الثلاثاء، 29 أغسطس 2023

الخريستولوجي السكندري (مفاهيم أساسية)

 

 

1- لاهوت كامل للمسيح


2- بشريّة كاملة للمسيح

أي أنّ المسيح إنسان كامل، له عقل بشريّ، أي روح عاقلة، وله نفس وجسد حقيقيّ، لا ينتقص من جوهر إنسانيّته أي نقيصة، فهو ماثلنا في كلّ شيء، ما خلا الخطية وحدها. قال القديس أثناسيوس بوضوح إن:

الجسد الذي كان الكلمة فيه (اتخذه الكلمة) لم يكن مساويًا للاهوت في الجوهر، ولكنه كان مولودًا بحق من مريم، بينما الكلمة نفسه لم يتغير إلى عظم ولحم لكنه أتى في جسد. لأن ما قاله يوحنا: " الكلمة صار جسدًا "[1] له هذا المعنى، كما يمكننا أن نرى في عبارة مشابهة، فبولس يكتب قائلًا: "المسيح.. صار لعنة لأجلنا".[2] وكما أنه هو نفسه لم يصر لعنة، ولكنه قيل أنه صار كذلك لأنه أخذ لنفسه اللعنة نيابةً عنا، وهكذا أيضًا صار جسدًا ليس بأن تغير إلى جسد، ولكن لأنه نيابة عنا أخذ جسدًا حيًا وصار إنسانًا“.[3]

وقد كان القديس أثناسيوس أيضًا واضحًا في تعليمه عن الجسد الحى الذي اتخذه كلمة الله أنه يعني ناسوت كامل، أي جسد ونفس عاقلة معًا. وكتب يقول:

لكن حقًا إن خلاصنا ليس ظاهرًا فحسب، كما أنه ليس ممتدًا إلى الجسد فقط، إنما الإنسان كله، الجسد والنفس على السواء، قد حصلا على الخلاص في الكلمة نفسه".[4] وقال أيضًا "أن نقول إنّ " الكلمة صار جسدًا"، يعادل قولنا إن "الكلمة صار إنسانًا"؛ كما جاء في يوئيل: "إنى أسكب روحيّ على كلّ بشر"[5]؛ لأن الوعد لم يمتد إلى الحيوانات غير العاقلة، وإنما للبشر، الذين صار الرّبّ إنسانًا من أجلهم (لحسابهم)“.[6]

من أهم التعاليم التي كان يشدّد عليها القديس كيرلس في فترة ما قبل النزاع النسطوريّ هو التأكيد على كمال إنسانيّة المسيح.

في رسالة موجهة من القديس كيرلس إلى مكسيميانوس أسقف القسطنطينيّة يؤكِّد على كمال إنسانيّة المسيح قائلًا:

...حيث أن كلمة الله الوحيد الجنس صار إنسانًا كاملًا مثلنا، ليس باحتماله تحولًا أو تغييرًا أو اختلاطًا، كما يتكرّر كثيرًا، أو امتزاجًا، أو انتقالًا إلى ما لم يكن عليه، بل بالحرى ظل كما كان، أيضًا في إنسانيته التي هيَ مثلنا.

ثم يستطرد مؤكدًا على وجود نفس إنسانيّة في المسيح رافضًا بكل صراحة تعاليم أبولليناريوس:

ونحن نعترف أن جسده المتحد به حقًا كانت تحييه نفس عاقلة. لأننا لا نرضخ لآراء ذلك المجنون أبولليناريوس، ولكن لأننا نتمسك بالاعتقاد الحق فنحن نحرم أبولليناريوس وآريوس وأفينوميوس ومعهم نسطوريوس لأن عندنا الإيمان المُسلم لنا من فوق: "كمرساة للنفس مؤتمنة وثابتة" (عب19:6) حسب الكتاب. وبناء على ذلك، فكما قلت: نحن نعترف بالواحد والوحيد والابن الحقيقي لله الآب ربنا يسوع المسيح، عالمين أنه هو نفسه الله الكلمة من الآب والإنسان من امرأة، وهو في كرامة السيد حسب الطبيعة (الإلهية) وفي الهيئة العبد بسبب التدبير.

القديس كيرلس يوضح أن قول الكتاب " الكلمة صار جسدًا " (يو14:1) يعني أنه اتحد بجسد ذي نفس عاقلة. فالكلمة اتخذ له جسدًا من مريم وجعله خاصة له ولذلك حمل ابن الإنسان وصار مثلنا:

...الكلمة الذي من الله الآب وحد بنفسه جسدًا حيًا بنفس عاقلة بطريقة تفوق الفهم وبكيفية لا يمكن التعبير عنها وجاء إنسانًا من امرأة إذ قد صار مثلنا ليس بتغير في طبيعته بل بالحرى بالمسرة الخاصة بتدبير تجسده، لأنه سرّ أن يصير إنسانًا دون أن يفقد ما هو عليه بالطبيعة كإله“.[7]

ويلاحظ أن القديس كيرلس يتبع اللاهوت الأسكندري في أن الإنسان مكون من عنصرين النفس والجسد، وهذا بخلاف التعليم الأنطاكي الذي يُعلِّم بأن الإنسان مركب من ثلاث عناصر: النفس والروح والجسد. وربما التجأ أبولليناريوس إلى التعليم الأنطاكي عندما أُدين لكي يُعلِّم بأن المسيح كان عبارة عن: لوغوس + روح + جسد. ولكن طبعًا في هذه الحالة كان الروح بمفهومه عبارة عن نفس غير عاقلة أي بدون عقل = نوس



3- الاتحاد الحقيقيّ وتبادل الخواص

أي أنّ اتحاد اللاهوت بالناسوت، أو الكلمة الإلهيّ بالجسد المولود من مريم العذراء، اتحاد حقيقيّ وكامل، حتّى قيل عن جسد المسيح أنّه جسد الله الخاص بحسب التعبير الكيرلسيّ. فبدون هذا الاتحاد نفقد المعنى الجوهريّ لخلاصنا. وليس بحسب الهرطقة النسطوريّة أنّ الله والجسد اثنان من بعد الاتحاد وليسا واحدًا، وهذا بالتبعية يؤثر على خلاص الجنس البشريّ الذي احتاج أن يتوحّد بالله في المسيح لينال الشفاء من مرض الخطية القاتل وسلاحها الفعَّال، أي الموت.

وبالرغم من أن نسطور جاء لاحقًا للقديس أثناسيوس، إلاّ أن القديس أثناسيوس قدم تعليمًا صارمًا ضد هرطقة نسطور. فقد كتب:

كيف يغامر أناسًا يُدعون مسيحيين مجرد أن يرتابوا فيما إذا كان الرّبّ الذي وُلِدَ من مريم، بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، هو "من نسل داود من جهة الجسد"[8]، ومن جسد القديسة مريم؟ أم من كان مجازفًا فيقول إنّ المسيح الذي تألم بالجسد وصُلب ليس ربًا ومخلصًا وإلهًا وابن الآب؟ أو كيف يستطيعون أن يتمنوا أن يُدعوا مسيحيين الذين يقولون إن الكلمة حلّ على رجل قديس كما على أحد الأنبياء، ولم يصر هو نفسه إنسانًا، آخذًا جسدًا من مريم؛ لكن إن المسيح هو شخص واحد، بينما كلمة الله، الذي كان قبل مريم وقبل الدهور ابنًا للآب، هو آخر؟ أم كيف يُدعون مسيحيين أولئك الذين يقولون إن الابن واحد وكلمة الله آخر؟ "[9]، كتب أيضًا أن: "كلمة الله جاء في شخصه هو نفسه، لأنه هو وحده صورة الآب، الذي يقدر أن يعيد خلقة الإنسان الذي عُمل على صورته“.[10]

لقد رفض القديس أثناسيوس أي فصل بين لاهوت وناسوت ربنا يسوع المسيح. وكتب قائلًا:

الآخرين الذين قسموا غير المنقسم ينكرون حقيقة أن "الكلمة صار جسدًا وحل بيننا"[11].[12]

وكتب أيضًا:

نحن لا نعبد مخلوقًا. ليبعد هذا التفكير، لأن مثل هذا الخطأ يخص الوثنيين والآريوسيّين. ولكننا نعبد رّبّ الخليقة، المتجسد، كلمة الله. لأنه وإن كان الجسد أيضًا في ذاته هو جزء من العالم المخلوق، إلاّ أنه صار جسد الله. لهذا نحن لا نقسم الجسد عن الكلمة، لنعبده في ذاته، كما أننا عندما نرغب في عبادة الكلمة نحن لا نفرده (نعزله) بعيدًا عن الجسد، ولكن كما ذكرنا سابقًا، إننا في معرفتنا، أن " الكلمة صار جسدًا " نحن ندركه أنه الله أيضًا، بعدما صار جسدًا. وبالتالى من هو فاقد الشعور هذا الذي يقول لله: " أترك الجسد حتّى استطيع أن أعبدك " أو غير التقى لينضم إلى اليهود فاقدى الشعور في قولهم، بخصوص الجسد، " فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا؟ "[13] أما الأبرص فلم يكن من هذا النوع لأنه سجد لله في الجسد، وأدرك أنه كان الله قائلًا: " يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني"[14].[15]

شرح القديس أثناسيوس كيف أن كلمة الله جعل خصائص الجسد خاصة به وكتب:

”إنّ الكلمة غير المادى جعل خصائص الجسد خاصة به، حيث إنه جسده الخاص به. لماذا، عندما ضرب الجسد بواسطة أحد الخدام، فلأنه هو الذي تألم، سأل: " لماذا تضربنى؟ "[16] وبالرغم من كونه بالطبيعة غير محسوس، إلاّ أن الكلمة قال: " بذلك ظهرى للضاربين وخدى للناتفين، وجهى لم استر عن العار والبصق ".[17] لأن ما تألم به الجسد البشرى للكلمة، هذا نسبه الكلمة الساكن في الجسد إلى نفسه... وإنه لعجيب بالحقيقة أنه هو الذي تألم مع أنه لم يتألم. تألم لأن جسده الخاص تألم؛ ولم يتألم لأن الكلمة بما أنه بالطبيعة هو الله، فهو غير قابل للألم .[18]



4- وقوع الآلام والموت على الكلمة

الكلمة (اللوجوس الإلهيّ) في لاهوته، طبيعته غير قابلة للتألُّم، فأخذ جسدًا ليصبح جسد الكلمة الخاص، وبه يُوحِّد البشريّة في ذاته، ويتألم بهم ويموت ليقيمهم معه ويصعد وطبيعتنا فيه. فالآلام التي وقعت على جسد الله الخاص، شعرب بها، ونستطيع بحسب الآباء السكندريّين أن نقول تألم بها الله، ليس لأنّ اللاهوت في طبيعته يتألَّم، بل لأنّ جسده الخاص المتحد به اتحاد حقيقيّ وكامل قد تألّم، فشعر به اللاهوت أيضًا لأجل الاتحاد. فيقول أثناسيوس الرسوليّ:

ومن الغريب، أنّ الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة ـ إذ هو إله بالطبيعة ـ فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوى فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل التي قبلها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، لكي بعد أن يأخذ ما لنا (أي الجسد) ويقدّمه كذبيحة، يقضي على (العلّل والضعفات) كلّها. وهكذا يلبسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: لأن هذا الفاسد لابد أنّ يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت (1كو53:15).[19] لأن ما تألم به هذا الجسد (جسد الكلمة) يُعتبر أنّ الكلمة قد تألم به.[20]

ويضيف المطوَّب أمبرسيوس:

وهكذا فإنّ الرسول بولس يقول: لأنهم صلبوا جسد المسيح (غلا24:5)،[21] ويقول القديس بطرس أيضًا: إذ قد تألم المسيح.. بالجسد (1بط 1:4). لذلك فالجسد هو الذي تألم، بينما اللاهوت هو فوق في أمان مِن الموت، وقد خضع جسده للألم بحسب طبيعة البشر. هل يمكن للاهوت أنّ يموت بينما النفس لا تموت؟ يقول ربنا: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أنّ يقتلوها (مت 28:10). فإنّ كانت النفس لا يمكن أنّ تُقتل، فكيف يمكن أنّ يموت اللاهوت؟ إذًا، فعندما نقرأ أنّ رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما في مجده،[22] ولكن لأن الذي هو الله هو أيضًا إنسانٌ، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد لنفسه هو: الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إنّ رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام في بشريته، حتّى يمكننا القول أنّ الذي تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معًا في نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما هو مكتوب: الذي نزل من السماء (يو 3: 13)“.[23]

إذ أخذ نفسًا وجسدًا إنسانيًّا لم تحدث إضافة إلى عدد الأقانيم، إذ بقيَّ الثالوث كما هو قبلٍا. وذلك كما أنه في كلّ إنسان فيما عدا ذاك الذي وحده أخذ اتحادًا أقنوميًا، فإنّ النفس والجسد يمثلان شخصًا واحدًا، هكذا في المسيح الكلمة ونفسه البشرية وجسده يمثلون شخصًا واحدًا. وكما أنّ اسم الفيلسوف كمثال يُعطي لإنسان بالتأكيد بخصوص نفسه وحدها، إلاَّ إنّه لا يُحسب سخافة، بل هو أمر عادي ولائق في اللغة، أن نقول بإنّ الفيلسوف قُتل، الفيلسوف مات، الفيلسوف دفن، مع أنّ هذه الأحداث جميعها تسقط على جسده وليس على العنصر الخاص به كفيلسوف، هكذا بنفس الطريقة اسم الله أو ابن الله أو رب المجد، أو أيّ اسم آخر يُعطي للمسيح بكونه الكلمة، ومع هذا فإنّه من الصواب القول بان الله صُلِب، إذ لا مجال للتساؤل في أنّه احتمل هذا الموت في طبيعته البشريّة وليس في تلك التي بها هو رب المجد.

وبحسب القديس كيرلس السكندري فإنّ الآلام تخص التدبير. والله الكلمة جعل ما يخص جسده يخصه هو نفسه بسبب الاتحاد الفائق الوصف. لكنه ظل فوق الآلام حسب مقتضى طبيعته لأن الله لايتألم. ولاغرابة فيما نقول، لأن نفس الإنسان تظل فوق الآلام عندما يتألم جسدها. ونحن لا نعتبر النفس بعيدة عن الآلام، أو أنّ الآلام عندما تحدث للجسد لاتخص النفس.. لأن الجسد الذي يتألم هو جسدها. وعندما يتألم الجسد فالنفس المتحدة به وهي من طبيعة بسيطة غير مادية لا تظل بعيدة عن الألم، لأن الجسد الذي يتألم ليس غريبًا عنها بالمرة. هكذا يمكننا أنّ نفهم آلام المسيح مخلّصنا كلنا.[24]

ويكمل أيضًا القديس كيرلس قائلًا:

إنَّ الكلمة يعطي جسده من صفاته، حتّى يُمكننا أنّ نقول بسبب الاتحاد إنه (الجسد) نزل من السماء، لأنه (الكلمة) عندما اتحد به جعله واحدًا معه،[25] ولاحظ أنه عندما يُذبَح العصفور الأوّل (في طقس الذبائح في العهد القديم) يُغمَس العصفور الثاني في دم الأوّل دون أنّ يموت. ما معنى هذا؟ أنّ الكلمة حي وأن مات جسده، وبسبب الاتحاد اشترك هو في الآلام لأن الجسد الذي تألم هو جسده هو وهو الواحد بعينه، اقتبل هو نفسه الآلام دون أنّ يتألم (في) طبيعته[26]. ويستمر قائلًا: وإنه بسبب اتحاده بالجسد تألم بكلّ الإهانات، لكنه احتفظ بما له من عدم الألم لأنه ليس إنسانًا فقط بل هو نفسه الله. وكما أنّ الجسد هو جسده هكذا آلام الجسد ورغباته غير الدنسة وكلّ الإهانات التي وجهها البعض، كلّ هذا احتمله هو لأنه كان موجهًا إلى جسده الخاص به. لقد تألم دون أنّ يتألم“.[27]



5- جسد المسيح مخلوق

وقد أنكر أيضًا القديس أثناسيوس أن ناسوت ربنا يسوع المسيح كان موجودًا قبل تجسّد الكلمة من العذراء القديسة. وكتب قائلًا:

كلهم سوف يدينون أنفسهم بحق، أولئك الذين ظنوا أن الجسد الذي أُخذ من مريم كان موجودًا قبلها، وان الكلمة كانت له نفس بشرية قبلها (مريم)، كان كائنًا فيها (النفس البشرية) دائمًا حتّى قبل مجيئه.[28]



6- الجسد خلص من وقت الحبل به

ومن ناحية أخرى فقد شرح القديس أثناسيوس كيف أن جسد ربنا يسوع المسيح تمجد فوق خصائصه الخاصة التي للطبيعة. وكتب يقول:

ولكن بما أن الجسد في نفسه هو من طبيعة مائتة، فقد قام مرة أخرى بواسطة ما يفوق طبيعته الخاصة بسبب الكلمة الذي كان فيه؛ وقُطع عن الفساد الطبيعى، وبلبسه الكلمة الذي هو فوق الإنسان، صار غير قابل للفساد.[29]



7- لقب والدة الإله

توجد نقطة هامة أثارت القديس كيرلس عندما أتت إليه جماعة من الرهبان بمناسبة عيد القيامة لسنة 429م وعرضوا عليه موضوع عظات نسطوريوس والتي هاجم فيها تلقيب مريم العذراء بـ " والدة الإله "، وعندئذ إنتهز القديس كيرلس الفرصة وكتب لهم خطابًا عقائديًا مطولًا محذرًا إياهم من قبول التعاليم التي تنكر أن العذراء مريم هيَ "والدة الإله" ثمّ شرح لهم في هذه الرسالة عملية التجسد مستندًا إلى تعاليم الكتاب المقدس وتعاليم المجمع المقدس العظيم لكي يبرهن لهم على تجسّد كلمة الله وكيف أنه صار جسدًا مولودًا من العذراء مريم ولذلك تلقب العذراء"بوالدة الإله". وهذا لا يعني أن مريم هيَ مصدر وأصل الكلمة بل هيَ أم الكلمة المتجسد.

لكن لماذا أَصرَّ القديس كيرلس على استخدام لقب "والدة الإله"؟

إن نسطوريوس أراد التمييز والفصل بين الطبيعتين لذلك كان يرفض عملية الاتحاد بين الطبيعتين واستخدم في ذلك الكلمة اليونانية (سينافيا) والتي تعني الاتصال أو الاقتران، ولذلك أراد أن يُلقب العذراء مريم " بأم المسيح " أو " أم الإنسان ". وفي هذا أراد نسطور أن يعلم بأن مريم لم تلد الله بل ولدت الإنسان الذي حل فيه الكلمة، وهنا نلاحظ فصل تام بين الطبيعتين. لذلك كتب له القديس كيرلس الآتي:

..فرغم أن له (أي الكلمة) وجودًا قبل الدهور وقد وُلد من الآب، فإنه يُقال أيضًا أنه وُلد حسب الجسد من امرأة،

كما أن طبيعته الإلهية لا تحتاج لنفسها بالضرورة إلى ولادة أخري بعد الولادة من الآب. إن القول بأن ذلك الذي هو موجود قبل كلّ الدهور وهو أزلي مع الآب، يحتاج إلى بداية ثانية لكي يوجد، إنما هو أمر بلا غاية وفي نفس الوقت هو قول أحمق.

ولكن حيث إنه من أجلنا ومن أجل خلاصنا وَّحد الطبيعة البشرية بنفسه أقنوميًا، وولد من امرأة، فإنه بهذه الطريقة يُقال أنه قد وُلد جسديًا،

لأنه لم يولد أولًا إنسانًا عاديًا من العذراء القديسة ثمّ بعد ذلك حل عليه الكلمة،

بل إذ قد اتحد بالجسد الذي من أحشائها، فيُقال أن الكلمة قد قَبِلَ الولادة الجسدية، لكي يُنسب إلى نفسه ولادة جسده الخاص..

إنه اتخذ دمًا ولحمًا مثلنا، إنه جعل جسدنا خاصًا به، وولد إنسانًا من امرأة بدون أن يفقد لاهوته ولا كونه مولودًا من الله الآب، ولكن في اتخاذه جسدًا ظل كما هو..

وهكذا نجد أن الآباء القديسين قد فكروا بهذه الطريقة. وهكذا لم يتردّدوا كثيرًا في تسمية العذراء القديسة بوالدة الإله.

القديس كيرلس في استخدامه للقب " والدة الإله " للقديسة مريم العذراء يؤكِّد أن هذا التعبير مُنح لها بسبب إتحاد اللاهوت بالناسوت في بطنها. وإن رفض هذا التعبير هو هدم لسر التجسد ففى رسالته إلى رهبان مصر يكتب قائلًا:

وعلى ذلك فإن اسم المسيح يجب أن يُطلق ليس فقط وبوجه خاص على عمانوئيل كما قلت بل أيضًا على كلّ الباقين الذين يمسحون بنعمة الروح القدس... ما هو إذن الذي يراه أحد أمرًا غير عادى في العذراء القديسة بالمقارنة بالنساء الأخريات، حتّى ولو قيل أنها ولدت عمانوئيل، لأنه لن يكون أمرًا غير لائق إن أختار أحد أن يدعو والدة كلّ واحد من الممسوحين باسم: "والدة المسيح".

ولكـنه توجد هوة كبيرة واختلافات لا تقارن تفصل بين حالتنا وبين مجد وتفوق مخلصنا. لأننا نحن عبيده أما هو فحسب الطبيعة رّبّ وإله، حتّى وإن كان ـ قد صار معنا وأخذ مالنا بحسب تدبير (التجسد)... وعلى ذلك فإن جميع الآخرين، كما قلت، هم مسحاء، وهذا معقول جدًا، بسبب أنهم قد مُسحوا، أما المسيح وحده فهو الإله الحقيقى، عمانوئيل. وفي الحقيقة فإن أحدًا لا يخطئ إن اختار أن يقول إنّ أمهات الآخرين هم " والدات مسيح "، ولكن ليسوا بأى حال "والدات إله" أيضًا. إن العذراء القديسة وحدها، بالمقابلة مع أولئك النساء، هيَ ـ كما ندركها وندعوها والدة المسيح ووالدة الإله معًا. لأنها لم تلد مجرد إنسان بسيط مثلنا، بل بالحرى الكلمة الذي من الله الآب، الذي تجسّد وتأنس، لأننا نحن أيضًا ندعى آلهة بحسب النعمة، أما الابن فليس إلهًا على هذا النحو، بل بالحرى هو إله بالطبيعة وبالحق، حتّى وإن كان قد صار جسدًا.

ولكي يشرح القديس كيرلس مفهوم لقب " والدة الإله " لمريم العذراء يقول:

..ومع ذلك فحتى لو كانت هؤلاء النساء هن فقط أمهات للأجساد التي على الأرض، إلاّ أنهن يلدن الكائن الحي كله، وأنا أعني كائنًا مكونًا من جسد ونفس، ولا يُقال عنهن أنهن يلدن جزءً من الكائن.. وعلى ذلك فإنه من الواضح حقًا أن الكلمة لا يُدعي المسيح خارجًا عن الجسد، وكما لو كان منفصلًا عنه. إن مثل هذا الاسم هو مناسب له حينما صار إنسانًا، ويمكننا أن نبرهن على ذلك من الكتب المُقدّسة نفسها، فنبين أنه هو الله حسب الطبيعة، وأن لاهوته قد اتحد، كما قلت بجسده الخاص، وحينما تصير هذه الحقيقة واضحة، فإن العذراء القديسة تُدعي منا والدة الإله.

لقد وُجهت اعتراضات للقديس كيرلس على تمسكه الشديد بلقب " والدة الإله " للعذراء مريم، حيث إنه لم يذكر صراحة في الكتاب المقدس ولا في قانون مجمع نيقية. ولكن المعلم الحاذق المُلهم من الله استطاع أن يتغلب على هذه الصعوبات باقتباسه من الكتاب المقدس قول اليصابات للعذراء مريم: "فمن أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلىَّ" (لو43:1) وكذلك في شرحه لمفهوم "الكلمة صار جسدًا"، قال بإنّ الكلمة حل في بطن القديسة مريم العذراء وهي التي ولدت الكلمة الذي كان في أحشائها. كما أن القديس كيرلس اعترف بأن قانون إيمان نيقية لم يذكر إطلاقًا " والدة الإله " لمريم العذراء ولكنه اعتمد على أقوال معلميه السابقين من آباء مدرسة الأسكندرية الذين كانوا ينسبون دائمًا هذا اللقب لمريم العذراء أمثال أوريجينوس في تفسيره لرسالة بولس الرسول لأهل رومية، البابا ألكسندروس رئيس أساقفة الأسكندرية، القديس أثناسيوس الرسولي في الرد على الآريوسيّة.

إن تشديد القديس كيرلس على إتحاد الطبيعتين في المسيح الواحد يوضح لنا فهمه الصحيح لتجسد الابن الوحيد لأنه من خلال هذه الوحدة يقول القديس كيرلس بمفهوم روحيّ فائق:

لإنّه كواحد منّا رغم أنّه لم يعرف الموت، نزل إلى الموت، بواسطة جسده الخاص، لكي نصعد نحن أيضًا معه إلى الحياة. لأنّه عاد إلى الحياة ثانية، سالبًا الجحيم، ليس كإنسان منّا، بل كالإله في الجسد بيننا وفوقنا. إنّ طبيعتنا اغتنت جدًّا بالخلود، فيه هو أولًا، وسُحِق الموت حتمًا حينما هجم العدو على جسد الحياة. لإنّه كما أنّ الموت قد انتصر في آدم هكذا أيضًا قد انهزم في المسيح. والمرنم الموحى له، كرس ترانيم النصر له في صعوده لحسابنا ولأجلنا، إلى الله الآب في السموات، لكي تظهر السماء أنّها يمكن الوصول إليها بالنسبة لأولئك الذين على الأرض.

لقد صارت تعاليم القديس كيرلس عن الرّبّ يسوع هيَ تسابيح الكنيسة القبطية التي تردّدها في كلّ طقوس الكنيسة وليتورجياتها إلى مدى الأجيال.



8- مفهوم اتحاد الطبائع

والسؤال الآن هو: كيف شرح القديس كيرلس عملية الاتحاد بين الطبيعتين؟

الإجابة على هذا السؤال توجد في رسالة القديس كيرلس إلى سوكينسوس أسقف ديو قيصرية حيث يوضح أن عملية الاتحاد تمّت بين اللاهوت والناسوت في لحظة الحبل الإلهي، بمعنى أن كلمة الله اتحد بالجنين الذي تكون في بطن العذراء القديسة مريم. وإن هذا الجنين الذي سيصبح جسد المسيح الخاص (بحسب تعبير القديس كيرلس) لم يوجد بأى طريقة من الطرق وحيدًا منفردًا أو منفصلًا عن الكلمة (اللوغوس). فالكلمة هيأ له جسدًا في بطن العذراء مريم ولم يصنع له جسدًا خاصًا أو هيأ له جسدًا من جوهر لاهوته أو من مادة أخرى تختلف عن المادة التي يتكون منها الجنس البشرى. بل إن جسده الذي أخذه من بطن أمه العذراء مريم أصبح جسد الكلمة المتجسد. وبناء على ذلك يقول القديس كيرلس إن الذي وُلد من القديسة مريم العذراء، ليس إنسانًا عاديًا، بل كلمة الله المتأنس لأن الذي وُلد من القديسة العذراء مريم لم يكن أولًا إنسانًا عاديًا ثمّ حلّ عليه بعد ذلك الكلمة، لكن بسبب اتحاده منذ الحبل به لذلك ولِدَ ولادة جسدية. وفي هذا يقول القديس كيرلس في رسالته إلى يوحنا الأنطاكي:

..لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رّبّ واحد. وبحسب هذا الفهم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هيَ والدة الإله، لأن الله الكلمة قد تجسّد وتأنس، ومنذ ذات الحمل به وحّدَ الهيكل الذي أخذه منها، مع ذاته.

ولكي يبيّن القديس كيرلس أنّ الاتحاد قد تمّ فعلًا بين الطبيعتين برغم اختلافهما في الجوهر قال: إن الطبيعتين اللتين اقتربتا لتكوين وحدة حقيقية، مختلفتان ولكن من الاثنين نتج ابن واحد ومسيح واحد. وهذا لا يعني أن الفرق بين الطبيعتين قد زال أو تلاشى بسبب الاتحاد. وفي رسالته إلى يوحنا الأنطاكي كتب يقول:

ولذلك فإنّنا نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسد، وهو مولود من الآب قبل الدهور بحسب لاهوته، وإنه هو نفسه في الأيام الأخيرة من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء بحسب الناسوت، وهو نفسه، من الجوهر نفسه الذي للآب، حسب لاهوته، ومن نفس الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين. لأجل هذا نعترف بمسيح واحد ابن واحد، ورب واحد.

الملاحظ هنا أن القديس كيرلس استخدم تعبير المساواة في الجوهر للآب. والمساواة في الجوهر لنا بالنسبة لطبيعته البشرية، وقد سبقه في هذا الاستخدام العلامة ديديموس الضرير الذي رُبّما يكون كيرلس قد قرا له، حيث إن ديديموس كان سابقًا لكيرلس في إيضاح مفهوم الاتحاد بين الطبيعتين في المسيح يسوع.

وقد استخـدم القـديس كـيرلس الاصـطلاح الاتحاد (إنوسيس) لكي يشرح مفهوم الوحدة بين الطبيعتين لن هذا الاصطلاح يعني الآتي:

1 ـ لا يُعبّر عن وجود علاقة خارجية عن طريق سكن الكلمة في الناسوت، أو مجرد لبس ثوب، أو السكن في هيكل، بل يعبّر هذا الاصطلاح عن إتحاد الكلمة بالجسد إتحادًا قويًا عميقًا بطريقة تفوق كلّ وصف وإدراك، وهذا الاتحاد لا يعرف الفصل أو التقسيم، لأن الكلمة صار جسدًا، فإنه فيه يحلّ كلّ ملء اللاهوت جسديًا (كو9:2).

2 ـ هذا الاصطلاح يعني أن هذه الوحدة التي تمت بين الطبيعتين، كانت قوية وعميقة لدرجة أنه استخدم تعبيرًا مُستعارًا رُبّما من أثناسيوس "طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد ".

3 ـ الاصطلاح " إنوسيس" يعني أن الكلمة لم يتحول إلى جسد، بل إنه إتحد بالجسد الذي لا يمكن أن ينفصل عنه بعد الاتحاد.

4 ـ الاصطلاح يعني أيضًا عدم الاندماج أو الاختلاط أو الامتزاج بين الطبائع المتحدة. فبالرغم من هذا الاتحاد القوى فإن الكلمة يظل كلمة والجسد يظل جسدًا.

ولكي يوضِّح القديس كيرلس عملية الاتحاد بين الطبيعتين قدَّم مجموعة من الأمثلة كالتالي:

أ ـ مثل الروح والجسد.

ب ـ مثل العليقة المشتعلة بالنار.

ج ـ جمرة النبي إشعياء.

د ـ النار والحديد.

هـ ـ تابوت العهد.

 



3 يو14:1.

4 غل13:3.

[3] Letter to Epictetus, par. 2, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.573.

[4] Ibid. par. 7 p. 572.

7 يوئيل28:2.

[6] Letter to Epictetus, par. 8, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.573.

[7] إلى سوكينسوس رسالة 5:45. كما توجد في كتابات القديس كيرلس مواضع خاصة شدّد فيها على كمال إنسانيّة المسيح نذكرها على سبيل المثال لا الحصر ويمكن الرجوع إليها: رسالة رقم (1) إلى الرهبان 15،20،21؛ رسالة رقم (11) إلى بوسيدونيوس:5؛ رسالة رقم (33) إلى أكاكيوس: 10؛ رسالة رقم (40) إلى أكاكيوس: 22، 23.

10 رو2:1.

[9] Letter to Epictetus, par. 2, N. & P.N Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p.571.

[10] On the Incarnation, Chap. III, par. 13, SVS Press, 1982, p. 41.

16 يو14:1.

[12] Letter to Adelphius, par. 2, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 575.

18 يو23:10.

19 مت2:8.

[15] Letter to Adelphius, par. 3, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 575.

21 يو23:18.

22 إش6:50.

[18] Letter to Epictetus, par. 6, N. & P.N. Fathers, Oct. 1987, Vol. IV, p. 572, 573.

[19]المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، مرجع سابق. ص 41، 42.

[20]المرجع السابق. ص 47.

[21] يستخدم القديس أمبروسيوس هنا معنى للنص الأصلي مُلفت للنظر حيث يقول النص: ”ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد“.

[22] انظر: 1كو 8:2.

[23] شرح الإيمان المسيحيّ. للقديس أمبروسيوس أسقف ميلان. الجزء الأوّل الكتاب الثاني. ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد. إصدار المركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية. ص 109.

[24] تجسد الابن الوحيد. مرجع سابق. فقره 36.

[25] يعود القديس كيرلس إلى ذات العبارة مرة أخرى: جعله واحدًا مع لاهوته ليؤكد أنّ الاتحاد تام وكامل حتّى أنّ ابن الإنسان يمكنه أنّ يقول انني نزلت من فوق أو من السماء، لأن المتحدث هو يسوع المسيح الواحد الذي يمكنه أنّ يوصف نفسهكواحد غير منقسم كسمائي وابن الله وابن الإنسان.

[26] تجسد الابن الوحيد. مرجع سابق. فقره 36.

[27]المرجع السابق. فقره 37.

9 نفس الشاهد السابق.

[29]Ibid. par. 10, p. 574.

مختصر تاريخ الكنيسة، القرن الخامس، مجمع خلقيدونية

 


الطريق إلى خلقيدونيّة

بعد انفضاض المجمع المسكوني الثالث ظهر أرشمندريت اسمه أوطيخا رئيس أحد أديار القسطنطينيّة، وكان من ألد اعداء نسطوريوس المبتدع. فلم يكتف بمـا حدّده المجمع في أفسّس ضد بدعته فتطرّف إلى القول بإنّ ربنا يسوع المسيح مؤلَّف من طبيعة واحدة وأنّ جسده غير مساوٍ لجسدنا في جوهره بما أنّه جسد إله وإنّ الطبيعة البشريّة ابتُلِعَت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة الإلهيّة.

ولإنّه كان رئيس دير أيوب في الربع (الحي) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عامًا، ومن خلال ابنه بالمعموديّة (الذي هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفي البلاط الملكي استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسيّ مُلبدًا بغيوم الخلاف بين الجانب السكندريّ ونظيره الأنطاكيّ، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضة من الأنطاكيّين لأنّه كان متعصبًا جدًّا للسكندريّين، وهكذا زاد من حدة التوتر.[1]

وفي سنة 448 قدّم يوسابيوس أسقف دوريلاوس (دوريلوم) في فريجيّة إلى القسطنطينيّة ورفع شكواه على أوطيخا إلى فلافيانوس البطريرك القسطنطينيّ. فجمع هذا مجمعًا من 31 أسقفًا و32 أرشمندريتًا وبعد محاولات عديدة حضر أوطيخا إلى المجمع وسُئِل عن إيمانه فصدر الحكم بضلاله وتجديفه وجُرّد من الكهنوت وقُطِع من الشركة وعُزِل من رئاسة الدير.

وقد زار يوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[2] في ديره بالقسطنطينيّة مرات عدّة واكتشف أنّ عقيدته غير أرثوذكسيّة، إذ يعتقد بالامتزاج.

وسعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير فكتب هذا إلى البابا ليو الأوّل يطعن بالبطريرك فلافيانوس ومجمعه. فكتب البابا مستفسرًا ورد عليه الجواب فوافق على الحكم الذي أصدره مجمع فلافيانوس.

وأمر ثيودوسيوس بعقد مجمع ثان في القسطنطينيّة فعقد في نيسان سنة 449 وأيّد حكم المجمع السابق

وكتب ليو رسالة مجمعيّة مسهبة تعرف باسم "طومس لاون" ثبت فيها تعليم فلافيانوس وضلال أوطيخا.

موقف كنيسة الإسكندريّة

شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها في الشرق، تلك التي تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندريّ. وكذلك انتشار تعاليم ثيودور الموبسويستيّ ونسطور في كثير من المناطق في المشرق. وأمام اعتراف أوطيخا الخطيّ المخادع بأنّه:

يرفض هؤلاء الذين يقولون إنّ جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء... لأنّ ذاك الذي هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسّد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذي هو دومًا إله كامل قبل الدهور، صار أيضًا إنسانًا كاملًا في آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا.[3]

شعر البابا ديسقوروس أنّ فلافيان بطريرك القسطنطينيّة، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطوريّ الموجود في الشرق حينما طُلِب من أوطيخا في مجمع القسطنطينيّة المكانيّ 448م حرم كلّ من لا ينادي بطبيعتين من بعد الاتحاد.

مجمع أفسّس الثاني 449م

 لم يرق لثيودوسيوس حكم المجمع، فأصدر أمره بعقد مجمع مسكونيّ في أفسّس في السنة نفسها 449، واستدعى ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة نصير أوطيخا ليتولى رئاسة المجمع. وكتب ثيودوسيوس كذلك للبابا ليو بشأن هذا المجمع فأجاب البابا بإرسال نوَّابه الأسقف يوليانوس والقس رينادوس والشماس إيلاريوس.

وبعد استعراض وقائع مجمع أفسّس الأوّل 431م، ومجمع القسطنطينيّة المكاني 448م، وقراءة اعتراف أوطيخا المكتوب بالإيمان الأرثوذكسيّ قدّمه إلى المجمع مخادعًا. وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينيّة ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتيّة. كما حكم المجمع بحرم وعزل كلّ من هيباس أسقف الرها وثيودوريت أسقف قورش وآخرين.[4] وحدّد المجمع أنّ ديودور الطرسوسيّ نسطوريّ.[5] ولم تُقرأ رسالة البابا ليو الأوّل إلى المجمع وهيَ المعروفة بطومس لاون.

وفي سنة 450 توفي ثيودوسيوس الصغير فخلفته شقيقته الملكة بلخريا وتزوجت بقائد جيشها مركيانوس الحسن العبادة ليشاركها في إدارة المملكة. وأوّل عمل قامت به نقل جسد الشهيد فلافيانوس إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينيّة. واهتمّت بعقد مجمع مسكونيّ وكتبت في ذلك إلى البابا ليو فأجاب البابا مستحسنًا عملها وعيّن موفديه الأسقف يوليانوس والقس باسيليوس.

وجرت مكاتبات بين الملك مركيانوس والبابا ليو بهذا الشأن أسفرت عن صدور أمر الملك بعقد المجمع في مدينة نيقية التي عُقِد فيها المجمع الأوّل وبعث برسائل الدعوة إلى كلّ الأساقفة. ولكن الملك مركيانوس لم يتمكن من الذهاب إلى نيقية وأصيب بعض الأساقفة بأمراض، فصدر الأمر بنقل المجمع إلى خلقيدونيّة في جوار القسطنطينيّة. وبدأ اجتماعه هُناك يوم الأثنين في 8 تشرين الأوّل 451 في كنيسة القديسة أوفيمية المعظمة في الشهيدات. وحضر المجمع مركيانوس والملكة بلخريا زوجته وكثيرون من أمراء الدولة.

مجمع خلقيدونية 451م

لم يقبل البابا ليو الأوّل نتائج مجمع أفسّس الثاني 449م ومنح الحلّ الكنسيّ لثيودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة.[6]

وليقرّروا أنّه مورس عليهم ضغوط أو وقعوا على أوراق بيضاء أو أنّه قد تمّ التزوير في أوراق المجمع (ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην).

الأمر الهام أنّه خلال المناقشة اعترف الباب ديسقورس بإصرار بطبيعتين في المسيح قبل الاتحاد وطبيعة واحدة بعد الاتحاد ولكنها (متجسِّدة):

لا يمكن أن نعقل طبيعتين ولكن واحدة للكلمة المتجسِّد...أنا أقبل من طبيعتين بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان“.

 “ού δεί νοείν δύο φύσεις،άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην.....τό έκ δύο δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι....Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί”.

 حينها شرح يوسابيوس أسقف دوريليم وباسيليوس سيليفكياس وميلوفثونجوس اليوبوليتون وآخرين بأنّ في المسيح الواحد يوجد طبيعتين (طبيعتين في شخص واحد، رّبّ واحد معروف في طبيعتين δύο φύσεις έν ένί προσώπω...ένας Κύριος.....έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος).

 فقال البابا ديسقورس إنّ هذه الأقوال (تمزيق وتشريح) καινοτομίας وذيوفيزيتية δυοφημίας، وأضاف أنّه بسبب هذه الأقوال تمّ حرمان -وعن حق- فلافيانوس في 449، بينما قرّر المجمع أنّ فلافيانوس يتفق مع كيرلس الإسكندريّ.

وبالرغم من ذلك فإنّ البابا ديسقورس أظهر استعدادًا كبيرًا في أن يحكم على أوطيخا إذا ما ثبت أنّه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές (άντιλήψεις وأراد أن يبتعد عن مونوفيزيتيّة أوطيخا وأعلن أنّه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرّبّ بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق

 όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν،λέγομεν ούτε τροπήν،ούτε τομήν...

وقد نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسّس الثاني 449م ؛ فقال:

إذا كان أوطيخا يتمسّك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتّى النار (أي جهنم) أيضًا. ولكن اهتمامي إنّما هو بالإيمان الجامع الرسوليّ وليس بأي إنسان أيًا كان.[7]

وقال أيضًا في نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونيّ:

أنا أقبل عبارة من طبيعتين بعد الاتحاد“.[8]

وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة: "من طبيعتين بعد الاتحاد"، أراد أن يؤكِّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو اختلاطهما.

وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينيّة قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أنّ:

ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنّه قد حرم لاون.[9]

وقد وافق الثلاثة عشر أسقفًا المصريين الذين حضروا مجمع خلقيدونية على حرم أوطيخا لكنهم رفضوا التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية أو طومس ليو أو عزل البابا ديسقوروس. "وقد أشاروا إلى أنهم لا يستطيعون التوقيع بدون التوافق مع رئيس أساقفتهم.. وأنهم لا يستطيعون التوقيع دون أن يكون رئيس أساقفتهم معهم...".[10] وحدثت اضطرابات كبيرة في الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.

نص حكم عزل البابا ديسقوروس

من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من....... أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية... إلى ديسقوروس: بسبب ازدراء القوانين المُقدّسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حيث ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ قد رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقًا للقوانين الإلهية لكي ترد على التهم الموجهة إليك: فلتعلم إذن، إنك في الاونم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر قد عُزلت بواسطة المجمع المسكوني والمقدس من أسقفيتك، وجُردت من كلّ رتبة كنسية.

ومن كلمات أناطوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال إنّ السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمرًا متعلقًا بالإيمان وإنّما حقيقة "إنّه قد حرم السيد رئيس الأساقفة لاون"، ولم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[11]

وهكذا نجد أنّ البابا ديسقورس لم يُحكم عليه لأجل إيمانه، أو أنّ إيمانه كان مختلفًا عن إيمان الآباء، أو لكونه هرطوقيّ، بل فقط لأسباب إداريّة وسياسيّة بحتة.



[1] Cf. Samuel, V.C. pp. 14-15.

[2] Ibid p. 15.

[3] Ibid p. 30-31, see Mansi VI, p. 744, quoted in Bettenson, Documents, pp. 48-49..

[4] Cf. Samuel, V.C., pp. 29-35.

[5] Kelly, J.N.D., Early Christian Doctrines, Chapter XI Fourth Century Christology, A & C Black- London 1977, 5th Revised Edition, p. 302.

[6] Cf. Samuel, V.C., p. 69.

[7] Ibid., p. 51.

[8] Ibid., p. 55.

[9] Cf. Sellers, R.V. p. 119.

[10] Cf. Samuel, V.C., p. 75, see also Sellers, R.V., p. 114, and Hefele, C.J. p. 333, 334.

II, i, pp. 320: 14,.ACO [11]