الأحد، 18 يناير 2026

معمودية المسيح، قراءة يهودية

 


المسيح لما اعتمد على يد يوحنا في نهر الأردن، الموضع الذي كان فيه يعمّد، صعد للوقت من الماء. قد يتحير المرء لأول وهلة في سبب ذكر الإنجيلي لهذه التفصيلة؛ لأنه بعد إتمام الفريضة، لماذا يبقى في الماء؟ ماذا يفعل هناك؟ فالجميع يستنتج طبيعيًا أنه بعد انتهاء المعمودية سيخرج مباشرة من الماء. لكننا نتعلم من هذا النص أنه بما أنه صعد من الماء فلا بد أنه نزل فيه أولًا، وكان فيه، واعتمد فيه؛ وهذه إشارة قوية لصالح المعمودية بالتغطيس. إذ من غير المعقول أن ينزل المسيح إلى النهر حتى الكعبين أو الركبتين فقط لكي يرش يوحنا الماء على وجهه أو يصبّه على رأسه، كما تصوّره بعض الرسومات بشكل سخيف، فهذا لا يقبله العقل السليم. لكن الهدف الأساسي للإنجيلي من ذكر هذه التفصيلة هو ما يلي: ليُظهر أنه بمجرد أن اعتمد المسيح، وقبل أن يخرج تمامًا من الماء، 

وإذا السماوات قد انفتحت. وبعضهم يربط كلمة "للوقت" بهذه العبارة لا بعبارة "صعد"، لكن لا حاجة لذلك، إذ يمكن أن يُفهم النص هكذا: 

ويسوع لما اعتمد بالكاد خرج من الماء، وإذا مباشرة، حالًا، في اللحظة نفسها، أو حتى قبل أن يخرج، انفتحت له السماوات؛ السماء المادية انشقّت، كما في مرقس 1: 10، لتفسح المجال لنزول الروح القدس بشكل منظور. وهنا يبرز سؤال: هل عبارة "له" تعود إلى المسيح أم إلى يوحنا؟ لا شك أن كلاهما رأى انفتاح السماوات، لكن يبدو أن يوحنا هو المقصود خصوصًا، لأن هذه الرؤية كانت لأجله، كعلامة له، ولأن الكلمات التالية تخصه: "ورأى"، أي يوحنا، روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه. فهذا ما وُعد به يوحنا كعلامة تؤكد له أن يسوع هو المسيّا الحق، وهو نفسه يشهد أنه رأى ذلك، وبنى شهادته على هذا الحدث، كما في يوحنا 1: 32. ومع ذلك، يمكن القول إن المسيح أيضًا رأى نزول الروح، كما يذكر مرقس 1: 10. 

الروح القدس، الذي نزل واستقر على المسيح، هو نفسه الذي في الخلق الأول كان يرفّ على وجه المياه؛ والآن ينزل على المسيح وهو خارج من مياه الأردن بعد أن اعتمد.

واليهود كثيرًا ما يسمّونه[1] "روح الملك المسيّا" و"روح المسيّا". نزوله كان "في هيئة جسدية"، كما يقول لوقا 3: 22، إمّا في شكل حمامة، وهي رمز مناسب جدًا للروح القدس وصفاته مثل البساطة، الوداعة، المحبة، وأيضًا لبراءة المسيح وتواضعه ومحبته؛ أو في شكل منظور آخر يشبه حركة الحمامة في نزولها ورفرفتها واستقرارها، لا بالضرورة في شكلها الحرفي. فالنصوص لا تلزمنا أن الروح ظهر في صورة حمامة، بل أن نزوله كان "كما" تنزل الحمامة. 

