الاثنين، 2 مارس 2026

هل نعبد العيش؟! الجزء الثاني

 


هل نعبد العيش؟

الجزء الثاني

إعداد: أمجد بشارة

غير المنظورات الإلهية قد صارت منظورة!

يوحنا الدمشقي

القديس حبيب جرجس يقول إننا نسجد للخبز!

يقتبس المعترض هذا الاقتباس الواضح في الصورة من كتاب أسرار الكنيسة السبعة، للقديس حبيب جرجس، ويهلل قائلًا: "شايفيين، المسيحيين بيعبدوا الخبز، بيعبدوا خمرة وشوية دقيق".. إلى آخره من وصلة الردح المعتادة!

 

لكن بالرجوع لكتاب حبيب جرجس، وفي ذات الصفحة المقتبس منها ص70 (وفقًا للطبعة الرابعة):

"وإن كان الجسد المقدس يفصل ويقسم في سر الشكر، ويوزع على المؤمنين تحت شكلي الخبز والخمر اللذين بهما يصير الجسد والدم منظورين وملموسين، إلا أنهما كاملان بذاتهما وغير منقسمين. ولهذا نؤمن أن كل جزء من الخبز ومن الخمر في هذا السر الأقدس حتى أصغر الأجزاء منها ليس هو جزء من جسد المسيح ودمه، بل ينال به المؤمن جسد المسيح كله ودمه كله.

كذلك وإن كان سر الشكر يتم في جميع كنائس المسكونة، فجسد المسيح هو واحد ودمه واحد في جميع الأمكنة والأزمنة، والمسيح حاضر فيه بذاته. لا يمكن إدراك وفهم ذلك إلا بالإيمان. كما نؤمن أيضًا أن الخبز والخمر بعد تقديسهما وانتقالهما واستحالتهما سريًا إلى جسد الرب ودمه، يلبثان دائمًا هكذا؛ أي أن حضور الرب في الأسرار بعد التقديس هو ثابت".

يتضح هُنا أن القديس يؤمن كما المسيحيين في كل العالم، بأنّ الخبز والخمر لا يبقيان كحالهما بعد الاستحالة (والاستحالة هي تعبير كنسي عن حضور المسيح الحقيقي في المادة)، بل يعبران عن الساكن فيهما، والمتحد بهما، والذي من خلال المادة يتحد بكل المسيحيين المتناولين منه. حيث يكتب صراحة:

"تحت شكلي الخبز والخمر اللذين بهما يصير الجسد والدم منظورين وملموسين".

فالمظهر الخارجي للإفخارستيا هو خبزًا وخمرًا، بينما هما في حقيقتها السرائرية، أو الإيمانية، جسد المسيح ودمه، أي حضور إلهي حقيقي يتم فيهما بالإيمان.

كل الأديان لا ترفض حضور الله في المادة، ففي اليهودية والإسلام حضر الله في الشجرة المشتعلة حين ظهر لموسى، وطلب منه أن يخلع نعليه لإن هذا موضع مقدّس، وقيل وقتها: "بورك من في النار ومن حولها"! فالله المبارك كان حاضرًا في الشجرة المشتعلة بالنار، حضور حقيقي أوجب على موسى النبي أن يخلع نعليه.[1]

وبشكل قريب، تؤمن المسيحية أن الله حاضر في المادة، التي هي بالنسبة لسر الإفخارستيا الخبز والخمر، والذين لا يعودان خبزًا وخمرًا بعد التقديس، حيث لا يسجد المسيحي للخبز والخمر المجرد، إلا بعد صلوات التقديس حيث استحال/تحول إلى جسد المسيح ودمه، إلى حضور إلهي في المادة، لذا يخلع المؤمن نعليه كما موسى، ويسجد بمهابة لحضور الله الجليل.

وعليه يكمل القديس حبيب جرجس ما بدأ وأوضحه عاليه، ويقول الاقتباس الذي أزعج المعترض:

"وبما أن الخبز والخمر في هذا السر الأقدس هما جسد المسيح ودمه فيجب أن تقدم لهما العبادة والسجود. قال القديس يوحنا ذهبي الفم: "هذا الجسد لما كان بعد في هذا المذود خجل منه المجوس. ورجال كفرة وبرابرة تركوا أوطانهم وبيوتهم وقطعوا طريقًا طويلة، وأتوا بخوف وارتجاف كثير وسجدوا له. فلنقتدِ إذن بالبرابرة على الأقل نحن أبناء السموات... لأنك لست تنظر الجسد وحده فقط على بسيط الحال مثل أولئك، لكنك تعلم أيضًا قدرته وكل التدبير، وليس خافيًا عليك شيء مما تم به لأنك تتعلم جميع الأسرار بتدقيق"، (مقالة على تفسير ١ كو ٢٤: ٥). وقال القديس أغسطينوس: "ما من أحد يشارك جسد يسوع المسيح ما لم يقدم له عبادة الهية"، (على مزمور ٩٨)".

فلو أكمل فقط السطور التي تلي الاقتباس، أو حتى السطور السابقة عليه، لوجد أنه يقول أننا نسجد ونعبد الله الحاضر في المادة، سواء في جسد المسيح، أو في حضوره الحقيقي السرائري من خلال المائدة المقدسة.

ويقول نفس الكتاب (الأسرار السبعة لحبيب جرجس، الطبعة الرابعة) في ص 69، 70:

كما قال القديس غريغوريوس: "إنني أعتقد وأقر بالحقيقة أن الخبز يستحيل اليوم أيضًا إذ يتقدس بالكلمة الإلهية إلى جسد الإله الكلمة"، (تعليمه فصل ٣٧). وقال القديس أمبروسيوس: "كلما تناولنا القرابين المقدسة التي تتحول سريًا بالطلبة المقدسة إلى جسد المسيح، نخبر بموت الرب"، (في الإيمان ٤: ١٠: ١٢٤). وقال القديس أفرام السرياني: "إنكم تشتركون في جسد الرب الكلي قدسه بإيمان كامل غير مرتابين بأنكم تأكلون الحَمَل (المسيح) كله". وقال في موضع آخر: "إن جسد الرب يتحد بجسدنا على وجه لا يلفظ به أيضًا ودمه الطاهر يصب في شراييننا، وهو كله بصلاحه الأقصى يدخل فينا"، (جزء ٣: ٤٢٤).

فالرب من خلال المادة، التي هي مقدسة وطاهرة لأن الله هو الذي خلقها وأوجدها، يشركنا فيه، أي أن الله يسكن فينا ويعمل من خلالنا لمجده. فالله في المسيحية عزيزي القاريء يتحد بالإنسان، ويشرك الإنسان فيه، في علاقة حقيقيّة، وتلك هي قمة الحياة المسيحيّة أن الله يجد لذّته بين بني آدم، ليسكن فيهم ويكون وسطهم إلهًا لهم، يقودهم ويعمل بهم.[2]

وفي سياق دفاعه عن الأيقونات يكتب القديس يوحنا الدمشقي من القرن الثامن:

”منذ أن ظهر الله بالجسد وعاش بين الناس، فأني أقدر أن أرسم ما هو مرئي في الله ” Tó őpατου τοữ εοữ ” فأنا لا أكّرم المادة ولكني أكرم خالق المادة. الذي صار[3] مادة لأجل محبته لي. الذي تحمّل وتقبّل الحياة بالجسد فأكمل مصالحتي عبر المادة”.[4]

وهذا ما أقرّ به المجمع المسكوني السابع (نيقية الثاني)، حين يقول:

فالصورة والايقونة تتميز عن النموذج الالهي الأصلي. يمكننا أن نميزها بالسجود التكريمي. فالتكريم يعود إلى أصلها وليس بالعبادة، لأن العبادة توجّه لله فقط.[5]

فالعبادة توجَّه لله فقط، وليس للمادة، أي مادة أيًا كانت، خبزًا، خمرًا، خشبًا، أو أي مادة أُخرى، فهذا ما لا نؤمن به، أي عبادة المادة! بل نتعبد ونسجد لمن تُشير إليه هذه المادة، لمن يسكن فيها ويُقدّسها، وليس للمادة نفسها..

وهُنا المشكلة الكبيرة، أن الأخ معاذ، والشيخ منقذ، لا يفهمان، وأنا هُنا استخدم لغة لطيفة بدلًا من كلمة أنهما يقصدان التشويه والازدراء بالإيمان المسيحي! بل هما لا يدركان ما يقصده المؤمن المسيحيّ من قوله أنني أسجد للمائدة المقدسة، لإني لا اسجد إلى مادة مُجرّدة بسيطة، بل إلى خالق تلك المادة، والذي له بحسب الإيمان المسيحي حضور خاص فيها، حضور حقيقي تحت أعراضها الظاهرة.

 


هل الإفخارستيا هي وثنية؟![6]

لطالما اتهم غير المسيحيين المسيحيين بالوثنية لأننا نعبد القربان المقدس. ومن وجهة نظر غير مسيحية، فإن التهمة مباشرة تماماً: المسيحيين يعبدون خبزاً وخمراً، يعتقدون خطأً أنهما الله.

ومن جانبهم، يقر المسيحيين بأن عبادة الخبز والخمر ستكون وثنية؛ لكننا ننكر أننا نعبد خبزاً وخمراً. فنحن نعبد جسد ودم الإله-الإنسان، يسوع المسيح، المحتجب تحت أعراض الخبز والخمر. وفي الواقع، تعد العبادة المسيحية للإفخارستيا أقوى دفاع ضد الوثنية.

إنها حقيقة تاريخية أن المسيحيين العابدين للإفخارستيا كانوا أشد النقاد للوثنية في العالم القديم. فقد سخر آباء الكنيسة من الذبائح الوثنية المقدمة للأصنام، ومن محاولات كهنة الهياكل البدائية لإحياء تماثيل آلهتهم. وكتب القديس أثناسيوس أن مشكلة الوثنيين كانت أنهم فضلوا الجسد وحواسه على "الأمور التي تدرك بالفكر". (Against the Heathen, 3)

لقد لاحظ المسيحيين دائماً فرقاً صارخاً بين السجود الإفخارستي ووثنية الوثنيين. فالوثنيون يقدمون ذبائح لأصنامهم لاسترضاء أو تهدئة آلهتهم المتقلبة. أما بالنسبة للمسيحيين، فإن الإفخارستيا "هي" الذبيحة، التي نوحد بها تقديم حياتنا في عبادة عقلية. "أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ" (رومية 12: 1). إن الإله الذي نعبده في الذبيحة الإفخارستية لا يُسر بدم تيوس وعجول. "ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ" (مزمور 51: 17).

كثير من نقادنا يزدرون المسيحيين والوثنيين على حد سواء، ولا يقرون بفرق يذكر بين ذبيحة القداس وذبائح الوثنيين، زاعمين أنهم يفضلون عدم حضور الله في المادة!

الموقف المسيحي مختلف تماماً. فحضور الله ليس حقيقة محسوسة، ولا يمكن مساواته بتحركات حياتنا العاطفية أو بأي فعل من حواسنا. لهذا السبب، فإن الإفخارستيا هي أقوى دفاع ممكن ضد الوثنية. فالحضور الذي نعلنه هو حضور يتسامى تماماً عن ملكاتنا الحسية؛ فلا يمكن رؤيته أو الشعور به أو شمه أو تذوقه. وكما ترنم القديس توما:

"النظر واللمس والتذوق فيك تُخدع". السمع وحده هو الذي لا يُخدع. "ما قاله ابن الله، أقبله كحق؛ الحق نفسه ينطق بالصدق وإلا فلا شيء حق".

تتعارض العقيدة الإفخارستية مع الوثنية بطريقة أخرى أكثر دقة. فالإفخارستيا، مثلها مثل جميع الأسرار، "هي علامة" (ولكنها ليست علامة فحسب). ما الذي يُشار إليه بدقة؟ في الإفخارستيا، لدينا علامة لجسد المسيح ودمه الموجودين الآن في السماء (والحاضرين أيضاً في العناصر)، ولدينا الجسد والدم معروضين في حالة انفصال أو تقدمة ذبيحية، مما يربط الإفخارستيا بذبيحة الجلجثة. إنها تذكار موته، وضمان حضوره الدائم، ومصدر وقمة وحدة الكنيسة، وعربون ميراثنا الأبدي.

تُجسِّد الإفخارستيا نصيحة القديس بولس: "اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ" (كولوسي 3: 2). فالذي يعبد المسيح الحاضر في الإفخارستيا يرغب فوق كل شيء أن يتحد بملء أكثر مع المسيح، وأن يتشبه بفضائله، وأن يتقوَّى بحياته الإلهيّة. ليس ما يهمه هو عواطفه الخاصة، بل كرامة الله. وكتب نيومان:

"بالتأكيد، من واجبنا دائماً ألا ننظر إلى أنفسنا، بل ننظر إلى يسوع، أي أن نتجنب تأمل مشاعرنا وعواطفنا وبنيتنا وحالتنا الذهنية". (Parochial and Plain Sermons, 15)

في الإفخارستيا، نحن لا نبحث عن إله مرئي أو محسوس، ولا عن إله ينبعث من أهوائنا الجسدية. نحن نقدم كل شيء، بما في ذلك أجسادنا وكل عواطفنا المحسوسة، متحدة بالمسيح في الإفخارستيا، في ذبيحة سامية للإله الواحد الحق. نحن نطلب الإله الخفي والمتسامي الذي يبذل ذاته في سر لا ينطق به.

أيها اللاهوت المحتجب هنا، يا من أسجد له / متخفياً وراء هذه الظلال المحضة، مجرد شكل ولا شيء غير ذلك . . يا يسوع، يا من أنظر إليه متوشحاً هنا أدناه / أتضرع إليك أن ترسل لي ما أتعطش إليه بشدة، أن أعاينك يوماً ما وجهاً لوجه في النور / وأُطوَّب للأبد بمشاهدة مجدك.




[1] "فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (القصص: 29-30)

"وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي" (طه: 9-14)

"إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (النمل: 7-9)

فَقَالَ مُوسَى: «أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هَذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟» 4 فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ، نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: «مُوسَى، مُوسَى!» فَقَالَ: «هَأَنَذَا». 5 فَقَالَ: «لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى هَهُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ». 6 ثُمَّ قَالَ: «أَنَا إِلَهُ أَبِيكَ، إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ». فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ. (خر3: 3- 6)

[2] اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. 13 وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ. 14 إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ. 15 «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، 16 وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، 17 رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. 18 لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ. 19 بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ. 20 فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي، وَأَنْتُمْ فِيَّ، وَأَنَا فِيكُمْ. (يو14: 12- 20)

[3] صار لا تعني تغير أو تحول، بل تعني ظهر في المادة، تواضع ليسكن في المادة من أجلنا.

[4] Joannes Damascenus, Orationes de imaginibus I; PG 94, 1236C.

[5] Mansi, Sacrorum Conciliorum Nova et Amplissima Collectio, vol. XIII, col. 377D.

[6] مترجم عن:

Anders, David: "Are Catholics Idolaters? What the Eucharist Teaches Us About True Worship": Dr. David Anders Blog: May 21, 2015: https://drdavidanders.com/are-catholics-idolaters-what-the-eucharist-teaches-us-about-true-worship/


هل نعبد العيش؟! ردًا على معاذ عليان، إعداد أمجد بشارة

 


هل نعبد العيش؟

إعداد: أمجد بشارة

بكل تأكيد لا، مش بنعبد حتة عيش وخمرة في سر الإفخارستيا (سر التناول أو القربان المقدس).

في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (والكنائس الأرثوذكسية الشرقية عمومًا)، الإيمان واضح جدًا:

- الخبز والخمر يظلان ظاهريًا (منظورًا بالعين والحواس) خبزًا وخمرًا، لكن بعد التقديس (في صلاة الروح القدس: "أرسل روحك القدوس علينا وعلى هذه القرابين المُقدسة") يتحولان (استحالة سرية) إلى جسد المسيح الحقيقي ودمه الحقيقي، متحدين بلاهوته.

- يعني: مش بنسجد للخبز كخبز، ولا للخمر كخمر. بنسجد ونركع ونعبد المسيح نفسه الحاضر حقيقيًا تحت شكلي الخبز والخمر.

القديس إغناطيوس الأنطاكي (القرن الثاني، تلميذ القديس يوحنا الرسول) - يقول في رسالته إلى أهل سميرنا (حوالي 110 م): 

  "هم يمتنعون عن الإفخارستيا والصلاة لأنهم لا يعترفون أن الإفخارستيا هي جسد مخلصنا يسوع المسيح، الجسد الذي تألم من أجل خطايانا والذي أقامه الآب في صلاحه." 

 وده دليل مبكر جدًا على الحضور الحقيقي للمسيح، وأن الإفخارستيا هي الجسد نفسه.

القديس يوحنا الدمشقي (St. John of Damascus) في كتابه الشهير "الإيمان الأرثوذكسي" (An Exposition of the Orthodox Faith Book IV, Chapter 13) كان بيعلق على نفس المشكلة دي، لإنه كان بيواجه نفس الفئة:

- يقول صراحة: "الخبز والخمر ليسا مجرد رموز لجسد المسيح ودمه (حاشا!)، بل هما جسد الرب المتأله نفسه... نحن لا نعبد الخبز كخبز، ولا الخمر كخمر، بل نعبد الجسد والدم الحقيقيين للمسيح الحاضرين في الإفخارستيا بسر لا يُنطق به، بالاتحاد الحقيقي مع اللاهوت."

 

- وفي كتاب "الأسرار السبعة" للقمص أنطونيوس فكري (من أشهر الكتب القبطية عن الأسرار): يقول:

في سر الإفخارستيا يتحوَّل الخبز إلى جسد المسيح الحقيقي، ويتحول الخمر إلى دم المسيح الحقيقي. وهذا ما قاله رب المجد "جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق" (يو6: 55). التحول حقيقي وجوهري. وحينما نتناول الجسد والدم فنحن نتناول جسد المسيح ودمه الحقيقيين ولكن تحت أعراض الخبز والخمر، فما يظهر أمامنا خبز وخمر. فنحن لا نتذوق طعم لحم ولا طعم دم بشريين، فالله لا يريد لنا أن نصبح من آكلي لحوم البشر. والرب أسس هذا السر لكي يتحد بنا مكونا جسده الرمزي أي الكنيسة الواحدة. إذًا هناك جسد حقيقي نأكله ونتحد به موجودا في الصينية والكأس، ويوجد جسد معنوي هو كل الكنيسة التي اتحدت بجسد المسيح الحقيقي في السر لتصير كرمة واحدة.

تشبيه لنيافة الأنبا رافائيل:- مريض بالأنيميا (نقص الحديد بالجسم) يعطيه الطبيب أقراص حديد. وشكل أقراص الحديد هو نفس شكل أي قرص آخر، ولكن بداخل القرص حديد حقيقي هو المادة الفعالة التي يحتاجها جسم المريض، ولكننا لا نعطي للمريض مسمار حديد ليتناوله. ولا يقول أحد أن الحديد الذي في القرص هو رمزي. ما يظهر شكل قرص عادي والجوهر عنصر الحديد.

للاطلاع على البحث 


- في صلاة التقديس نفسها في القداس القبطي يقول الكاهن:

"نسألك أيهات الرب إلهنا نحن عبيدك الخطاة غير المستحقين نسجد لك بمسرة صلاحك وليحل روحك القدوس علينا (ويشير عندئذ إلى ذاته ثم إلى القرابين ويكمل قائلًا) وعلى هذه القرابين الموضوعة ليطهرها ويحولها ويظهرها قدسًا لقديسيك" – ده دليل مباشر من الليتورجيا.

ده نفس الإيمان اللي علمه السيد المسيح في العشاء الأخير: "خذوا كلوا، هذا هو جسدي"، "اشربوا منها كلكم، هذا هو دمي" (متى ٢٦، مرقس ١٤، لوقا ٢٢، والتفصيل الوارد في يوحنا ٦: ""لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ.").

اللي بيقول "بتعبدوا عيش وخمرة" ده سوء فهم منه، لأنه بياخد الظاهر ويوقف عنده، بينما الإيمان المسيحي بيؤمن بالحقيقة السرية اللي ورا الظاهر، زي ما المسيح قال "الروح هو الذي يحيي، الجسد لا ينفع شيئًا" (يو ٦: ٦٣)، لكن في نفس الوقت أكد أن اللي بيأكل جسده ويشرب دمه يثبت فيه ويحيا به.

فالسجود والتكريم موجه للمسيح الحاضر، مش للمادة اللي بتشيل حضوره. ده مش وثنية، ده حضور حقيقي للإله المتجسد.

فاحنا مش بنعبد العيش أو الخمر كمادة بسيطة.

النقطة الأساسية هي التمييز بين الظاهر (اللي نشوفه بالعين: شكل خبز وطعم خبز، شكل خمر وطعم خمر) وبين الحقيقة السرية (الجوهر أو الطبيعة الداخلية بعد التقديس).

السجود والتكريم والعبادة موجهة للمسيح نفسه الحاضر حقيقيًا تحت هذه الأعراض، مش للخبز كمادة أو للخمر كمادة. بنعبد الإله المتجسد اللي اتحد بلاهوته مع الجسد ده، زي ما بنعبد المسيح في صورته أو في أيقوناته – مش بنعبد الخشب أو الألوان، بل الشخص الإلهي الموجود فيها.

مثال بسيط قدمه القديس يوحنا الدمشقي، لما قال إن الفحم مش خشب عادي، لأنه متحد بالنار، فبنحترق لو لمسناه، مش بنحترق من الخشب لوحده. كذلك الخبز بعد الاتحاد باللاهوت مش خبز عادي، فنعبد الاتحاد ده (المسيح)، مش المادة المجردة.

ودا نص كلامه من نفس المرجع السابق:

"لذلك دعونا نتقدم بكل خوف وضمير نقي وإيمان يقين، وسيكون لنا بالتأكيد كما نؤمن، غير شاكين في شيء. لنكرمه بكل طهارة النفس والجسد؛ لأنه مزدوج. لنتقدم إليه برغبة متقدة، وبأيدينا المرفوعة على شكل صليب لنتسلم جسد المصلوب؛ ولنضع أعيننا وشفاهنا وجباهنا ونشترك في الجمرة الإلهية، لكي تحرق نار الشوق التي فينا، مع الحرارة المضافة من الجمرة، خطايانا تماماً وتنير قلوبنا، ولكي نلتهب ونتأله بالاشتراك في النار الإلهية. لقد رأى إشعياء الجمرة؛ "فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ السَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ" (إشعياء 6: 6). ولكن الجمرة ليست خشباً مجرداً بل خشب متحد بالنار؛ كذلك خبز الشركة ليس خبزاً مجرداً بل خبز متحد باللاهوت. والجسد المتحد باللاهوت ليس طبيعة واحدة، بل له طبيعة تخص الجسد وأخرى تخص اللاهوت المتحد به، لذا فالمركب ليس طبيعة واحدة بل طبيعتين".


الأحد، 1 مارس 2026

مفهوم "الغضب الإلهي" في التراث الآبائي الشرقي، د. عماد موريس

 


 

 يمكنك تحميل البحث بصيغة PDF من هُنا:

مفهوم الغضب الإلهي في التراث الآبائي الشرقي

مفهوم "الغضب الإلهي" في التراث الآبائي الشرقي[1]

بعدما سقط الإنسان ودخله الفساد وتشوّهت الصورة الإلهية فيه، تزايد الشر "ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصوّر أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه" (تك 6: 5، 6). ومن ثم بدأنا نجد في الكتاب المقدس آيات تتكلم عن غضب الله بسبب ذلك الشر، حتى قيل عن البشر بعد السقوط إنهم أصبحوا "بالطبيعة أبناء الغضب" (أف 2: 3)، وقيل عن المسيح إنه هو "الذي ينقذنا من الغضب الآتي" (1تس 1: 10)؛ بل امتد الفكر اللاهوتي الغربي بعيداً بموضوع غضب الله ليشرح به ذبيحة المسيح (الابن المتجسد) على الصليب بكونها كانت لصرف غضب الله الآب وترضيته بسبب خطيئة الإنسان! فهل حقاً يغضب الله مثل البشر؟ وما هو المقصود بهذا الغضب الإلهي؟ وهل غضب الله موجه ضد الإنسان الخاطئ؟

قبل أن نتطرق إلى شرح مفهوم غضب الله، ينبغي أولاً أن نعرف ما هو "الغضب" عند الإنسان؟

إن الغضب عند الإنسان له صورتان:

الصورة الأولى هي الغضب الإيجابي الذي ورد عند يوحنا الدرجي وهو من أجل "الدفاع عن الحياة" أو هو كما يقول يوحنا كاسيان "الغضب ضد الخطيئة"؛

أما الصورة الثانية للغضب عند الإنسان فهي الصورة السلبية، وهي ما وصفها بولس الرسول ضمن أعمال الطبيعة الساقطة:

"وأعمال الجسد ظاهرة، التي هي زنى، عهارة، نجاسة، دعارة، عبادة الأوثان، سحر، عداوة، خصام، غيرة، سخط (غضب)" (غلا 5: 19)،

وبالتالي يطالب ق. بولس المؤمنين أن يطرحوا عنهم هذا النوع (الثاني) من الغضب (كو 3: 8).

أما فيما يخص "الغضب الإلهي"، فإننا في البداية نقول إن الفلاسفة اليونانيين أمثال أفلاطون وسقراط كانوا قد انتقدوا تصوير الآلهة على هيئة البشر أو تشبيههم بنفس انفعالات وأهواء البشر، ونفس الأمر نجده أيضاً عند فيلون اليهودي السكندري الذي أنكر أن يكون يهوه عرضة بأي شكل من الأشكال للعواطف أو الأهواء البشرية، واستخدم التفسير الرمزي لشرح أسفار العهد القديم موضحاً أن موسى النبي استخدم التعبيرات الدالة على "الغضب الإلهي" لتوجيه وتعليم البسطاء الذين لا يستطيعون استيعاب الأفكار الأكثر سموّاً.[2]

كما أكد الآباء المدافعون الأوائل أن الغضب الإلهي يتعارض مع مفهوم طبيعة الله غير المتغيرة وغير المستحيلة، يقول أريستيدس الأثيني:

"إن الله ليس فيه الغضب أو السخط".[3]

ويقول أثيناغوراس:

"يجب على المرء أن يعتبر هذه العقائد (الوثنية) مجرد هراء ومثيرة للضحك، لأنه ليس هناك غضب ولا شهوة ولا رغبة في الله".[4]

وبرغم رفض هؤلاء الآباء المدافعين لفكرة "الغضب الإلهي"، لكننا لم نجد عندهم تفسيراً مقبولاً للآيات التي تتحدث عن غضب الله، وهو ما قد ظهر جلياً عند الآباء الذين أتوا بعدهم،[5] كما سيأتي شرحه.

 

استخدام الأفعال البشرية في الحديث عن الله

لقد أوضح الآباء، وبالأخص آباء الإسكندرية، أن الكتاب المقدس يستخدم الأفعال البشرية التي يمكن أن يدركها عقل الإنسان، مثل "حزن"، و"ندم"، و"غضب"، للتعبير عن أمور الله الفائقة الإدراك، ويشرح العلامة أوريجينوس ذلك فيقول:

"بما أن الله يعلن للبشر عما يريدهم أن يفعلوه، فأي سلوك بالتحري يجب أن نقول إنه يتبعه ليعلن ذلك؟ لن يكون هو السلوك الذي يستخدمه البشر ويعرفونه؟ لأننا إذا قلنا على سبيل المثال إن الله يلزم الصمت، الأمر الذي نراه متوافقاً مع طبيعته، فكيف نظن أنه قد أعلن عن شيء بواسطة هذا الصمت؟ ولكننا في الحقيقة نقول إن الله قد تكلم حتى يدرك البشر الذين يعرفون أنه من خلال تلك الوسيلة يعلن الشخص عن إرادته للآخر - أن الأقوال التي ينقلها لهم الأنبياء هي إشارات لمشيئة الله ... وهكذا فهو عندما يريد أن يُظهِر علمه بأقوال كل واحد وأفعاله فيقول إنه "سمع"، وعندما يريد أن يظهر أننا ارتكبنا عملاً جائراً يقول إنه "غضب"، وحين يريد إقناعنا بنكران حسناته يقول إنه "يندم". وعلى الرغم من أنه يتحدث عن كل هذا باعتباره سلوكاً بشرياً، إلا أنه (أي الله) في الحقيقة لا يستخدم (في هذه الأفعال) أعضاء جسدية، لأن الجوهر الإلهي بسيط ولا يتكون من أعضاء جسدية ولا مجموعات عضوية أو حالات عاطفية، ولكن حتى يمكن للبشر إدراك عمل القوى الإلهية، يجب أن يقدم بواسطة ألفاظ ترتبط بالأعضاء البشرية أو يتم التعبير عنه عن طريق مشاعر معروفة جيداً (للبشر). وهكذا فإننا نقول إن الله "غضب"، أو إنه "يسمع" أو "يتكلم".[6]

ويؤكد ق. يوحنا كاسيان نفس المعنى ويقول:

"وهكذا، فحيث إن هذه الأمور لا تخلو من تدنيس رهيب حين تُفهم بشكل حرفي عن الله الذي يُعلن عنه بسلطان الكتاب المقدس أنه غير مرئي، وغير موصوف، وغير مُدرك، وفائق التقدير، وبسيط، وغير مركب، لذا لا يمكن أن يُنسب إلى تلك الطبيعة غير المتغيرة لا هوى الغضب ولا هوى السخط، بدون أن نقع في تجديف مُرعب. لأنه عند ذكر أجزاء الجسد على هذا النحو، ينبغي علينا أن نفهم أنها تعني القوى الإلهية وأعمال الله التي تفوق الإدراك؛ والتي لا يمكن إعلانها أو إيصالها لنا إلا بواسطة تلك المصطلحات المألوفة (للبشر) عن أجزاء الجسد وأطرافه. فمثلاً بمصطلح "الفم" ينبغي أن نفهم أن المقصود هو محادثته التي تنسكب بسلاسة في أعماق نفوسنا، أو تلك التي نطق بها إلى آبائنا وإلى الأنبياء. و"العيون" يجب أن ندرك رؤيته الحادة والنافذة والتي بها يرى وينظر جميع الأشياء، وندرك أيضاً حقيقة أن لا شيء قد فعلناه أو سنفعله أو نفكر فيه سيكون محجوباً عنه. وبالمثل "اليدين" ينبغي أن نفهم تلك العناية والأفعال التي بها هو خالق وجابل جميع الأشياء. و"الذراع" تشير إلى سلطانه وجبروته الذي به يدير ويوجه ويضبط جميع الأشياء. ولن نتحدث عن الأمور الأخرى، فماذا يعني أيضاً شعر رأسه الأشيب سوى القدمية ودوام الربوبية والمعني بها أن لا بداية له، وأنه قبل كل الدهور، وأنه يفوق سائر الخليقة؟ وهكذا عندما نقرأ عن غضب الله ونقمته، يجب علينا ألا نفهمه إنسانياً أو تجسيمياً (anthropopathically)، أي بالمفهوم البشري الوضيع لهذا الهوى، ولكن بمعنى جدير بالله الذي هو خالٍ من كل هوى. وبكلمات أخرى، أنه بهما (أي بكلمتي الغضب والنقمة) ينبغي أن نرى فيه (أي في الله) القاضي والثائر على كل عمل شرير يُعمل في هذا العالم، وأنه بهذه الاصطلاحات ومعانيها، ينبغي علينا أن نخشاه بوصفه المجازي المهيب لأعمالنا، ونخشى أن نعمل أي شيء ضد إرادته. لأن الطبيعة البشرية معتادة على الخوف ممن تعرف أنهم يغضبون، وتتردد في معصيتهم، وكما هو الحال بالنسبة لبعض القضاء الأكثر عدلاً، فإن الغضب الثائر عادة ما يخشاه أولئك الذين يتعدون عن إدانة ضمائرهم، لا لأن هذا الهوى يوجد حقاً في أذهان أولئك الذين سيقضون بالعدل، ولكن لأن الحكم المنفذ بالقانون، يُستشعر بشدة به من قبل المذنبين. ومهما كانت الرقة واللطف اللذان ينفذ بهما القانون، فإنهما تُحسب من قبل أولئك الذين بعدل يستحقون العقاب، سخطاً شديداً وغضباً في غاية القسوة".[7]

 

الكتاب المقدس يستخدم لغة "طفولية" تتناسب مع البشر

ويؤكد الآباء أيضاً أن بعض ألفاظ الكتاب المقدس هي لغة طفولية تُستخدم لتتناسب معنا كأطفال في المعرفة والفهم. يقول العلامة أوريجينوس:

"عندما نكلم طفلاً عمره سنتان، نستخدم لغة طفولية من أجل الطفل، لأنه إن التزمنا باللغة الناضجة وتحدثنا إلى الطفل دون أن ننزل إلى طريقة كلامه فلن يفهمنا. تخيل أن ما يحدث هو ذات الأمر في حالة الله حين يتعامل مع البشر وبخاصة الذين ما زالوا أطفالاً.. وستجد العديد من الأمثلة في الأسفار المقدسة حيث قيل فيها إن الله يسلك طرقاً شبيهة بالبشر! فإن سمعت عن "غضب" الله و "نقمته"، فلا تفكر في النقمة والغضب كمشاعر يجتازها الله! الله في الحقيقة ليس بناقم ولا غاضب".[8]

 

الله منزه عن الانفعالات البشرية

إذا كان الغضب بحسب معناه البشري هو شعور انفعالي متغير، وهو ينتج عن تفكير أو تصرف مستحدث، لذلك فهو لا يتناسب على هذا النحو مع الله غير المتغير والدائم الصلاح والذي له معرفة مسبقة بكل شيء. يقول ق. أنطونيوس:

"الله صالح وغير متغير، والذي يعتقد أنه من المنطق والحق أن نؤكد أن الله لا يتغير سوف يسأل في هذه الحالة: كيف يمكن الحديث عن الله كفرح بالصالحين يظهر رحمته لممجديه، وكمتحول بعيداً عن الأشرار وغاضب على الخطاة؟" ومن هنا يجب أن تكون الإجابة: إن الله لا يفرح ولا يغضب لأن الفرح والإهانة مشاعر (متغيرات)؛ والله لا يكتسب عطية من ممجديه، فلا معنى لاعتباره متأثراً بالمسرات؛ ولا يصح أن يكون اللاهوت يشعر برضى أو عدم رضى من حالة الإنسان".[9]

 

ويؤكد مار إسحق السرياني نفس المعنى ويقول:

"إن كنا نتخيل أن الغضب أو الغيرة أو ما شابه له أية صلة بالطبيعة الإلهية فهذا شيء كريه بالكلية لنا، فلا يوجد عاقل عنده أي نوع من الفهم يمكنه أن يتصور بهذا الجنون، شيئاً مثل هذا عن الله، كما أننا لا نستطيع أيضاً أن نقول إن الله من قبيل العقوبة يتصرف، حتى ولو كان الكتاب المقدس من الظاهر يعلن ذلك، فمجرد التفكير هكذا عن الله وتوقع أن عقوبة الشر موجودة عنده فهذا شيء كريه... لأنه تجديف أن نظن أن الله يكره أو أنه يرفض الخليقة".[10]

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم:

"لأنه إذا كان غضب الله انفعالاً، ربما قد يشعر المرء باليأس الشديد من عدم قدرته على إخماد النار التي أشعلها بارتكاب الكثير من الأفعال الشريرة. لكن بما أن الطبيعة الإلهية ليست قابلة للأهواء، فحتى حينما يعاقب، وحتى حينما ينتقم، فهو لا يفعل ذلك بغضب، بل بعناية رقيقة ومحبة متحنة".[11]

"غضب الله" هو رفض الله للشر ومقاومته للخطيئة وليس للخطاة

إذن "غضب الله" ليس هو انفعال شعوري ينتج بسبب أمر مستحدث مثلما يحدث مع الإنسان، ولكنه هو تعبير عن رفض الله "الكلي الخير والصلاح" للشر ومقاومته له، ولكن بأسلوب لغوي يستطيع البشر أن يفهموه. لذلك فغضب الله موجَّه ضد الخطيئة وليس ضد الخطاة أنفسهم، لأن الله يعرف أن غياب الخير والصلاح هو ذاته الانفصال عن الحياة (أي عن الله) مما يعني موت وتدمير الخليقة الجميلة والمحبوبة لديه جداً. ومن هنا فإن غضب الله (أي رفضه ومقاومته للشر) هو عمل يظهر صلاحه ومحبته للبشر. يقول ق. بولس الرسول:

"لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم، الذين يحجزون الحق بالإثم" (رو 1: 18)؛

ونلاحظ هنا أنه يقول إن غضب الله هو ضد الفجور والإثم وليس ضد الفاجرين والأئمة. يقول العلامة أوريجينوس:

"قد يرى الإنسان في رفض الله لخطيئته غضباً"، وهو ذات الفكر الذي سيطر على اليهود بأن الله رافضهم وغاضب عليهم، وبالتالي فهو (أي الله) يوقعهم في المتاعب والمصاعب. وهم في تفكيرهم هذا تناسوا احتمال أن يكون ذلك الأمر نوعاً من التأديب؛ أو أنهم قد لا يدركون المغزى منه؛ أو أن ذلك (الغضب قد ذكر على هذا النحو) بسبب ضعف لغتهم ومجازيتها.[12]

 



[1] عن كتاب: تدبير ملء الازمنة، د/ عماد موريس إسكندر، من صفحة 153 – 160.

[2] انظر: بطرس كرم صادق، الغضب الإلهي، رؤية آبائية، دورية المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، رقم 44 (يوليو 2019)، ص 83.

[3] أريستيدس الأثيني، الدفاع 1، مقتبس من بطرس كرم صادق، الغضب الإلهي، مرجع سابق، ص 83.

[4] أثيناغوراس، الدفاع 21، مقتبس من نفس المرجع، ص 84.

[5] نفس المرجع، ص 84.

[6] العلامة أوريجينوس، عظات على سفر التكوين، ترجمة مريم رشاد، مركز بادرون للتراث الآبائي، الطبعة الأولى (2015)، 3: 2.

[7] ق. يوحنا كاسيان، الأنظمة، ترجمة الأب بولا ساويرس، مركز بادرون للتراث الآبائي، ص 157.

[8] العلامة أوريجينوس، عظات على سفر إرميا، 18.

[9] الفيلوكاليا، المجلد الأول، فصل 150.

[10] مار إسحق السرياني، المقالات النسكية.

[11] ق. يوحنا ذهبي الفم، إلى ثيودور 1: 4، مقتبس من بطرس كرم صادق، الغضب الإلهي، مرجع سابق، ص 88.

[12] العلامة أوريجينوس، ضد كلسوس، 4.