الأربعاء، 6 سبتمبر 2023

كيف تشبهون إلهكم بالخروف!

 


اسمك فوق كل اسم!
يقول النبي: "لأنه يولد لنا ولد، ونُعطى ابنًا، وتكون الرئاسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا، لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن وإلى الأبد، غيرة رب الجنود تصنع هذا" (إش 9: 6-7). "يُدعى اسمه عجيبًا"، لأنه فائق الإدراك؛ أُعطي اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسمه كل ركبة ممن في السماء، وممن على الأرض، ومن تحت الأرض (في 2: 9-11).

يقدم لنا الكتاب المقدس بعهديه ألقابًا وأسماء للسيد المسيح، بعضها رمزي، غايتها أن تكشف عن أعمال محبته للبشرية التي لا يُعبر عنها. مع كل لقبٍ تدخل النفس البشرية إلى أعماق جديدة، لتنعم بفيض حبه، يسندها في رحلتها على الأرض حتى تعبر إلى الفردوس، وتلتقي معه على السحاب في يوم الرب العظيم. فتراه مع جميع المؤمنين وقد عكس بهاء مجده على الإنسان بكليته: نفسه وجسده وطاقاته. عندئذ يتعرف المؤمن على كمال حب الله الفائق ليعيش فيه أبديًا!(1)

تكشف لنا كتابات العلامة أوريجينوس عن اعتزاز الكنيسة الأولى باسم يسوع كسّر قوة يتمسك به المؤمن ليعيش غالبًا ومنتصرًا على الخطية والشيطان وكل قوات الظلمة. فمن كلماته: [باسمه كثيرًا ما تُطرد الشياطين من البشر، خاصة إن رُدد بطريقة سليمة وبكل ثقةٍ. عظيم هو اسم يسوع، الذي له فاعليته حتى إن استخدمه الأشرار أحيانًا. اسم يسوع يشفي المتألمين ذهنيًا، ويطرد أرواح الظلمة، ويهب شفاءً للمرضى ](2).

و القاب المسيح كما يقول القديس باسيليوس : [ هذه الالقاب لا تعبر عن طبيعته وانما كما شرحت قبلاً تعبر عن أعماله المتنوعة التي تؤثر فينا والتي تصدر عن رحمته العظيمة وتوهب لخليقته فيوزعها هو حسب احتياج كل واحد منها . ] (3) ، و يقول العلامه اوريجانوس : [بالرغم من أن المسيح واحد في جوهره لكن له ألقاب كثيرة تُشير إلى سلطانه وأعماله، يفهم أنه النعمة والبرّ والسلام والحياة والحق والكلمة .](4)و يكمل قائلاً : [ يسوع هو كل شيء، كل الأسماء تناسبه. إنه كل شيء يعلنه . ] (5) ، و يقول القديس غريغوريوس النيصي : [ إذ يعلن أن طبيعته تسمو وتفوق كل عقلٍ، يستخدم أسماء مجيدة، فيدعوه "إلهًا فوق الكل" (رو 15:9)، "الإله العظيم" (تي 13:2)، "قوة الله وحكمة الله" (1 كو 1: 24)، وما أشبه بذلك . ](6)
و يقول في موضع اخر : [ "أخبرني يا من تحبه نفسي". إنني أدعوك هكذا لأن اسمك فوق كل اسم (في 9:2). إنه لا يوصف، وغير مدرك بالعقل البشري. يكشف اسمك عن صلاحك، وعلاقتي بك روحية . ](7)

و لكننا نجد المسيح في مواضع أُخري يدعي ليس فقط بلقب الإبن او قوة الله و حكمة الله او المُخلص و الفادي و الاول و الاخر .. بل نجده يشبه بالصخره و الراعي و الاسد و الحمل ( الخروف ) فهل هذه الاسماء تدل و تعبر عن طبيعته الالهيه الساميه ; يجيب القديس باسيليوس الكبير قائلاً : [ نرى الكتاب المقدس لا يقدم لنا الرب تحت اسم واحد، ولا تحت الأسماء المنوطة بلاهوته فقط، أو الدالة على عظمته، بل تارة يستعمل ميزات الطبيعة (خواصه الأقنومية)، فيعرف أن يقول: "الاسم الذي يفوق جميع الأسماء" (في 2: 9)، اسم الابن، والابن الحقيقي، والله الابن الوحيد، وقوة الله وحكمته وكلمته. وتارة، بالنظر إلى كثرة سبل وصول النعمة إلينا، التي بصلاحه يمنحها لطالبيه حسب حكمته الكثيرة الأوصاف، يدعوه الكتاب المقدس بنعوتٍ أخرى كثيرة، فيسميه تارة الراعي، وتارة الملك، ثم الطبيب، فالعريس والطريق والباب والينبوع والخبز والفأس والصخرة. هذه التسميات لا تدل على الطبيعة، كما قلت، بل على تعدد مظاهر النشاط الذي يبذله، رحمة منه بكل فردٍ من خليقته، وتلبية لحاجة كل من يسأله . ](8)

و يعلق علي ذلك ايضاً القديس اغسطينوس : [ لسنا نعبد قطيعًا أو غنمًا، لأن المسيح دُعي حملاً (يو 1: 29)، ودُعي بالنبي "ثورًا" (حز 43: 19)... ودُعي الأسد الخارج من سبط يهوذا (رؤ 5:5)، ولا نعبد حجرًا مع أن المسيح دُعي صخرة (1 كو 10: 4؛ رو 9: 33) . ](9) ، و يكمل قائلاً : [ لا نرتبك بتلك الحقيقة أنه أحيانًا تُستخدم علامة (أو رمز) اسمًا...، كما يُقال عن الروح القدس إنه نزل في شكل جسدي كحمامة وحلّ عليه، وبنفس الطريقة الصخرة المضروبة دُعيت المسيح (1 كو 10: 4)، لأنها رمز المسيح . ] (10)

فالمسيح دعي بالحمل ( الخروف ) في الكتاب المقدس كتشبيه و اشاره الي عمله الفدائي ككفاره و مُخلص للبشر كما كان ذلك دور ذبيحة الحمل ( الخروف ) في العهد القديم ، و التي علق عليها في شرحه للذبائح القديس كيرلس عمود الدين قائلاً : [ ما يقدم ( كذبيحه ) خروف او ماعز ، الخروف بسبب هدوءه و برائته الفائقه ، و النعجه بسبب خصوبتها و ثمارها . لانه يقول : ( كشاة تساق إلي الذبح و كنعجة صامتة امام جتزيها فلم يفتح فاه . ( اش 53 : 7 ) . فهو يُشار إليه بخروف لانه ذُبح لاجلنا و سُلِمَ لاجل خطايانا كما في الكتب ( 1 بط 3 : 18 ، 1 يو 2 : 2 ) . ] (11) و يكمل قائلاً : [ و جزء اخر ايضاً يحمل جمال البراءة بحسب المسيح الأمر الذي يشير اليه بالخروف ، و كونه يقول ان الخراف هم سبعه فهذا يشير الي الجمع الكامل كمالاً مطلقاً في المسيح .] (12)

و يقتبس د / موريس تاوضروس قول القديس كيرلس ايضاً كما يلي : [ لان الكتاب الموحي به من الله في مواضع كثيره يشير بالخروف إلي الابرار ، اما مُحب الشر فيشير إليه بالتيس . و ما هو السبب في ذلك ؟ لإن الانسان البار مملوء بمجد كل فضيله , و لهذا فمن المناسب ان يعتبر مثمراً . و الخراف تحمل الصوف ، و لهذا السبب يشبَّه الرجل البار بالخروف و هذا لائق جداً . ] (13)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الحب الالهي . للاب تادرس يعقوب مالطي . ص 509

2- Ccontra Celsus 1. .. مرجع سابق ص 510

3 - الروح القدس . للقديس باسيليوس الكبير . ترجمة د // جورج حبيب باباوي . إصدار مطرانية الغربيه . تقديم الانبا يؤانس اسقف الغربيه المتنيح . الفصل الثامن . ص 83

4 - الحب الالهي . للاب تادرس يعقوب مالطي . ص510 ..
Comm, in Rom. 5:6

5 - Commentarium in Joannem 1. PG 14:50 S9.

6 - Against Eunomius 6:2.

7 - Homilies on Song of Songs. ترجمة الدكتور جورج نوّار

8 - On the Holy Spirit, 8:17.

9 - Ep. 55:11.

10 - Ep. 169:9.

11 - القديس كيرلس السكندري . السجود و العباده بالروح و الحق ( المقالات 15 : 17 ) , الجزء الثامن . ترجمه عن اليونانيه د / جورج عوض ابراهيم , إصدار المركز الارثوذكسي للدراسات الابائيه . ص 116

12 - القديس كيرلس السكندري . السجود و العباده بالروح و الحق ( المقالات 15 : 17 ) , الجزء الثامن . ترجمه عن اليونانيه د / جورج عوض ابراهيم , إصدار المركز الارثوذكسي للدراسات الابائيه . ص 165

13 - الفكر اللاهوتي عند القديس بولس الرسول ج1 ص 331 . د / موريس تاوضروس استاذ العهد الجديد و اللغه اليونانيه . عن القديس كيرلس السكندري

خلق الإنسان علي صورة الله

 



"مجد الله هو الإنسان" هكذا يؤكد التلمود (Derech Eretz Zutta 10,5)
ويعلن القديس إيريناوس نفس الشيء : "مجد الله هو الإنسان الحى". إن الإنسان يشكل محور خليقة الله وتاجها . ووضع الإنسان الفريد هذا فى الكون نعرفه من الحقيقة التى تؤكد أنه مخلوق "على صورة الله ومثاله" (تك26:1) . الإنسان تعبير محدود للتعبير الذاتى غير المحدود لله.

وأحيانًا يربط الآباء الشرقيون الصورة الإلهية أو " الأيقونة " (Ikon) فى الإنسان بطبيعته كلها، معتبرًا كاتحاد ثلاثى للروح والنفس والجسد. وفى أحيان أخرى يربطون الصورة بنوع خاص بأعلى سمة من سمات الإنسان، أى بروحه أو ذهنه الروحى، الذى ينال بواسطته معرفة الله والاتحاد به. وبشكل أساسى، فإن صورة الله فى الإنسان تشير إلى كل شئ يميز الإنسان عن الحيوانات، والذى يجعله " شخصًا " بكل ما تحمله الكلمة من معنى ـ وهو كائن أخلاقى قادر على الصواب والخطأ، وكائن روحى وهبه الله حرية داخلية .

إن صفة " الاختيار الحر" لها أهميتها الخاصة لفهم الإنسان كمخلوق على صورة الله. ومثلما الله حر، هكذا بالمثل الإنسان حر. وإذ أنه حر، فإن كل إنسان يحقق الصورة الإلهية فى داخل نفسه بأسلوبه الخاص المتميز. وليس البشر عملات نقدية يمكن استبدال الواحدة بأخرى، أو قطع غيار آلة يمكن استبدالها: فكل شخص، إذ هو حر، لا يمكن تكراره، وكل شخص، إذ هو غير قابل للتكرار، هو ثمين بغير حدود. ولا يُقاس البشر كمّيًا: فليس لنا الحق أن نفترض أن شخصًا ما بعينه أكثر قيمة من شخص آخر بعينه، أو أن عشرة أشخاص هم بالضرورة أكثر قيمة من شخص واحد. مثل هذه الحسابات تسيء إلى الشخصية الأصيلة. إن كل شخص لا يمكن استبداله بآخر، ولهذا ينبغى أن يعامل كل إنسان "كغاية" فى حد ذاته أو ذاتها، وألاّ يعامل أبدًا كوسيلة لغاية أبعد. ينبغى أن يُعتبر كل شخص لا كشيء بل كشخص. وإن كنا نجد الناس مملين ومن الصعب جدًا التكهن بما فى داخلهم، فذلك لأننا لم ننفذ إلى مستوى الشخصية الحقيقية فى الآخرين وفى أنفسنا، حيث لا توجد أنماط مكررة بل كل شخص هو فريد.