 

ومن يقرأ هذا لا يسعه إلا أن يتذكر حمامة نوح، التي جاءت بورقة زيتون في فمها، علامة سلام ومصالحة، عندما انحسرت المياه عن الأرض. وقد وجدت في كتاب الزوهار مقطعًا يقول: 

"سيفتح باب، ويخرج منه الحمامة التي أرسلها نوح في أيام الطوفان، كما هو مكتوب: "وأرسل الحمامة"، تلك الحمامة الشهيرة؛ لكن القدماء لم يعرفوا حقيقتها، بل فقط من أين جاءت وأدت رسالتها؛ كما هو مكتوب: "ولم تعد إليه أيضًا". لا أحد يعرف أين ذهبت، لكنها رجعت إلى مكانها، واختبأت في هذا الباب؛ وستأخذ تاجًا في فمها، وتضعه على رأس الملك المسيّا."[2]

وبعد قليل يُقال إن الحمامة تستقر على رأسه، وهو ينال المجد منها. فهل هذا بقايا تقليد قديم يخفيه هؤلاء عن عمد، عن انفتاح السماوات ونزول الروح القدس مثل حمامة على المسيّا؟ أم أنه مستوحى من الرواية الإنجيلية؟ الأمر متروك للقارئ ليحكم.

 

 وإذا صوت من السماء قائلا... في نفس الوقت انفتحت السماوات، ونزل روح الله مثل حمامة وحل على المسيح، وبينما كان مستقرا عليه، سُمع صوت عجيب؛ ومن هنا جاءت كلمة التنبيه والإعجاب "وإذا"، كما في انفتاح السماوات؛ إذ كان أمرا غير مألوف ومفاجئا، ودلالة على أمر عظيم ومهم. واليهود لكي يجعلوا هذه الحادثة أقل أهمية، وليُعتقد أن هذه الأصوات من السماء التي سُمعت في زمن يسوع وبخصوصه كانت أمورا عادية، اخترعوا قصصا كثيرة عن "الصوت" أو "بنت الصوت من السماء"؛ التي يزعمون أنها جاءت بدل النبوة. وكلماتهم[3] هي: 

"بعد موت الأنبياء المتأخرين، حجّي وزكريا وملاخي، فارق الروح القدس إسرائيل، ومنذ ذلك الحين استخدموا "Bath Kol"، أي "الصوت". مرة كانوا جالسين في علية بيت غوريا في أريحا، فجاءهم "الصوت من السماء" قائلا: يوجد هنا من هو مستحق أن تحل عليه الشكينة، كما على موسى معلمنا؛ ولكن لأن جيله لم يكن مستحقا، لذلك وضع الحكماء أعينهم على هليل الشيخ؛ ولما مات قالوا عنه، هذا كان رجلا قدوسا، وديعا، تلميذا لعزرا. ومرة أخرى كانوا جالسين في علية في يبنه، فجاءهم "الصوت من السماء" قائلا: يوجد هنا من هو مستحق أن تسكن عليه الشكينة؛ ولكن لأن جيله لم يكن مستحقا، لذلك وضع الحكماء أعينهم على صموئيل الصغير."

وقد أوردت هذا النص مطولا، جزئيا لأنه بحسبهم يحدد تاريخ واستخدام "الصوت"، وجزئيا لأنه يقدم أمثلة عليه، فلا حاجة لذكر المزيد؛ إذ سيكون بلا نهاية تكرار الأمور التي قيلت به؛ مثل تشجيع هيرودس على التمرد واغتصاب مملكة سيده؛[4] منع بن عزئيل من الاستمرار في تفسيره على الكتب المقدسة بعد أن أنهى ترجومه على الأنبياء؛[5] إعلان أن كلمات هليل وشمعي هي كلمات الله الحي؛[6] الإشارة إلى الحمل والولادة والموت لأشخاص،[7] وغير ذلك؛ وكلها تبدو مجرد خيال ووهم، خداعات شيطانية أو تقليدات شيطانية لهذا الصوت الذي سُمع الآن، لكي يقللوا من مصداقيته.

