يُعتبر مفهوم القديس
أثناسيوس الرسولي عن الزواج نقطة تحول في الفكر المسيحي، حيث دافع عنه كـ مؤسسة
إلهية مقدسة في مواجهة التيارات المتطرفة التي كانت تحتقر المادة والجسد:
1. الأصل الإلهي والتأسيس
* خلقة إلهية: يرى أثناسيوس أن الزواج ليس
نتاجاً للسقوط أو المادة الشريرة، بل هو تصميم إلهي منذ البدء؛ فالله هو الذي خلق
الإنسان "ذكراً وأنثى" وهو الذي أسس الزواج [صفحة 192، 193].
* عطية صالحة: بما أن الله هو الصانع، فكل ما
صنعه حسن وطاهر، والزواج كونه تدبيراً إلهياً فهو "مكرم"
و"مقدس" [صفحة 190، 220].
2. الوحدة وعدم الانحلال (جسد واحد)
* سر الوحدة: استند أثناسيوس إلى قول السيد
المسيح في إنجيل متى (الإصحاح 19) بأن الزوجين يصيران "جسداً واحداً"،
وشبه هذه الوحدة الروحية والجسدية بوحدة النفس والجسد في الإنسان الواحد [صفحة
192، 194].
* رفض الطلاق: آمن أثناسيوس بأن الرباط الزوجي
هو رباط دائم لا ينفصم، وأن الطلاق يناقض التدبير الإلهي الأصلي، واعتبر ترك
الزوجة لغير علة الزنا مخالفة صريحة للشريعة [صفحة 196، 197].
3. الزواج في ضوء التجسد والتدبير المسيحي
* بركة عرس قانا: أكد أثناسيوس أن حضور المسيح
في عرس قانا الجليل كان مباركة علنية للزواج وإعلاناً لكرامته السامية [صفحة 210،
211].
* رمز لاتحاد المسيح والكنيسة: رفع أثناسيوس من
شأن الزواج بجعله أيقونة ورمزاً لاتحاد المسيح (العريس) بالكنيسة (العروس)؛ فكما
أن المسيح واحد وكنيسته واحدة، كذلك يجب أن يكون الزواج المسيحي مبنياً على
الإخلاص والوحدة [صفحة 211، 212].
* استعادة البركة: يرى أثناسيوس أن المسيح (آدم
الثاني) جاء ليسترد البركة الأصلية للزواج التي تشوهت بالسقوط، ويجعلها طريقاً
حقيقياً للقداسة [صفحة 208، 209].
4. النظرة إلى الجنس والإنجاب
* طهارة الجسد: في رسالته الشهيرة إلى
"أمون"، دافع أثناسيوس عن طهارة الأعضاء الجسدية والإفرازات الطبيعية،
مؤكداً أن الله لم يخلق شيئاً نجساً في الإنسان، وأن "الاستخدام
القانوني" للجنس داخل الزواج هو أمر مبارك وطاهر [صفحة 225، 226].
* الإنجاب كتعاون مع الله: اعتبر الإنجاب "تعاوناً
مع عمل الله في الخلق"، حيث أن الله هو الذي يصور الجنين في الرحم ويمنح
الحياة، وهو "رب الميلاد الطبيعي" [صفحة 237، 241].
* المحبة الزوجية: لم يحصر أثناسيوس الزواج في
الإنجاب فقط، بل رآه اتحاداً روحياً وحباً متبادلاً ينمو فيه الزوجان معاً في
الفضيلة والقداسة [صفحة 232، 236].
5. الزواج والبتولية (طريقان للملكوت)
* دعوة سماوية: وصف الزواج بأنه "دعوة
سماوية" وصوت "بوق روحي" يدعو المؤمنين للقداسة، تماماً مثلما تدعو
البتولية [صفحة 215، 217].
* الطريق المعتدل: وصف أثناسيوس الزواج بأنه "الطريق
المعتدل والعادي" للحياة البشرية، بينما البتولية هي الطريق "الملائكي
الذي لا يُعلى عليه"، مؤكداً أن كلاً منهما يثمر في حقل الكنيسة (الزواج
ثلاثين والبتولية مائة ضعف) [صفحة 265، 266].
* المعيار هو العمل: أكد أن الإكليل لا يُعطى
بناءً على الحالة (سواء كان الشخص متزوجاً أو بتولاً) بل بناءً على العمل والجهاد
الروحي؛ فالبيت المسيحي يمكن أن يصير "كنيسة بيتية" من خلال الصلاة
والخدمة [صفحة 268، 271].
6. الجانب الاجتماعي والأخلاقي
* مواجهة الهرطقات: دافع أثناسيوس بقوة عن
الزواج ضد "المانويين" و"الغنوسيين" الذين حرموه، وضد
"الأريوسيين" الذين قللوا من شأن الجسد البشري [صفحة 298، 406].
* القداسة الشاملة: دعا المتزوجين إلى
"التعفف المؤقت" للتفرغ للصلاة (بالاتفاق المتبادل)، ورأى أن الزواج هو
الحصن الطبيعي والشرعي ضد الشهوات الجامحة [صفحة 227، 229].
خلاصة القول: يرى
أثناسيوس أن الزواج طريق حقيقي للقداسة، وهو مؤسسة إلهية مستردة في المسيح، تهدف
إلى بناء الأسرة ككنيسة صغيرة وتمجيد الله من خلال الوحدة والمحبة المطلقة [صفحة
388، 401].
Honorable Marriage according to St. Athanasius, Fr.
Matthias F. Wahba

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق