السبت، 7 فبراير 2026

التأله وتقديس الإنسان، في تعاليم قداسة البابا شنودة الثالث

 


يؤكد كتاب ورثة مسيحك أن تعاليم قداسة البابا شنودة الثالث تتوافق مع المفهوم الصحيح والأصيل للتأله كما وضعه آباء الكنيسة، وأن اعتراضاته لم تكن موجهة للعقيدة ذاتها، بل كانت تخوفاً من إساءة فهم اللفظ لدى البعض أو استخدامه بشكل يوحي بالمساواة مع الله في الجوهر [8، 74، 75].

ويمكن تلخيص رؤيته من خلال النقاط التالية كما وردت في الكتاب:

• شركاء الطبيعة الإلهية: استخدم البابا شنودة تعبيرات آبائية وكتابية صريحة في كتاباته (مثل كتاب "حياة التوبة والنقاوة")، حيث وصف المؤمن بأنه "شريك للروح القدس، وشريك للطبيعة الإلهية" بناءً على ما جاء في رسالة بطرس الثانية (1: 4).

• تشبيه الكرمة والأغصان: استخدم قداسة البابا هذا التشبيه ليشرح علاقة المؤمن بالمسيح؛ فكما أن الغصن له صورة الكرمة وثمرها وطبيعتها، كذلك المؤمن في جسد المسيح يصبح "صورة مصغرة" من الكرمة نفسها، مؤكداً أن "الكرمة والغصن شيء واحد" في هذه الوحدة [75، 76].

• التأله ككرامة ودعوة للقداسة: يرى البابا أن لقب "آلهة" (بناءً على مزمور 82) يعكس المكانة الكبرى والمركز العالي الذي منحه الله للإنسان، ويستخدم هذا المفهوم كحافز للقداسة؛ إذ يتساءل كيف يمكن لمن دُعي "إلهاً" أن يخطئ أو يتمرغ في النجاسة [77، 79].

• التمييز بين النعمة والجوهر: حرص البابا على توضيح أن هذا "التأله" لا يعني صيرورة الإنسان إلهاً بالطبيعة أو الجوهر، بل هو تأله بالنعمة والمكانة [79، 81]. وضرب مثالاً بجعل موسى "إلهاً لفرعون"، موضحاً أن المقصود هنا هو "السيادة والمكانة" وليس الألوهية المساوية لله الخالق [78، 79].

• المسيح يحيا فينا: يربط البابا بين التأله وسكنى المسيح في المؤمن؛ فالمؤمن بلبسه للمسيح في المعمودية لا يحيا هو، بل المسيح يحيا فيه (غلاطية 2: 20)، وهو ما يمثل جوهر الاتحاد بالله.

• عربون التجسد: اعتبر الكتاب أن تعاليم البابا شنودة واضحة في شرح "التأله" لفظاً ومعنى، واعتبرته "عربون التجسد" وأساساً لا يمكن أن يغيب عن التعليم الديني السليم.

*ما بين الأقواس هو أرقام الصفحات من كتاب: ورثة مسيحك، قراءة في مفهوم الآباء عن التألٌّه، لأمجد بشارة.


سلسلة "التفسير الحديث للكتاب المقدس"

 


(المعروفة في أصلها الإنجليزي باسم (an Introduction and Commentary) - Tyndale New Testament Commentaries و Tyndale Old Testament Commentaries) هي ترجمة عربية لواحدة من أشهر السلاسل التفسيرية العالمية الصادرة عن دار نشر Tyndale بالتعاون مع InterVarsity Press.

 

الأصل الإنجليزي: السلسلة مترجمة عن مجموعة "تفسير تيندل" (Tyndale Commentary Series)، وهي سلسلة بريطانية شهيرة كتبها نخبة من علماء الكتاب المقدس الإنجيليين (Evangelical Scholars).

 

المؤلفون: شارك في تأليف مجلداتها الأصلية علماء بارزون، مثل:

ر. ت. فرانس (R.T. France) الذي كتب تفسير إنجيل متى.

لين مورس (Leon Morris) الذي كتب عدة تفاسير في السلسلة.

ن. ت. رايت (N.T. Wright) الذي كتب تفسير رسالتي كولوسي وفليمون.

ديريك كيدنر (Derek Kidner) في العهد القديم (مثل سفر التكوين والمزامير).

 

الهدف من السلسلة: تهدف السلسلة إلى تقديم شرح أكاديمي رصين ومبسط في آن واحد، حيث تركز على المعنى اللاهوتي والتاريخي للنص دون الدخول في تفاصيل فنية معقدة جداً، مما يجعلها مناسبة للباحثين وللقارئ العام على حد سواء.

 

الترجمة والنشر بالعربية: قامت دار الثقافة في مصر بترجمة ونشر هذه السلسلة باللغة العربية على مدار سنوات طويلة، لتصبح من أهم المراجع التفسيرية المتاحة باللغة العربية للعهد القديم والجديد.

 

ستجد أن هذه السلسلة توفر خلفية جيدة حول آراء العلماء المعاصرين في نقد النصوص والسياقات التاريخية التي كتبت فيها الأسفار الكتابية.


يمكنك تحميله كامل مباشرة من هُنا:

التفسير الحديث للكتاب المقدس تحميل مباشر

الأحد، 25 يناير 2026

الروح القدس عند القديس ديديموس الضرير

 



كان العلامة ديديموس مثل البابا أثناسيوس الرسولي في تعاليمه عن الروح القدس، فعقيدة الروح القدس وثيقة الصلة بعقيدة الابن، والهرطقة الخاصة بالروح منشؤها الهرطقة الخاصة بالابن، لذا لم يكتف ديديموس بتخصيص الجزء الثاني من كتابه (عن الثالوث) للحديث عن الروح القدس بل أفرد أيضًا كتابًا خاصًا (عن الروح القدس) حتى أنه دُعِيّ بحق (لاهوتي الروح القدس The Theologian of The Holy Spirit، وقد شرح في مقدمة كتابة (عن الروح القدس)، لكنه كتب بسبب انتشار الأخطاء على أيدي الهراطقة المخادعين.[1]

 

وردًا على فكر الأريوسيين القائل بأن الروح القدس مخلوق، أكد القديس ديديموس على أن الروح القدس ليس مخلوقًا، تمامًا كما أن الابن ليس مخلوقًا، وعقد مقارنة بين معمودية السيد المسيح ومعمودية الموعوظين قال فيها:

 

(المخلوق يُمسح في المعمودية بزيت مخلوق ومقدس، أما المخلص كإله فُمسح في المعمودية بروحه الكلي القداسة الذي هو غير مخلوق مثله، فائقًا (أي المخلص) رفاقه الذين هم نحن، ولكن لو كان الروح القدس مخلوق، لما مُسح به ذاك الغير مخلوق).[2]

 

فالأقنوم الثالث في الثالوث القدوس ليس مخلوقًا بل هو مساوي تمامًا للآب:

 

(لقد ثبت أن الروح القدس ليس فقط إله، بل أيضًا مساوي للآب.. وكل من كان مسكنًا للآب، له أيضًا الابن والروح القدس يسكنان فيه، كما أن كل من له كرامة اقتناء الروح القدس والابن، له الآب أيضًا).[3]

 

ويثبت العلامة اللاهوتي ديديموس لاهوت الروح القدس من وحيه لأنبياء العهد القديم ومن اختياره للرسل وكرازتهم وشهادتهم، ومن شهيد المسيحية الأول القديس إسطفانوس، ومن قصة حنانيا وسفيرة الطماعين، ومن إفراز لبولس وبرنابا للخدمة، ومن حديث بولس الرسول في (1كو 16:3)،[4] فالروح القدس هو واحد في العهد القديم كما في العهد الجديد، وهو قدوس وصالح وأزلي لا بداية له ولا نهاية، غير متغير.[5]

 

وعن انبثاق الروح القدس، يعلم ديديموس بانبثاقه من الآب فقط: (الروح القدس ينبثق من الآب ويستقر إلهيًا في الابن).[6]

 

ويقول أن الروح القدس هو صورة الابن كما أن الابن هو صورة الآب،[7] وأنه روح الابن، روح اللوغوس، روح المخلص،[8] وكما أن الابن هومواوسيوس Homoousios مع الآب، كذلك الروح القدس هو مو أوسيوس مع الآب والابن (أي واحد معهما في الجوهر).[9]

 

وعمل تقديس النفس في فكر ديديموس هو عمل خاص بالروح القدس، ففي المعمودية، يجدد الروح القدس النفس ويقدسها، وهذا العمل وإن كان يختص به الروح القدس إلا أنه ليس بمعزل عن الآب والابن، فالمعمودية هي سر الروح القدس، وجرن المعمودية هو بمثابة معمل للثالوث القدوس يهب فيه الروح القدس ميلادًا جديدًا للنفس، ومع ذلك لا تجدي المعمودية شيء للذين لا يؤمنون أن الروح القدس هو الله.[10]

 

والروح القدس هو نبع وقمة عطايا الله للإنسان. وهو في الثالوث القدس هو نبع وقمة عطايا الله للإنسان، وهو في الثالوث يمثل عطية الآب والابن المشتركة، فهو العطية الأولى لأنه المحبة والمحبة هي سبب كل العطايا والهبات الإلهية،[11] لذلك كل العطايا متضمنة فيه:

 

(في جوهر الروح القدس يوجد ملء وفيض العطايا).[12]

 

(مِن المستحيل لأي أحد أن ينال نعمة الله أن لم لكن عنده الروح القدس، الذي كل العطايا متضمنة فيه).[13]

 

(لذلك من الواضح أن الروح القدس هو ملء وفيض كل العطايا، وليست عطية تمنح بدونه، لأن كل ما نناله من مواهب وعطايا الله، إنما ينبع من هذا الينبوع).[14]

 

ويصف ديديموس الروح القدس وصفًا رائعًا يقول فيه:

 

(هو المقدس والمحيي، ونور السماء المنتشر، الحافظ الكل.. المجدد والمحرر كمثل الرب وابن الله الذي صنعنا، فهو روح التبني.

يطير بنا إلى أبواب السماء ويقتادنا إلى مداخل الخلاص، وهو النعمة الإلهية المالئة الأشياء الخاوية والضعيفة العابرة.. هو ينبوع المواهب والعطايا الذي لا يفرغ.. ومنطلق وأساس كل فكر صالح.. يكشف حقًا المزمعات.. ختم الخلاص والموهبة الإلهية.. عربون الخيرات الأبدية.

منه كل الخليقة ما يرى وما لا يرى، عاقلة وغير عاقلة، هو يقويها.. الذي منه يصير لنا التجديد الإلهي ومغفرة الآثام وستر الخطايا والنزوع نحو الله..

إكليل للأبرار وحافظ للأخيار، المسكن السماوي، الحياة التي لا تنتهي، وميراث ملكوت الله الأبدي).[15]

 

ويرى القديس ديديموس الضرير أنه يستحيل أن ينال أحد نعمة الله ما لم يكن له الروح القدس، وهو الروح المعزِّي بسبب عمله، لأنه ليس فقط يعطي راحة لِمَن يجدهم مستحقين ويخلصهم من كل غم واضطراب في النفس، بل في نفس الحق يمنحهم فرحًا أكيدًا لا ينحل، ويسكن في قلوبهم فرح أبدي حيث يقطن الروح القدس.



- عن كتاب: القديس ديديموس الضرير للقمص أثناسيوس فهمي جورج

[1] De Spir. Sancto.

[2] De Trin. 2,23.

[3] De Trin. 2,10.

[4] De spir. Santco.

[5] Ibid

[6] De Trin 1,31.

[7] Ibid. 2,5.

[8] Ibid. 1,18;2,6;3,1.

[9] Ibid, 1,27; 1,19.

[10] De Spir. Sancto.

[11] Ibid.

[12] De Spir. Sancto, 28.

[13] Ibid. 9.

[14] Ibid. 4.

[15] De Trin, 2,1.