ولكن لنكمل؛ هذا الصوت العجيب من السماء، الذي تكوّن بألفاظ واضحة لأجل يوحنا؛ وبحسب الإنجيليين الآخرين، كان موجها إلى المسيح، كما في مرقس 1: 11، نطق بالكلمات التالية "هذا هو ابني الحبيب". هذا الشخص، الذي اعتمد في الماء، وحل عليه الروح القدس الآن، ليس إلا ابن الله في الطبيعة البشرية؛ التي اتخذها لكي يطيع هذا وكل مشيئة أبيه: هو ابنه الخاص، لا بالخلق، كالملائكة والبشر؛ ولا بالتبني، كالقديسين؛ ولا بالوظيفة، كالحكام؛ بل بطريقة بنوة لا مثيل لها: هو الابن الطبيعي، الجوهري، والوحيد الجنس لله؛ ابنه الحبيب، الذي أحبه الآب منذ الأزل، كابنه الخاص؛ صورة نفسه، من نفس الطبيعة معه، ومتمتع بنفس الكمالات؛ الذي أحبه، واستمر في محبته في الزمن، رغم أنه متجسد في الطبيعة البشرية وضعفها؛ ظاهرا في شبه جسد الخطية؛ في حالة اتضاعه، أحبه خلال ذلك، وكل الأحزان والآلام التي رافقته. المسيح كان دائما، وسيظل أبدا، سواء في شخصه كابن الله، أو في وظيفته كوسيط، موضوع محبة الآب وسروره؛ لذلك يضيف:

الذي به سررت. يهوه الآب وجد لذة وسرورا لا نهائيا فيه كابنه الخاص، الذي كان في حضنه قبل كل الدهور؛ وسُر به في علاقته الوظيفية وقدرته: كان مسرورا به كابنه، ومسرورا به كعبده، كما في إشعياء 42: 1؛ سُر بتجسده؛ وبطاعته الكاملة للناموس؛ وبحمله العقوبة واللعنة عنه، عوضا عن شعبه: سُر ببره وذبيحته وكفارته؛ التي بها تمم الناموس، وأُرضيت عدالته. الله ليس فقط مسرورا بابنه، بل أيضا بشعبه، كما يُعتبرون فيه؛ فيه يحبهم، ويجد لذته فيهم، ويصالحهم، ويقبلهم برضا.

وسيكون من غير المقبول تقريبا، ألا نلاحظ الشهادة هنا لعقيدة الثالوث؛ إذ سُمع صوت من "الآب" في السماء، يشهد لـ "الابن" في الطبيعة البشرية على الأرض، الذي نزل عليه "الروح" وحل. وقد اعتبر القدماء هذا دليلا واضحا وكاملا على هذه الحقيقة، حتى كانوا يقولون: اذهب إلى الأردن، وتعلم هناك عقيدة الثالوث. أضف إلى ذلك، أن هذا الإعلان جاء مباشرة بعد معمودية المسيح، مما يُظهر أن الآب وافق بشدة، وسُر بخضوعه لتلك الفريضة؛ وهذا ينبغي أن يكون دافعا مشجعا لكل المؤمنين أن يتبعوه فيها.




[1] Bereshit Rabba, fol. 2. 4. & 6. 3. Vajikra Rabba, fol. 156. 4. Zohar in Gen. fol. 107. 3. & 128. 3. Baal Hatturim in Gen. i. 2. Caphtor Uperah, fol. 113. 2.

[2]  In Num. fol. 68. 3, 4.

[3]  T. Bab. Sanhedrim, fol. 11. 1. Sota, fol. 48. 2. Yoma. fol. 9. 2.

[4] T. Bab. Bava Bathra, fol. 3. 2.

[5]  Megilla, fol. 3. 1.

[6] T. Hieros. Beracot, fol. 3. 2.

[7]  T. Bab. Sanhedrim, fol. 22. 1. T. Hieros. Sabbat. fol. 8. 3.

ليست هناك تعليقات: