوس الموظف في التشريفات ورفعته إلى منصة الحكم، وكان أنسطاسيوس في الحادية والستين من عمره ورعًا تقيًّا، وعلى الرغم من ميله إلى القول بالطبيعة الواحدة، فإن الشعب قابل ارتقاءه بالهتاف: «ليكن عهدك في الحكم كعهد مركيانوس، وكسيرتك أنت في حياتك الشخصية.» واشترط أوفيميوس العاقل أسقف القسطنطينية ألَّا يحيد الإمبراطور عن العقيدة الأرثوذكسية، وأن يكتب قبل التتويج تعهدًا بذلك، ففعل وتقبَّلَ تاجه من يد الأسقف القسطنطيني.

 

بلاذيوس وفيلوكينوس


وخلف بطرس القصار في رئاسة الكنيسة بلاذيوس Polladios (٤٩٠-٤٩١) أحد كهنة القديسة تقلا في سلفكية أسورية، الذين قالوا بالطبيعة الواحدة وشملهم عطف الإمبراطور أنسطاسيوس،٢٠ فلما استتب له الأمر دعا رعاياه إلى قبول كتاب الاتحاد وتأييده، ووجد في شخص فيلوكسينوس Philoxenos أسقف منبج خير عون لتأدية هذه الرسالة.

وجاء في بعض المراجع أن فيلوكسينوس هذا كان رقًّا فارسيًّا اسمه أكسينائياس، ففر من بيت سيده وتزيَّا بزي قس ودخل أبرشية أنطاكية في أيام كلانذيون، وعلَّم بخلع الأيقونات من الكنائس وكان غير معمد فطرده كلانذيون، أما بطرس القصار فإنه سامه أسقفًا على منبج وسماه فيلوكسينوس، وعلم أنه غير معمد ولكنه قال: «لا بأس فالشرطونية تغنيه عن المعمودة.» واشتهر فيلوكسينوس بتعلقه بالطبيعة الواحدة، فجاب الأقطار مبشرًا ناشرًا المصنفات المونوفيسية حيثما حلَّ.٢١

وفيلوكسينوس هذا نفسه هو في نظر الكنيسة السريانية «علم من أعلام السريان وأقطاب الزمان، مع ديانة وصيانة وزهد ظاهر وورع معروف، بحث عن أصول الدين أتمَّ بحث وأبعد استقصاء؛ اقرأ كتابه في التثليث والتجسد تراه الملفان المتبحر، وتصفَّحْ رسائله تعلم أية نفس وثَّابة كان يحمل بين جنبيه ذلك الرجل العظيم، أقامه بطرس الثاني خوريًّا ثم مطرانًا، فبذل قصارى عنايته في حماية العقيدة الأرثوذكسية، وغلا في مناوأة النساطرة والخلقيدونية.»٢٢


تقلُّب أنسطاسيوس


وكان أنسطاسيوس كلما زاد سنًّا ازداد تعلقًا بالقول بالطبيعة الواحدة، فأدى تشبثه إلى مشاكل متتالية في العاصمة وفي أنطاكية والإسكندرية ورومة، وبدأت مشاكله عندما حاوَلَ أن يسترجع التعهُّد الذي كان قد كتبه قبيل تتويجه وسلمه إلى أسقف القسطنطينية، ولكن أوفيميوس الأسقف أبى فجمع الإمبراطور مجمعًا محليًّا سنة ٤٩٦، وقطع المجمع أوفيميوس ونفاه، وتولى رئاسة كنيسة القسطنطينية مقدونيوس الثاني، وكان هذا نقي السيرة مستقيم العقيدة محبوبًا، فحاول مصالحة بعض الرهبان الذين تباعدوا عن كنيسته منذ ظهور الأينوتيكون فلم يستطع، فعقد مجمعًا محليًّا ثبت فيه قرارات المجمع المسكوني الرابع الخلقيدوني، ونوى أن يكتب بذلك إلى كنيسة رومة، فمنعه الإمبراطور وحاول إقناعه بوجوب شجب قرارات هذا المجمع الخلقيدوني، فلم يُجِبْ مقدونيوس طلبَه.

 

سويروس الأنطاكي


وفي نيسان السنة ٥٠٥ أنهى أنسطاسيوس الحرب الفارسية بعد إخماد ثورة الأسوريين وترتيب أمور الهون، فتمكن من اتباع سياسة إيجابية في معالجة الموقف الديني، فاستعان بسويروس وفيلوكسينوس الأنطاكيين.

 

وُلِد سويروس في سوزوبوليس من أعمال بسيدية في حدود السنة ٤٥٩، ودرس الأدب اليوناني والبيان في الإسكندرية والفقه الروماني في بيروت، وتقبَّلَ النعمة في دير الشهيد لاونديوس بالقرب من طرابلس في السنة ٤٨٨، واختار لنفسه الزهدَ فلجأ إلى برية بيت جبرين، ثم التحَقَ بدير رومانوس فحبسة Laura مايومة، وأنشأ ديرًا خصوصيًّا وأقام فيه مدة طويلة، وتقبل الكهنوت على يد أبيفانيوس أسقف مغيذوس في بمفيلية، وكان هذا قد أُخرِج من أبرشيته لقوله بالطبيعة الواحدة.

وكان سويروس من فحول علماء عصره، تضلَّع من البيان وعلوم اللغة، وتبحَّرَ في الفقه والمحاماة، ثم أوغل في بحث الأسفار المقدسة وأمعن في تنقيب التقليد؛ ليدحض طومس لاوون ويخرج على مقررات المجمع المسكوني الرابع الخلقيدوني، فيشتت بذلك صفوف المؤمنين ويشق الكنيسة، غير مكترث بدستور الإيمان الموروث وبنص الإنجيل الطاهر المبارك: «ليكونوا واحدًا مثلما نحن واحد.»

 

ويُلاحَظ لهذه المناسبة أن العلماء المؤرخين، الذين يعنون اليومَ بتاريخ هذه الحقبة، يرون أن كيرلس وديوسقوروس وتيموثاوس أيلوروس الإسكندريين وسويروس الأنطاكي لم يقولوا بمزج الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص السيد المخلص، ولم ينكروا العنصرين البشريين الجسد والنفس اللذين وُجِدَا فيه، وإنما قصدوا أن يُظهِروا وحدة العامل المتصرف الذي هو الله، وعبروا عن هذه الوحدة بالقول بطبيعة واحدة، وآثر الآباء الأرثوذكسيون الشرقيون والغربيون التعبير عن وحدة هذا العامل المتصرف بالقول بوحدة الأقنوم، وأصروا في الوقت نفسه على القول بطبيعتين إلهية وبشرية.٢٣


التهجُّم على فلابيانوس الثاني


وما كاد أنسطاسيوس ينهي الحرب الفارسية في ربيع السنة ٥٠٥، حتى أوعز إلى فيلوكسينوس أن يداعب فلافيانوس رئيسه ليحرجه فيخرجه، وكان فلافيانوس قد قضى مدة طويلة في القسطنطينية ممثلًا الحبر الأنطاكي فيها Apokrisis أمام السلطات العليا، فلما كانت السنة ٤٩٨ انتُخِب أسقفًا على أنطاكية، فهَبَّ يعمل بأمانة واستقامة، وكان أرثوذكسيًّا مستقيم الرأي، فتمَّ شيء من التفاهم والتعاون بينه وبين زميله مقدونيوس أسقف القسطنطينية وإيليا أسقف أوروشليم،٢٤ فلما قضت الظروف بالعمل للطبيعة الواحدة، أعلنها فيلوكسينوس حربًا لا هوادة فيها على فلابيانوس مدعيًا أنه كان لا يزال يقول بالنسطرة،٢٥ فتنصَّلَ فلابيانوس ولعن نسطوريوس والنسطرة، ولكن فيلوكسينوس لم يرضَ بذلك وأصرَّ على وجوب التراجع عن القول بالطبيعتين، وكتب فيلوكسينوس بهذا كله إلى مارون أناغنوسطوس عين زربة،٢٦ وادَّعى الجهاد ودخوله في حرب ضد نسطوريوس وجميع علماء أنطاكية ديودوروس وثيودوروس وثيودوريطس وإيبا، وعاونه في ذلك كلٌّ من إلفسينوس Eleusinos أسقف ساسيمة قبدوقية، ونيقياس Nicias أسقف اللاذقية وغيرهما،٢٧ وأعَدَّ فيلوكسينوس رسالة في مقومات الإيمان الصحيح ورفعها إلى البلاط الإمبراطوري، فأمر أنسطاسيوس بوجوب مثوله في القسطنطينية، فامتثل ومثل بين يدي الإمبراطور ولكن مقدونيوس لم يسمح له بالمثول أمامه لتقبيل يده، فاضطر فيلوكسينوس أن يفر من العاصمة تحت جناح الظلام.


سويروس يؤم القسطنطينية (٥٠٨–٥١١)


وما كاد فيلوكسينوس يخرج من العاصمة حتى دخلها سويروس على رأس مائتَيْ ناسك فلسطيني يحاربون نيفاليوس وغيره من الرهبان الذين قالوا بالطبيعتين، وأجيب طلب سويروس سريعًا، ولكنه بقي ثلاث سنوات متتالية في عاصمة الدولة يخطب ويجادل ويؤلف في سبيل القول بالطبيعة الواحدة، فردَّ على الخلقيدونيين بالفيلاليتة مبينًا أن ما نسبوه إلى كيرلس غير صحيح، ووجَّه رسالةً إلى أبيون وبولس البطريقين نافيًا ما نُسِب إليه من المانوية وغير ذلك،٢٨ واجتمع حوله عدد لا يستهان به من أخصام مقدونيوس أسقف العاصمة، وافتروا أقوالًا وأفعالًا ونسبوها إلى مقدونيوس وهو براء منها، ثم تجرَّءوا على أكثر من هذا فجعلوا رهبان سويروس يسبحون التريصاجيون مضيفين إليها عبارتهم «المصلوب من أجلنا»، فأدى هذا إلى هياج شعبي عظيم جعل أنسطاسيوس يخشى سوء العاقبة ويستعد للفرار، وبات الإمبراطور يعدُّ العدة لخلع مقدونيوس وإبعاده، فاستمال بعض العناصر الإكليريكية وأمر بإقفال أبواب العاصمة في وجه الرهبان الداخلين إليها، ووزَّعَ العطايا على الجيش، وفي السادس من آب سنة ٥١١ أمر بخلع مقدونيوس وإبعاده، فتم ذلك بدون مقاومة،٢٩ ثم أوعز الإمبراطور بتنصيب تيموثاوس الأول (٥١١–٥١٨) أسقفًا على القسطنطينية.


مجمع صيدا (٥١٢)


وعاد فيلوكسينوس إلى منبج مركز أبرشيته ليستأنف النزاع ضد رئيسه فلابيانوس، وشدد الخناق على فلابيانوس واضطره أن يوقع بيانًا شجب فيه تعاليم ديدوروس وثيودوروس وإيبا وغيرهم من الآباء الأنطاكيين،٣٠ وما إن نال هذا القدر من الرئيس المسالم حتى طالب بأكثر، فإنه أكَّدَ أن لا بد من شجب أعمال المجمع الخلقيدوني، وشجب كلَّ مَن يقول إن في المسيح طبيعتين لا طبيعة واحدة،٣١ ودفع بوثيقة مهيأة لهذه الغاية Plerophoria، وطلب إلى فلابيانوس أن يوقعها لتعاد إلى القسطنطينية، فوقع فلابيانوس هذه الوثيقة أيضًا معترفًا بحكم المجمع الخلقيدوني على نسطوريوس وأوطيخة، ممتنعًا عن تأييد أي تحديد للعقيدة ورد في مقررات هذا المجمع.٣٢

وعاد فيلوكسينوس للمؤاخذة وشفاء الغيظ، فرأى فلابيانوس أن يدعو المجمع الأنطاكي للنظر في جميع الأمور التي أثارها فيلوكسينوس، ولا سيما قضيته الأخيرة، فاجتمع الآباء الأنطاكيون في صيدا في خريف السنة ٥١٢، وبلغ عددهم الثمانين، ومثل الإمبراطور بينهم القائد أفتروبيوس، ومشى في ركاب فيلوكسينوس كلٌّ من بطرس أسقف حلب، ونيقياس أسقف طرابلس، ومكسيموس أسقف بيروت، وسبعة آخرون؛ بحيث أصبح عدد المونوفيسيين عشرة فقط، وأيَّدَ فيلوكسنوس ووفدَه عددٌ كبير من الرهبان، فقدموا إلى المجمع طلبًا بشجب مقررات خلقيدونية وأردفوا طلبهم هذا بسبعة وستين فصلًا في تفنيد طومس لاوون وقرارات المجمع الخلقيدوني،٣٣ فتدبَّرَ الآباء الأرثوذكسيون هذه الفصول وغيرها، وجادلوا خصومهم واستظهروا عليهم بدليل العقل والنقل، ثم استشهدوا بنصوص الآباء المونوفيسيين برسائل بطرس مونغوس وأثناسيوس الثاني، فثبتوا وجوب الاكتفاء بتوقيع الأينوتيكون،٣٤ فأفحموا فيلوكسينوس وتركوه معتقل اللسان، وانتهت أعمال المجمع بانتصار الأرثوذكسية على المونوفيسية، ولا نرى ما يوجب القول بتدخل الإمبراطور لتعليل الإسراع في إنهاء الأعمال.٣٥ وقبل الارفضاض وجه فلابيانوس أنطاكية وإيليا أوروشليم رسالةً إلى أنسطاسيوس الإمبراطور أكَّدَا فيها تأييدهما لنص الأينوتيكون.٣٦


خلع فلابيانوس وإبعاده (٥١٢)


وخرج فيلوكسينوس من مجمع صيدا ساخطًا حاقدًا، فجمع الرهبان من كل حدب وصوب واتصل بأساقفة أسورية، فأفسد بينهم وبين رئيسهم فلابيانوس، ثم أرسل رهبانًا إلى القسطنطينية يطالبون بخلع فلابيانوس وإبعاده، فتم لهم ذلك في أوائل تشرين الثاني سنة ٥١٢ بواسطة مجمع محلي عُقِد خصيصًا لهذه الغاية في مدينة اللاذقية، وأُبعِد فلابيانوس إلى البتراء.٣٧


سويروس أسقف أنطاكية (٥١٢–٥١٨)


وأوعز أنسطاسيوس بانتخاب سويروس خلفًا لفلابيانوس، فتمَّ ذلك في السادس من تشرين الثاني سنة ٥١٢، وسيم سويروس في أنطاكية نفسها على يد متروبوليتي طرسوس ومنبج وعشرة أساقفة محليين من أبرشيات الفرات وسورية الأولى،٣٨ ووجه سويروس لمناسبة تسلُّمه عكازَ الرعاية خطابًا إلى الرهبان لا تزال ترجمته إلى السريانية محفوظة حتى يومنا هذا،٣٩ وقد جاء في هذا البيان الرعائي تأكيدٌ باستمساك سويروس بما جاء في أعمال مجامع نيقية وأفسس، واعتراف بصحة ما تضمنه الأينوتيكون، ولكنه شجب نسطوريوس وأوطيخة والمجمع الخلقيدوني وطومس لاوون وجميع الذين قالوا بالطبيعتين.٤٠ وفي السنة التالية (٥١٣) دعا إلى مجمع أنطاكي في أنطاكية نفسها، فأقرَّ هذا المجمع الرئيس في كل ما ذهب إليه، وشجب المجمع الخلقيدوني وطومس لاوون،٤١ واعترض على هذه المقررات ولم يؤيدها كلٌّ من أبيفانيوس متروبوليت صور (أخي فلابيانوس الرئيس السابق)، ويوليانوس متروبوليت بصرى، وبطرس أسقف دمشق، وأساقفة الرستن وحماة وشيزر والرفنية.٤٢


مجمع صور (٥١٤)


وادَّعَى سويروس أن أكثرية الأساقفة الساحقة تؤيده، فذكر في رسائله عددًا كبيرًا منهم،٤٣ وادَّعَى خصومه غير ذلك، فدعا إلى مجمع في صور في السنة ٥١٤ فاشترك في أعماله أساقفة أنطاكية وأبامية ووادي الفرات والرها وما بين النهرين والعربية وفينيقية اللبنانية، وأيَّدَ هذا المجمع موقف سويروس السابق من مشكلة العقيدة، وفسر الأينوتيكون تفسيرًا معاكسًا لمقررات المجمع الخلقيدوني، فاضطرب معظم الأساقفة، وامتنع عدد من أساقفة أسورية عن الاعتراف بسلطة سويروس، وقطعه من الشركة أساقفة صور ودمشق وبصرى، وأنزله عن السدة الرسولية كلٌّ من سويريانوس الرستن وقوزمة حماة، وأرسلَا إليه نصَّ القرار المتخذ،٤٤ ووافق هذا كله ظهور قرار مجمعي في الإسكندرية يوفق بين بنود كيرلس وطومس لاوون، ويحتجُّ كل الاحتجاج على مشاغبات سويروس وفيلوكسينوس؛٤٥ فرأى سويروس أن لا بدَّ من اللجوء إلى العنف، فوكل أمر تهذيب الأساقفة إلى سويروس أبامية وبطرس رفيقه، فدعا سويروس الأبامي إكليروس الأبرشيات المجاورة إليه وحادثهم في موضوع الساعة، فبسط على بعضهم جناح الرحمة، وأعرض عن غيرهم واستبدلهم بآخرين ممَّن قالوا قول سويروس الأنطاكي ومجمع صور، ولم يقف الأبامي عند هذا الحد، فإنه صادر الذهب والفضة من فوق المذابح وأجران المعمودية، وتذوق بطرس رفيق هذا الأبامي الخشونة والغلاظة والفظاظة، فاستعان بالأسوريين على الزهاد والنساك فكانت معركة في شيزر، وسقط عدد من الرهبان دفاعًا عن الدين القويم.٤٦


أوروشليم


ولم يعترف إيليا أسقف أوروشليم بأسقفية سويروس الأنطاكي، ولم يذكره في الشركة لخروجه على العقيدة الأرثوذكسية، فكان لا بدَّ من خلعه وإجلاس غيره ليقول قول الإمبراطور ويتعاون مع أسقف أنطاكية، وفي السنة ٥١٦ قام أوليمبيوس حاكم فلسطين من مركز حكمه في قيصرية إلى أوروشليم على رأس قوة لخلع إيليا وتنصيب غيره، فاعترضه الرهبان فأطلعهم على بعض الوثائق الصادرة عن إيليا فأثبط عزمهم، ودخل أوروشليم بدون مقاوَمة وخلع إيليا ونفاه إلى أيلة عند خليج العقبة.٤٧

واختار أوليمبيوس الحاكم الشماس يوحنا «حامي الصليب المقدس» Stavrophylax خلفًا لإيليا، وكان هذا الشماس ابن مرقيانوس أسقف سبسطية وشقيق أنطونيوس أسقف عسقلان، وطلب إليه أوليمبيوس أن ينبذ طومس لاوون ويشجب قرارات المجمع المسكوني الرابع قبل تنصيبه، فوعد يوحنا بذلك، فحدد يوم التنصيب وعين المكان، فهرع الناس إلى كنيسة القديس إسطفانوس أكبر الكنائس آنئذٍ، وأمَّ أوروشليم ثمانية عشر ألفًا من الرهبان الأرثوذكسيين، وأطل يوحنا يواكبه القديسان سابا وثيودوسيوس، وهتفت الجماهير: «العن الهراطقة وأيد المجمع.» فلعن يوحنا كلًّا من نسطوريوس وأوطيخة وسويروس الأنطاكي وسوتيريخوس Soterichos قيصرية قبدوقية، وأيَّدَ في الوقت نفسه المجامع المسكونية الأربعة.٤٨


ضغط الإمبراطور وفشله


وكان تيموثاوس الأول أسقف القسطنطينية (٥١١–٥١٨) رجلًا متقلبًا، فحرَّم قرارات المجمع الرابع المسكوني، وتفاهم مع سويروس الأنطاكي ويوحنا النيقاوي الإسكندري، فاضطر متروبوليت تسالونيكية أن يماشي تيموثاوس خوفًا من الإمبراطور، فتظاهر الشعب ضد الإمبراطور والأساقفة، وعقد أربعون أسقفًا من البلقان وبلاد اليونان مجمعًا وقطعوا علاقاتهم مع تيموثاوس ودخلوا في شركة أسقف رومة.

 

وتتابع ضغط الإمبراطور على الأرثوذكسيين، فثار فيتاليانوس قائد فرقة بلغارية في الجيش واحتل وارنة على البحر الأسود، ثم تقدَّمَ نحو العاصمة مطالبًا بإلغاء التسبيح المونوفيسيتي، وبإعادة الأساقفة الأرثوذكسيين من منفاهم، وهاجم العاصمة برًّا وبحرًا، فصُدَّ ولكنه لم يُغلَب، فعاد برجاله إلى بورغاس وبقي فيها ثائرًا غاضبًا!٤٩

وعلم سويروس في هذه الآونة أن عددًا كبيرًا من المؤمنين الأرثوذكسيين سيقصدون مقام سمعان العمودي؛ احتجاجًا على قساوة سويروس وهراطقته، فأرسل سويروس مَن كمن لهؤلاء وانقضَّ عليهم فقتَّل تقتيلًا.٥٠

وعلى الرغم من هذه القساوة وهذا الضغط المتزايد، فإن الشعب في آسية وتراقية والبلقان واليونان وفلسطين ظلَّ محافظًا على التقليد القويم، مستمسكًا بمقررات المجامع المسكونية، وظلَّ أساقفته بعيدين عن القول بالطبيعة الواحدة، وفي كنيسة أنطاكية كثر القائلون بالطبيعة الواحدة أساقفة وشعبًا، ولكنَّ الأرثوذكسيين ظلوا كثرًا أيضًا، ولا سيما بين الرهبان والنساك، أما في مصر فإن القول بالطبيعة الواحدة عمَّ القسم الأكبر من الشعب والإكليروس.

 

وفي ربيع السنة ٥١٨ توفي تيموثاوس الأول أسقف القسطنطينية، وتبعه أنسطاسيوس الإمبراطور فزهقت نفسه في التاسع من تموز من السنة نفسها، وانصرف إلى جوار ربه في التاسع عشر من تموز من السنة ٥١٨ أيضًا فلابيانوس الثاني أسقف أنطاكية المنفي وزميله إيليا أسقف أوروشليم. وفي خريف هذه السنة أيضًا نُفِي فيلوكسينوس إلى غنغرة ليُحبَس في بيت يُوقَد فيه وتُسَدُّ منافِذُه فيموت خنقًا.