ويميز كثير من الآباء الشرقيين، وإن لم يكن كلهم، بين "صورة" الله و"مثال" الله. فالصورة بالنسبة لأولئك الذين يميزون اللفظتين، تدل على "إمكانية" الإنسان على الحياة فى الله، و"المثال" يدل على "تحقيقه" لهذه الإمكانية أو القدرة. الصورة هى ما يمتلكه الإنسان منذ البداية، والتى تمكنه من أن يضع خطاه فى المحل الأول على الطريق الروحى؛ أما الشبه فهو ما يرجو أن يصل إليه فى نهاية رحلته . وبتعبير أوريجينوس "أخذ الإنسان كرامة الصورة فى خلقه الأول، لكن كمال تحقيق مثال الله سيُمنح له فقط فى نهاية الدهور". كل الناس مخلوقون على صورة الله، ورغم أن حياتهم قد تكون فاسدة، إلاّ أن الصورة الإلهية فى داخلهم قد بهتت فقط وتغطت بقشرة معتمة، ومع هذا فهى لم تفقد تمامًا. لكن الشبه (أو المثال) يتحقق بالكامل فقط بواسطة الطوباويين فى ملكوت السموات فى الدهر الآتى.

وبحسب القديس إيريناؤس، فإن الإنسان فى بدء خلقته كان "مثل طفل صغير"، واحتاج أن "ينمو" إلى كماله. بعبارة أخرى، فإن الإنسان فى بدء خلقته كان بريئًا وقادرًا على التطور روحيًا (الصورة)، لكن هذا التطور لم يكن حتميًا أو أوتوماتيكيًا. دُعى الإنسان للتعاون مع نعمة الله، وهكذا من خلال الاستخدام الصحيح لإرادته الحرة، فإنه ببطء وتدريجيًا يمكن أن يصير كاملاً فى الله (الشبه أو المثال). ويظهر هذا الأمر كيف يمكن لمفهوم الإنسان كمخلوق على صورة الله، أن يُفسر بالأحرى بمعنى ديناميكى متحرك لا استاتيكى ساكن. وهذا لا يعنى بالضرورة أن الإنسان قد وهبه (الله) منذ البداية كمالاً محققًا بالكامل، وأعلى قداسة ومعرفة ممكنة، بل أنه ببساطة قد أُعطى الفرصة لينمو إلى شركة كاملة مع الله .

إن التمييز بين "الصورة" و"المثال" لا يتضمن طبعًا فى ذاته قبول أية "نظرية للتطور" لكنه ليس متنافرًا مع مثل هذه النظرية.

إن الصورة والمثال يدلان على التوجّه والعلاقة. مثلما يعبر فيليب شيرارد "إن عمق مفهوم الإنسان يتضمن علاقة، يتضمن اتصالاً مع الله. فحينما نؤكد على الإنسان، فإننا نؤكد أيضًا على الله". ومعنى الإيمان بأن الإنسان مخلوق على صورة الله هو الإيمان بأن الإنسان مخلوق لأجل شركة واتحاد مع الله، وإن كان يرفض هذه الشركة يكف عن أن يكون إنسانًا بمعنى الكلمة. وليس هناك ما يسمى " بإنسان طبيعى " يوجد منفصلاً عن الله: الإنسان المنفصل عن الله هو فى حالة غير طبيعية تمامًا. لذلك فإن تعليم "الصورة" يعنى، أن الإنسان يجعل الله هو المركز العميق جدًا لكيانه. إن الله هو العنصر الحاسم فى بشريتنا، فإن فقدنا إحساسنا بالإلهى نفقد أيضًا إحساسنا بالإنسانى.

وقد تأكد ذلك بشكل ملفت بما حدث فى الغرب، منذ عصر النهضة، وعلى الأخص منذ الثورة الصناعية. فصاحب الدنيوية المتزايدة نمو فى تجريد المجتمع من إنسانيته. وأكبر مثال على ذلك نراه فى النسخة اللينينية ـ الستالينية للشيوعية، فى الاتحاد السوفيتى. حيث تزامن إنكار الله مع القهر القاسى لحرية الإنسان الشخصية. وهو الأمر الذى لا يثير أدنى دهشة. إن الأساس الآمن الوحيد للتعليم عن الحرية والكرامة البشرية هو الاعتقاد بأن كل إنسان مخلوق على صورة الله.

والإنسان مخلوق، ليس فقط على صورة الله، بل بوجه أخص على صورة الثالوث. فلما كانت صورة الله فى الإنسان هى صورة ثالوثية ، يتبع أن الإنسان، مثله مثل الله، يحقق طبيعته الحقيقية من خلال الحياة المشتركة المتبادلة. والصورة تشير إلى العلاقة لا مع الله فقط، بل مع الآخرين من الناس أيضًا. ومثلما تحيا الأقانيم الإلهية فى ولأجل بعضهم البعض، هكذا الإنسان، إذ هو مخلوق على الصورة الثالوثية ـ يصبح شخصًا حقيقيًا برؤيته العالم من خلال عيون الآخرين. بجعله أفراح وأحزان الآخرين أفراحه هو وأحزانه هو. كل إنسان هو شخص فريد، ومع هذا فكل واحد فى فرادته مخلوق للشركة مع الآخرين.

نحن الذين من أهل الإيمان يجب أن نرى المؤمنين كلهم كشخص واحد .. وأن نكون مستعدين أن نبذل حياتنا لأجل قريبنا".
(سمعان اللاهوتى الجديد)

ما من طريق آخر به نخلص ، سوى بواسطة قريبنا .. هذه هى نقاوة القلب : حينما ترون الخطاة أو السقماء، وتشعرون حيالهم بالرأفة وحنان القلب نحوهم " (من عظات القديس مقاريوس)

اعتاد الشيوخ أن يقولوا إننا يجب أن نهتم بخبرات جارنا، وكأنها خبراتنا نحن . وعلينا أن نعانى مع جارنا فى كل شئ وأن نبكى معه، وأن نسلك وكأننا فى داخل جسده هو، وإن ألم به أى ضيق، علينا أن نشعر بالضيق الذى نشعر به لأجل أنفسنا " (أقوال آباء البرية)

كل هذا حقيقى ، بالضبط لأن الإنسان مخلوق على صورة الله الثالوث.

- صورة الله والملكوت الداخلي:

طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله " (مت8:5). الإنسان إذ خُلِق على صورة الله، فهو مرآة لله. هو يعرف الله بمعرفته لنفسه: حين يدخل إلى داخل نفسه، يرى الله منعكسًا فى نقاوة قلبه. إن تعليم خلقة الإنسان حسب الصورة يعنى أن فى داخل كل شخص ـ فى داخل ذاته أو ذاتها الأصدق والأعمق، والتى تسمى غالبًا " بالقلب العميق " أو " قاعدة النفس " ـ هناك التقاء واتحاد مباشر مع غير المخلوق. " ها ملكوت الله داخلكم " (لو21:17).

وهذا السعى للملكوت الداخلى هو أحد أهم الأفكار الرئيسية الموجودة فى كتابات الآباء. يقول القديس كليمندس الأسكندرى: " إن أعظم الدروس كلها أن تعرف نفسك، لأنه إن عرف الإنسان نفسه ـ سوف يعرف الله ، وإن عرف الله، سوف يصبح مثل الله ". ويكتب القديس باسيليوس الكبير : " حينما لا يتبدد الذهن وسط أمور خارجية أو يشتت فى العالم من خلال الحواس، فإنه يعود إلى ذاته، وبواسطة ذاته يرتفع إلى التفكير فى الله " . ويقول مار اسحق السريانى " من يعرف نفسه يعرف كل شئ ". ويكتب فى موضع آخر : " كن فى سلام مع نفسك، حينئذ تسالمك السماء والأرض، أدخل بشوق إلى داخل الكنز الذى فيك، وهكذا ترى كل أمور السماء؛ إذ يوجد مدخل واحد إلى كليهما معًا. إن السُلم الذى يؤدى إلى الملكوت مخبأ فى داخل نفسك. أهرب من الخطية ، غصّ داخل نفسك ، وفى نفسك ستكتشف درجات السلم التى تصعد عليها " .

ونضيف إلى هذه النصوص شهادة شاهد غربى فى أيامنا هذه ، هو توماس مِرتون :
فى كياننا نقطة عَدم لا تلمسها الخطية والخداع ، نقطة الحق الصافى. نقطة أو جذوة هى ملك الله بالكامل ، ليست تحت تصرفنا أبدًا ، منها يرتب الله حياتنا ، هى نقطة لا تصل إليها خيالات عقلنا أو وحشية إرادتنا. هذه النقطة الضئيلة من العدم والفقر المطلق هى مجد الله الصافى داخلنا. إنها إن جاز التعبير، اسمه مكتوبًا فينا، كفقرنا، وعوزنا، واتكالنا، وبنوتنا. إنها مثل جوهرة نقية، تتلألأ بنور السماء الغير مرئى. هى فى كل إنسان، وإن استطعنا رؤيتها سوف نرى بلايين من نقاط النور تتجمع معًا فى وجه وضوء شمس تبدد تمامًا كل ظلمة وقسوة الحياة... إن باب السماء هو فى كل مكان " .

ويؤكد مار اسحق قائلاً : " اهربوا من الخطية "، وعلينا أن ننتبه لهذه الكلمات الثلاث. فإن كنا نريد أن نرى وجه الله منعكسًا فينا، علينا أن ننظف المرآة. بدون توبة لن تكون هناك معرفة لذواتنا، ولا اكتشاف للملكوت الداخلى. حينما يُقال لى " أرجع إلى نفسك: أعرف نفسك "، من الضرورى أن أسأل: أى "نفس" علىّ أن اكتشفها ؟ وما هى نفسى الحقيقية؟ إن التحليل النفسى، يكشف لنا عن نوع واحد من "الذات"، لكنها فى أغلب الأحيان، لا ترشدنا إلى "السُلّم الذى يؤدى بنا إلى الملكوت"، بل تقودنا إلى الدرج الذى يهوى بنا إلى قبو عفن ممتلئ بالثعابين. إن عبارة " أعرف نفسك " تعنى " أعرف نفسك كإنسان أصله هو الله ، جذره هو الله، أعرف نفسك فى الله ". ومن وجهة نظر التقليد الروحى الأرثوذكسى ينبغى التأكيد على أننا لن نكتشف هذه النفس الحقيقية "بحسب الصورة "، إلاّ بواسطة موت ذاتنا الزائفة والساقطة. " من يضيّع نفسه من أجلى يجدها " (مت25:16). الذى يرى ذاته الزائفة على ما هى عليه ويرذلها هو فقط الذى يصبح قادرًا على إدراك ذاته الحقيقية، الذات التى يراها الله. والقديس برصنوفيوس يؤكد هذا التمييز بين النفس الزائفة والنفس الحقيقية قائلاً : "أنسَ نفسك واعرف نفسك".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن كتاب: الطريق الأرثوذكسي، للأب واللاهوتي الأرثوذكسي كاليستوس وير، ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية، الفصل الثالث.
مُترجم عن the orthodox way, by fr. kallistos ware, (oxford). Mowbray, England

ليه بنثق في نصوص الكتاب المقدس؟ (11- ما قيمة شهادة بابياس؟)

 


في أماكن عدّة من كتاب سوء اقتباس الحقيقة قمت باقتباس مقتطفات من كتابات أحد قادة الكنيسة في أوائل القرن الثاني وهو بابياس أسقف هيرابوليس. وكان إيرمان قد ذكر الإدعاء التالي في كتابه: بطرس وبولس ومريم المجدليّة حول كتابات بابياس:

توجد مشكلة كبيرة في الاستشهاد بكلمات بابياس عندما يذكر أن إنجيل مرقس مبني على شاهد عيان وهو بطرس. في الحقيقة أنّ كلّ ما عدا ذلك في كتابات بابياس يعتبر على نطاق واسع بواسطة العلماء أنّه من خيال رجل تقي أكثر منه حقائق تاريخيّة.[1]

للانصاف بخصوص ما قاله إيرمان، فإنّ بعض اللاهوتيّين المسيحيّين الأوائل قد قدموا بعض الخيال التقوّي وأيضا وصف بعض البدع كما في كتابات إكليمندس السكندريّ وأبيفانيوس أسقف سلاميس يعتبر خيالًا غير تقويّ.[2]

ويعتبر تصريح إيرمان هذا مبالغًا فيه قليلًا. فإنّ مقتطفات من كاتبات بابياس تشتمل على قصص حول رجل يدعى يسطس بارساباس الذي كان قد شرب سُمًّا ولكنه لم يمت وعن شخص ميت تمّت إقامته من الموت.[3] وقد وصف أيضًا بابياس تقاليدًا يُدَّعى أنّها منقولة من القديس يوحنّا اللاهوتيّ حول مستقبل عصر النعيم الأرضيّ وبركات أرضيّة تتبع عودة يسوع إلى الأرض (الملك الألفي). إنّ مثل هذه الأفكار ربّما تصدم بعض الأشخاص كأفكار غربية، ولكنها لا تختلف كثيرًا عن بعض الأفكار الموجودة في العهد الجديد.

يسجل بابياس على الأقل تقليدًا واحدًا يمكن وصفه بأنّه خيال تقويّ. ففي وصفه لموت يهوذا الاسخريوطيّ يذكر بابياس قصة يقول فيها إنّ ذلك الخائن قد نجا من محاولة الانتحار التي ذكرت في متّى 27:5 ، وبدأ يتورم حتّى أنّ عينيه أصبحتا ضامرتان لا يمكن رؤيتهما، ونزل من أعضائه التناسليّة صديد ذو رائحة كريهة. وفي النهاية يموت يهوذا على أرضه بحيث أنّ جميع ممتلكاته تصدر منها رائحة كريهة. يبدو أنّ هذه الرواية تشرح ما هو مذكور في أعمال الرسل 1: 18. بالرغم من أنّ العلماء في العصور السابقة ترددوا في نسبة هذه القصة إلى بابياس،[4] إلَّا إنّه يبدو بناء على تقرير مسجل في كتابات أبوليناريوس أسقف لاودكية بأنّ بابياس بالفعل قد ذكر هذه القصة عن يهوذا. وقد علّق إيرمان على قصة موت يهوذا قائلًا: واضح أنّ بابياس قد حلّق بخياله.[5]

وهنا يكون السؤال؛ ما هو تاثير هذه القصص على تقاليد بابياس التي حفظها عن الأناجيل حسب متّى ومرقس؟

قليل جدًّا في الحقيقة..

إنَّ أهمّيّة شهادة بابياس في أنّه يؤكّد أنّ نوعيّة التقاليد المنقولة بواسطة إيرينيؤس أسقف ليون، وهي التقاليد المرتبطة بأناجيل العهد الجديد متّى مرقس لوقا ويوحنّا- هي تقاليد موجودة منذ فترة طويلة قبل منتصف وآواخر القرن الثاني.

فقد سجّل بابياس بأمانة قصص قد سمعها، وربّما يكون هناك مبالغات في بعض هذه القصص، ولكن هذا لا ينفي الحقيقة الأكيدة أنّه سجّل تقاليد شفويّة عن الأناجيل التي كانت متداولة قبل أقل من 20 سنة بعدما كان قد كُتِب آخر أناجبل العهد الجديد الأربعة. ويؤكّد هذه الحقيقة الاتفاق العام الموجود في جميع المخطوطات والذي ينسب الأناجبل الأربعة إلى كُتَّابهم، فإنّ شهادة بابياس ببساطة تؤكد هذه الحقيقة.


عن كتاب: سوء اقتباس الحقيقة، لتيموثي بول جونز، ترجمة أمجد بشارة ، 2018

[1] PPM, p. 9.

[2] See LC, pp. 198-200.

[3] Eusebius Ecc!esiastical History 3.39.

[4] See, e.g., footnote 11 on page 153 in Alexander Roberts et al., eds.، The Ante-Nicene Fathers، vol. 1: retrieved November 1، 2006، from http://books.google.com

[5] PPM، p. 10.