السبت، 5 يوليو 2025

تاريخ العقيدة في المسيحية المبكرة - الثالوث القدوس في الكنيسة المبكرة - هرطفات ضد الثالوث القدوس (4)

 


. فئات من أعداء التثليث

في أول 3 قرون، ظهروا 3 مجموعات كان عندهم اختلافات في وجهات النظر وكلامهم، وكلهم كانوا فاهمين عقيدة الثالوث بشكل غلط. السبب غالبًا إنهم حاولوا يفهموا الموضوع بالعقل والتفكير بدل ما يتأملوا في كلام الكتاب المقدس اللي بيشرح العقيدة دي. لما نبص عليهم، هنلاقي إن كل مجموعة ركزت على جانب واحد من الحقيقة الكبيرة، واتمسكوا بجزء واحد من اللي الكتاب بيقوله.[1]

في ناس كانوا بيأكدوا جدًا إن المسيح هو الله، بس أنكروا إن ليه شخصية مستقلة. كانوا شايفين إن المسيح هو نفسه الله الآب لكن بشكل معين أو في علاقة معينة. بالنسبة لهم الجوهر والشخص واحد، ولأن في جوهر واحد بس، يبقى في شخص واحد بس.

وفي ناس تانية أنكروا إن المسيح هو الله فعلًا، وقالوا إنه مرتبط بشكل خاص ومميز بالجوهر الإلهي، واعتبروا إن المسيح والروح القدس هما قوتين δυνάμεις إلهيتين، مش شخصين أو أقنومين ὕποστάσεις.

وفي ناس تالتة كانوا شايفين إن المسيح مجرد إنسان عادي.

فالناس اللي رفضوا عقيدة الثالوث في الفترة دي كانوا 3 أنواع:

- اللي بيقولوا إن المسيح هو الله الآب نفسه (اللي بيتسموا "مؤلمو الآب Patripassians" أو "مونارخيين" Patripassians or Monarchians).

- اللي بيقولوا بثالوث بالاسم بس من غير شخصيات مستقلة  Nominal Trinitarians.

- واللي شايفين المسيح مجرد إنسان ("هيومانيتياريين Humanitarians").

لكن الكنيسة دخلت في مناقشات بس مع أول نوعين، لأن النوع التالت أساسًا ماكنش بيؤمن بالثالوث خالص، بينما الباقيين كانوا بيقولوا إنهم بيقدموا تعليم الثالوث الحقيقي حسب الكتاب المقدس.


مؤلموا الآب


النوع الأول من الناس اللي كانوا ضد عقيدة الثالوث اتسمّوا Patripassians أو Monarchians، لأنهم كانوا بيأكدوا إن فيه إله واحد (الـ Monad) ورافضين فكرة الثلاثة أقانيم (الـ Triad). هم آمنوا إن المسيح إله، لكن رفضوا فكرة الكنيسة اللي بتقول إن فيه ثلاث أشخاص في الله، وشافوا إن ده يتعارض مع وحدانية الله. علشان كده قالوا إن فيه شخص إلهي واحد بس.

الشخص الواحد ده، لما نفكر فيه في بساطته المطلقة وأبديته، يسموه "الله الآب". لكن لما يتجسد، يسموه "الله الابن". وأحيانًا كانوا بيشرحوا الفكرة بشكل مختلف شويه: يعني لما يكون الله في حالته الخفية وغير المعلنة، يتسمى "الله الآب". لكن لما يخرج من أعماق جوهره، ويخلق الكون، ويبدأ يعلن نفسه ويتواصل مع الخليقة، وقتها بياخد علاقة مختلفة ويتسمى "الله الابن" أو الـ Logos.

مؤلموا الآب في تعليمهم عن المسيح (Christology)، كانوا بيقولوا إن الشخص الإلهي الواحد ده، في شكله كابن أو Logos، هو اللي كان بيحيي الجسد البشري بتاع المسيح. وكانوا بينكروا إن فيه نفس بشرية حقيقية في شخص يسوع المسيح.

وبالتالي، كانوا شايفين إن الجوهر الإلهي نفسه، وهو متحد بجسد وطبيعة بشرية، هو اللي اتألم علشان خطايا البشر. ومن هنا اتسموا Patripassians، يعني الناس اللي بيقولوا إن الله الآب هو اللي اتألم فعلًا.

وكان مؤلموا الآب الرئيسيون هم:[2]


1- براكسيس Praxeas من آسيا الصغرى كان أول واحد من مؤلموا الآب المعروفين، وظهر في روما حوالي سنة 200 ميلادية. وترتليان Tertullian رد عليه في كتابه Adversus Praxean. والجمل اللي بدأ بيها ترتليان في الرد كانت مميزة جدًا، بيقول فيها:

"الشيطان بيغير من الحقيقة بطرق كتير. أوقات بيتظاهر إنه بيدافع عنها، علشان يهدها. بيأكد إن فيه رب واحد بس، خالق العالم القدير، وبيحاول يخلق بدعة من فكرة الوحدانية دي (unico). بيقول إن الآب نزل في عذراء، واتولد منها بنفسه، واتألم بنفسه، وفي الآخر بيقول إن الآب هو نفسه يسوع المسيح."

الجزء ده بيورّي إزاي براكسيس كان بيخلط بين الأقانيم، وبيشوف إن الآب هو اللي اتجسد واتألم، وده السبب اللي خلا ترتليان يعارضه بشدة.


2- نويتوس Noetus من سميرنا ظهر حوالي سنة 230، واتحرَم كنسيًا بسبب تعليمه اللي اعتبرته الكنيسة هرطقة. اللي كان بيعارضه بشكل أساسي هو هيبوليتوس Hippolytus، وكتب ضده في مؤلفه *Contra haeresin Noëti*.[3]


3- بيريل Beryl، أسقف بصرى في منطقة العرب، كان موجود حوالي سنة 250. اتحاكم بتهمة الهرطقة عن طريق مجمع عربي سنة 244، ولما استدعوا أوريجين Origen يساعدهم، قدر يقنعه إنه غلطان، فبيريل رجع عن أفكاره الباتريباشيانية Patripassianism.

وبحسب جيروم Jerome، بيريل طلب من أوريجين تعليم إضافي من خلال مراسلات بينهم عن عقيدة الثالوث.


الثالوثيون الاسميون


النوع التاني من الناس اللي ضد عقيدة الثالوث، واللي بنسميهم Nominal Trinitarians، ما اعترفوش إن المسيح إله بشكل كامل، لكن قالوا إنه عنده نوع معين من "الألوهية". وبيفرقوا بين كلمة "deity" اللي معناها الألوهية الكاملة والأزلية، وكلمة "divinity" اللي معناها ألوهية نسبية، ممكن تنطبق على مخلوق عظيم أو حتى على الطبيعة البشرية نفسها.

الناس دول شايفين إن الله الخفي غير المُعلن—اللي بيقابل الآب في فكرة الـ Patripassian— بيُظهر نفسه من خلال قوتين بيخرجوا منه زي أشعة النور اللي بتطلع من الشمس: واحدة قوة للإضاءة، والتانية للإحياء.

قوة الإضاءة هي الحكمة الإلهية أو العقل أو الـ Logos، وبتظهر في شكلين:

- الأول، هو العقل الداخلي التأملي عند الله، واللي بيخليه قادر على الفهم العقلي (λόγος ἐνδιάθετος).

- التاني، هو العقل اللي بيتكلم ويتفاعل، واللي بيخلق وبيوصل أفكاره للخليقة (λόγος προφορικός).

- أما قوة الإحياء فهو الروح القدس.

والمسيح كإنسان اتّحد من وقت ميلاده مع الـ Logos أو قوة الإضاءة بطريقة مميزة جدًا، وبدرجة أعلى من أي نبي أُلهم قبل كده، وعلشان كده بيطلقوا عليه لقب "ابن الله" باعتباره إنسان بيعيش تحت تأثير وتوجيه مميز من الـ Logos—بس من غير ما يكون شخص أو أقنوم (hypostasis)، لأنه مجرد انبثاق من الجوهر الإلهي الأساسي.


1- واحد من اللي مثّلوا الفئة التانية من Anti-Trinitarians كان بولس السميساطي Paul of Samosata، أسقف أنطاكية بعد سنة 260، وكان معروف بإنه مغرور وبيحب المظاهر جدًا. اتحكم عليه بالهرطقة من مجمعين أنطاكيين، واحد سنة 264 والتاني سنة 269، واتشال من منصبه في المجمع التاني، بس لقى دعم قوي من الملكة زنوبيا Zenobia، وكمل شغله كأسقف رغم الحكم.

ولما الإمبراطور أورليان Aurelian هزم الملكة، اتنفذ الحكم اللي أصدره المجمع، بعد ما الأساقفة في المنطقة قدموا تهم جديدة، وشارك معهم أسقف روما بقوة علشان يتنفذ القرار.[4]


2- سابيليوس Sabellius، كاهن من بطولمايس في منطقة البنتابوليس، كان موجود بين سنة 250 و260، وبيعتبر ممثل للفئة التانية من Anti-Trinitarians، رغم إنه بيقف بين الفئتين الأولى والتانية.

هو محسوب على الفئة التانية لأنه كان شايف إن الـ Logos والروح القدس هما قوتين (δυνάμεις) بيخرجوا من الجوهر الإلهي، وبيشتغل بيهم الله وبيعلن نفسه للعالم.[5] لكن بيبعد عن الفئة دي وبيرجع ناحية مؤلموا الآب لأنه ماكانش بيقول إن المسيح مجرد إنسان عادي اتأثر بالـ Logos، بل كان بيأكد إن قوة الـ Logos كانت جزء من شخصية المسيح نفسه، وهي اللي شكّلت ووجّهت وعيه الشخصي طول حياته الأرضية.

الـ Logos اتحد فعليًا بطبيعة المسيح الإنسانية، مش مجرد ألهمها أو أثر عليها من برّه. لكن النظرة العالية دي لشخصية المسيح بيتم تقليلها تاني وترجعها لمستوى إنساني زي الفئة التانية، لما بيتقال إن قوة الـ Logos الإلهية دي، اللي خرجت من الله واتحدت بجسد بشري وعاشت معاه ككيان واحد طول حياة المسيح الأرضية، رجعت تاني للعمق الإلهي بعد صعود المسيح للسماء.[6]

السابيليانية Sabellianism فضلت مستمرة لحد القرن الرابع، خصوصًا في روما وبلاد ما بين النهرين.


3- الفرقة التالتة من جماعة الرافضين للثالوث، اللي بنسميهم الـHumanitarians، كانوا بيقولوا إن المسيح إنسان بس، ومفيهوش أي جزء إلهي خالص. بس في منهم اللي كان شايف إن المسيح كان إنسان غير عادي، ومنهم اللي شايف إنه كان إنسان عادي تمامًا.[7] أفكارهم كانت مخالفة بشكل واضح لكلام الكتاب المقدس، علشان كده الكنيسة ما دخلتش معاهم في أي جدال. الكنيسة كانت بتناقش بس الجماعات اللي كان عندهم نوع من أنواع الإيمان بالثالوث.

لما بننتقد أول فرقتين واللي بيظهر فيهم معنى مصطلح "رافضي الثالوث" بشكل واضح، بنلاحظ إن جماعة الـPatripassians أو الـMonarchians كانوا أقرب للعقيدة المعلنة عن ألوهية المسيح المطلقة من جماعة الـNominal Trinitarians. حسب رأيهم، الله بجوهره الأساسي كان في المسيح. الـLogos ماكانش مجرد إنبعاث من الطبيعة الإلهية، لكن كان هو نفسه الطبيعة الإلهية. تصورهم لألوهية المسيح كان مرتفع، وعلشان كده زي ما Neander بيقول:

"الشعور الديني العميق عند بعض العامة اللي ما اتعلموش كويس كان بيميل أكتر للشكل ده من الـMonarchianism، اللي كان شايف إن المسيح هو الله بالكامل، ومتجاهل الجانب البشري، أكتر من ميلهم للفكر التاني".[8]

من ناحية علم المسيح (Christology)، فكرة الإنبعاث عند الجماعة التانية كانت أبعد عن الحقيقة من الفكر الـMonarchian عند الجماعة الأولى. لكن من ناحية الثالوث، الـPatripassians ما اعترفوش بأي تمايز داخلي أو جوهري في الذات الإلهية. كانوا شايفين إن الإله الأعلى هو وحدة (monad)—كيان واحد بدون أي كيانات أو وجودات شخصية داخله. الوحدة دي كانت بتتوسع أو تتحول بس.[9] فكرة وجود ثلاثية جوهرية في الطبيعة الإلهية نفسها كانت مرفوضة.

أما الـNominal Trinitarians، فكانوا أقرب للصواب من ناحية فكرة الثالوث في الوحدة. اعترفوا بوجود ثلاث تمايزات من نوعٍ ما، لكنهم بعدوا عن الإيمان السائد لما قالوا إن التمايزات دي كانت مجرد أشكال. الـLogos والروح القدس ماكانوش ليهم جوهر ذاتي. الجوهر الوحيد كان هو الوحدة—الآب. الـLogos والروح القدس كانوا مجرد انبعاثات، إشعاعات، قوى، أو طاقات بتخرج زي أشعة الشمس من جوهرها، واللي ممكن تُسحب وتتدمج تاني في الجوهر الإلهي.

ولما نفحص بدقة، بنلاقي إن الفرقتين كانوا بيشاركوا نفس الفكرة. الاتنين أنكروا فكرة الثالوث الجوهري، واعتبروا إن في وحدة بدون تمايزات أقنومية أو أشخاص. لكن لو بصينا بس على الصياغة، نقدر نقول إن الـPatripassianism كان أقرب للفكر الأرثوذكسي من جهة علم المسيح، والـNominal Trinitarianism كان أقرب من جهة فكرة الثالوث.



[1] في بعض الحالات، غالبًا كان فيه رغبة إنهم يشرحوا عقيدة الثالوث ويخلوها أوضح، علشان يخففوا من غموضها. مثلاً فكرة "الثالوث الشكلي" أو modal trinity سهلة في الفهم ومش معقدة. وHOOKER في كتابه Eccl. Pol. I. 586 قال تعليق مهم: "تعليم الكتاب المقدس عن الثالوث أصدق من إنه يكون واضح، والتعليم المهرطق عن الثالوث أوضح من إنه يكون صادق."

[2] Compare GUERICKE: Church History, § 56.

[3] شوف كتاب WORDSWORTH في كتابه بعنوان: Hippolytus، الصفحات 243، و261 وما بعدها، و281 وما بعدها—العمل ده يعتبر أكثر موثوقية من كتاب BUNSEN، خصوصًا فيما يخص الآراء العقائدية لـ Hippolytus والفترة اللي قبل مجمع نيقية بشكل عام.

[4] EUSEBIUS: Eccl. Hist., VII. 27–30.

[5] سابيليوس كان شايف إن الـ Monad (الوحدانية) بتتناقض مع الـ Triad (الثلاثية)، وده خلّى في أربع عناصر داخل الموضوع بدل تلاتة. مش واضح هل كان بيشوف إن الآب هو الـ Monad، أو إن الآب ليه نفس العلاقة بالـ Monad زي ما الـ Logos والروح بيكونوا.

NEANDER I. 595 كان رأيه إن سابيليوس كان بيشوف إن الآب في حالته غير المعلنة هو الـ Monad، ولما يُعلن نفسه يبقى هو الآب بالمفهوم المعروف.

سابيليوس استخدم تشبيه علشان يوضح رؤيته عن الثالوث، وقال: "زي ما الشمس فيها جوهرها الأساسي، وشكلها الدائري، وقدرتها على توصيل الحرارة والنور، كده برضو الله فيه جوهره المستقل بذاته (μόνας)، وقوة الـ Logos اللي بتنور، والطاقة اللي بتحيي واللي هي الروح القدس في قلوب المؤمنين."

NEANDER I. 596 بيقول كمان إن سابيليوس استخدم التعبير الكاثوليكي "ثلاثة أقانيم"، بس ماكانش يقصد أشخاص فعليين، بل كان بيقصد شخصيات أو أدوار بيتاخدها الجوهر الواحد حسب المواقف المختلفة.

راجع كمان: EUSEBIUS: *Eccl. Hist.* VII. vi؛ وEPIPHANIUS: *Haereses*, LXII.

[6] نياندَر NEANDER I. 598–599 بيقول إن الثالوث عند سابيليوس Sabellius مؤقت، يعني لما الأغراض اللي اتكوّن علشانها تخلص، الثلاثية بترجع تذوب جوه الوحدة الأصلية الـ Monad.

سابيليوس ماكانش بيستخدم اسم "الابن" على الـ Logos، لكنه كان بيسمي "الابن" للشخص اللي ناتج من اتحاد الـ Logos مع الإنسان يسوع. وكان شايف إن في العهد القديم مافيش ذكر لابن الله، بل بس للـ Logos.

[7] بنستخدم اسم Humanitarians بشكل عام علشان نجمع كل الفرق اللي زي الـEbionites، والـTheodotians، والـArtemonites، والـAlogi، اللي أنكروا ألوهية المسيح وصفته الإلهية تمامًا. WATERLAND، بناءً على كلام قاله Epiphanius، بيأكد إن فكرة إن المسيح مجرد إنسان عادي ما اتقالتش غير لما Theodotus بدأ يروّج لها سنة 196 ميلاديًا. لكن اللي قبله من الهراطقة زي الـEbionites وCerinthus وCarpocrates، كانوا شايفين إن في علاقة بين المسيح وكائن أعلى، وده خلى إنسانيته غير عادية. الجماعات دي كانت بتقول إن المسيح كان إنسان عادي مولود من يوسف ومريم بطريقة طبيعية، لكن الـaeon اللي اسمه Christ نزل عليه وقت المعمودية واداه قدرات معجزية، وبعدها سابه وقت موته. كل الكلام ده رفضه Theodotus، اللي كان شايف إن المسيح إنسان عادي تمامًا من كل ناحية (ψιλός ἄνθρωπος). لكن NEANDER I. 580 على العكس، استشهد بشرح Theodotus للآية في لوقا 1:31 علشان يوضح إنه ما أنكرش الطابع المعجز لميلاد المسيح.

[8] NEANDER: Church History, I. 577.

[9] أثناسيوس في (Contra Arianos, IV. 14, 22) بيشرح نظرية الـMonarchian بكلمات زي: ἥ μονὰς πλατυνθεῖσα γέγονε τριὰς • ἐπλατύνθη ἥ μονὰς εἰς τριάδα. وكمان (Cont. A. IV. 6) وصف العملية التثليثية عند الـSabellians على إنها “تمدد وانكماش”، يعني “توسع وانقباض” في الجوهر الإلهي. شوف BAUR: Dreieinigkeitslehre, I. 257 وما بعدها.


تاريخ العقيدة في المسيحية المبكرة - الثالوث القدوس في الكنيسة المبكرة (3)

 


الفصل التاني الثالوث قبل مجمع نيقية[1]

1. تصريحات تمهيدية

تاريخ عقيدة الثالوث في بدايته بيبيّن إن الإيمان المسيحي ممكن يعيش من غير ما يتقال بصيغة علمية أو دقيقة. اللي بيخلي الصيغة العلمية ضرورية هو ظهور البدع، لأنها بتخلّي اللاهوت محتاج يحدد التعبير بدقة ويحافظ عليه.

ووترلاند، وهو بيعلّق على نقد فوتيوس الشديد لثالوثية الكُتّاب اللي قبل نيقية، قال بمنطق:

إن فوتيوس ما أخدش في اعتباره اختلاف الأزمنة، وإنه مش منطقي نتوقّع من ناس عاشوا قبل ما تظهر البدع ويتحكم عليها، إنهم يعبّروا عن العقيدة بصيغ دقيقة زي اللي ظهرت بعد وقت طويل من التجارب عشان تحمي الإيمان.

ناس كتير دلوقتي في قلب الكنيسة عندهم إيمان بالإله الواحد المُثلث، وفيه تعريف فكري للأقانيم التلاتة وعلاقتهم ببعض، لكن بسبب نقص التدريب اللاهوتي عندهم، مش هيعرفوا يشرحوا العقيدة دي بشكل دقيق، من غير ما يغلطوا في اتجاه سابيلياني يمين أو آريوسي شمال، زي ما مش بيعرفوا يحددوا عناصر الهواء اللي بيتنفسوه، أو يرسموا خريطة للسماء اللي ماشين تحتها كل يوم.

نفس الحالة بنشوفها في الكنيسة العالمية ككل. الخبرة المسيحية واحدة وثابتة في كل العصور، لكن القدرة على التعبير العلمي عن العقيدة بتتغيّر حسب الحاجة لصيغ معينة، وحسب الظروف اللي بتخلّي العقل اللاهوتي يركّز عليها.

عشان كده، مش بنلاقي في أول قرنين من تاريخ العقيدة المسيحية دقة وصيغ علمية زي اللي ظهرت بعدين، بالرغم من إن الإيمان الداخلي كان موحّد جدًا. المسيحيين الأوائل كانوا بيستقبلوا العقيدة بالصورة العامة اللي موجودة في الكتاب المقدس، وكانت الحياة الإلهية جواهم نشيطة جدًا، بتحميهم من النظريات المبالغة، ومن فساد التجربة والسلوك اللي بييجي مع النظرة العامة والمبهمة.

التعبيرات العامة للعقيدة المسيحية بتناسب نوعين متضادين من الشخصيات الدينية: ناس إيمانهم دافي وحي، لأنهم بيعيشوا الحقيقة كاملة جوا أرواحهم، فمش بيحتاجوا الصيغة العلمية الدقيقة. وناس إيمانهم بارد وفاضي، بيبعدوا عن الحقيقة، ويفضلوا الصيغ الغامضة اللي يقدروا يلووها على مزاجهم وأفكارهم المسبقة.

فعشان كده، غياب الصيغة العلمية ممكن يكون موجود إما في أكثر الفترات إيمانًا وتعبّد، أو في أكترها عقلانية وجفاف.

الفرق بين طريقة تفكير النوعين دول تجاه الحقيقة بيبان في رد فعلهم لما يسمعوا تعبير منظم وعلمي للعقيدة. العقل المؤمن المستقيم بيقبل قانون الإيمان لما يتكتب، لأنه شايف فيه وصف دقيق وكامل للحقيقة اللي هو مؤمن بيها أصلًا من خلال الخبرة. لكن العقل المُبتدع بيرفض القانون ده لما يتقال، لأنه عارف إنه مش مؤمن بالحاجات اللي بتقولها بنوده، وكمان لأن البنود دي مكتوبة بشكل علمي ومنطقي يمنع أي تلاعب أو غموض.

عشان كده، المؤمن المستقيم رحّب بتصريحات نيقية الواضحة عن الثالوث، لكن الآريوسي رفضها.

كاتب حديث وضّح العلاقة بين الإيمان العملي عند المؤمن العادي، والتعبير العلمي عند اللاهوتيين، بكلام واضح وصادق:

"مفيش حد بيقول إن تلاميذ يوحنا كانوا بيستخدموا كلمات زي 'هيبوستاتيس' أو المساواة في الجوهر' بشكل يومي... كام واحد من المؤمنين الأرثوذوكس تمامًا على الأرض، حتى في الزمن ده، بيستخدموا التعبيرات دي أو استخدموها قبل كده؟ وكمان ممكن نقول إن لما العقيدة بتتراجع بشكل فكري وتحليلي، علاقات معينة بتبان إنها جزء منها، والتعبير عنها ممكن يبقى مفيد بل وضروري. ولحد ما الظروف – وغالبًا بتكون البدع – تخلّي الناس يفكّروا فيها بعُمق، العلاقات دي، بالرغم من إنها داخلة في الإيمان الموجود، وممكن نستنتجها منه، مش بتكون واضحة أو مش بتظهر بشكل بارز في شرح العقيدة العام.

درجة وضوح العلاقة دي في قانون الإيمان الأثناسي دي نقطة تانية، بس المبدأ بيظهر في كل مرحلة من مراحل تاريخ اللاهوت.

الناس – من غير ما يحلّلوا الإيمان المكتوب – اللي اتعلّموا يعبدوا التلاتة الغامضين اللي اتعمّدوا باسمهم الإلهي الواحد، واللي بيشوفوهم دايمًا كقوى حماية متساوية لأنهم لا نهائيين، مميزين في ألقابهم وأعمالهم ووظيفتهم، فبقوا فعلاً تلاتة، لكن واحد برضو (زي ما العبادة نفسها بتدل)، الناس دي غالبًا مش هيشوفوا في القانون ده غير عرض فكري دقيق لحقيقة داخلية في العبادة نفسها.

هيفهموا بسهولة إن رفض أي بند فيه هو رفض مباشر أو غير مباشر للإيمان نفسه، وفي نفس الوقت، ممكن يكونوا مؤمنين بإيمان نقي بالآب والابن والروح القدس، من غير ما يفتكروا كل بند بشكل واضح ومستمر زي ما القانون كاتبه.

اللي يوضّح العملية دي أكتر، هو إن أي حد يحاول يتأمل في كمية التفكير الدقيق والعميق، والدقة الشديدة في التعبير، اللي محتاجة عشان نثبّت ونأمّن المفاهيم الأساسية والبسيطة في التوحيد، بحيث نميّزها بوضوح عن أي افتراضات منافسة، بالرغم من إن محدّش بيشك إنها الإيمان الحقيقي مش بس لكل فئات المسيحيين، لكن كمان لغالبية العالم المتحضّر.

يعني مثلًا: إنك تحدّد بشكل دقيق ومُحدد فكرة "الخلق من العدم" عشان تفرّقها تمامًا عن فرضية زي "الانبعاث" مثلًا؛ أو توضّح العلاقة الدقيقة بين قدرة الله وعدله، بحيث يبقى واضح إن الإله القدير مش بيعمل حاجة غلط؛ أو إنك توضح بدقة لا تقبل التلاعب العلاقة بين قدرة الله الكاملة وخيريته، وبين وجود الشر الأخلاقي وهكذا.

في المواضيع دي، كل مسيحي عادي عنده إيمان عملي واضح، وإيمانه بيتصدم فورًا لو حد صرّح بعكسه. تلاقيه بيقولك مثلًا: "ربنا خلق كل حاجة من العدم"، "ربنا عمره ما يعمل حاجة غلط"، "ربنا ما بيخلّيش حد يخطئ، الشيطان هو اللي بيغرّيه، والخطية من اختيار الإنسان الفاسد".

وبرغم بساطة الحقايق دي، من السهل نتخيّل إزاي شكلها ممكن يبان مختلف تمامًا لو اتكتبت في قانون إيمان أثناسي خاص بالتوحيد. وقتها العقائد اللي كانت معروفة ومش محتاجة توضيح، هتبقى شكلها جديد لو احتجنا نعرضها بطريقة محمية ضد أساليب بعض ناس زي آريوس أو سابيليوس في اللاهوت الطبيعي.[2]

وبرغم إن عقيدة الثالوث، زيها زي باقي العقائد المسيحية، ماخدتش شكل علمي منظم في أول قرنين ونص، واللي كانت فيه الكنيسة مشغولة بالدفاع العام عن المسيحية أكتر من تحديد كل عقيدة لوحدها، لكن هيكون غلط كبير لو قلنا إن مفيش أي تطورات حصلت في الاتجاه ده.

الجدالات اللي ظهرت بسبب بدع الغنوسيين ساعدت بشكل غير مباشر في ظهور تعبيرات أدق شوية بخصوص عقيدة الثالوث. لكن كمان، الثالوثية الضعيفة والناقصة عند ناس معينين في الفترة دي – وبعضهم اتفصل من الكنيسة بسبب غلطاتهم، والبعض التاني فضِل جوّا الكنيسة، يا إما لأن انحرافهم كان بسيط نسبيًا، يا إما لأن الكنيسة اللي كانوا تابعين ليها كانت أقل دقة وصرامة علمية – ساهمت أكتر من أي سبب تاني في إن العقيدة تبدأ تتقال بصيغة علمية دقيقة: عقيدة الثلاثة أقانيم في الجوهر الواحد.

بعض الكتّاب حاولوا يثبتوا إن كنيسة ما قبل نيقية كانت بتؤمن بثالوث غامض وضبابي جدًا. بس الكنيسة اللي كانت قادرة تواجه نظرية الانبعاث عند الغنوسيين، وشافت الغلط القاتل في ثالوثية الشكل عند مؤلمي الآب Patripassians[3] – واللي كانت أكتر صور الثالوث الكاذب تعقيدًا وارتفاعًا – أكيد كانت عندها رؤية واضحة جدًا للعقيدة الحقيقية.

الأرثوذوكسية في الكنيسة الأولى بيبان وضوحها من البدع اللي واجهتها وردّت عليها. "لو معندناش وسيلة غير كده نعرف بيها"، زي ما شيرلوك بيقول، "كنا هنقدر نعرف إيمان الكنيسة الكاثوليكية من خلال ردّها على البدع اللي رفضتها".

وعشان كده، هنبدأ نوضح النظريات المنحرفة اللي ظهرت في فترة الدفاعيات، واللي خلت الكنيسة تطلع تصريحات مضادة واضحة، وساهمت بالطريقة دي – بشكل سلبي – في تكوين العقيدة الأرثوذوكسية لعقيدة التلاتة أقانيم، واللي بنتكلم دلوقتي عن تطورها التاريخي.[4]



[1] William G. T. Shedd, A History of Christian Doctrine, Vol. 1 (Eugene, OR: Wipf and Stock Publishers, 1999). 246.

[2] ARCHER BUTLER: Letters on Romanism, p. 224.

[3] تاريخيًا، يعتبر مؤلموا الآب (كما تُعرف في الكنيسة الغربية) شكلًا من أشكال السابيلية في الكنيسة الشرقية (وشكلًا من أشكال المودالية، أو الملكية المودالية، أو الملكية المودالية). المودالية هي الاعتقاد بأن الله الآب، ويسوع المسيح، والروح القدس ثلاثة أشكال أو انبثاقات مختلفة لإله واحد، كما يدركها المؤمن، وليسوا ثلاثة أشخاص متمايزين داخل الذات الإلهية، وأنه لا توجد اختلافات حقيقية أو جوهرية بينهم، بحيث تكون هوية الروح القدس أو الابن هي هوية الآب.

[4] رفض البدع بيخلي واضح إيه اللي الكنيسة بتؤمن بيه، وإيه اللي بتعلّمه كعقيدة سليمة. وكان لازم البدع تظهر، عشان الناس اللي إيمانهم حقيقي يبانوا وسط اللي إيمانهم ضعيف (1 كورنثوس 11:19).

AUGUSTINUS: Confessiones VII. xix.