الاثنين، 1 ديسمبر 2025

الثالوث القدوس، مفهوم البريخورسيس (الاحتواء المتبادل)، الرقصة الإلهية

 



البريخورسيس[1]

 

ما هي البريخورسيس؟

 

البريخورسيس مشتقة من الفعل perichoreo الذي يعني "أن يكون في فضاء":

استعمال لازم: أن يمر، أن يدخل.

استعمال متعدٍ: أن يمسك، أن يقبل.

حرفيًا أو مجازيًا: أن يأتي، أن يحتوي، أن يذهب، أن يملك، أن يضع، أن يستقبل.

فعل مشابه جدًا، مع إضافة حرف واحد صغير، هو perichoreuo ويعني "أن يرقص حول". وبوجه عام، يشير مصطلح البريخورسيس إلى حركة دورية، تبادل متبادل، وتداخل داخلي.

المقابل اللاتيني للبريخورسيس هو circumincession، المشتق من circum أي "حول"، و incedere أي "يمشي / يخطو / يتقدم". ويمكن أن يعني أيضًا "التبادل" عندما يشير إلى الطبيعتين في المسيح (انظر: قاموس اليونانية الآبائية).

كما يُستخدم مصطلح البريخورسيس أيضًا لوصف رقصة يونانية تقليدية في الأعراس. ففي هذه الرقصة لا يوجد راقصان فقط، بل ثلاثة على الأقل. يبدأون بالدوران في دوائر، يدخلون ويخرجون في نمط حركي رائع. ثم يبدأون بالتحرك أسرع فأسرع، لكنهم يظلون في انسجام كامل وإيقاع متناسق مع بعضهم. وفي النهاية، يرقصون بسرعة كبيرة، لكن بسهولة، حتى تصبح الرقصة أشبه بالضباب. وحتى إن كانت جزءًا من رقصة أكبر، فإنهم يحافظون على هوياتهم الفردية سليمة وغير متغيرة.

لقد استخدم اللاهوتيون في الكنيسة الأولى هذا المشهد، ومعرفتهم بدلالة الفعل، ليُدخلوا مصطلح البريخورسيس لوصف حقيقة الثالوث الأقدس. وفي هذا المعنى، يشير المصطلح إلى التداخل / التساكن / السكنى المتبادلة، واصفًا أفعال الأقانيم الإلهية. فهو يوضح التداخل المتبادل والضروري بين الأقانيم الثلاثة في الثالوث، على أساس وحدة الجوهر في الله. فالآب والابن والروح القدس لا يكتفون باحتضان بعضهم، بل يتخللون بعضهم، ويحتوون بعضهم، ويكونون في بعضهم. الأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس، يدخلون في بعضهم، وينتمون إلى بعضهم.

أول مرة استُخدم فيها المصطلح وارتبط بالثالوث في اللاهوت المسيحي كان على يد مكسيموس المعترف. أما غريغوريوس النزينزي فقد استخدمه لوصف العلاقة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية في المسيح. وكان يوحنا الدمشقي هو الذي وسّع عقيدة البريخورسيس لتشمل "التداخل" بين الأقانيم الثلاثة للثالوث. وقد وصفها بأنها "التصاق معًا"، وقال: "الأقانيم الثلاثة للثالوث صاروا واحدًا لا بالامتزاج، بل بالالتصاق ببعضهم، ولهم كيانهم في بعضهم دون أي اندماج أو اختلاط."

وهكذا وصف آباء الكنيسة الثالوث بأنه مجموعة متناغمة من العلاقات، فيها عطاء متبادل وتلقي متبادل. وهذه العلاقة تُسمى محبة، وهي جوهر الثالوث كله. فالبريخورسيس إذن هي رقصة المحبة.

 

 

البيريخوريسيس كرقصة المحبة

 

الثالوث هو، إذن، رقصة أبدية بين الآب والابن والروح، يتشاركون فيها المحبة المتبادلة، والكرامة، والسعادة، والفرح، والاحترام، ويحيون علاقة أبدية من البذل الذاتي. في هذه الرقصة، أحب الأقانيم الثلاثة للإله الواحد بعضهم بعضًا وكانوا في علاقة معًا منذ الأزل. كما أنهم يعرفون بعضهم معرفة عميقة وحميمة، ولا يوجد خوف أو خزي أو انعدام أمان في هذه المعرفة المتبادلة. الآب والابن يعيشان في علاقة وجهاً لوجه، والروح هو رباط المحبة الذي يوحدهما. هذه العلاقة الكاملة النقية، والمحبة الحرة الكاملة المتدفقة، هي السمة الجوهرية لله. ومن خلال هذه الرقصة التي لا تنتهي، يوجد الأقانيم الإلهيون في علاقة حميمة للغاية مع بعضهم، ومن أجل بعضهم، وفي بعضهم، بحيث يشكلون وحدة واحدة فريدة وكاملة بذاتهم.

تقول اللاهوتية الكاثوليكية كاثرين لاكوجنا إن الثالوث، الراقصون الإلهيون، "يختبرون حركة واحدة سائلة من الالتفاف، والاحتواء، والنفاذ، والإحاطة، والامتداد. لا يوجد قادة ولا أتباع في الرقصة الإلهية، بل حركة أبدية من العطاء المتبادل والتلقي، عطاء من جديد وتلقي من جديد… الرقصة الإلهية شخصية بالكامل وعلاقية بالكامل، تعبّر عن جوهر الله ووحدته."

هذه الوحدة والعلاقات بين الأقانيم الثلاثة، التي هي ديناميكية وتفاعلية ومحبّة وخادمة في الوقت ذاته، تشكّل النموذج لخطوات رقصنا البشري، ولعلاقاتنا. الله يدعونا إلى تلك الرقصة الحياتية، إلى العلاقة معه ومع بعضنا البعض. ونحن، بلا شك، يمكننا أن ننضم إلى هذه الرقصة، لأنه كما يقول القديس بولس: "بواسطة يسوع المسيح، قد نلنا الدخول إلى هذه النعمة التي فيها نقف، ونفتخر على رجاء مشاركة مجد الله" (رومية ٥:٢).

 

 

كيف نرقص مع الثالوث؟

 

بصفتنا جماعة رسالية، نستجيب لهذه الدعوة، ولا ندخل إليها بعمق فحسب، بل نشعر أننا منغمسون في هذه الرقصة الإلهية. إن رقصتنا معًا في الله تتيح لنا أن نحمل الرحمة إلى هذا العالم الجريح. وفي هذه الرقصة، لا نتعلم فقط أن نحب الله وأن نحب بعضنا بعضًا، بل نصنع معًا فرقًا في هذا العالم، ونقوم بأعمال لم نكن لنتصورها بمفردنا.

هناك شرط واحد فقط: لكي نرقص مع الثالوث، علينا أن نتجاوز القلق بشأن أداء جميع خطوات الرقصة بشكل صحيح! فالرقص حرّ ومرح، وهو أيضًا محبّ وحيوي. والطريقة الوحيدة للاستمتاع بالرقصة هي أن نسمح للثالوث بأن يأسر قلوبنا بنغمته ويجذبنا إلى رقصته، حيث نعطي ذواتنا في خدمة الآخرين، محبةً لهم وتكريمًا لهم فوق أنفسنا. وبالطبع، سنخطو أحيانًا على قدم أحدهم أو نخرج عن الصف في الرقصة. لكن جمال الرقصة يكمن في أن الله هو المتحكم، وهو دائمًا يدعونا للعودة. وكل ما علينا فعله هو قبول دعوة الإله المثلث الأقانيم والخروج إلى ساحة الرقص.

تقول اللاهوتية المشيخية سينثيا هولدر ريتش إنه ليس من المستغرب إذن أن ندعى نحن، جماعة الذين يتبعون يسوع (وبالتالي يتبعون الله ويتبعون الروح)، إلى هذه الرقصة الإلهية – وأن نُعطى القدرة على دعوة الآخرين للمشاركة في الرقصة معًا. فنحن نخدم إلهًا هو في جوهره إله علائقي، حميمي. نخدم إلهًا هو في جوهره سعيد بكونه غير هرمي. نخدم إلهًا تساعدنا علاقاته وتشجعنا وتدعونا إلى العلاقة – مع الله، ومع بعضنا البعض، ومع جماعة جميع خلائق الله. وهذا ينبغي أن يمهّد لنا الطريق لنصبح أشخاصًا قادرين على أن يعيشوا ويُجسّدوا علاقات موسومة بالمحبة والنعمة. هذه الحقيقة يمكن أن تساعد كل من يخدم الله على أن يعيش دعوته كأناس يعتمدون على بعضهم بعضًا، داعين وقائدين وتابعين في رقصة الخدمة.



