الثلاثاء، 29 أغسطس 2023

مختصر تاريخ الكنيسة، القرن الثاني (2- الاطار العام للمسيحية في القرن الثاني)

 


بعد أن عاشت الكنيسة الإيمان الثالوثيّ المُستلم من الرسل، سواء مما كتبوه وتركوه لنا في العهد الجديد، أو مما سلَّموه شفاهة، وعاش في خبرة الكنيسة كجماعة ليتورجيّة مُتعبدة، وبعد رحيل آخر الرسل (القديس يوحنا اللاهوتيّ)، ثُمَّ مرحلة الاصطدام باليهود والرومانيّون، مع الإيمان المسيحيّ، الذي كان يخالفهم الرأي، ويتصدى لمعتقداتهم، ويفضحها، ويجرّدها من معانيها.

كان صوت المسيحيّين هذا، إنطلاقًا من الأمانة التي أودعها المسيح في الكنيسة، إذ اعلن لها عن إله يسكن فيها، وهيَ بدورها تحيا كارزة له، بالعمل وبالكلمة، وما لا يُمكن أن تقبله على نفسها، هو أن تطمر هذه الوزنة مثل العبد الجبان، الذي انتظر الساعة الأخيرة ليُعيدها إلى سيده (مت25: 14- 31)، بل أن تستثمرها، وتحميها، وتصونها، وتُدافع عنها عند الحاجة، وتسبر الغنى الموجود فيها، لتستمد منه غذاء مُشبعًا لكل ما يُثار من أفكار حول الإيمان.

انطلاقًا من هذه الرسالة، التي سلّمها يسوع المسيح للكنيسة، وائتمنها عليها، راحت الكنيسة تُبشّر بتعاليمه، وتَدرِس في الوقت عينه، صفات المُعلم، لترد على تساؤلات شخصيّة، وعلى استفهامات المُرتدين الجُدّد.[1]

كانت الأجوبة في البدء تعتمد كُلّيًّا على الكتب المُقدّسة، إذ كانت الحرب مع اليهود، ويكفي إثبات مسيّانيّة يسوع حتّى يؤمنون. ثم، تطوّر الوضع، حتّى لا تتشتّت الجماعة من تفسيرات مُختلفة للنص الكتابيّ، فأصبح التقليد هو المقياس الذي يُبنى عليه تفسير العهدين، والتّعليم اللاهوتيّ على السواء. بعد قليل، واجه المسيحيّون الوثنيّين، فكان لابد من التعامل معهم من نفس الأرضيّة التي يتحركون منها للنقد، وهيَ الفلسفة والبحث النظريّ، وعلوم اللغة. إذا أضفنا إلى كلّ ما سبق الهرطقات التي نشأت في بوادر المسيحيّة، فإنّنا نجد من كلّ ذلك العوامل التي دفعت مُعلميّ الكنيسة الأولين نحو تأسيس علم اللاهوت المسيحيّ، الذي نما وتطوّر عبر القرون واللغات، ولم يتغيّر أساسه الأصليّ الذي وضعه الرسل، ونحتته الكنيسة على مدى العصور.

عند قراءتنا للنصوص اللاهوتيّة عند آباء ما قبل القديس إيرينيئوس ولا سيَّما حقبة الآباء الرسوليّون والمُدافعون- يجب أن نضع في أذهاننا أن هؤلاء الآباء لم يفكروا بوضع لاهوت نظاميّ، بل كان جلَّ اهتمامهم مُنصبًا على الشأن الرعويّ، أي التمسك بما تسَلمّوه من تعاليم الرسل، وكيفية تطبيق هذه التعاليم بشكل عمليّ أمام التحديّات التي تواجهها الكنيسة في ذلك العصر.

كما أنّ آباء حقبة ما قبل نيقية، عاشوا ورحلوا قبل بدء المجامع المسكونيّة ومشكلة تحديد الصيغ الإيمانيّة، تلك المجامع التي نحتّت الصيغ اللاهوتيّة، تلك المُستخدمة في الشرح اللاهوتيّ حتّى عصرنا الحاليّ، مثل: ثلاثة أقانيم وجوهر واحد، مفهوم الأقنوم، مفهوم الطبيعة، مفهوم الجوهر... وغيرها.

لذا، فإنّ هؤلاء الآباء قد نحتوا ألفاظهم اللاهوتيّة الخاصة، تلك الألفاظ المُختلفة -في الغالب- عن المفاهيم اللفظية المُستخدمة في الشروحات اللاهوتيّة منذ فترة ما بعد نيقية. هذا الأمر الذي جعلهم في كثير من الأحيان موضع شك وريبة من الباحثين في ما إذا كانوا يعتقدون الاِعتقاد السليم في الإيمان، أم كان لديهم خلط بين الأقانيم، أو أنّهم اعتقدوا في التبعية.[2]

أيضًا الهرطقات والمُشكلات اللاهوتيّة التي كانوا يواجهونها، كان لها تأثيرًا كبيرًا في أسلوب التفسير وفي استخدام المُصطلحات. فمثلًا النص المذكور في إنجيل ق. يوحنا أبي أعظم مني (يو14: 28)، فمع نهاية القرن الثاني وبدايات القرن الثالث نجد تفسيرات ترتليان وأوريجانوس لهذا الشاهد هيَ محاولة للتمييز بوضوح بين الآب والابن، ذلك لأنّهم كانوا في مواجهة الهرطقة المونارخيّة أو السابليّة التي تُشدّد بشكل مُفرط على وحدانيّة الله لجعلها أقرب للشكل الصنميّ الجامد الواحد عدّديًّا. وعلى الرغم من أن ترتليان وأوريجانوس كانا يؤكدان دائمًا على أن المسيح هو الله مثل الآب تمامًا - كما سنرى في الفصول القادمة - إلَّا إنّهم رغبوا من خلال هذا الشاهد في التمييز بين الآب والابن وايضاح أنهما أقنومان وليسا أقنومًا واحدًا. بينما نفس هذا النص في القرن الرابع أتجه التفسير الآبائيّ من خلاله للتدقيق على الوحدة بين الآب والابن، وذلك لأنّ المُشكلة التي تواجهّها الكنيسة في عصرهم ليست المونارخيّة، بل الآريوسيّة التي تُنادي بأنّ الابن إله أقل من الآب، أو بمعنى آخر فهي تُنادي بإلهين.[3] ولهذا فالخلفيات الثقافيّة واللاهوتيّة مُهمة للغاية لمعرفة ما كان مقصد كلّ أب من الآباء بتدقيق.

يُعتبر القرنين الثاني والثالث، مرحلة حاسمة في تاريخ الكنيسة، فلم تعد المسيحيّة محصورة في مجموعات صغيرة، تنتمي اجتماعيًّا إلى الأقليات. بل، أصبحت مُتأصلة تأصلًا متينًا في طبقات المجتمع كلها، ومُنتشرة جُغرافيًا انتشارًا واسعًا من المُحيط الأطلسي إلى بلاد فارس.

على العكس مما نتصوّره غالبًا، لم تتعرض المسيحيّة للاضطهاد المُستمر، بل مرّت بأحداث هدوء وسلام طويلة، وقد كان هذا خير سبيل نحو انتشار الرسالة، ونمو الكنيسة الداخليّ، على السواء.

وكما رأينا في الفصول السابقة، فإنّ مُحاربة البدع قد أدّت إلى وضع علم لاهوت حقّيقيّ، وأن هذا التطوّر الذي شهده الفكر المسيحيّ، قد بلغ شأوًا أوقع الفلاسفة اليونانيّين في القلق. وهذا ما دفع كلسّس (177- 180م) إلى مُهاجمة المسيحيّة واليهوديّة كمنشأ لها، وتصدى له العظيم أوريجانوس.

على صعيد آخر، اجتهدت الكنيسة في وضع أسّس متينة، وبدأ ظهور إكليروس تراتيبي حول الأسقف، وتطوّر ليتورجيّ، وقانونيّ وتنظيمي إن صح قولنا.

وقد انعقدّت الكثير من المجامع المحلية، التي تجمع بين كنائس تنتمي إلى بُقعة جُغرافية محدودة. فزادت من أواصل الوحدة بين المسيحيّين. حتّى إن القديس كبريانوس، قد جمع حوله واحد وسبعين أسقفًا في مدينة قرطاجنة عام 256م، وهو أولى المجامع المحلية الهامة.

لكنّ لم تمتد هذه الفترة طويلًا، إذ بعد وقت ليس ببعيد، سيثير الشيطان دقلديانوس ليُذيق المسيحيّين أشد أنواع الاضطهادات وأعنفها على مدى التاريخ، ذاك الذي سوف يستمر نحو ثماني سنوات (303: 311م).[4]



[1] انظر: أنطوان عرب، ميشال أبرص (الأبوان)، المجمع المسكونيّ الأول (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1997)، ص 36، 37.

[2] Subordination: هرطقة، غالبًا ما تُنسب إلى بعض آباء ما قبل نيقية كيوستينوس وترتليان وأثيناغوراس وأوريجانوس، وهيَ في المجمل تعني أنّ الابن والروح القدس أقل من الآب وتابعين له.

[3] للمزيد انظر: جورج عوض، الآباء والكتاب المُقدّس (القاهرة: مؤسّسة القديس أنطونيوس، 2015)، 50 وما بعدها.

[4] انظر: أنطوان الغزال، صبحي حموي (الأبوان)، تاريخ الكنيسة المُفصل (بيروت: دار المشرق، 2002)، ص 75، 76.

مختصر تاريخ الكنيسة، القرن الثاني (1- الخلفيات الثقافية للمسيحية المبكرة)

 


أفلاطون plato

ولد أفلاطون أريستون في القرن الخامس ق. م. ولد في أحداث مؤسفة حيث هُزِمت أثينا من إسبارطه.

قام بالكثير من الرحلات حيث ذهب إلى مختلف المدن اليونانيّة وجنوب إيطاليا، ووصل رحلاته في الشرق حتّى مصر القديمة.

حاول كثيرًا أن يعمم فلسفته السياسيّة من خلال الحُكّام، خاصة مع ديونسيوس حاكم مدينة سيراقوصة، ولكنه فشل، واقتنع حينها أن عليه اولًا أن ينشيء الشباب على حبّ الفلسفة، واحترامها، ثمّ ستتغيّر حينها الأحوال السياسيّة.

ومن هُنا أنشأ مدرسته الفلسفيّة، وهي اولى المدارس الفلسفيّة في أثينا عند حديقة البطل أكاديموس، وأسماها الأكاديميّة، وقد قامت على الحوار والنقاش.

تقوم ركيزة نظريات أفلاطون الفلسفيّة على نظرية المُثل، وتقول النظريّة بأنّنا نعيش في عالم من الظلال والأوهام، والتي لن نستطيع أن نكتشف حقيقتها إلَّا حين نفك عنّا القيود التي تُكبلنا بهذا العالم، وهذا يحدث عن طريق معرفة الحقيقة..

ومن هُنا جاء المثل الذي وصلت شهرته إلى شهرة أفلاطون نفسه، وهو الكهف، حيث يقول إنّنا نحيا داخل كهف كبير، مُكبلين إلى الحائط، ولا نرى سوى الظلال المنطبعة على حائط الكهف المقابل لمدخله الذي منه يأتي النور من عالم الحقيقة, لكن الذين في الكهف، لم يروا سوى الظلال، فاعتقدوا أنّها حقيقة.

وتنقسم النفس الإنسانيّة عنده إلى ثلاث: النفس الشهوانيّة، والنفس الغضبيّة أو الحماسيّة، والنفس العاقلة. وربما من هذه الثلاثيّة تحدث أفلوطين عن الثالوث الذي يوصله نحو الله.

ومن هذا التقسيم السابق أخذ أوريجانوس تقسيمه للنفوس الروحانيّة، ولقُرَّاء الكتاب المُقدّس.

وتعدُّ محاورتيه تيماوس أو عن الخلق، وفيدون أو عن النفس من أهمّ المحاورات التي استند عليها آباء الكنيسة الشرقيّة عامّة في تعاليمهم.

وقد تأثر بفلسفته كثيرًا الآباء الكبادوك، والسكندريون، ولكن السكندريّين دخلت عليهم كتابات أُخرى طورت من فكرهم كما سنعرف.

أرسطو

وُلِد أرسطو طاليس نيقوماخوس في مدينة باسطاغير على ساحل إيونيا في أوائل القرن الرابع ق. م.

مات والده وهو في الثامنة عشر، فترك مقدونيا والتحق بأكديمية أفلاطون بأثينا، وتتلمذ على يد أفلاطون الذي لمح نبوغه ودعاه بـعقل الأكاديمية، ولسعة اطلاعه وقراءاته دعاه بـالقَرَّاء.

بعد وفاة أفلاطون، ترك الأكاديمية وانتقل من أثينا إلى مقدونيا، وبعد عدّة سنوات دعاه فيليب ملك مقدونيا ليتلمذ ابنه الإسكندر (الأكبر)، ولبى أرسطو الدعوة وتلمذ الإسكندر لمدة أربع سنوات.

وبعد أن مات الملك فيليب وقاد الإسكندر الجيش ليفتح شرق البلاد، غادر أرسطو مقدونيا إلى أثينا، وبدأ يتطوَّر فكره عن فكر مُعلِّمه أفلاطون.

أسّس مدرسته الخاصة اللوقيون لتكون منافسة للأكاديميّة، أو لنقل متميّزة عنها، حيث ألحق بها متحفًا به العديد من النباتات والحيوانات التي كان يجري عليها التجارب، وجعل فترة مسائيّة خاصة بالجمهور من العامّة يلقي عليهم علومه وخطاباته، وهو ما قضى تمامًا على السفوسطائيّة التي فشل سقراط وأفلاطون في القضاء عليها.

نظرية المعرفة عند أرسطو تبدأ من الحواس التي تقودنا إلى المعرفة العقليّة التأمليّة، فليس العقل الخالص هو ما يقودنا إلى المعرفة.

وأهمّ ما يُميّز فلسفته هو الجوهر والعرض συμβεβυκος وببساطة تعني أنّ الجوهر هو الطبيعة أو استقلال الشيء بذاته في حدود، أمّا العرض فهو الوجود من خلال الطاقات، فهو صورة الجوهر لا الجوهر ذاته. وإنّ الاتحاد والاختلاط لا يحدث بين جوهرين، بل بين طاقات جوهرين، لإنّه في حالة اختلاط جوهرين فإنّهما يُنتجان شيئًا جديدًا ويتلاشيان فيه.

من هذه النظريّة أخذ الأنطاكيّون تفسيراتهم عن: وجهي الكتاب المُقدّس التاريخيّ والروحيّ، وطبيعتي المسيح، ومفهومهم عن التألُّه بالطاقات غير المخلوقة.

وهكذا نجد أنّ أكثر من تأثر بفلسفته هم الأنطاك.

فيلو Philo

فيلسوف يهوديّ عاش في الفترة من (30 ق. م- 50م)، بمدينة الإسكندريّة، حيث التحق بمدرستها الفلسفيّة، وهو أشهر فيلسوف دينيّ في عصره، حاول أن يوفق بين الفلسفة اليونانيّة ونصوص الكتاب المُقدّس، فكان ينطلق من الحدث الدينيّ ليتحرك نحو المفهوم الفلسفيّ الذي يحمله.

تأسّست الرمزية في اليهودية الإسكندرانية على وجهها الأكمل على يد فيلون[1] Philo الذي وضع لها نظامًا لتضييق الفجوة بين إعلان العهد القديم والفلسفة الأفلاطونية، إذ حمل إلى اليهود الفكر الهيليني في شرح العهد القديم لكسب المثقفين، مستخدمًا الرمزية. ويقارن فيلون المعنى الحرفي للكتاب بالظل، باحثًا عن الحقيقة الأصلية العميقة في المعنى الروحي الذي يرمز إليه[2]. وهو في هذا لا يقلل من شأن المعنى الحرفي أو يتجاهل المغزى التاريخي، لكنه ينظر إليه كجسم الإنسان الذي يحظى بكل احترام[3]، وإن كانت النفس أثمن منه.

تأثر به وبمنهجيته في التوفيق بين الدين والفلسفة جميع آباء الكنيسة.

أمونيوس ساكاس Ammonius Saccas

أحد أشهر مُدرسي مدرسة الإسكندريّة الفلسفيّة، خلط المطوَّب جيروم في كتابه مشاهير الرجال بينه وبين مسيحيّ يُدعى أمونيوس، فاعتقد أنّه مسيحيًّا وبقيَّ على مسيحيّته، إلَّا إنّ أغلب الدراسات الحديثة ترفض كونه مسيحيًّا، فقد كان يونانيّ الدين والثقافة.

وقد دمج المفاهيم الفلسفيّة بالصبغة الصوفيّة الدينيّة، وهو ما ظهر عند كلّ تلامذته، فقد تتلمذ على يديه أفلوطين وأوريجانوس.

أفلوطين Plotinus

ولد أفلوطين بليكوبوليس بأسيوط بصعيد مصر، وذهب إلى الإسكندريّة ليتتلمذ على يد أمونيوس ساكاس، ثمّ ذهب إلى روما حيث أنشأ مدرسته الفلسفيّة هُناك.

أسّس الفلسفة الأفلاطونيّة الحديثة، وهي فلسفة تمزج بين الأرسطية والرواقيّة والأفلاطونيّة.

وفي فلسفته هُناك ثلاثة مباديء انبثقت منها الحياة، هم الواحد أو الله والعقل أو صور الأشياء الموجودة، والنفس وهي ما يتم به تحقق الصور في العالم الماديّ.

ويتحدث عن الانتقال من النفس إلى العقل عن طريق التأمل، ثمّ بكثرة التأمل ينخطف العقل البشريّ لنرى الله الواحد.

والإنسان عند أفلوطين عالم صغير Microcosmos، يحوي في داخله كلّ ما في العالم بالقوة، فهو مُشتت مثل الرياح، وحالم كالطبيعة، وحياته يُمكن أن تنجرف نحو المادة أو الطبيعة أو تسمو فوق السماوات بالمعرفة والتأمل.

ومن فكرته عن الثالوث، والإنسان، والصوفيّة أي انخطاف العقل والالتصاق بالواحد أخذت عنه المسيحيّة الكثير من الشروحات لتؤسّس عليه تعليمها.

وكان لمدرسته أثر كبير على الفكر الآبائيّ الشرقيّ، ولا سيّما السكندريون.



[1] Philo (c. 20 BC. - c. AD. 50), the Jewish thinker and exegete in whom that literature flourished also lived in Alexandria. He belonged to a prosperous priestly family of Alexandria, and was firmly convinced that the teaching of the Old Testament could be combined with Greek speculation. His philosophy of religion embodies such a synthesis. (Esmat Gabriel: St. Clement of Alexandria, Coptic Church Review, Spring 1980, v.1, No. 1, p. 22.)

[2] De confus. Ling. 190.

[3] De. Migrat. Abrah. 89-93; J.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1978, p. 9. 

مختصر تاريخ الكنيسة، 1- القرن الأول (3- انتشار المسيحية وأماكن تبشير الرسل)

 


انتشار المسيحيّة بسوريا وأثره

انتشار المسيحية شمالًا داخل سوريا وكليكية أحدث انزعاجًا للمجامع اليهودية مما أدي إلى أن نشأت حركة مضادة ومسلحة ومؤيدة برسائل من الرؤساء في أورشليم يقودها يهودي من كيليكية تلميذ للرابي اليهودي المشهور غمالائيل يدعى بولس أو شاول الطرسوسي، فريسي مؤمن بكمال الناموس الموسوي وبالتالي مضطهدًا غيورًا للكنيسة الوليدة. وهو مسافر إلى دمشق تقابل فجأة مع المسيح القائم، ومن تلك اللحظة صار مسيحيا مؤمنًا ورجلًا غيورًا؛ وكان عنده رغبة جارفة للتبشير ونشر الإنجيل بين الأمم.

على الأرجح لم يكن بولس أول كارز للمسيحية بين الأمم، ولكن من البداية كان هو العامل الرئيسي في هذه المهمة، وهو نفسه كان مقتنعًا أن دعوته دعوة خاصة وفريدة ليكون رسولًا للأمم، يمارس السلطان الرسولي على كنائس الأمم سواء بالافتقاد أو بالرسائل (وقد وجد أن رسائله تعطي تأثيرًا أكثر من وعظه)، ويمثلها وينوب عنها في الحوار مع الكنيسة الأم في أورشليم.

بينما تعطينا رسائل بولس الرسول وسفر الأعمال بعض الإشارات عن نمو الكنيسة في وسط الأمم، لا نعلم إلا القليل عن الكنيسة الأم في اليهودية. أغلب التلاميذ الاثني عشر اختفوا فجأة من التاريخ. لم يبق سوى بطرس ويوحنا ويعقوب أخو الرب، وبعض الأسماء.

الرسل والإنجيليون بحسب أشهر مناطق تبشيرهم إلي الفرق الآتية

بحلول القرن الثالث ظهرت بعض القصص والروايات التي تحكي عن إرساليات الاثني عشر، ويمكن حصرها في أربع فرق أساسية:

الفرقة الأولى: التي عملت في اليهودية وتخومها . وتتكون من الرسل: بطرس ويعقوب البار ومتياس الذي حل محل يهوذا الإسخريوطي (ولبطرس رسالتان وليعقوب رسالة).

الفرقة الثانية: التي عملت في آسيا الصغرى وما حولها وتتكون من الرسل فيلبس و برثولوماوس ويوحنا (وللأخير إنجيل وثلاث رسائل وسفر الرؤيا).

الفرقة الثالثة: التي ذهبت إلي بلاد العجم (إيران) والهند وتتكون من الرسل يهوذا و سمعان القانوي وتوما (وليهوذا رسالة).

الفرقة الرابعة: التي ذهبت إلي أقاليم أوربا المختلفة وتتكون من الرسل اندراوس ويعقوب الكبير وبولس ولوقا الإنجيلي (ولبولس أربعة عشر رسالة وللوقا إنجيله وسفر أعمال الرسل).

الفرقة الخامسة: التي ذهبت إلي مصر وأثيوبيا بأفريقيا . وتتكون من الإنجيلين متى ومرقس (ولك منهما إنجيله) .

توما في فارس والهند،

أندراوس في سيكيثيا جنوب روسيا.. إلخ.

إلا أن هذه الروايات مثلها مثل قصص العصور الوسطى التي تقول إن يعقوب الرسول بشر في الفلبين ويوسف الرامي في إنجلترا. ومصدر هذه الروايات عن الرسل كتب الأبوكريفا التي انتشرت في النصف الأخير من القرن الثاني.[1] يوجد تقليد من القرن الثاني جدير بالتصديق يقول إن يوحنا بن زبدي عاش في أيامه الأخيرة في أفسس، وفيلبس المبشر وبناته الأربع اللواتي كن يتنبأن (أع9:21) مات في فريجية. هذا الخروج الذي حدث لكنيسة أورشليم إلى أسيا الصغرى قد يكون بسبب الحرب اليهودية (من سنة 66 م إلى 70م). والإنجيل الرابع يحتوي على تعاليم التلميذ المحبوب. حوالي سنة 200م نجد أن كنائس آسيا الصغرى تنظر إلى القديس يوحنا كمؤسس لها وتكرم رفاته في قبره الذي في أفسس.[2]

الأفسسيين يعتقدون أن القديسة العذراء مريم عاشت في بيت القديس يوحنا (انظر يو27:19)، وفي القرن الخامس كرست فيها أول كنيسة باسم السيدة العذراء. ولكن من وجهة نظر أخرى أول من نادى بها كان إبيفانيوس سنة 375م، الذي تكلم عن العذراء كسر خفي متعالٍ لا يدركه، أن القديسة مريم لم تذهب إلى أفسس ولم تذق الموت أصلًا.

يعقوب البار "أخو الرب" كان أسقفًا على كنيسة أورشليم إلى يوم استشهاده في62م. (الحدث الذي أثار استياء المسيحيون من أصل أممي) خلفه ابن عم الرب (سمعان بن كلوبا). طبيعة العلاقة بين يعقوب (البار أخو الرب) وبطرس المتقدمين في الرسل والذين عهد الرب إليهما مسئولية الكنيسة غامضة وغير معروفة.

في رسائل بولس الرسول وسفر الأعمال نجد أن للكنيسة الأولى سلطتان متوازيتان إخوة السيد المسيح والاثني عشر، وإن حدث بينهما أي خلاف فسرعان ما يزال (الأعداد من مر 31:3-35 قد تلمح إلى ذلك). وبحسب التقليد الغربي (مت18:16) دعي الرب بطرس باسم الصخرة التي يبنى عليها كنيسته، حتّى أن البعض ظن أن بطرس وليس يعقوب هو أسقف كنيسة أورشليم بعد الصعود. السلام الموجود داخل الكنيسة الأولي كما وصفه سفر أعمال الرسل.

علاقة بطرس وبولس غامضة أيضًا. المشاجرة الشهيرة التي نشبت بينهما في انطاكية من المؤكد أنه حدث عرضي أو لم يحدث بالصورة التي تم وصفها في (غل2)، وعلى الأقل فهما لم يفترقا عند موتهما. فكلاهما مات في روما شهيدًا في الاضطهاد الذي شنه نيرون.[3] بلا شك وجود بطرس في روما في ستينات القرن الأول يمثل أهمية بالنسبة لمسيحيو الأمم ولكن لا توجد أي معلومات عن المدة التي قضاها أو العمل الذي قام به. وقصة إقامته في روما مدة خمسة وعشرون عامًا هي رواية من القرن الثالث.



[1] These are translated in M. R. James, The Apocryphal New Testament (Oxford.2nd edn., 1955). See also E. Hennecke's New testament Apocryphal (ed. W. Schneemelcher, transl. R. M. Wilson, 2 vol., London, 2nd edn., 1991).

[2] الكتاب اللاتين نقلوا من ترتليانوس وجيروم قصة أن القديس يوحنا ألقي في الزيت المغلي في روما لكنه هرب سالمًا؛ وفي القرن السابع قيل أن هذا حدث عند الباب اللاتيني ويحتفل به في 6مايو، أما هذا الأمر فكان مجهولًا عند الكتاب اليونانيين. 

[3] هناك إشارة إلى استشهاد بطرس جاءت في (يو18:21، 36:13) ومن قال إنه حدث في روما كليمندس في رسالته إلى كورنثوس ورسالة أغناطيوس إلى روما والإجماع العام لتقليد كلّ أباء الكنيسة في القرن الثاني. بالإضافة إلى التذكار السنوي والاحتفال الذي يقام في ضريحه في الفاتيكان وقد بني عام 160-170م