[1] Perichoresis – The Divine Dance of the Trinity, by Katarína Pavelová, SSpS.

Perichoresis – The Divine Dance of the Trinity – Vivat Deus


الأربعاء، 26 نوفمبر 2025

التطور الليتورجي في الكنائس الشرقية (ملف كامل متجدد)

 




محاضرات في تطور الطقس الكنسي والأسرار


الصوم الكبير تاريخيًا..


صوم الميلاد، نظرة تاريخية


متى ولد المسيح وسر الاختلاف بين الشرق والغرب في توقيت الاحتفال بعيد الميلاد 


الأسرار الكنسية، دراسة تاريخية

https://ikonomiaa.blogspot.com/2023/10/blog-post_90.html




صوم الميلاد، نظرة تاريخية

 


صوم الميلاد نظرة تاريخية:

 

1- في الغرب عُرِف أول مرة في القرن الخامس، وكان يُصام لمدة 6 أسابيع، لكن أيام الإثنين والأربعاء والجمعة فقط.

 

2- وفي الغرب ومع القرن السابع أصبح يُصام 4 أسابيع فقط.

 

3- صوم الميلاد بوضعه الحالي رتبه البابا خريستوذولوس في القرن الـ 11، وذكر في قوانينه القانون رقم 18 وقررها بـ 6 أسابيع. (قوانين بطاركة الكنيسة القبطية في العصور الوسطى، الأب أثناسيوس المقاري، ص 36)، ولا يوجد أي ذكر لصوم يسبق الميلاد لا في قوانين المجامع المسكونية ولا المكانية ولا الدسقولية العربية ولا في أي كتاب قبل القرن الـ 11. غير إن هناك إشارة في كتاب مصباح العقل لساويرس بن المقفع في القرن العاشر، يشير ربما إلى صوم البرامون اللي بيسبق عيد الميلاد بيوم واحد مباشرة.

 

4- بعد البابا خريستوذولوس أشار لصوم الميلاد البابا كيرلس الثاني في قانونه الـ 14، وبعده الصفي بن العسال في كتابه المجموع الصفوي (دراسات في كتاب المجموع الصفويّ، القمص صليب سوريال، ص 166).

 

5- في الصعيد كان صوم الميلاد لمدة شهر كيهك فقط الذي يسبق الميلاد، وهذا ما ذكره ابن كبر في كتابه: "مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة"، ويوحنا بن سباع في كتابه: "الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة، ص 89"، وأيضًا القمص يوحنا سلامة في كتابه: "اللآليء النفيسة في شرح طقوس ومعتقدات الكنيسة، ص 385".

 

6- البابا غبريال الثامن في القرن السابع عشر أصدر قوانين منها إلغاء صوم يونان وعودة صوم الميلاد ليبدأ مع أول شهر كيهك فقط (سلسلة تاريخ باباوات بطاركة كرسي الأسكندرية، كامل صالح نخلة، ص 86).

 

7- مع الوقت تم إدخال تفسير مدة صوم الميلاد الـ 6 أسابيع + يوم البرامون إلى أنها الأربعين يوم + 3 أيام نقل جبل المقطم، لكن هذا تفسير تأملي غير دقيق ولا علاقة له بمدة الصوم.

 

8- صوم الميلاد في الكنيسة البيزنطية كان 40 يوم، ثم أصبح 15 يوم، ثم أصبح يوم واحد فقط يسبق عيد الميلاد.

- عند السريان الأرثوذكس كانت مدة الصوم 40 يوم، ثم أصبحت الآن 10 أيام فقط.

- عند غالبية الكنائس الشرقية ينتهي صوم الميلاد يوم الـ 24 من ديسمبر.

- يصوم الآشوريون 24 يوم، والكلدان يوم واحد، والموارنة 12 يوم.

 

(مختصر عن كتاب: صوم الميلاد وتسابيح آحاد شهر كيهك، الأب أثناسيوس المقاري، ص 35 وما بعدها)